Ash-ShinqitiAsh‑Shuraa · 42:37–53

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Ash-Shuraa 42:37–53

42:37Page 487

وَٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمۡ يَغۡفِرُونَ ٣٧

And those who avoid the major sins and immoralities, and when they are angry, they forgive,

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ﴾ .

قَرَأ هَذا الحَرْفَ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (كَبِيرَ الإثْمِ)، بِكَسْرِ الباءِ بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وراءٌ عَلى صِيغَةِ الإفْرادِ.

وَقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ الباءِ بَعْدَها ألْفٌ فَهَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ قَبْلَ الرّاءِ عَلى صِيغَةِ الجَمْعِ.

وَقَوْلُهُ: والَّذِينَ في مَحَلِّ جَرٍّ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وأبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أيْ وخَيْرٌ وأبْقى أيْضًا لِلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ.

والفَواحِشُ جَمْعُ فاحِشَةٍ. والتَّحْقِيقُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - أنَّ الفَواحِشَ مِن جُمْلَةِ الكَبائِرِ.

والأظْهَرُ أنَّها مِن أشْنَعِها؛ لِأنَّ الفاحِشَةَ في اللُّغَةِ هي الخَصْلَةُ المُتَناهِيَةُ في القُبْحِ، وكُلُّ مُتَشَدِّدٍ في شَيْءٍ مُبالِغٍ فِيهِ فَهو فاحِشٌ فِيهِ.

وَمِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ في مُعَلَّقَتِهِ:

؎أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ

فَقَوْلُهُ: الفاحِشُ، أيِ المُبالِغُ في البُخْلِ المُتَناهِي فِيهِ.

وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن وعْدِهِ تَعالى الصّادِقِ لِلَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ بِما عِنْدَهُ لَهم مِنَ الثَّوابِ الَّذِي هو خَيْرٌ وأبْقى - جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، فَبَيَّنَ تَعالى في سُورَةِ ”النِّساءِ“ أنَّ مِن ذَلِكَ تَكْفِيرَهُ تَعالى عَنْهم سَيِّئاتِهم، وإدْخالَهُمُ المُدْخَلَ الكَرِيمَ وهو الجَنَّةُ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] . وبَيَّنَ في سُورَةِ ”النَّجْمِ“ أنَّهم بِاجْتِنابِهِمْ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ - يَصْدُقُ عَلَيْهِمُ اسْمُ المُحْسِنِينَ، ووَعْدَهم عَلى ذَلِكَ بِالحُسْنى.

(p-٧٥)والأظْهَرُ أنَّها الجَنَّةُ، ويَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ «الحُسْنى الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ» في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] كَما قَدَّمْناهُ.

وَآيَةُ ”النَّجْمِ“ المَذْكُورَةُ هي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١] . ثُمَّ بَيَّنَ المُرادَ بِالَّذِينِ أحْسَنُوا في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ إلّا اللَّمَمَ إنَّ رَبَّكَ واسِعُ المَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٢٣] .

وَأظْهَرُ الأقْوالِ في قَوْلِهِ: (إلّا اللَّمَمَ) - أنَّ المُرادَ بِاللَّمَمِ صَغائِرُ الذُّنُوبِ، ومِن أوْضَحِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآيَةَ [النساء: ٣١] . فَدَلَّتْ عَلى أنَّ اجْتِنابَ الكَبائِرِ سَبَبٌ لِغُفْرانِ الصَّغائِرِ، وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ.

وَيَدُلُّ لِهَذا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ الثّابِتُ في الصَّحِيحِ قالَ: ما رَأيْتُ شَيْئًا أشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمّا قالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنا، أدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، فَزِنا العَيْنِ النَّظَرُ، وزِنا اللِّسانِ المَنطِقُ، والنَّفْسُ تُمَنِّي وتَشْتَهِي والفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أوْ يُكَذِّبُهُ» .

وَعَلى هَذا القَوْلِ فالِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: (إلّا اللَّمَمَ) مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّ اللَّمَمَ الَّذِي هو الصَّغائِرُ عَلى هَذا القَوْلِ لا يَدْخُلُ في الكَبائِرِ والفَواحِشِ، وقَدْ قَدَّمْنا تَحْقِيقَ المَقامِ في الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْوًا إلّا سَلامًا﴾ [مريم: ٦٢] .

وَقالَتْ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ، قالُوا: وعَلَيْهِ فَمَعْنى ﴿إلّا اللَّمَمَ﴾ إلّا أنْ يَلُمَّ بِفاحِشَةٍ مَرَّةً، ثُمَّ يَجْتَنِبُها ولا يَعُودُ لَها بَعْدَ ذَلِكَ.

واسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِ الرّاجِزِ:

؎إنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمًّا ∗∗∗ وأيُّ عَبْدٍ لَكَ ما ألَمّا

وَرَوى هَذا البَيْتَ ابْنُ جَرِيرٍ والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُما مَرْفُوعًا. وفي صِحَّتِهِ مُرْفُوعًا نَظَرٌ.

(p-٧٦)وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِاللَّمَمِ ما سَلَفَ مِنهم مَنِ الكُفْرِ والمَعاصِي قَبْلَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ. ولا يَخْفى بُعْدُهُ.

وَأظْهَرُ الأقْوالِ هو ما قَدَّمَنا لِدَلالَةِ آيَةِ ”النِّساءِ“ المَذْكُورَةِ عَلَيْهِ، وحَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ المُتَّفِقِ عَلَيْهِ.

واعْلَمْ أنَّ كَبائِرَ الإثْمِ لَيْسَتْ مَحْدُودَةً في عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، وقَدْ جاءَ تَعْيِينُ بَعْضِها، كالسَّبْعِ المُوبِقاتِ، أيِ المُهَلِكاتِ لِعِظَمِها، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّها: «الإشْراكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، والسِّحْرُ، وأكْلُ الرِّبا، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذَفُ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ» .

وَقَدْ جاءَتْ رِواياتٌ كَثِيرَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في تَعْيِينِ بَعْضِ الكَبائِرِ كَعُقُوقِ الوالِدَيْنِ، واسْتِحْلالِ حُرْمَةِ بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ، والرُّجُوعِ إلى البادِيَةِ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وشُرْبِ الخَمْرِ، واليَمِينِ الغَمُوسِ، والسَّرِقَةِ، ومَنعِ فَضْلِ الماءِ، ومَنعِ فَضْلِ الكَلَإ، وشَهادَةِ الزُّورِ.

وَفِي بَعْضِ الرِّواياتِ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ «أكْبَرَ الكَبائِرِ الإشْراكُ بِاللَّهِ الَّذِي خَلَقَ الخَلْقَ، ثُمَّ قَتْلُ الرَّجُلِ ولَدَهُ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَهُ، ثُمَّ زِناهُ بِحَلِيلَةِ جارِهِ» . وفي بَعْضِها أيْضًا ”أنَّ مِنَ الكَبائِرِ تَسَبُّبَ الرَّجُلِ في سَبِّ والِدَيْهِ“ . وفي بَعْضِها أيْضًا «أنَّ سِبابَ المُسْلِمِ فُسُوقٌ وقِتالَهُ كُفْرٌ» . وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُما مِنَ الكَبائِرِ.

وَفِي بَعْضِ الرِّواياتِ «أنَّ مِنَ الكَبائِرِ الوُقُوعَ في عِرْضِ المُسْلِمِ، والسَّبَّتَيْنِ بِالسَّبَّةِ» .

وَفِي بَعْضِ الرِّواياتِ ”أنَّ مِنها جَمْعَ الصَّلاتَيْنِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ“ .

وَفِي بَعْضِها ”أنَّ مِنها اليَأْسَ مِن رَوْحِ اللَّهِ، والأمْنَ مِن مَكْرِ اللَّهِ“ . ويَدُلُّ عَلَيْهِما قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ لا يَيْئَسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الكافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧] . وقَوْلُهُ: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٩] .

وَفِي بَعْضِها ”أنَّ مِنها سُوءَ الظَّنِّ بِاللَّهِ“ . ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والمُشْرِكِينَ والمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: ٦] .

وَفِي بَعْضِها ”أنَّ مِنها الإضْرارَ في الوَصِيَّةِ“ .

(p-٧٧)وَفِي بَعْضِها ”أنَّ مِنها الغَلُولَ“ . ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] . وقَدَّمْنا مَعْنى الغَلُولِ في سُورَةِ ”الأنْفالِ“، وذَكَرْنا حُكْمَ الغالِّ.

وَفِي بَعْضِها «أنَّ مِن أهْلِ الكَبائِرِ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا» . ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهم في الآخِرَةِ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧] . ولَمْ نَذْكُرْ أسانِيدَ هَذِهِ الرِّواياتِ ونُصُوصَ مُتُونِها خَوْفَ الإطالَةِ، وأسانِيدُ بَعْضِها لا تَخْلُو مِن نَظَرٍ، لَكِنَّها لا يَكادُ يَخْلُو شَيْءٌ مِنها عَنْ بَعْضِ الشَّواهِدِ الصَّحِيحَةِ مِن كِتابِ اللَّهِ أوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ .

واعْلَمْ أنَّ أهْلَ العِلْمِ اخْتَلَفُوا في حَدِّ الكَبِيرَةِ؛ فَقالَ بَعْضُهم: هي كُلُّ ذَنْبٍ اسْتَوْجَبَ حَدًّا مِن حُدُودِ اللَّهِ.

وَقالَ بَعْضُهم: هي كُلُّ ذَنْبٍ جاءَ الوَعِيدُ عَلَيْهِ بِنارٍ أوْ لَعْنَةٍ أوْ غَضَبٍ أوْ عَذابٍ.

واخْتارَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ حَدَّ الكَبِيرَةِ بِأنَّها هي كُلُّ ذَنْبٍ دَلَّ عَلى عَدَمِ اكْتِراثِ صاحِبِهِ بِالدِّينِ.

وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الكَبائِرَ أقْرَبُ إلى السَّبْعِينَ مِنها إلى السَّبْعِ. وعَنْهُ أيْضًا أنَّها أقْرَبُ إلى سَبْعِمِائَةٍ مِنها إلى سَبْعٍ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ -: التَّحْقِيقُ أنَّها لا تَنْحَصِرُ في سَبْعٍ، وأنَّ ما دَلَّ عَلَيْهِ مِنَ الأحادِيثِ عَلى أنَّها سَبْعٌ لا يَقْتَضِي انْحِصارَها في ذَلِكَ العَدَدِ؛ لِأنَّهُ إنَّما دَلَّ عَلى نَفْيِ غَيْرِ السَّبْعِ بِالمَفْهُومِ، وهو مَفْهُومُ لَقَبٍ، والحَقُّ عَدَمُ اعْتِبارِهِ.

وَلَوْ قُلْنا: إنَّهُ مَفْهُومُ عَدَدٍ - لَكانَ غَيْرَ مُعْتَبَرٍ أيْضًا؛ لِأنَّ زِيادَةَ الكَبائِرِ عَلى السَّبْعِ مَدْلُولٌ عَلَيْها بِالمَنطُوقِ.

وَقَدْ جاءَ مِنها في الصَّحِيحِ عَدَدٌ أكْثَرُ مِن سَبْعٍ، والمَنطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلى المَفْهُومِ، مَعَ أنَّ مَفْهُومَ العَدَدِ لَيْسَ مِن أقْوى المَفاهِيمِ.

والأظْهَرُ عِنْدِي في ضابِطِ الكَبِيرَةِ أنَّها كُلُّ ذَنْبٍ اقْتَرَنَ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أعْظَمُ مِن مُطْلَقِ المَعْصِيَةِ، سَواءً كانَ ذَلِكَ الوَعِيدُ عَلَيْهِ بِنارٍ أوْ غَضَبٍ أوْ لَعْنَةٍ أوْ عَذابٍ، أوْ كانَ وُجُوبُ الحَدِّ فِيهِ، أوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا يَدُلُّ عَلى تَغْلِيظِ التَّحْرِيمِ وتَوْكِيدِهِ.

(p-٧٨)مَعَ أنَّ بَعْضَ أهْلِ العِلْمِ قالَ: إنَّ كُلَّ ذَنْبٍ كَبِيرَةٌ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآيَةَ [النساء: ٣١] . وقَوْلُهُ: ﴿إلّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢] يَدُلُّ عَلى عَدَمِ المُساواةِ، وأنَّ بَعْضَ المَعاصِي كَبائِرُ، وبَعْضَها صَغائِرُ، والمَعْرُوفُ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ أنَّهُ لا صَغِيرَةَ مَعَ الإصْرارِ، ولا كَبِيرَةَ مَعَ الِاسْتِغْفارِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى .

42:38Page 487

وَٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣٨

And those who have responded to their Lord and established prayer and whose affair is [determined by] consultation among themselves, and from what We have provided them, they spend,

No commentary for this ayah

42:39Page 487

وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡبَغۡيُ هُمۡ يَنتَصِرُونَ ٣٩

And those who, when tyranny strikes them, they retaliate [in a just manner].1

No commentary for this ayah

42:40Page 487

وَجَزَٰٓؤُاْ سَيِّئَةٖ سَيِّئَةٞ مِّثۡلُهَاۖ فَمَنۡ عَفَا وَأَصۡلَحَ فَأَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٠

And the retribution for an evil act is an evil one like it, but whoever pardons and makes reconciliation - his reward is [due] from Allāh. Indeed, He does not like wrongdoers.

قَوْلُه تَعالى: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .

قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في آخِرِ سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآيَةَ [النحل: ١٢٦] . وفي سُورَةِ ”الزُّمَرِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ الآيَةَ [الزمر: ١٧ - ١٨] .

42:41Page 487

وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعۡدَ ظُلۡمِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَا عَلَيۡهِم مِّن سَبِيلٍ ٤١

And whoever retaliates after having been wronged - those have not upon them any cause [for blame].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِن سَبِيلٍ﴾ .

قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في الكَلامِ عَلى آيَةِ ”النَّحْلِ“ وآيَةِ ”الزُّمَرِ“ المَذْكُورَتَيْنِ آنِفًا.

42:42Page 487

إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظۡلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٤٢

The cause is only against the ones who wrong the people and tyrannize upon the earth without right. Those will have a painful punishment.

No commentary for this ayah

42:43Page 487

وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ٤٣

And whoever is patient and forgives - indeed, that is of the matters [worthy] of resolve.1

No commentary for this ayah

42:44Page 487

وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن وَلِيّٖ مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَتَرَى ٱلظَّٰلِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ يَقُولُونَ هَلۡ إِلَىٰ مَرَدّٖ مِّن سَبِيلٖ ٤٤

And he whom Allāh sends astray - for him there is no protector beyond Him. And you will see the wrongdoers, when they see the punishment, saying, "Is there for return [to the former world] any way?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَرى الظّالِمِينَ لَمّا رَأوُا العَذابَ﴾ الآيَةَ.

قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٥٣] .

42:45Page 488

وَتَرَىٰهُمۡ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا خَٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرۡفٍ خَفِيّٖۗ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَآ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ فِي عَذَابٖ مُّقِيمٖ ٤٥

And you will see them being exposed to it [i.e., the Fire], humbled from humiliation, looking from [behind] a covert glance. And those who had believed will say, "Indeed, the [true] losers are the ones who lost themselves and their families on the Day of Resurrection. Unquestionably, the wrongdoers are in an enduring punishment."

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

(p-٣٨٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الشُّورى

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَتَراهم يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ الآيَةَ.

هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ يَوْمَ القِيامَةِ يَنْظُرُونَ بِعُيُونٍ خَفِيَّةٍ ضَعِيفَةِ النَّظَرِ، وقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى يُتَوَهَّمُ مِنها خِلافُ ذَلِكَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] .

والجَوابُ هو ما ذَكَرَهُ صاحِبُ الإتْقانِ، مِن أنَّ المُرادَ بِحِدَّةِ البَصَرِ: العِلْمُ وقُوَّةُ المَعْرِفَةِ، قالَ قُطْرُبٌ: ”فَبَصَرُكَ“ أيْ عِلْمُكَ، ومَعْرِفَتُكَ بِها قَوِيَّةٌ مِن قَوْلِهِمْ: بَصُرَ بِكَذا أيْ عَلِمَ، ولَيْسَ المُرادُ رُؤْيَةُ العَيْنِ، قالَ الفارِسِيَّ: ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ﴾ .

وَقالَهُ بَعْضُ العُلَماءِ: ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ أيْ تُدْرِكُ بِهِ ما عَمِيتَ عَنْهُ في دارِ الدُّنْيا، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا فارْجِعْنا﴾ الآيَةَ [السجدة: ١٢]، وقَوْلُهُ: ﴿وَرَأى المُجْرِمُونَ النّارَ فَظَنُّوا أنَّهم مُواقِعُوها﴾ الآيَةَ [الكهف: ٥٣]، وقَوْلُهُ: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا لَكِنِ الظّالِمُونَ اليَوْمَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [مريم: ٣٨] .

وَدَلالَةُ القُرْءانِ عَلى هَذا الوَجْهِ الأخِيرِ ظاهِرَةٌ، فَلَعَلَّهُ هو الأرْجَحُ، وإنِ اقْتَصَرَ صاحِبُ الإتْقانِ عَلى الأوَّلِ.

42:46Page 488

وَمَا كَانَ لَهُم مِّنۡ أَوۡلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن سَبِيلٍ ٤٦

And there will not be for them any allies to aid them other than Allāh. And whoever Allāh sends astray - for him there is no way.

No commentary for this ayah

42:47Page 488

ٱسۡتَجِيبُواْ لِرَبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۚ مَا لَكُم مِّن مَّلۡجَإٖ يَوۡمَئِذٖ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٖ ٤٧

Respond to your Lord before a Day comes from Allāh of which there is no repelling. No refuge will you have that Day, nor for you will there be any denial.1

No commentary for this ayah

42:48Page 488

فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظًاۖ إِنۡ عَلَيۡكَ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ فَرِحَ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ فَإِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ كَفُورٞ ٤٨

But if they turn away - then We have not sent you, [O Muḥammad], over them as a guardian; upon you is only [the duty of] notification. And indeed, when We let man taste mercy from Us, he rejoices in it; but if evil afflicts him for what his hands have put forth, then indeed, man is ungrateful.

No commentary for this ayah

42:49Page 488

لِّلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثٗا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ ٤٩

To Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth; He creates what He wills. He gives to whom He wills female [children], and He gives to whom He wills males.

No commentary for this ayah

42:50Page 488

أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانٗا وَإِنَٰثٗاۖ وَيَجۡعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًاۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٞ قَدِيرٞ ٥٠

Or He makes them [both] males and females, and He renders whom He wills barren. Indeed, He is Knowing and Competent.

No commentary for this ayah

42:51Page 488

۞ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡيًا أَوۡ مِن وَرَآيِٕ حِجَابٍ أَوۡ يُرۡسِلَ رَسُولٗا فَيُوحِيَ بِإِذۡنِهِۦ مَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ عَلِيٌّ حَكِيمٞ ٥١

And it is not for any human being that Allāh should speak to him except by revelation or from behind a partition or that He sends a messenger [i.e., angel] to reveal, by His permission, what He wills. Indeed, He is Most High and Wise.

No commentary for this ayah

42:52Page 489

وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٥٢

And thus We have revealed to you an inspiration of Our command [i.e., the Qur’ān]. You did not know what is the Book or [what is] faith, but We have made it a light by which We guide whom We will of Our servants. And indeed, [O Muḥammad], you guide to a straight path -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ .

قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في أوَّلِ سُورَةِ ”النَّحْلِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِن أمْرِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ الآيَةَ [النحل: ٢] .

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ - يُبَيِّنُ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - فِيهِ مِنَّتَهُ عَلى هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ، بِأنَّهُ عَلَّمَهُ هَذا القُرْآنَ العَظِيمَ ولَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وعَلَّمَهُ تَفاصِيلَ دِينِ الإسْلامِ ولَمْ يَكُنْ يَعْلَمُها قَبْلَ ذَلِكَ.

(p-٧٩)فَقَوْلُهُ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾ أيْ ما كُنْتَ تَعْلَمُ ما هو هَذا الكِتابُ الَّذِي هو القُرْآنُ العَظِيمُ، حَتّى عَلَّمْتُكَهُ، وما كُنْتَ تَدْرِي ما الإيمانُ الَّذِي هو تَفاصِيلُ هَذا الدِّينِ الإسْلامِيِّ، حَتّى عَلَّمْتُكَهُ.

وَمَعْلُومٌ أنَّ الحَقَّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ الَّذِي هو مَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ - أنَّ الإيمانَ شامِلٌ لِلْقَوْلِ والعَمَلِ مَعَ الِاعْتِقادِ.

وَذَلِكَ ثابِتٌ في أحادِيثَ صَحِيحَةٍ كَثِيرَةٍ، مِنها حَدِيثُ وفْدِ عَبْدِ القَيْسِ المَشْهُورُ، ومِنها حَدِيثُ: «مَن قامَ رَمَضانَ إيمانًا واحْتِسابًا» . . . ”الحَدِيثَ، فَسَمّى فِيهِ قِيامَ رَمَضانَ إيمانًا، وحَدِيثُ“ «الإيمانُ بِضْعٌ وسَبْعُونَ شُعْبَةً»، وفي بَعْضِ رِواياتِهِ «بِضْعٌ وسِتُّونَ شُعْبَةً، أعْلاها شَهادَةُ ألّا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأدْناها إماطَةُ الأذى عَنِ الطَّرِيقِ» .

والأحادِيثُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، ويَكْفِي في ذَلِكَ ما أوْرَدَهُ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، فَهو - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ - ما كانَ يَعْرِفُ تَفاصِيلَ الصَّلَواتِ المَكْتُوبَةِ وأوْقاتَها، ولا صَوْمَ رَمَضانَ، وما يَجُوزُ فِيهِ وما لا يَجُوزُ، ولَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ تَفاصِيلَ الزَّكاةِ ولا ما تَجِبُ فِيهِ ولا قَدْرَ النِّصابِ وقَدْرَ الواجِبِ فِيهِ، ولا تَفاصِيلَ الحَجِّ ونَحْوَ ذَلِكَ، وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا الإيمانُ﴾ .

وَما ذَكَرَهُ هُنا مِن أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ هَذِهِ الأُمُورَ حَتّى عَلَّمَهُ إيّاها بِأنْ أوْحى إلَيْهِ هَذا النُّورَ العَظِيمَ الَّذِي هو كِتابُ اللَّهِ - جاءَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ الآيَةَ [النساء: ١١٣] . وقَوْلُهُ - جَلَّ وعَلا -: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣] .

فَقَوْلُهُ في آيَةِ ”يُوسُفَ“ هَذِهِ: ﴿وَإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾، كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] عَلى أصَحِّ التَّفْسِيراتِ كَما قَدَّمْناهُ في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠] . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ﴾، الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (جَعَلْناهُ) راجِعٌ إلى القُرْآنِ العَظِيمِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿رُوحًا مِن أمْرِنا﴾ . (p-٨٠)وَقَوْلُهُ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ﴾، أيْ ولَكِنْ جَعْلَنا هَذا القُرْآنَ العَظِيمَ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ هِدايَتَهُ مِن عِبادِنا.

وَسُمِّي القُرْآنُ نُورًا؛ لِأنَّهُ يُضِيءُ الحَقَّ ويُزِيلُ ظُلُماتِ الجَهْلِ والشَّكِّ والشِّرْكِ.

وَما ذَكَرَهُ هُنا مِن أنَّ هَذا القُرْآنَ نُورٌ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] .

• وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ [التغابن: ٨] .

وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِ هَذا القُرْآنُ نُورًا - يَدُلُّ عَلى أنَّهُ هو الَّذِي يَكْشِفُ ظُلُماتِ الجَهْلِ، ويَظْهَرُ في ضَوْئِهِ الحَقُّ، ويَتَمَيَّزُ عَنِ الباطِلِ، ويُمَيَّزُ بِهِ بَيْنَ الهُدى والضَّلالِ والحَسَنِ والقَبِيحِ.

فَيَجِبُ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ أنْ يَسْتَضِيءَ بِنُورِهِ، فَيَعْتَقِدَ عَقائِدَهُ، ويُحِلَّ حَلالَهُ، ويُحَرِّمَ حَرامَهُ، ويَمْتَثِلَ أوامِرَهُ، ويَجْتَنِبَ ما نَهى عَنْهُ، ويَعْتَبِرَ بِقَصَصِهِ وأمْثالِهِ.

والسُّنَّةُ كُلُّها داخِلَةٌ في العَمَلِ بِهِ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] .

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ .

الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ قَدْ بَيَّنَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧] .

وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي﴾ الآيَةَ، قَدْ بَيَّنّا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”فُصِّلَتْ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ﴾ الآيَةَ [فصلت: ١٧]، وبَيَّنّا هُناكَ وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ﴾ [القصص: ٥٦] .

(p-٨١)والصِّراطُ في لُغَةِ العَرَبِ: الطَّرِيقُ الواضِحُ، والمُسْتَقِيمُ: الَّذِي لا اعْوِجاجَ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ:

؎أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلى صِراطٍ إذا اعْوَجَّ المَوارِدُ مُسْتَقِيمُ

42:53Page 489

صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلۡأُمُورُ ٥٣

The path of Allāh, to whom belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. Unquestionably, to Allāh do [all] matters evolve [i.e., return].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ .

ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِ الأُمُورِ كُلِّها تَصِيرُ إلى اللَّهِ، أيْ تَرْجِعُ إلَيْهِ وحْدَهُ لا إلى غَيْرِهِ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: ١٢٣] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١٠٩ - ١١٠] . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском