Ash-ShinqitiAsh‑Shuraa · 42:1–9

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

الشورى

Ash-Shuraa

The Consultation · Meccan · 53 ayahs

42:1Page 483

حمٓ ١

Ḥā, Meem.

(p-٣٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الشُّورى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .

قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوَّلِ سُورَةِ ”هُودٍ“ .

وَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الوَحْيِ، أوْ مِثْلَ ذَلِكَ الكِتابِ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الرُّسُلِ مِن قَبِلَكَ اللَّهُ.

يَعْنِي أنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ مِنَ المَعانِي قَدْ أوْحى اللَّهُ إلَيْكَ مِثْلَهُ في غَيْرِها مِنَ السُّوَرِ، وأوْحاهُ مِن قَبْلِكَ إلى رُسُلِهِ، عَلى مَعْنى أنَّ اللَّهَ تَعالى كَرَّرَ هَذِهِ المَعانِيَ في القُرْآنِ، وفي جَمِيعِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ، لِما فِيها مِنَ التَّنْبِيهِ البَلِيغِ، واللُّطْفِ العَظِيمِ، لِعِبادِهِ مِنَ الأوَّلِينَ والآخَرِينَ. اهـ مِنهُ.

وَظاهِرُ كَلامِهِ أنَّ التَّشْبِيهَ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي﴾ بِالنِّسْبَةِ إلى المُوحى بِاسْمِ المَفْعُولِ.

والأظْهَرُ أنَّ التَّشْبِيهَ في المَعْنى المَصْدَرِيِّ الَّذِي هو الإيحاءُ.

وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ لَمْ يُصَرِّحْ هُنا بِشَيْءٍ مِن أسْماءِ الَّذِينَ في قَبْلِهِ الَّذِينَ أوْحى إلَيْهِمْ، كَما أوْحى إلَيْهِ، ولَكِنَّهُ قَدْ بَيَّنَ أسْماءَ جَماعَةٍ مِنهم في سُورَةِ ”النِّساءِ“، وبَيَّنَ فِيها أنَّ بَعْضَهم لَمْ يَقْصُصْ خَبَرَهم عَلَيْهِ، وأنَّهُ أوْحى إلَيْهِمْ وأرْسَلَهم لِقَطْعِ حُجَجِ الخَلْقِ في دارِ الدُّنْيا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وأوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ وعِيسى وأيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْناهم عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (p-٣٨)[النساء: ١٦٣ - ١٦٥] .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ﴾ ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - فِيهِ الثَّناءَ عَلى نَفْسِهِ بِاسْمِهِ العَزِيزِ واسْمِهِ الحَكِيمِ بَعْدَ ذِكْرِهِ إنْزالَهُ وحْيَهُ عَلى أنْبِيائِهِ، كَما قالَ في سُورَةِ ”النِّساءِ“ المَذْكُورَةِ: ﴿وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ بَعْدَ ذِكْرِهِ إيحاءَهُ إلى رُسُلِهِ.

وَقَدْ قَدَّمْنا في أوَّلِ سُورَةِ ”الزُّمَرِ“ أنَّ اسْتِقْراءَ القُرْآنِ قَدْ دَلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - إذا ذَكَرَ تَنْزِيلَهُ لِكِتابِهِ أتْبَعَ ذَلِكَ بَعْضَ أسْمائِهِ الحُسْنى وصِفاتِهِ العُلْيا، وذَكَرْنا كَثِيرًا مِن أمْثِلَةِ ذَلِكَ.

وَقَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ ابْنِ كَثِيرٍ: (يُوحِي) بِكَسْرِ الحاءِ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هَذِهِ فَقَوْلُهُ: (اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ) - فاعِلُ يُوحِي.

وَقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ (يُوحى إلَيْكَ) بِفَتْحِ الحاءِ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ، فَقَوْلُهُ: (اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ) فاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ يُوحى، كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ في سُورَةِ ”النُّورِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ ﴿رِجالٌ﴾ [النور: ٣٦ - ٣٧] .

وَقَدْ قَدَّمْنا مَعانِيَ الوَحْيِ مَعَ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ في سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.

42:2Page 483

عٓسٓقٓ ٢

ʿAyn, Seen, Qāf.1

No commentary for this ayah

42:3Page 483

كَذَٰلِكَ يُوحِيٓ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٣

Thus has He revealed to you, [O Muḥammad], and to those before you - Allāh, the Exalted in Might, the Wise.

No commentary for this ayah

42:4Page 483

لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ ٤

To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth, and He is the Most High, the Most Great.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ .

وَصَفَ نَفْسَهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِالعُلُوِّ والعَظَمَةِ، وهُما مِنَ الصِّفاتِ الجامِعَةِ كَما قَدَّمْناهُ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] .

وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن وصْفِهِ تَعالى نَفْسَهُ بِهاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ الجامِعَتَيْنِ المُتَضَمِّنَتَيْنِ لِكُلِّ كَمالٍ وجَلالٍ - جاءَ مِثْلُهُ في آياتٍ أُخَرَ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُما وهو العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ﴾ [الرعد: ٩] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَهُ الكِبْرِياءُ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [الجاثية: ٣٧] .

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

42:5Page 483

تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرۡنَ مِن فَوۡقِهِنَّۚ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِمَن فِي ٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٥

The heavens almost break from above them,1 and the angels exalt [Allāh] with praise of their Lord and ask forgiveness for those on earth. Unquestionably, it is Allāh who is the Forgiving, the Merciful.

(p-٣٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ .

قَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ نافِعٍ والكِسائِيِّ (تَكادُ) بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ؛ لِأنَّ السَّماواتِ مُؤَنَّثَةٌ، وقَرَأهُ نافِعٌ والكِسائِيُّ (يَكادُ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ لِأنَّ تَأْنِيثَ السَّماواتِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ.

وَقَرَأهُ عامَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ أبِي عَمْرٍو، وشُعْبَةَ عَنْ عاصِمٍ (يَتَفَطَّرْنَ) بِتاءٍ مُثَنّاةٍ فَوْقِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الياءِ وفَتْحِ الطّاءِ المُشَدَّدَةِ، مُضارِعُ تَفَطَّرَ، أيْ تَشَقَّقُ.

وَقَرَأهُ أبُو عَمْرٍو وشُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ (يَنْفَطِرْنَ) بِنُونٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الياءِ وكَسْرِ الطّاءِ المُخَفَّفَةِ، مُضارِعُ انْفَطَرَتْ، كَقَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١] أيِ انْشَقَّتْ.

وَقَوْلُهُ: تَكادُ، مُضارِعُ كادَ، الَّتِي هي فِعْلُ مُقارَبَةٍ، ومَعْلُومٌ أنَّها تَعْمَلُ في المُبْتَدَإ والخَبَرِ، ومَعْنى كَوْنِها فِعْلَ مُقارَبَةٍ، أنَّها تَدُلُّ عَلى قُرْبِ اتِّصافِ المُبْتَدَإ بِالخَبَرِ.

وإذًا، فَمَعْنى الآيَةِ أنَّ السَّماواتِ قارَبَتْ أنْ تَتَّصِفَ بِالتَّفَطُّرِ عَلى القِراءَةِ الأُولى، والِانْفِطارِ عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ.

واعْلَمْ أنَّ سَبَبَ مُقارَبَةِ السَّماواتِ لِلتَّفَطُّرِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ - فِيهِ لِلْعُلَماءِ وجْهانِ كِلاهُما يَدُلُّ لَهُ قُرْآنٌ: الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرُنَّ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ، وهِيبَةً وإجْلالًا، ويَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى قَبْلَهُ: ﴿وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ [الشورى: ٤]؛ لِأنَّ عُلُوَّهُ وعَظَمَتَهُ سَبَّبَ لِلسَّماواتِ ذَلِكَ الخَوْفَ والهَيْبَةَ والإجْلالَ، حَتّى كادَتْ تَتَفَطَّرُ.

وَعَلى هَذا الوَجْهِ، فَقَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ مُناسَبَتُهُ لِما قَبْلَهُ واضِحَةٌ؛ لِأنَّ المَعْنى: أنَّ السَّماواتِ في غايَةِ الخَوْفِ مِنهُ تَعالى والهَيْبَةِ والإجْلالِ لَهُ، وكَذَلِكَ سُكّانُها مِنَ المَلائِكَةِ، فَهم ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ يُنَزِّهُونَهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ مَعَ إثْباتِهِمْ لَهُ كُلَّ كَمالٍ وجَلالٍ، خَوْفًا مِنهُ وهِيبَةً وإجْلالًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ والمَلائِكَةُ مِن خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣] . وقالَ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ مِن دابَّةٍ والمَلائِكَةُ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٩ - ٥٠] .

(p-٤٠)فَهم لِشِدَّةِ خَوْفِهِمْ مِنَ اللَّهِ وإجْلالِهِمْ لَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ، ويَخافُونَ عَلى أهْلِ الأرْضِ، ولِذا يَسْتَغْفِرُونَ لَهم خَوْفًا عَلَيْهِمْ مِن سَخَطِ اللَّهِ وعِقابِهِ، ويُسْتَأْنَسُ لِهَذا الوَجْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَأشْفَقْنَ مِنها﴾ [الأحزاب: ٧٢]؛ لِأنَّ الإشْفاقَ الخَوْفُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ يَعْنِي لِخُصُوصِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنهم وتابُوا إلى اللَّهِ واتَّبَعُوا سَبِيلَهُ، كَما أوْضَحَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ ومَن حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِهِ ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٧] .

فَقَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ - يُوَضِّحُ المُرادَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِمَن في الأرْضِ﴾ . \ ٥ ويَزِيدُ ذَلِكَ إيضاحًا قَوْلُهُ تَعالى عَنْهم أنَّهم يَقُولُونَ في اسْتِغْفارِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ -: ﴿فاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧] لِأنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ دَلالَةً واضِحَةً عَلى عَدَمِ اسْتِغْفارِهِمْ لِلْكُفّارِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ المَعْنى تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن شِدَّةِ عِظَمِ الفِرْيَةِ الَّتِي افْتَراها الكُفّارُ عَلى خالِقِ السَّماواتِ والأرْضِ - جَلَّ وعَلا - مِن كَوْنِهِ اتَّخَذَ ولَدًا - سُبْحانَهُ وتَعالى - عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وهَذا الوَجْهُ جاءَ مُوَضَّحًا في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ ﴿وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا﴾ ﴿إنْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٣] . كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ.

وَغايَةُ ما في هَذا الوَجْهِ أنَّ آيَةَ ”الشُّورى“ هَذِهِ فِيها إجْمالٌ في سَبَبِ تَفَطُّرِ السَّماواتِ، وقَدْ جاءَ ذَلِكَ مُوَضَّحًا في آيَةِ ”مَرْيَمَ“ المَذْكُورَةِ. وكِلا الوَجْهَيْنِ حَقٌّ.

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ فِيهِ لِلْعُلَماءِ أوْجُهٌ.

قِيلَ: (يَتَفَطَّرْنَ)، أيِ السَّماواتُ. ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾ أيِ الأرَضِينَ، ولا يَخْفى بُعْدُ هَذا القَوْلِ كَما تَرى.

(p-٤١)وَقالَ بَعْضُهم: ﴿مِن فَوْقِهِنَّ﴾، أيْ كُلُّ سَماءٍ تَتَفَطَّرُ فَوْقَ الَّتِي تَلِيها.

وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ قالَ: مِن فَوْقِهِنَّ ؟ قُلْتُ: لِأنَّ أعْظَمَ الآياتِ وأدُلَّها عَلى الجَلالِ والعَظَمَةِ فَوْقَ السَّماواتِ، وهي: العَرْشُ، والكُرْسِيُّ، وصُفُوفُ المَلائِكَةِ المُرْتَجَّةُ بِالتَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ حَوْلَ العَرْشِ، وما لا يَعْلَمُ كُنْهَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى مِن آثارِ مَلَكُوتِهِ العُظْمى، فَلِذَلِكَ قالَ: يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ أيْ يَبْتَدِئُ الِانْفِطارُ مِن جِهَتِهِنَّ الفَوْقانِيَّةِ.

أوْ لِأنَّ كَلِمَةَ الكُفْرِ جاءَتْ مِنَ الَّذِي تَحْتَ السَّماواتِ، فَكانَ القِياسُ أنْ يُقالَ: يَتَفَطَّرْنَ مِن تَحْتِهِنَّ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي جاءَتْ مِنها الكَلِمَةُ، ولَكِنَّهُ بُولِغَ في ذَلِكَ، فَجُعِلَتْ مُؤَثِّرَةً في وِجْهَةِ الفَوْقِ، كَأنَّهُ قِيلَ: يَكَدْنَ يَتَفَطَّرْنَ مِنَ الجِهَةِ الَّتِي فَوْقَهُنَّ، دَعِ الجِهَةَ الَّتِي تَحْتَهُنَّ.

وَنَظِيرُهُ في المُبالَغَةِ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ فَجَعَلَ الحَمِيمَ مُؤَثِّرًا في أجْزائِهِمُ الباطِنَةِ. ا هـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ.

وَهَذا إنَّما يَتَمَشّى عَلى القَوْلِ بِأنَّ سَبَبَ التَّفَطُّرِ المَذْكُورِ هو افْتِراؤُهم عَلى اللَّهِ في قَوْلِهِمُ: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ [مريم: ٨٨] .

وَقَدْ قَدَّمْنا آنِفًا أنَّهُ دَلَّتْ عَلَيْهِ سُورَةُ ”مَرْيَمَ“ المَذْكُورَةُ، وعَلَيْهِ فَمُناسِبَةُ قَوْلِهِ: والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ لِما قَبْلَهُ - أنَّ الكُفّارَ وإنْ قالُوا أعْظَمَ الكُفْرِ وأشْنَعَهُ، فَإنَّ المَلائِكَةَ بِخِلافِهِمْ، فَإنَّهم يُداوِمُونَ ذِكْرَ اللَّهِ وطاعَتَهُ.

وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ اسْتَكْبَرُوا فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ وهم لا يَسْأمُونَ﴾ [فصلت: ٣٨] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩] . كَما قَدَّمْنا إيضاحَهُ في آخِرِ سُورَةِ ”فُصِّلَتْ“ .

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ .

أكَّدَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وبَيَّنَ فِيها أنَّهُ هو وحْدَهُ المُخْتَصُّ بِذَلِكَ.

(p-٤٢)وَهَذانِ الأمْرانِ اللَّذانِ تَضَمَّنَتْهُما هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ - قَدْ جاءا مُوَضَّحَيْنِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

أمّا اخْتِصاصُهُ هو - جَلَّ وعَلا - بِغُفْرانِ الذُّنُوبِ، فَقَدْ ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥] . والمَعْنى لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا اللَّهُ، وفي الحَدِيثِ «رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، ولا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا أنْتَ» الحَدِيثَ. وفي حَدِيثِ سَيِّدِ الِاسْتِغْفارِ: «اللَّهُمَّ أنْتَ رَبِّي لا إلَهَ إلّا أنْتَ خَلَقْتَنِي» الحَدِيثَ. وفِيهِ «وَأبُوءُ بِذَنْبِي فاغْفِرْ لِي؛ فَإنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلّا أنْتَ» .

وَوَجْهُ دَلالَةِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ وحْدَهُ هو الَّذِي يَغْفِرُ الذُّنُوبَ - هو أنَّ ضَمِيرَ الفَصْلِ بَيْنَ المُسْنَدِ والمُسْنَدِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ اللَّهَ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ كَما هو مَعْلُومٌ في مَحَلِّهِ.

وَأمّا الأمْرُ الثّانِي: هو تَوْكِيدُهُ تَعالى أنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ؛ فَإنَّهُ أكَّدَ ذَلِكَ هُنا بِحَرْفِ الِاسْتِفْتاحِ الَّذِي هو (ألا)، وحَرْفِ التَّوْكِيدِ الَّذِي هو (إنَّ) . وقَدْ أوْضَحَ ذَلِكَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ وآمَنَ﴾ الآيَةَ [طه: ٨٢] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢] .

• وقَوْلِهِ في الكُفّارِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] .

• وقَوْلِهِ في الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ: ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٧٤] .

والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.

فَنَرْجُو اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - الكَرِيمَ الرَّءُوفَ الغَفُورَ الرَّحِيمَ - أنْ يَغْفِرَ لَنا جَمِيعَ ذُنُوبِنا، ويَتَجاوَزَ عَنْ جَمِيعِ سَيِّئاتِنا، ويُدْخِلَنا جَنَّتَهُ عَلى ما كانَ مِنّا، ويَغْفِرَ لِإخْوانِنا المُسْلِمِينَ، إنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

42:6Page 483

وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيۡهِمۡ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٖ ٦

And those who take as allies other than Him - Allāh is [yet] Guardian over them; and you, [O Muḥammad], are not over them a manager -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِياءَ﴾ . أيْ أشْرَكُوا مَعَهُ شُرَكاءَ يَعْبُدُونَهم مِن دُونِهِ، كَما أوْضَحَ تَعالى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهم في ما هم فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن هو كاذِبٌ﴾ [الزمر: ٣] . (p-٤٣)

• وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ اللَّهِ ويَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ﴾ [ ٧ ] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥] . أيْ يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ.

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٧٦] .

وَقَدْ وبَّخَهم تَعالى عَلى اتِّخاذِهِمُ الشَّيْطانَ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ .

وَقَدْ أمَرَ - جَلَّ وعَلا - بِاتِّباعِ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ، ناهِيًا عَنِ اتِّباعِ الأوْلِياءِ المُتَّخَذِينَ مِن دُونِهِ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ الأعْرافِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] .

وَقَدْ عَلِمْتَ مِنَ الآياتِ المَذْكُورَةِ أنَّ أوْلِياءَ الكُفّارِ الَّذِينَ اتَّخَذُوهم وعَبَدُوهم مِن دُونِ اللَّهِ نَوْعانِ: الأوَّلُ مِنهُما: الشَّياطِينُ، ومَعْنى عِبادَتِهِمْ لِلشَّيْطانَ طاعَتُهم لَهُ فِيما يُزَيِّنُ لَهم مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، فَشِرْكُهم بِهِ شِرْكُ طاعَةٍ، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى عِبادَتِهِمْ لِلشَّياطِينِ بِالمَعْنى المَذْكُورِ كَثِيرَةٌ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ الآيَةَ [يس: ٦٠] .

• وقَوْلِهِ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ ﴿ياأبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ﴾ الآيَةَ [مريم: ٤٤] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧]، أيْ وما يَعْبُدُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا.

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكْثَرُهم بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبإ: ٤١] .

• وقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما سُلْطانُهُ عَلى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ والَّذِينَ هم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ١٠٠] .

• وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إلى أوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكم وإنْ أطَعْتُمُوهم إنَّكم لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] .

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

والنَّوْعُ الثّانِي: هو الأوْثانُ، كَما بَيَّنَ ذَلِكَ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ الآيَةَ [الزمر: ٣] .

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾، أيْ رَقِيبٌ عَلَيْهِمْ حافَظٌ (p-٤٤)عَلَيْهِمْ كُلَّ ما يَعْمَلُونَهُ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وفي أوَّلِهِ اتِّخاذُهُمُ الأوْلِياءَ يَعْبُدُونَهم مِن دُونِ اللَّهِ.

وَفِي الآيَةِ تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ لِكُلِّ مُشْرِكٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ .

أيْ لَسْتَ يا مُحَمَّدُ بِمُوَكَّلٍ عَلَيْهِمْ تَهْدِي مَن شِئْتَ هِدايَتَهُ مِنهم، بَلْ إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ فَحَسْبُ، وقَدْ بَلَّغْتَ ونَصَحْتَ.

والوَكِيلُ عَلَيْهِمْ هو اللَّهُ الَّذِي يَهْدِي مَن يَشاءُ مِنهم، ويُضِلُّ مَن يَشاءُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [هود: ١٢] . وقالَ تَعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ وما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تُؤْمِنَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ويَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ [يونس: ٩٩ - ١٠٠] . وقالَ تَعالى: ﴿وَإنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إعْراضُهم فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا في الأرْضِ أوْ سُلَّمًا في السَّماءِ فَتَأْتِيَهم بِآيَةٍ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهم عَلى الهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥] . والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.

وَبِما ذَكَرْنا تَعْلَمُ أنَّ التَّحْقِيقَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾، وما جَرى مَجْراهُ مِنَ الآياتِ لَيْسَ مَنسُوخًا بِآيَةِ السَّيْفِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى .

42:7Page 483

وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَا وَتُنذِرَ يَوۡمَ ٱلۡجَمۡعِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ فَرِيقٞ فِي ٱلۡجَنَّةِ وَفَرِيقٞ فِي ٱلسَّعِيرِ ٧

And thus We have revealed to you an Arabic Qur’ān that you may warn the Mother of Cities [i.e., Makkah] and those around it1 and warn of the Day of Assembly, about which there is no doubt. A party will be in Paradise and a party in the Blaze.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ .

وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ﴾ ﴿بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٤ - ١٩٥] . وفي ”المُؤْمِنِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: ٢٨] . وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُنذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها﴾ .

خَصَّ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إنْذارَهُ ﷺ بِأُمِّ القُرى ومَن حَوْلَها، والمُرادُ بِأُمِّ القُرى مَكَّةُ - حَرَسَها اللَّهُ - .

وَلَكِنَّهُ أوْضَحَ في آياتٍ أُخَرَ أنَّ إنْذارَهُ عامٌّ لِجَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] . (p-٤٥)وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ الآيَةَ [سبإ: ٢٨] . كَما أوْضَحْنا ذَلِكَ مِرارًا في هَذا الكِتابِ المُبارَكِ.

وَقَدْ ذَكَرْنا الجَوابَ عَنْ تَخْصِيصِ أُمِّ القُرى ومَن حَوْلَها هُنا، وفي سُورَةِ ”الأنْعامِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى ومَن حَوْلَها والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٩٢] . في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ فَقُلْنا فِيهِ: والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن حَوْلَها﴾ شامِلٌ لِجَمِيعِ الأرْضِ، كَما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنّا لَوْ سَلَّمْنا تَسْلِيمًا جَدَلِيًّا أنَّ قَوْلَهُ ﴿وَمَن حَوْلَها﴾ لا يَتَناوَلُ إلّا القَرِيبَ مِن مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ - حَرَسَها اللَّهُ - كَجَزِيرَةِ العَرَبِ مَثَلًا، فَإنَّ الآياتِ الأُخَرَ، نَصَّتْ عَلى العُمُومِ، كَقَوْلِهِ ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] . وذِكْرُ بَعْضِ أفْرادِ العامِّ بِحُكْمِ العامِّ - لا يُخَصِّصُهُ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ، ولَمْ يُخالِفْ فِيهِ إلّا أبُو ثَوْرٍ.

وَقَدْ قَدَّمْنا ذَلِكَ واضِحًا بِأدِلَّتِهِ في سُورَةِ ”المائِدَةِ“، فالآيَةُ عَلى هَذا القَوْلِ كَقَوْلِهِ ﴿وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]؛ فَإنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ إنْذارِ غَيْرِهِمْ، كَما هو واضِحٌ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ا هـ مِنهُ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الشورى: ٧] .

تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ مِن حُكْمِ إيحائِهِ تَعالى إلى نَبِيِّنا ﷺ هَذا القُرْآنَ العَرَبِيَّ - إنْذارَ يَوْمِ الجَمْعِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى﴾ أيْ لِأجْلِ أنْ تُنْذِرَ أُمَّ القُرى وأنْ تُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ، فَحُذِفَ في الأوَّلِ أحَدَ المَفْعُولَيْنِ، وحُذِفَ في الثّانِي أحَدَهُما، فَكانَ ما أُثْبِتَ في كُلٍّ مِنهُما دَلِيلًا عَلى ما حُذِفَ في الثّانِي، فَفي الأوَّلِ حُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي، والتَّقْدِيرُ ”لِتُنْذِرَ أُمَّ القُرى“، أيْ أهْلَ مَكَّةَ ”وَمَن حَوْلَها“، عَذابًا شَدِيدًا إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا. وفي الثّانِي حُذِفَ المَفْعُولُ الأوَّلُ، أيْ وتُنْذِرَ النّاسَ يَوْمَ الجَمْعِ وهو يَوْمُ القِيامَةِ، أيْ تُخَوِّفُهم مِمّا فِيهِ مِنَ الأهْوالِ والأوْجالِ؛ لِيَسْتَعِدُّوا لِذَلِكَ في دارِ الدُّنْيا.

(p-٤٦)والثّانِي: أنَّ يَوْمَ الجَمْعِ المَذْكُورِ (لا رَيْبَ فِيهِ)، أيْ لا شَكَّ في وُقُوعِهِ.

وَهَذانِ الأمْرانِ اللَّذانِ تَضَمَّنَتْهُما هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ - جاءا مُوَضَّحَيْنَ في آياتٍ أُخَرَ.

أمّا تَخْوِيفُهُ النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَقَدْ ذُكِرَ في مَواضِعَ مِن كِتابِ اللَّهِ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٨١] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ الآيَةَ [غافر: ١٨] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الوِلْدانَ شِيبًا﴾ ﴿السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٧ - ١٨] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٤ - ٦] .

والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.

وَأمّا الثّانِي مِنهُما: وهو كَوْنُ يَوْمِ القِيامَةِ (لا رَيْبَ فِيهِ) فَقَدْ جاءَ في مَواضِعَ أُخَرَ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [النساء: ٨٧] .

• وقَوْلِهِ: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها﴾ الآيَةَ [الحج: ٧] .

• وقَوْلِهِ تَعالى ﴿وَإذا قِيلَ إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ والسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ﴾ الآيَةَ [الجاثية: ٣٢] .

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَإنَّما سُمِّيَ يَوْمُ القِيامَةِ يَوْمَ الجَمْعِ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَجْمَعُ فِيهِ جَمِيعَ الخَلائِقِ. والآياتُ المُوَضِّحَةُ لِهَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ﴾ ﴿لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ جَمَعْناكم والأوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٨٧] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ [التغابن: ٩] .

• وقَوْلِهِ تَعالى ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٢٥] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَشَرْناهم فَلَمْ نُغادِرْ مِنهم أحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧] .

وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى شُمُولَ ذَلِكَ الجَمْعِ لِجَمِيعِ الدَّوابِّ والطَّيْرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مِن دابَّةٍ في الأرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إلّا أُمَمٌ أمْثالُكم ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] . والآياتُ الدّالَّةُ عَلى الجَمْعِ المَذْكُورَةُ كَثِيرَةٌ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ .

(p-٤٧)ما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ، وجَعَلَ مِنهم فَرِيقًا سُعَداءَ، وهم أهْلُ الجَنَّةِ، وفَرِيقًا أشْقِياءَ وهم أصْحابُ السَّعِيرِ، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩]، أيْ ولِذَلِكَ الِاخْتِلافِ إلى مُؤْمِنٍ وكافِرٍ وشَقِيٍّ وسَعِيدٍ - خَلَقَهم - عَلى الصَّحِيحِ - . ونُصُوصُ الوَحْيِ الدّالَّةُ عَلى ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.

وَقَدْ ذَكَرْنا في كِتابِنا: ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ - وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٩] عَلى التَّفْسِيرِ المَذْكُورِ، وبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . وسَنَذْكُرُ ذَلِكَ - إنْ شاءَ اللَّهُ - في سُورَةِ ”الذّارِياتِ“ .

وَقَدْ قَدَّمْنا مَعْنى السَّعِيرِ بِشَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ في أوَّلِ سُورَةِ ”الحَجِّ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَهْدِيهِ إلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ الآيَةَ [الحج: ٤] . والجَنَّةُ في لُغَةِ العَرَبِ البُسْتانُ.

وَمِنهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى:

؎كَأنَّ عَيْنَيَّ في غَرْبِيِّ مَقْتَلَةٍ مِنَ النَّواضِحِ تَسْقِي جَنَّةً سُحُقًا

فَقَوْلُهُ: جَنَّةً سُحُقًا، يَعْنِي بُسَتانًا طَوِيلَ النَّخْلِ، وفي اصْطِلاحِ الشَّرْعِ هي دارُ الكَرامَةِ الَّتِي أعَدَّ اللَّهُ لِأوْلِيائِهِ يَوْمَ القِيامَةِ.

والفَرِيقُ: الطّائِفَةُ مِنَ النّاسِ، ويَجُوزُ تَعَدُّدُهُ إلى أكْثَرَ مِنِ اثْنَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُ نُصَيْبٍ: فَقالَ فَرِيقُ القَوْمِ، لا وفَرِيقُهم نَعَمْ، وفَرِيقٌ قالَ ويْحَكَ ما نَدْرِي

والمُسَوِّغُ لِلِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ﴾، أنَّهُ في مَعْرِضِ التَّفْصِيلِ.

وَنَظِيرُهُ مِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎فَلَمّا دَنَوْتُ تَسَدَّيْتُها ∗∗∗ فَثَوْبًا نَسِيتُ وثَوبًا أجُرْ

42:8Page 483

وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ وَٱلظَّٰلِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ ٨

And if Allāh willed, He could have made them [of] one religion, but He admits whom He wills1 into His mercy. And the wrongdoers have not any protector or helper.

No commentary for this ayah

42:9Page 483

أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۖ فَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡوَلِيُّ وَهُوَ يُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٩

Or have they taken protectors [or allies] besides Him? But Allāh - He is the Protector, and He gives life to the dead, and He is over all things competent.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском