Ash-ShinqitiFussilat · 41:10–16

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Fussilat 41:10–16

41:10Page 477

وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ مِن فَوۡقِهَا وَبَٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقۡوَٰتَهَا فِيٓ أَرۡبَعَةِ أَيَّامٖ سَوَآءٗ لِّلسَّآئِلِينَ ١٠

And He placed on it [i.e., the earth] firmly set mountains over its surface, and He blessed it and determined therein its [creatures'] sustenance in four days without distinction1 - for [the information of] those who ask.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ .

الظّاهِرُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ هُنا (في أرْبَعَةِ أيّامٍ) أيْ في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ.

وَتَتِمَّةُ الأرْبَعَةِ حاصِلَةٌ بِيَوْمَيْنِ فَقَطْ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ ثُمَّ قالَ: (في أرْبَعَةِ أيّامٍ) أيْ في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ.

ثُمَّ قالَ: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] فَتَضُمُّ اليَوْمَيْنِ إلى الأرْبَعَةِ السّابِقَةِ، فَيَكُونُ مَجْمُوعُ الأيّامِ الَّتِي خَلَقَ فِيها السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما - سِتَّةَ أيّامٍ.

وَهَذا التَّفْسِيرُ الَّذِي ذَكَرْنا في الآيَةِ لا يَصِحُّ غَيْرُهُ بِحالٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى صَرَّحَ في آياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِن كِتابِهِ بِأنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ،

• كَقَوْلِهِ في ”الفُرْقانِ“: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ الرَّحْمَنُ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩] .

• وقَوْلِهِ تَعالى في السَّجْدَةِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾ [السجدة: ٤] .

• وقَوْلِهِ تَعالى في ”ق“: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ وما مَسَّنا مِن لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] .

• وقَوْلِهِ تَعالى في ”الأعْرافِ“: ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ (p-١٣)[الأعراف: ٥٤] .

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

فَلَوْ لَمْ يُفَسَّرْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ بِأنَّ مَعْناهُ في تَتِمَّةِ أرْبَعَةِ أيّامٍ - لَكانَ المَعْنى أنَّهُ تَعالى خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في ثَمانِيَةِ أيّامٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِي أرْبَعَةِ أيّامٍ﴾ إذا فُسِّرَ بِأنَّها أرْبَعَةٌ كامِلَةٌ ثُمَّ جُمِعَتْ مَعَ اليَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ خُلِقَتْ فِيهِما الأرْضُ المَذْكُورِينَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩]، واليَوْمَيْنِ اللَّذَيْنِ خُلِقَتْ فِيهِما السَّماواتُ المَذْكُورَيْنَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] - لَكانَ المَجْمُوعُ ثَمانِيَةَ أيّامٍ.

وَذَلِكَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ.

والنُّصُوصُ القُرْآنِيَّةُ مُصَرِّحَةٌ بِأنَّها سِتَّةُ أيّامٍ، فَعُلِمَ بِذَلِكَ صِحَّةُ التَّفْسِيرِ الَّذِي ذَكَرْنا، وصِحَّةُ دَلالَةِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ عَلَيْهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها﴾ قَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلى أمْثالِهِ مِنَ الآياتِ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَألْقى في الأرْضِ رَواسِيَ أنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٥]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبارَكَ فِيها﴾ أيْ أكْثَرَ فِيها البَرَكاتِ، والبَرَكَةُ الخَيْرُ، وقَوْلُهُ تَعالى ﴿وَقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ .

التَّقْدِيرُ والخَلْقُ في لُغَةِ العَرَبِ مَعْناهُما واحِدٌ.

والأقْواتُ جَمْعُ قُوتٍ، والمُرادُ بِالأقْواتِ أرْزاقُ أهْلِ الأرْضِ ومَعايِشُهم وما يُصْلِحُهم.

وَقَدْ ذَكَرْنا في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ أنَّ آيَةَ ”فُصِّلَتْ“ هَذِهِ، أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ يُفْهَمُ مِنها الجَمْعُ بَيْنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الأرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّماءِ، كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ ثُمَّ رَتَّبَ عَلى ذَلِكَ بِـ (ثُمَّ) قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ﴾ مَعَ بَعْضِ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ السَّماءَ خُلِقَتْ قَبْلَ الأرْضِ، كَقَوْلِهِ تَعالى في ”النّازِعاتِ“: ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ [النازعات: ٢٧ - ٣٠] .

فَقُلْنا في كِتابِنا المَذْكُورِ ما نَصُّهُ: قَوْلُهُ تَعالى: (p-١٤)﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ [البقرة: ٢٩]، الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ خَلْقَ الأرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ، بِدَلِيلِ لَفْظَةِ (ثُمَّ) الَّتِي هي لِلتَّرْتِيبِ والِانْفِصالِ.

وَكَذَلِكَ آيَةِ ”حم السَّجْدَةِ“ تَدُلُّ أيْضًا عَلى خَلْقِ الأرْضِ قَبْلَ السَّماءِ؛ لِأنَّهُ قالَ فِيها: ﴿قُلْ أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ﴾ إلى أنْ قالَ ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ الآيَةَ.

مَعَ أنَّ آيَةَ ”النّازِعاتِ“ تَدُلُّ عَلى أنَّ دَحْوَ الأرْضِ بَعْدَ خَلْقِ السَّماءِ؛ لِأنَّهُ قالَ فِيها ﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّماءُ بَناها﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ .

اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - سُئِلَ عَنِ الجَمْعِ بَيْنَ آيَةِ ”السَّجْدَةِ“ وآيَةِ ”النّازِعاتِ“ فَأجابَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ الأرْضَ أوَّلًا قَبْلَ السَّماءِ غَيْرَ مَدْحُوَّةٍ، ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعًا في يَوْمَيْنِ، ثُمَّ دَحا الأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ، وجَعَلَ فِيها الرَّواسِيَ والأنْهارَ وغَيْرَ ذَلِكَ.

فَأصْلُ خَلْقِ الأرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ، ودَحْوُها بِجِبالِها وأشْجارِها ونَحْوُ ذَلِكَ بَعْدَ خَلْقِ السَّماءِ.

وَيَدُلُّ لِهَذا أنَّهُ قالَ: ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ ولَمْ يَقُلْ: خَلَقَها، ثُمَّ فَسَّرَ دَحْوَهُ إيّاها بِقَوْلِهِ: ﴿أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها﴾ [النازعات: ٣١]، وهَذا الجَمْعُ الَّذِي جَمَعَ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ واضِحٌ لا إشْكالَ فِيهِ، مَفْهُومٌ مِن ظاهِرِ القُرْآنِ العَظِيمِ إلّا أنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ إشْكالٌ مِن آيَةِ ”البَقَرَةِ“ هَذِهِ.

وَإيضاحُهُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ جَمَعَ بِأنَّ خَلْقَ الأرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ، ودَحْوَها بِما فِيها بَعْدَ خَلْقِ السَّماءِ.

وَفِي هَذِهِ الآيَةِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ جَمِيعَ ما في الأرْضِ مَخْلُوقٌ قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ؛ لِأنَّهُ قالَ فِيها ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ﴾ الآيَةَ.

وَقَدْ مَكَثْتُ زَمَنًا طَوِيلًا أُفَكِّرُ في حَلِّ هَذا الإشْكالِ حَتّى هَدانِي اللَّهُ إلَيْهِ ذاتَ يَوْمٍ، فَفَهِمْتُهُ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ.

وَإيضاحُهُ: أنَّ هَذا الإشْكالَ مَرْفُوعٌ مِن وجْهَيْنِ، كُلٌّ مِنهُما تَدُلُّ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنَ القُرْآنِ.

(p-١٥)الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِخَلْقِ ما في الأرْضِ جَمِيعًا قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ - الخَلْقُ اللُّغَوِيُّ الَّذِي هو التَّقْدِيرُ، لا الخَلْقُ بِالفِعْلِ، الَّذِي هو الإبْرازُ مِنَ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، والعَرَبُ تُسَمِّي التَّقْدِيرَ خَلْقًا. ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:

؎وَلَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي

والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذا الخَلْقِ التَّقْدِيرُ أنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى ذَلِكَ في سُورَةِ ”فُصِّلَتْ“؛ حَيْثُ قالَ: ﴿وَقَدَّرَ فِيها أقْواتَها﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ الآيَةَ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ لَمّا خَلَقَ الأرْضَ غَيْرَ مَدْحُوَّةٍ وهي أصْلٌ لِكُلِّ ما فِيها كانَ كُلَّ ما فِيها كَأنَّهُ خُلِقَ بِالفِعْلِ لِوُجُودِ أصْلِهِ فِعْلًا.

والدَّلِيلُ مِنَ القُرْآنِ عَلى أنَّ وُجُودَ الأصْلِ يُمْكِنُ بِهِ إطْلاقُ الخَلْقِ عَلى الفَرْعِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا بِالفِعْلِ - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١١]، فَقَوْلُهُ: ﴿خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ أيْ بِخَلْقِنا وتَصْوِيرِنا لِأبِيكم آدَمَ الَّذِي هو أصْلُكم.

وَجَمَعَ بَعْضُ العُلَماءِ بِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها﴾ أيْ مَعَ ذَلِكَ، فَلَفْظَةُ (بَعْدَ) بِمَعْنى مَعَ.

وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ وعَلَيْهِ؛ فَلا إشْكالَ في الآيَةِ.

وَيُسْتَأْنَسُ لِهَذا القَوْلِ بِالقِراءَةِ الشّاذَّةِ - وبِها قَرَأ مُجاهِدٌ -: (والأرْضَ مَعَ ذَلِكَ دَحاها) .

وَجَمَعَ بَعْضُهم بِأوْجُهٍ ضَعِيفَةٍ؛ لِأنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ خَلْقَ السَّماءِ قَبْلَ الأرْضِ، وهو خِلافُ التَّحْقِيقِ.

مِنها: أنَّ (ثُمَّ) بِمَعْنى الواوِ.

وَمِنها: أنَّها لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ [البلد: ١٧] .

41:11Page 477

ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٞ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِيَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا قَالَتَآ أَتَيۡنَا طَآئِعِينَ ١١

Then He directed Himself1 to the heaven while it was smoke and said to it and to the earth, "Come [into being],2 willingly or by compulsion." They said, "We have come willingly."

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ .

لا يَخْفى ما يَسْبِقُ إلى الذِّهْنِ مِن مُنافاةِ هَذِهِ الحالِ وصاحِبِها، لِأنَّها جَمْعٌ مُذَكَّرٌ عاقِلٌ وصاحِبُها ضَمِيرُ تَثْنِيَةٍ لِغَيْرٍ عاقِلٍ، ولَوْ طابَقَتْ صاحِبَها في التَّثْنِيَةِ حَسَبَ ما يَسْبِقُ إلى الذِّهْنِ، لَقالَ: أتَيْنا طائِعَتَيْنِ.

والجَوابُ عَنْ هَذا مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما وهو الأظْهَرُ عِنْدِي، أنَّ جَمْعَهُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ، لِأنَّ السَّماواتِ سَبْعٌ والأرْضِينَ كَذَلِكَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، فالتَّثْنِيَةُ لَفْظِيَّةٌ تَحْتَها أرْبَعَةَ عَشَرَ فَرْدًا.

وَأمّا إتْيانُ الجَمْعِ عَلى صِيغَةِ جَمْعِ العُقَلاءِ، فَلِأنَّ العادَةَ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ أنَّهُ إذا وُصِفَ غَيْرُ العاقِلِ بِصِفَةٍ تَخْتَصُّ بِالعاقِلِ أُجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]، لَمّا كانَ السُّجُودُ في الظّاهِرِ مِن خَواصِّ العُقَلاءِ أجْرى حُكْمَهم عَلى الشَّمْسِ والقَمَرِ والكَواكِبِ لِوَصْفِها بِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا نَعْبُدُ أصْنامًا فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ ﴿أوْ يَنْفَعُونَكم أوْ يَضُرُّونَ﴾ [الشعراء: ٧١ - ٧٣] .

(p-٣٨٥)فَأجْرى عَلى الأصْنامِ حُكْمَ العُقَلاءِ لِتَنْزِيلِ الكُفّارِ لَها مَنزِلَتَهم، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ قَيْسِ بْنِ المُلَوَّحِ:

؎أسِرْبَ القَطّا هَلْ مَن يُعِيرُ جَناحَهُ. . . . .

البَيْتَ.

فَإنَّهُ لَمّا طَلَبَ الإعارَةَ مِنَ القَطّا، وهي مِن خَواصِّ العُقَلاءِ أجْرى عَلى القَطّا اللَّفْظَ المُخْتَصَّ بِالعُقَلاءِ لِذَلِكَ ووَجْهُ تَذْكِيرِ الجَمْعِ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ تَأْنِيثُها غَيْرُ حَقِيقِيٍّ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى: قالَتا أتَيْنا بِمَن فِينا طائِعِينَ فَيَكُونُ فِيهِ تَغْلِيبُ العاقِلِ عَلى غَيْرِهِ، والأوَّلُ أظْهَرَ عِنْدِي، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

41:12Page 478

فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَاتٖ فِي يَوۡمَيۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمۡرَهَاۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفۡظٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ١٢

And He completed them as seven heavens within two days and inspired [i.e., made known] in each heaven its command. And We adorned the nearest heaven with lamps [i.e., stars, for beauty] and as protection.1 That is the determination of the Exalted in Might, the Knowing.

(p-١٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَزَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وحِفْظًا﴾ .

المَصابِيحُ: النُّجُومُ.

وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِن تَزْيِينِ السَّماءِ الدُّنْيا بِالنُّجُومِ، قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ، في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها﴾ [الأنعام: ٩٧] .

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: وحِفْظًا قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في سُورَةِ ”الحِجْرِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ الآيَةَ [الحجر: ١٧] .

41:13Page 478

فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَقُلۡ أَنذَرۡتُكُمۡ صَٰعِقَةٗ مِّثۡلَ صَٰعِقَةِ عَادٖ وَثَمُودَ ١٣

But if they turn away, then say, "I have warned you of a thunderbolt like the thunderbolt [that struck] ʿAad and Thamūd.

No commentary for this ayah

41:14Page 478

إِذۡ جَآءَتۡهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ قَالُواْ لَوۡ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ فَإِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ١٤

[That occurred] when the messengers had come to them before them and after them, [saying], "Worship not except Allāh." They said, "If our Lord had willed,1 He would have sent down the angels, so indeed we, in that with which you have been sent, are disbelievers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأنْزَلَ مَلائِكَةً فَإنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ .

قَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في سُورَةِ ”ص“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ص: ٤] .

41:15Page 478

فَأَمَّا عَادٞ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ ١٥

As for ʿAad, they were arrogant upon the earth without right and said, "Who is greater than us in strength?" Did they not consider that Allāh who created them was greater than them in strength? But they were rejecting Our signs.

No commentary for this ayah

41:16Page 478

فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِيٓ أَيَّامٖ نَّحِسَاتٖ لِّنُذِيقَهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَخۡزَىٰۖ وَهُمۡ لَا يُنصَرُونَ ١٦

So We sent upon them a screaming wind during days of misfortune to make them taste the punishment of disgrace in the worldly life; but the punishment of the Hereafter is more disgracing, and they will not be helped.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أيّامٍ نَحِساتٍ﴾ . الصَّرْصَرُ: وزْنُهُ بِالمِيزانِ الصَّرْفِيِّ ”فَعَفَلُ“، وفي مَعْنى الصَّرْصَرِ لِعُلَماءِ التَّفْسِيرِ وجْهانِ مَعْرُوفانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الرِّيحَ الصَّرْصَرَ هي الرِّيحُ العاصِفَةُ الشَّدِيدَةُ الهُبُوبِ الَّتِي يُسْمَعُ لِهُبُوبِها صَوْتٌ شَدِيدٌ، وعَلى هَذا؛ فالصَّرْصَرُ مِنَ الصَّرَّةِ الَّتِي هي الصَّيْحَةُ المُزْعِجَةُ.

وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ﴾ أيْ في صَيْحَةٍ، ومِن هَذا المَعْنى صَرِيرُ البابِ والقَلَمِ، أيْ صَوْتُهُما.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الصَّرْصَرَ مِنَ الصَّرِّ الَّذِي هو البَرْدُ الشَّدِيدُ المُحْرِقُ، ومِنهُ عَلى أصَحِّ التَّفْسِيرَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١١٧]، أيْ فِيها بَرْدٌ شَدِيدٌ مُحْرِقٌ، ومِنهُ قَوْلُ حاتِمٍ الطّائِيِّ:

؎أوْقِدْ فَإنَّ اللَّيْلَ لَيْلٌ قَرُّ والرِّيحَ يا واقِدُ رِيحٌ صِرُّ

؎عَلَّ يَرى نارَكَ مَن يَمُرُّ ∗∗∗ إنْ جَلَبَتْ ضَيْفًا فَأنْتَ حُرُّ

(p-١٧)فَقَوْلُهُ: رِيحٌ صِرٌّ، أيْ بارِدَةٌ شَدِيدَةُ البَرْدِ.

والأظْهَرُ أنَّ كِلا القَوْلَيْنِ صَحِيحٌ، وأنَّ الرِّيحَ المَذْكُورَةَ جامِعَةٌ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَهي عاصِفَةٌ شَدِيدَةُ الهُبُوبِ، بارِدَةٌ شَدِيدةُ البَرْدِ.

وَما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - مِن إهْلاكِهِ عادًا بِهَذِهِ الرِّيحِ الصَّرْصَرِ، في تِلْكَ الأيّامِ النَّحِساتِ - أيِ المَشْئُوماتِ النَّكِداتِ؛ لِأنَّ النَّحْسَ ضِدُّ السَّعْدِ، وهو الشُّؤْمُ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ.

وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في بَعْضِها عَدَدَ الأيّامِ واللَّيالِي الَّتِي أرْسَلَ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ فِيها،

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ﴾ ﴿سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وثَمانِيَةَ أيّامٍ حُسُومًا﴾ ﴿فَتَرى القَوْمَ فِيها صَرْعى كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ ﴿فَهَلْ تَرى لَهم مِن باقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦ - ٨]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَفِي عادٍ إذْ أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ ﴿ما تَذَرُ مِن شَيْءٍ أتَتْ عَلَيْهِ إلّا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤١ - ٤٢]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ ﴿تَنْزِعُ النّاسَ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: ١٩ - ٢٠]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ هو ما اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ رَبِّها﴾ الآيَةَ [الأحقاف: ٢٤ - ٢٥] .

وَهَذِهِ الرِّيحُ الصَّرْصَرُ هي المُرادُ بِصاعِقَةِ عادٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْ أنْذَرْتُكم صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ﴾ الآيَةَ [فصلت: ١٣] .

وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عُمَرَ (نَحْساتٍ) بِسُكُونِ الحاءِ؛ وعَلَيْهِ فالنَّحْسُ وصْفٌ أوْ مَصْدَرٌ، نَزَلَ مَنزِلَةَ الوَصْفِ.

وَقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ (نَحِساتٍ) بِكَسْرِ الحاءِ، ووَجْهُهُ ظاهِرٌ.

قَدْ قَدَّمْنا أنَّ مَعْنى النَّحِساتِ المَشْئُوماتُ النَّكِداتُ.

وَقالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ: وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾ [القمر: ١٩] . قالَ: (p-١٨)النَّحْسُ البَلاءُ والشِّدَّةُ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ زُهَيْرَ بْنَ أبِي سُلْمى يَقُولُ:

؎سَواءٌ عَلَيْهِ أيَّ يَوْمٍ أتَيْتُهُ ∗∗∗ أساعَةَ نَحْسٍ تَتَّقِي أمْ بِأسْعَدِ

وَتَفْسِيرُ النَّحْسِ بِالبَلاءِ والشِّدَّةِ تَفْسِيرٌ بِالمَعْنى؛ لِأنَّ الشُّؤْمَ بَلاءٌ وشِدَّةٌ، ومُقابَلَةُ زُهَيْرٍ النَّحْسَ بِالأسْعَدِ في بَيْتِهِ يُوَضِّحُ ذَلِكَ، وهو مَعْلُومٌ.

وَيَزْعُمُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّها مِن آخَرِ شَوّالٍ، وأنَّ أوَّلَها يَوْمُ الأرْبِعاءِ، وآخِرَها يَوْمُ الأرْبِعاءِ، ولا دَلِيلَ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ.

وَما يَذْكُرُهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن أنَّ يَوْمَ النَّحْسِ المُسْتَمِرِّ هو يَوْمُ الأرْبِعاءِ الأخِيرُ مِنَ الشَّهْرِ، أوْ يَوْمُ الأرْبِعاءِ مُطْلَقًا، حَتّى إنَّ بَعْضَ المُنْتَسِبِينَ لِطَلَبِ العِلْمِ وكَثِيرًا مِنَ العَوامِّ صارُوا يَتَشاءَمُونَ بِيَوْمِ الأرْبِعاءِ الأخِيرِ مِن كُلِّ شَهْرٍ، حَتّى إنَّهم لا يُقْدِمُونَ عَلى السَّفَرِ والتَّزَوُّجِ ونَحْوِ ذَلِكَ فِيهِ، ظانِّينَ أنَّهُ يَوْمُ نَحْسٍ وشُؤْمٍ، وأنَّ نَحْسَهُ مُسْتَمِرٌّ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ في جَمِيعِ الزَّمَنِ - لا أصْلَ لَهُ ولا مُعَوِّلَ عَلَيْهِ، ولا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ مَن عِنْدَهُ عِلْمٌ؛ لِأنَّ نَحْسَ ذَلِكَ اليَوْمِ مُسْتَمِرٌّ عَلى عادٍ فَقَطِ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ فِيهِ، فاتَّصَلَ لَهم عَذابُ البَرْزَخِ والآخِرَةِ بِعَذابِ الدُّنْيا، فَصارَ ذَلِكَ الشُّؤْمُ مُسْتَمِرًّا عَلَيْهِمُ اسْتِمْرارًا لا انْقِطاعَ لَهُ.

أمّا غَيْرُ عادٍ فَلَيْسَ مُؤاخَذًا بِذَنْبِ عادٍ؛ لِأنَّهُ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى.

وَقَدْ أرَدْنا هُنا أنْ نَذْكُرَ بَعْضَ الرِّواياتِ الَّتِي اغْتَرَّ بِها مَن ظَنَّ اسْتِمْرارَ نَحْسَ ذَلِكَ اليَوْمِ؛ لِنُبَيِّنَ أنَّها لا مُعَوِّلَ عَلَيْها.

قالَ صاحِبُ الدُّرِّ المَنثُورِ: وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ قالَ: يَوْمَ الأرْبِعاءِ.

وَأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قالَ لِي جِبْرِيلُ: اقْضِ بِاليَمِينِ مَعَ الشّاهِدِ. وقالَ: يَوْمُ الأرْبِعاءِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ» .

وَأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِاليَمِينِ مَعَ الشّاهِدِ، والحِجامَةِ، ويَوْمُ الأرْبِعاءِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ» .

(p-١٩)وَأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”يَوْمُ نَحْسٍ يَوْمُ الأرْبِعاءِ»“ .

وَأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الأيّامِ، وسُئِلَ عَنْ يَوْمِ الأرْبِعاءِ قالَ: يَوْمُ نَحْسٍ. قالُوا كَيْفَ ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: أغْرَقَ فِيهِ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ، وأهْلَكَ عادًا وثَمُودَ» .

وَأخْرَجَ وكِيعٌ في الغَرَرِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والخَطِيبُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «آخِرُ أرْبِعاءَ في الشَّهْرِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ» .

فَهَذِهِ الرِّواياتُ وأمْثالُها لا تَدُلُّ عَلى شُؤْمِ يَوْمِ الأرْبِعاءِ عَلى مَن لَمْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ ولَمْ يَعْصِهِ؛ لِأنَّ أغْلَبَها ضَعِيفٌ، وما صَحَّ مَعْناهُ مِنها فالمُرادُ بِنَحْسِهِ شُؤْمُهُ عَلى أُولَئِكَ الكَفَرَةِ العُصاةِ الَّذِينَ أهْلَكَهُمُ اللَّهُ فِيهِ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ ومَعاصِيهِمْ.

فالحاصِلُ أنَّ النَّحْسَ والشُّؤْمَ إنَّما مَنشَؤُهُ وسَبَبُهُ الكُفْرُ والمَعاصِي.

أمّا مَن كانَ مُتَّقِيًا لِلَّهِ مُطِيعًا لَهُ في يَوْمِ الأرْبِعاءِ المَذْكُورِ - فَلا نَحْسَ ولا شُؤْمَ فِيهِ عَلَيْهِ. فَمَن أرادَ أنْ يَعْرِفَ النَّحْسَ والشُّؤْمَ والنَّكَدَ والبَلاءَ والشَّقاءَ عَلى الحَقِيقَةِ، فَلْيَتَحَقَّقْ أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ وعَدَمِ امْتِثالِ أمْرِهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском