Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Az-Zukhruf 43:81–89, continued
فَقَوْلُهُ: لَوْ عَلِمْتُ أنَّ ذَلِكَ إلَيْكَ في مَعْنى ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾، فَنِسْبَةُ الوَلَدِ والشَّرِيكِ إلَيْهِ مَعْناهُما في الِاسْتِحالَةِ وادِّعاءِ النَّقْصِ واحِدٌ.
فَلَوْ كانَ سَعِيدٌ يَفْهَمُ الآيَةَ كَفَهْمِكَ الباطِلِ لَقالَ: لَوْ عَلِمْتُ أنَّ ذَلِكَ إلَيْكَ لَكُنْتُ أوَّلَ العابِدِينَ لِلَّهِ.
وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ هَذا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ يَجُوزُ المَصِيرُ إلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ تَمْثِيلُ الزَّمَخْشَرِيِّ لِلْآيَةِ الكَرِيمَةِ في كَلامِهِ القَبِيحِ البَشِعِ الشَّنِيعِ الَّذِي يَتَقاصَرُ عَنِ التَّلَفُّظِ بِهِ كُلُّ كافِرٍ.
فَقَدِ اضْطُرَّ فِيهِ أيْضًا إلى ألّا يُعَلِّقَ عَلى المُحالِ في زَعْمِهِ إلّا مُحالًا شَنِيعًا؛ فَإنَّهُ قالَ فِيهِ: ونَظِيرُهُ أنْ يَقُولَ العَدْلِيُّ لِلْمُجَبِّرِ: إنْ كانَ اللَّهُ تَعالى خالِقًا لِلْكُفْرِ في القُلُوبِ، ومُعَذِّبًا عَلَيْهِ عَذابًا سَرْمَدًا، فَأنا أوَّلُ مَن يَقُولُ هو شَيْطانٌ، ولَيْسَ بِإلَهٍ.
فانْظُرْ قَوْلَ هَذا الضّالِّ في ضَرْبِهِ المَثَلَ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِقَوْلِ الضّالِّ الَّذِي يُسَمِّيهِ العَدْلِيَّ: إنْ كانَ اللَّهُ خالِقًا لِلْكُفْرِ في القُلُوبِ. . . إلَخْ.
فَخَلْقُ اللَّهِ لِلْكُفْرِ في القُلُوبِ وتَعْذِيبُهُ الكُفّارَ عَلى كُفْرِهِمْ - مُسْتَحِيلٌ عِنْدَهُ كاسْتِحالَةِ نِسْبَةِ الوَلَدِ لِلَّهِ، وهَذا المُسْتَحِيلُ في زَعْمِهِ الباطِلِ، إنَّما عَلَّقَ عَلَيْهِ أفْظَعَ أنْواعِ المُسْتَحِيلِ (p-١٦١)وَهُوَ زَعْمُهُ الخَبِيثُ أنَّ اللَّهَ إنْ كانَ خالِقًا لِلْكُفْرِ في القُلُوبِ ومُعَذِّبًا عَلَيْهِ - فَهو شَيْطانٌ لا إلَهٌ - سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا - .
فانْظُرْ رَحِمَكَ اللَّهُ فَظاعَةَ جَهْلِ هَذا الإنْسانِ بِاللَّهِ، وشِدَّةَ تَناقُضِهِ في المَعْنى العَرَبِيِّ لِلْآيَةِ.
لِأنَّهُ جَعَلَ قَوْلَهُ: إنْ كانَ اللَّهُ خالِقًا لِلْكُفْرِ ومُعَذِّبًا عَلَيْهِ بِمَعْنى ﴿إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾ في أنَّ الشَّرْطَ فِيهِما مُسْتَحِيلٌ، وجَعَلَ قَوْلَهُ في اللَّهِ إنَّهُ شَيْطانٌ لا إلَهٌ - سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا - .
كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: أنا أوَّلُ العابِدِينَ.
فاللّازِمُ لِكَلامِهِ أنْ يَقُولَ: لَوْ كانَ خالِقًا لِلْكُفْرِ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لَهُ، ولا يَخْفى أنَّ الِادِّعاءَ عَلى اللَّهِ أنَّهُ شَيْطانٌ مُناقِضٌ لِقَوْلِهِ: فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ.
وَقَدْ أعْرَضْتُ عَنِ الإطالَةِ في بَيانِ بُطْلانِ كَلامِهِ وشَدَّةِ ضَلالِهِ وتَناقُضِهِ؛ لِشَناعَتِهِ ووُضُوحِ بُطْلانِهِ، فَهي عِباراتٌ مُزَخْرَفَةٌ، وشَقْشَقَةٌ لا طائِلَ تَحْتَها، وهي تَحْمِلُ في طَيّاتِها الكُفْرَ والجَهْلَ بِالمَعْنى العَرَبِيِّ لِلْآيَةِ، والتَّناقُضَ الواضِحَ، وكَمْ مِن كَلامٍ مَلِيءٍ بِزُخْرُفِ القَوْلِ، وهو عَقِيمٌ لا فائِدَةَ فِيهِ، ولا طائِلَ تَحْتَهُ كَما قِيلَ: وإنِّي وإنِّي ثُمَّ إنِّي وإنَّنِي إذا انْقَطَعَتْ نَعْلِي جَعَلْتُ لَها شِسْعًا فَظَلَّ يُعْمِلُ أيّامًا رَوِيَّتَهُ وشَبَّهَ الماءَ بَعْدَ الجَهْدِ بِالماءِ
واعْلَمْ أنَّ الكَلامَ عَلى القَدَرِ وخَلْقِ أفْعالِ العِبادِ، قَدَّمْنا مِنهُ جُمَلًا كافِيَةً في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ، في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] . ولا يَخْفى تَصْرِيحُ القُرْآنِ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآيَةَ [الرعد: ١٦] . وقالَ تَعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] . وقالَ: ﴿هَلْ مِن خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٢] . وقالَ تَعالى: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] .
فالإيمانُ بِالقَدَرِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ الَّذِي هو مِن عَقائِدِ المُسْلِمِينَ جَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ يَقْتَضِي أنَّ لِلَّهِ شَيْطانٌ - سُبْحانَ اللَّهِ وتَعالى عَمّا يَقُولُهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عُلُوًّا كَبِيرًا - .
(p-١٦٢)وَجَزى الزَّمَخْشَرِيَّ بِما هو أهْلُهُ.
الأمْرُ الرّابِعُ: هو دَلالَةُ اسْتِقْراءِ القُرْآنِ العَظِيمِ أنَّ اللَّهَ تَعالى إذا أرادَ أنْ يَفْرِضَ المُسْتَحِيلَ لِيُبَيِّنَ الحَقَّ بِفَرْضِهِ - عَلَّقَهُ أوَّلًا بِالأداةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُجُودِهِ، وهي لَفْظَةُ (لَوْ)، ولَمْ يُعَلِّقْ عَلَيْهِ البَتَّةَ إلّا مُحالًا مِثْلَهُ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ [الزمر: ٤] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ١٧] .
وَأمّا تَعْلِيقُ ذَلِكَ بِأداةٍ لا تَقْتَضِي عَدَمَ وُجُودِهِ كَلَفْظَةِ (إنْ) مَعَ كَوْنِ الجَزاءِ غَيْرَ مُسْتَحِيلٍ - فَلَيْسَ مَعْهُودًا في القُرْآنِ.
وَمِمّا يُوَضِّحُ هَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرْنا - المُحاوَرَةَ الَّتِي ذَكَرَها جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، الَّتِي وقَعَتْ بَيْنَ النَّضْرِ بْنِ الحارِثِ والوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وهي وإنْ كانَتْ أسانِيدُها غَيْرَ قائِمَةٍ، فَإنَّ مَعْناها اللُّغَوِيَّ صَحِيحٌ.
وَهِيَ أنَّ النَّضْرَ بْنَ الحارِثِ كانَ يَقُولُ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾ الآيَةَ.
فَقالَ النَّضْرُ لِلْوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ: ألا تَرى أنَّهُ قَدْ صَدَقَنِي ؟
فَقالَ الوَلِيدُ: لا، ما صَدَقَكَ، ولَكِنَّهُ يَقُولُ: ما كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ، أيِ المُوَحِّدِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ المُنَزِّهِينَ لَهُ عَنِ الوَلَدِ. فَمُحاوَرَةُ هَذَيْنِ الكافِرَيْنِ، العالِمَيْنِ بِالعَرَبِيَّةِ مُطابِقَةٌ لِما قَرَّرْنا.
لِأنَّ النَّضْرَ قالَ: إنَّ مَعْنى الآيَةِ عَلى أنَّ (إنْ) شَرْطِيَّةٌ مُطابِقٌ لِما يَعْتَقِدُهُ الكُفّارُ مِن نِسْبَةِ الوَلَدِ إلى اللَّهِ، وهو مَعْنًى مَحْذُورٌ وأنَّ الوَلِيدَ قالَ: إنَّ (إنْ) نافِيَةٌ، وأنَّ مَعْنى الآيَةِ عَلى ذَلِكَ هو مُخالَفَةُ الكُفّارِ وتَنْزِيهُ اللَّهِ عَنِ الوَلَدِ.
وَبِجَمِيعِ ما ذَكَرْنا يَتَّضِحُ أنَّ (إنْ) في الآيَةِ الكَرِيمَةِ نافِيَةٌ.
وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ والسُّدِّيِّ وقَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ وزُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وغَيْرِهِمْ.
* *
(p-١٦٣)تَنْبِيهٌ
اعْلَمْ أنَّ ما قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُ واحِدٍ مِن أنَّ القَوْلَ بِأنَّ (إنْ) نافِيَةٌ - يَلْزَمُهُ إيهامُ المَحْذُورِ الَّذِي لا يَجُوزُ في حَقِّ اللَّهِ.
قالُوا: لِأنَّهُ إنْ كانَ المَعْنى: ما كانَ لِلَّهِ ولَدٌ؛ فَإنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الوَلَدِ إلّا في الماضِي، فَلِلْكُفّارِ أنْ يَقُولُوا: إذًا صَدَقْتَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ في الماضِي ولَدٌ. ولَكِنَّ الوَلَدَ طَرَأ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ لَمّا صاهَرَ الجِنَّ، ووَلَدَتْ لَهُ بَناتَهُ الَّتِي هي المَلائِكَةُ.
وَإنَّ هَذا المَحْذُورَ يَمْنَعُ مِنَ الحَمْلِ عَلى النَّفْيِ لا شَكَّ في عَدَمِ صِحَّتِهِ؛ لِدَلالَةِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ بِكَثْرَةٍ عَلى أنَّ هَذا الإيهامَ لا أثَرَ لَهُ ولَوْ كانَ لَهُ أثَرٌ لَما كانَ اللَّهُ يَمْدَحُ نَفْسَهُ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ بِلَفْظَةِ (كانَ) الدّالَّةِ عَلى خُصُوصِ الزَّمَنِ الماضِي في نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٨] . ﴿وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٧] . ﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] . ﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢٧] . ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٤] . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الَّتِي يَصْعُبُ حَصْرُها.
فَإنَّ مَعْنى كُلِّ تِلْكَ الآياتِ أنَّهُ كانَ ولَمْ يَزَلْ.
فَلَوْ كانَ الكُفّارُ يَقُولُونَ ذَلِكَ الَّذِي زَعَمُوهُ الَّذِي هو قَوْلُهم: صَدَقْتَ، ما كانَ لَهُ ولَدٌ في الماضِي، ولَكِنَّهُ طَرَأ لَهُ - لَقالُوا مِثْلَهُ في الآياتِ الَّتِي ذَكَرْنا.
كَأنْ يَقُولُوا: ﴿كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١] في الماضِي، ولَكِنَّهُ طَرَأ عَلَيْهِ عَدَمُ ذَلِكَ. وهَكَذا في جَمِيعِ الآياتِ المَذْكُورَةِ ونَحْوِها.
وأيْضًا فَإنَّ المَحْذُورَ الَّذِي زَعَمُوهُ لَمْ يَمْنَعْ مِن إطْلاقِ نَفْيِ الكَوْنِ الماضِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤] .
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ المُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: ٥١] .
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما كُنّا مُهْلِكِي القُرى إلّا وأهْلُها ظالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩] .
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَمِن أوْضَحِها في مَحَلِّ النِّزاعِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٩١] .
وَلَمْ يَمْنَعْ مِن نَفْيِ القُرْآنِ لِلْوَلَدِ في الزَّمَنِ الماضِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] (p-١٦٤)فَإنَّ الكُفّارَ لَمْ يَقُولُوا يَوْمًا ما: صَدَقْتَ، ما اتَّخَذَهُ في الماضِي، ولَكِنَّهُ طَرَأ عَلَيْهِ اتِّخاذُهُ.
وَكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا﴾ [الإسراء: ١١١] . وقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص: ٣]؛ لِأنَّ (لَمْ) تَنْقُلِ المُضارِعَ إلى مَعْنى الماضِي.
والكُفّارُ لَمْ يَقُولُوا يَوْمًا: صَدَقْتَ، لَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا في الماضِي، ولَكِنَّهُ طَرَأ عَلَيْهِ اتِّخاذُهُ، ولَمْ يَقُولُوا: لَمْ يَلِدْ في الماضِي، ولَكِنَّهُ ولَدَ أخِيرًا.
والحاصِلُ أنَّ الكُفّارَ لَمْ يُقِرُّوا أنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الوَلَدِ لا في الماضِي ولا في الحالِ، ولا في الِاسْتِقْبالِ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ الوِلادَةَ المَزْعُومَةَ حَدَثٌ مُتَحَدِّدٌ.
وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ ما زَعَمُوهُ مِن إيهامِ المَحْذُورِ في كَوْنِ (إنْ) في الآيَةِ نافِيَةً - لا أساسَ لَهُ ولا مُعَوِّلَ عَلَيْهِ، وأنَّ ما ادَّعَوْهُ مِن كَوْنِها شَرْطِيَّةً لَيْسَ لَها مَعْنًى في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، إلّا المَعْنى المَحْذُورُ الَّذِي لا يَجُوزُ في حَقِّ اللَّهِ بِحالٍ.
واعْلَمْ أنَّ كَلامَ الفَخْرِ الرّازِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الَّذِي يَقْتَضِي إمْكانَ صِحَّةِ الرَّبْطِ بَيْنَ طَرَفَيْها عَلى أنَّها شَرْطِيَّةٌ لا شَكَّ في غَلَطِهِ فِيهِ.
وَأمّا إبْطالُهُ لِقَوْلِ مَن قالَ: إنَّ المَعْنى: إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ في زَعْمِكم فَأنا أوَّلُ العابِدِينَ لَهُ والمُكَذِّبِينَ لَكم في ذَلِكَ، فَهو إبْطالٌ صَحِيحٌ، وكَلامُهُ فِيهِ في غايَةِ الحُسْنِ والدِّقَّةِ، وهو يَقْتَضِي إبْطالَهُ بِنَفْسِهِ، لِجَمِيعِ ما كانَ يُقَرِّرُهُ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ.
والحاصِلُ أنَّ كَوْنَ مَعْنى (إنْ) في الآيَةِ الكَرِيمَةِ هو النَّفْيُ لا إشْكالَ فِيهِ، ولا مَحْذُورَ ولا إيهامَ، وأنَّ الآياتِ القُرْآنِيَّةَ تَشْهَدُ لَهُ لِكَثْرَةِ الآياتِ المُطابِقَةِ لِهَذا المَعْنى في القُرْآنِ.
وَأمّا كَوْنُ مَعْنى الآيَةِ الشَّرْطَ والجَزاءَ فَلا يَصِحُّ لَهُ مَعْنًى غَيْرُ مَحْذُورٍ في اللُّغَةِ، ولَيْسَ لَهُ في كِتابِ اللَّهِ نَظِيرٌ، لِإجْماعِ أهْلِ اللِّسانِ العَرَبِيِّ عَلى اخْتِلافِ المَعْنى في التَّعْلِيقِ بِإنْ والتَّعْلِيقِ بِلَوْ.
لِأنَّ التَّعْلِيقَ بِـ (لَوْ) يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الشَّرْطِ، وعَدَمُ الشَّرْطِ اسْتَلْزَمَ عَدَمَ المَشْرُوطِ بِخِلافِ (إنْ) .
(p-١٦٥)فالتَّعْلِيقُ بِها يَدُلُّ عَلى الشَّكِّ في وُجُودِ الشَّرْطِ بِلا نِزاعٍ.
وَما خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ مِنَ التَّعْلِيقِ بِها مَعَ العِلْمِ بِوُجُودِ الشَّرْطِ أوِ العِلْمِ بِنَفْيِهِ، فَلِأسْبابٍ أُخَرَ، وأدِلَّةٍ خارِجَةٍ، ولا يَجُوزُ حَمْلُها عَلى أحَدِ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، إلّا بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ كَما أوْضَحْناهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
* *
تَنْبِيهٌ
اعْلَمْ أنَّ ما ذَكَرْنا مِن أنَّ (لَوْ) تَقْتَضِي عَدَمَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وأنَّ (إنْ) تَقْتَضِي الشَّكَّ فِيهِ - لا يَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ الآيَةَ [يونس: ٩٤] . كَما أشَرْنا لَهُ قَرِيبًا.
لِأنَّ التَّحْقِيقَ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُرادُ بِهِ مَن يُمْكِنُ أنْ يَشُكَّ في ذَلِكَ مِن أُمَّتِهِ.
وَقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٢٢] - دَلالَةَ القُرْآنِ الصَّرِيحَةَ عَلى أنَّهُ ﷺ يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ الخِطابُ مِنَ اللَّهِ، والمُرادُ بِهِ التَّشْرِيعُ لِأُمَّتِهِ، ولا يُرادُ هو ﷺ البَتَّةَ بِذَلِكَ الخِطابِ.
وَقَدَّمْنا هُناكَ أنَّ مِن أصْرَحِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ في ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٢٣] . فالتَّحْقِيقُ أنَّ الخِطابَ لَهُ ﷺ والمُرادُ أُمَّتُهُ لا هو نَفْسُهُ؛ لِأنَّهُ هو المُشَرِّعُ لَهم بِأمْرِ اللَّهِ.
وَإيضاحُ ذَلِكَ أوْ مَعْنى: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ﴾ أيْ إنْ يَبْلُغْ عِنْدَكَ الكِبَرَ يا نَبِيَّ اللَّهِ والِداكَ أوْ أحَدُهُما، فَلا تَقُلْ لَهُما: أُفٍّ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ أباهُ ماتَ وهو حَمْلٌ، وأمَّهُ ماتَتْ وهو في صِباهُ، فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: إنْ يَبْلُغِ الكِبَرَ عِنْدَكَ هُما أوْ أحَدُهُما، والواقِعُ أنَّهُما قَدْ ماتا قَبْلَ ذَلِكَ بِأزْمانٍ.
وَبِذَلِكَ يَتَحَقَّقُ أنَّ المُرادَ بِالخِطابِ غَيْرُهُ مِن أُمَّتِهِ الَّذِي يُمْكِنُ إدْراكُ والِدَيْهِ أوْ أحَدِهِما الكِبَرَ عِنْدَهُ.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ مِثْلَ هَذا أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ، وأوْرَدْنا شاهِدًا لِذَلِكَ؛ رَجَزَ سَهْلِ بْنِ مالِكٍ الفَزارِيِّ في قَوْلِهِ: (p-١٦٦)
؎يا أُخْتَ خَيْرِ البَدْوِ والحِضارَهْ كَيْفَ تَرَيْنَ في فَتى فَزارَهْ
؎أصْبَحَ يَهْوى حُرَّةً مِعْطارَهْ ∗∗∗ إيّاكِ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَهْ
وَقَدْ بَسَطْنا القِصَّةَ هُناكَ، وبَيَّنّا أنَّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٢٣] لِكُلِّ مَن يَصِحُّ خِطابُهُ مِن أُمَّتِهِ ﷺ لا لَهُ هو نَفْسُهُ - باطِلٌ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَهُ في سِياقِ الآياتِ: ﴿ذَلِكَ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحِكْمَةِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٣٩] .
والحاصِلُ أنَّ آيَةَ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ﴾ الآيَةَ [يونس: ٩٤] لا يُنْقَضُ بِها الضّابِطُ الَّذِي ذَكَرْنا؛ لِأنَّها كَقَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٢٢] . ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] . ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤] . ﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ٤٨] . ﴿وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَمَعْلُومٌ أنَّهُ هو ﷺ لا يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ البَتَّةَ، ولَكِنَّهُ يُؤْمَرُ ويُنْهى لِيُشَرِّعَ لِأُمَّتِهِ عَلى لِسانِهِ.
وَبِذَلِكَ تَعْلَمُ اطِّرادَ الضّابِطِ الَّذِي ذَكَرْنا في لَفْظَةِ لَوْ، ولَفْظَةِ إنْ، وأنَّهُ لا يُنْتَقَضُ بِهَذِهِ الآيَةِ.
هَذا ما ظَهَرَ لَنا في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، ولا شَكَّ أنَّهُ لا مَحْذُورَ فِيهِ ولا غَرَرَ ولا إيهامَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى .
43:82Page 495
سُبۡحَٰنَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٨٢
Exalted is the Lord of the heavens and the earth, Lord of the Throne, above what they describe.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ والأرْضِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا مَعْنى لَفْظَةِ سُبْحانَ، وما تَدُلُّ عَلَيْهِ مِن تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ، وإعْرابَ لَفْظَةِ سُبْحانَ مَعَ بَعْضِ الشَّواهِدِ العَرَبِيَّةِ في أوَّلِ سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ .
وَلَمّا قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَ لِلرَّحْمَنِ ولَدٌ﴾ الآيَةَ - نَزَّهَ نَفْسَهُ تَنْزِيهًا تامًّا عَمّا يَصِفُونَهُ بِهِ مِن نِسْبَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ، مُبَيِّنًا أنَّ رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ ورَبَّ العَرْشِ - جَدِيرٌ بِالتَّنْزِيهِ عَنِ الوَلَدِ، وعَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِكَمالِهِ وجَلالِهِ.
(p-١٦٧)وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، مِن أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ وصْفَ الكُفّارِ لَهُ بِما لا يَلِيقُ بِهِ، نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ مُعْلِمًا خَلْقَهُ في كِتابِهِ أنْ يُنَزِّهُوهُ عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِهِ - جاءَ مِثْلُهُ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١ - ٩٢] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤٢ - ٤٣] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَهُ أنْ يَكُونَ لَهُ ولَدٌ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١] .
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
43:83Page 495
فَذَرۡهُمۡ يَخُوضُواْ وَيَلۡعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوۡمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ ٨٣
So leave them to converse vainly and amuse themselves until they meet their Day which they are promised.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَرْهم يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”الحِجْرِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَرْهم يَأْكُلُوا ويَتَمَتَّعُوا ويُلْهِهِمُ الأمَلُ﴾ الآيَةَ [الحجر: ٣] .
43:84Page 495
وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَآءِ إِلَٰهٞ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَٰهٞۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ ٨٤
And it is He [i.e., Allāh] who is [the only] deity in the heaven, and on the earth [the only] deity. And He is the Wise, the Knowing.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهو الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في أوَّلِ سُورَةِ ”الأنْعامِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٣] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ .
هَذا العَطْفُ مَعَ التَّنْكِيرِ في هَذِهِ الآيَةِ يَتَوَهَّمُ الجاهِلُ مِنهُ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ، مَعَ أنَّ الآياتِ القُرْآنِيَّةَ مُصَرِّحَةٌ بِأنَّهُ واحِدٌ كَقَوْلِهِ: ﴿فاعْلَمْ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وقَوْلِهِ: ﴿وَما مِن إلَهٍ إلّا إلَهٌ واحِدٌ﴾ الآيَةَ [ ٥ ] .
والجَوابُ أنَّ مَعْنى الآيَةِ، أنَّهُ تَعالى هو مَعْبُودُ أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ﴾ أيْ مَعْبُودٌ وحْدَهُ في السَّماءِ، كَما أنَّهُ المَعْبُودُ بِالحَقِّ في الأرْضِ، سُبْحانَهُ وتَعالى.
43:85Page 495
وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَعِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٨٥
And blessed is He to whom belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them and with whom is knowledge of the Hour and to whom you will be returned.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ .
قَدْ بَيَّنّا الآياتِ المُوَضِّحَةَ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الغَيْبِ لا يَعْلَمُها إلّا هُوَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٥٩] .
وَفِي ”الأعْرافِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هُوَ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٧٨] وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.
43:86Page 495
وَلَا يَمۡلِكُ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ٨٦
And those they invoke1 besides Him do not possess [power of] intercession; but only those who testify to the truth [can benefit], and they know.2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفاعَةَ﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٤٨] . وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.
43:87Page 495
وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَهُمۡ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٨٧
And if you asked them1 who created them, they would surely say, "Allāh." So how are they deluded?
(p-١٦٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ .
قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ بِكَثْرَةٍ في سُورَةِ ”بَنِي“ إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
43:88Page 495
وَقِيلِهِۦ يَٰرَبِّ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمٞ لَّا يُؤۡمِنُونَ ٨٨
And [Allāh acknowledges] his saying,1 "O my Lord, indeed these are a people who do not believe."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقِيلِهِ يا رَبِّ إنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ﴾ .
قَرَأ هَذا الحَرْفَ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ -: (وقِيلَهُ) بِفَتْحِ اللّامِ وضَمِّ الهاءِ، وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ: (وقِيلِهِ) بِكَسْرِ اللّامِ والهاءِ.
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إعْرابُهُ بِأنَّهُ عَطْفُ مَحَلٍّ عَلى (السّاعَةِ) لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٨٥] - مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى مَفْعُولِهِ.
فَلَفْظُ السّاعَةِ مَجْرُورٌ لَفْظًا بِالإضافَةِ، مَنصُوبٌ مَحَلًّا بِالمَفْعُولِيَّةِ، وما كانَ كَذَلِكَ جازَ في تابِعِهِ النَّصْبُ نَظَرًا إلى المَحَلِّ، والخَفْضُ نَظَرًا إلى اللَّفْظِ، كَما قالَ في الخُلاصَةِ: وجُرَّ ما يَتْبَعُ ما جُرَّ ومَن راعى في الِاتِّباعِ المَحَلَّ فَحَسَنْ
وَقالَ في نَظِيرِهِ في الوَصْفِ: واخْفِضْ أوِ انْصِبْ تابِعَ الَّذِي انْخَفَضْ كَمُبْتَغِي جاهٍ ومالًا مَن نَهَضْ
وَقالَ بَعْضُهم: هو مَعْطُوفٌ عَلى سِرَّهم [الزخرف: ٨٠] .
وَعَلَيْهِ فالمَعْنى: ﴿أمْ يَحْسَبُونَ أنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ [الزخرف: ٨٠] . ﴿وَقِيلِهِ يارَبِّ﴾ الآيَةَ.
وَقالَ بَعْضُهم: هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ.
أيْ، وقالَ: قِيلَهُ، وهو بِمَعْنى قَوْلِهِ، إلّا أنَّ القافَ لَمّا كُسِرَتْ أُبْدِلَتِ الواوُ ياءً لِمُجانِسَةِ الكَسْرَةِ.
قالُوا: ونَظِيرُ هَذا الإعْرابِ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ
؎: تَمْشِي الوُشاةُ جَنابَيْها وقَيْلَهُمُ إنَّكَ يا بْنَ أبِي سَلْمى لَمَقْتُولُ
أيْ ويَقُولُونَ قَيْلَهم.
(p-١٦٩)وَقالَ بَعْضُهم: هو مَنصُوبٌ بِيَعْلَمُ مَحْذُوفَةً؛ لِأنَّ العَطْفَ الَّذِي ذَكَرْنا عَلى قَوْلِهِ: سَرَّهم، والعَطْفَ عَلى (السّاعَةِ) يُقالُ فِيهِ: إنَّهُ يَقْتَضِي الفَصْلَ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ بِما لا يَصْلُحُ لِكَوْنِهِ اعْتِراضًا، وتَقْدِيرُ النّاصِبِ إذا دَلَّ المَقامُ عَلَيْهِ لا إشْكالَ فِيهِ. كَما قالَ في الخُلاصَةِ: ويُحْذَفُ النّاصِبُها إنْ عُلِما وقَدْ يَكُونُ حَذْفُهُ مُلْتَزِما
وَأمّا عَلى قِراءَةِ الخَفْضِ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى السّاعَةِ، أيْ وعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ، وعَلَمُ (قِيلِهِ يا رَبِّ) .
واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّهُ مَخْفُوضٌ بِالقِسْمِ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ كَما نَبَّهَ عَلَيْهِ أبُو حَيّانَ.
والتَّحْقِيقُ أنَّ الضَّمِيرَ في (قِيلِهِ) لِلنَّبِيِّ ﷺ .
والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ بَعْدُ: ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ﴾ [الزخرف: ٨٩] - خِطابٌ لَهُ ﷺ بِلا نِزاعٍ، فادِّعاءُ أنَّ الضَّمِيرَ في (قِيلِهِ) لِعِيسى لا دَلِيلَ عَلَيْهِ ولا وجْهَ لَهُ.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن شَكْواهُ ﷺ إلى رَبِّهِ عَدَمَ إيمانِ قَوْمِهِ - جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [ ٢٥ ] . وذُكِرَ مِثْلُهُ عَنْ مُوسى في قَوْلِهِ تَعالى في ”الدُّخانِ“: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢] . وعَنْ نُوحٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ [نوح: ٥ - ٦] . إلى آخِرِ الآياتِ.
43:89Page 495
فَٱصۡفَحۡ عَنۡهُمۡ وَقُلۡ سَلَٰمٞۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ ٨٩
So turn aside from them and say, "Peace."1 But they are going to know.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاصْفَحْ عَنْهم وقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ .
قَرَأ هَذا الحَرْفَ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ -: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ بِياءِ الغَيْبَةِ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) بِتاءِ الخِطابِ.
وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَضَمَّنَتْ ثَلاثَةَ أُمُورٍ: الأوَّلُ: أمْرُهُ ﷺ بِالصَّفْحِ عَنِ الكُفّارِ.
والثّانِي: أنْ يَقُولَ لَهم سَلامٌ.
(p-١٧٠)والثّالِثُ: تَهْدِيدُ الكُفّارِ بِأنَّهم سَيَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ الأمْرِ وصِحَّةَ ما يُوعَدُ بِهِ الكافِرُ مِن عَذابِ النّارِ.
وَهَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ جاءَتْ مُوَضَّحَةً في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى في الأوَّلِ: ﴿وَإنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ فاصْفَحِ الصَّفْحَ الجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ ودَعْ أذاهُمْ﴾ [الحج: ٤٨] .
والصَّفْحُ: الإعْراضُ عَنِ المُؤاخَذَةِ بِالذَّنْبِ.
قالَ بَعْضُهم: وهو أبْلَغُ مِنَ العَفْوِ.
قالُوا: لِأنَّ الصَّفْحَ أصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِن صَفْحَةِ العُنُقِ، فَكَأنَّهُ يُوَلِّي المُذْنِبَ بِصَفْحَةِ عُنُقِهِ مُعْرِضًا عَنْ عِتابِهِ فَما فَوْقَهُ.
وَأمّا الأمْرُ الثّانِي: فَقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ هو شَأْنُ عِبادِهِ الطَّيِّبِينَ.
وَمَعْلُومٌ أنَّهُ ﷺ سَيِّدُهم، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] . وقالَ تَعالى: ﴿وَإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥] . وقالَ عَنْ إبْراهِيمَ: إنَّهُ قالَ لَهُ أبُوهُ: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] . قالَ لَهُ: ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ [مريم: ٤٧] .
وَمَعْنى السَّلامِ في الآياتِ المَذْكُورَةِ إخْبارُهم بِسَلامَةِ الكُفّارِ مِن أذاهم، ومِن مُجازاتِهِمْ لَهم بِالسُّوءِ، أيْ سَلِمْتُمْ مِنّا لا نُسافِهُكم، ولا نُعامِلُكم بِمِثْلِ ما تُعامِلُونَنا.
وَأمّا الأمْرُ الثّالِثُ الَّذِي هو تَهْدِيدُ الكُفّارِ بِأنَّهم سَيَعْلَمُونَ الحَقِيقَةَ - قَدْ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتِ كِتابِ اللَّهِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٦٧] .
• وقَوْلِهِ: ﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبإ: ٤ - ٥] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣ - ٤] .
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٦ - ٧] .
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
(p-١٧١)وَكَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ يَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ وما في مَعْناهُ - مَنسُوخٌ بِآياتِ السَّيْفِ، وجَماعاتٌ مِنَ المُحَقِّقِينَ يَقُولُونَ: هو لَيْسَ بِمَنسُوخٍ.
والقِتالُ في المَحَلِّ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ القِتالُ والصَّفْحُ عَنِ الجَهَلَةِ والإعْراضُ عَنْهم - وصْفٌ كَرِيمٌ، وأدَبٌ سَماوِيٌّ، لا يَتَعارَضُ مَعَ ذَلِكَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences