Ash-ShinqitiAl‑Ahqaf · 46:9–16

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Ahqaf 46:9–16

46:9Page 503

قُلۡ مَا كُنتُ بِدۡعٗا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدۡرِي مَا يُفۡعَلُ بِي وَلَا بِكُمۡۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٩

Say, "I am not something new among the messengers,1 nor do I know what will be done with me or with you. I only follow that which is revealed to me, and I am not but a clear warner."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ .

الأظْهَرُ في قَوْلِهِ: بِدْعًا أنَّهُ فِعْلٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، فَهو بِمَعْنى مُبْتَدِعٍ، والمُبْتَدِعُ هو الَّذِي أبْدَعَ عَلى غَيْرِ مِثالٍ سابِقٍ.

وَمَعْنى الآيَةِ: قُلْ لَهم يا نَبِيَّ اللَّهِ: ما كُنْتُ أوَّلَ رَسُولٍ أُرْسِلَ إلى البَشَرِ، بَلْ قَدْ أرْسَلَ اللَّهُ قَبْلِي جَمِيعَ الرُّسُلِ إلى البَشَرِ، فَلا وجْهَ لِاسْتِبْعادِكم رِسالَتِي، واسْتِنْكارِكم إيّاها؛ لِأنَّ اللَّهَ أرْسَلَ قَبْلِي رُسُلًا كَثِيرَةً.

وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلًا مِن قَبْلِكَ وجَعَلْنا لَهم أزْواجًا وذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: ٣٨] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجاءُوهم بِالبَيِّناتِ﴾ الآيَةَ [الروم: ٤٧] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٦٣] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الشورى: ١ - ٣] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يُقالُ لَكَ إلّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٤٣] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٤٤] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٣٤] .

والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ .

(p-٢١٧)التَّحْقِيقُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - أنَّ مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم في دارِ الدُّنْيا، فَما أدْرِي أأُخْرَجُ مِن مَسْقَطِ رَأْسِي، أوْ أُقْتَلُ كَما فُعِلَ بِبَعْضِ الأنْبِياءِ.

وَما أدْرِي ما ينالُنِي مِنَ الحَوادِثِ والأُمُورِ في تَحَمُّلِ أعْباءِ الرِّسالَةِ.

وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِكم: أيُخْسَفُ بِكم، أوْ تَنْزِلُ عَلَيْكم حِجارَةٌ مِنَ السَّماءِ، ونَحْوُ ذَلِكَ.

وَهَذا هو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ وغَيْرِ واحِدٍ مِنَ المُحَقِّقِينَ.

وَهَذا المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أعْلَمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٨٨] . وقَوْلِهِ تَعالى آمِرًا لَهُ ﷺ: ﴿قُلْ لا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٥٠] .

وَبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ ما يُرْوى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسٍ وغَيْرِهِما مِن أنَّ المُرادَ: ﴿وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ أيْ في الآخِرَةِ - فَهو خِلافُ التَّحْقِيقِ، كَما سَتَرى إيضاحَهُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - .

فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأنَسٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ - في أحَدِ قَوْلَيْهِ - أنَّهُ «لَمّا نَزَلْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ - فَرِحَ المُشْرِكُونَ واليَهُودُ والمُنافِقُونَ، وقالُوا: كَيْفَ نَتَّبِعُ نَبِيًّا لا يَدْرِي ما يُفْعَلُ بِهِ ولا بِنا، وأنَّهُ لا فَضْلَ لَهُ عَلَيْنا، ولَوْلا أنَّهُ ابْتَدَعَ الَّذِي يَقُولُهُ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ، لَأخْبَرَهُ الَّذِي بَعَثَهُ بِما يُفْعَلُ بِهِ.

فَنَزَلَتْ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] فَنَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةَ.

وَقالَتِ الصَّحابَةُ: هَنِيئًا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ بَيَّنَ لَكَ اللَّهُ ما يُفْعَلُ بِكَ، فَلَيْتَ شِعْرَنا ما هو ما فاعِلٌ بِنا» .

فَنَزَلَتْ ﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ الآيَةَ [الفتح: ٥] . ونَزَلَتْ: ﴿وَبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧] .

فالظّاهِرُ أنَّ هَذا كُلَّهُ خِلافُ التَّحْقِيقِ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يَجْهَلُ مَصِيرَهُ يَوْمَ القِيامَةِ لِعِصْمَتِهِ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ - وقَدْ قالَ لَهُ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٤ - ٥] وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ (p-٢١٨)فِي أُمُورِ الدُّنْيا، كَما قَدَّمْنا. فَإنْ قِيلَ: قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن حَدِيثِ أُمِّ العَلاءِ الأنْصارِيَّةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ما يُفْعَلُ بِي﴾ أيْ في الآخِرَةِ، فَإنَّ حَدِيثَها في قِصَّةِ وفاةِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عِنْدَهم، ودُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ، أنَّها قالَتْ: «رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أبا السّائِبِ، شَهادَتِي عَلَيْكَ؛ لَقَدْ أكْرَمَكَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - تَعْنِي عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”وَما يُدْرِيكِ أنَّ اللَّهَ أكْرَمُهُ ؟“ فَقُلْتُ: لا أدْرِي، بِأبِي أنْتَ وأُمِّي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أمّا هو فَقَدْ جاءَهُ اليَقِينُ مِن رَبِّهِ وإنِّي لَأرْجُو لَهُ الخَيْرَ، واللَّهِ ما أدْرِي وأنا رَسُولُ اللَّهِ ما يُفْعَلُ بِي“» الحَدِيثَ.

فالجَوابُ هو ما ذَكَرَهُ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فَقَدْ قالَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، بَعْدَ أنْ ساقَ حَدِيثَ أُمِّ العَلاءِ المَذْكُورَ بِالسَّنَدِ الَّذِي رَواهُ بِهِ أحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - انْفَرَدَ بِهِ البُخارِيُّ دُونَ مُسْلِمٍ، وفي لَفْظٍ لَهُ «ما أدْرِي وأنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما يُفْعَلُ بِهِ»، وهَذا أشْبَهُ أنْ يَكُونَ هو المَحْفُوظُ؛ بِدَلِيلِ قَوْلِها: فَأحْزَنَنِي ذَلِكَ. ا هـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ. وهو الصَّوابُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى .

⁕ ⁕ ⁕

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

(p-٣٩٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الأحْقافِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ الآيَةَ.

هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ لا يَعْلَمُ مَصِيرَ أمْرِهِ، وقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى تَدُلُّ أنَّهُ عالِمٌ بِأنَّ مَصِيرَهُ إلى الخَيْرِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [ ٤٨ ]، ﴿وَما تَأخَّرَ﴾ تَنْصِيصٌ عَلى حُسْنِ العاقِبَةِ والخاتِمَةِ.

والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلَّمَهُ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ كانَ لا يَعْلَمُهُ ويَسْتَأْنِسُ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ الآيَةَ [النساء: ١١٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا﴾ الآيَةَ [الشورى: ٥٢]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَوَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧]

• وقَوْلِهِ: ﴿وَما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ الآيَةَ [القصص: ٨٦] .

وَهَذا الجَوابُ، هو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو مُرادُ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ وقَتادَةَ بِأنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ الآيَةَ [ ٤٨ ] .

وَيَدُلُّ لَهُ أنَّ ”الأحْقافَ“ مَكِّيَّةٌ، وسُورَةُ ”الفَتْحِ“ نَزَلَتْ عامَ سِتٍّ في رُجُوعِهِ ﷺ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ.

وَأجابَ بَعْضُ العُلَماءِ: بِأنَّ المُرادَ ما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكم في الدُّنْيا مِنَ الحَوادِثِ والوَقائِعِ، وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

46:10Page 503

قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كَانَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرۡتُم بِهِۦ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثۡلِهِۦ فَـَٔامَنَ وَٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠

Say, "Have you considered: if it [i.e., the Qur’ān] was from Allāh, and you disbelieved in it while a witness from the Children of Israel has testified to something similar1 and believed while you were arrogant...?"2 Indeed, Allāh does not guide the wrongdoing people.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ﴾ .

جَوابُ الشَّرْطِ في هَذِهِ الآيَةِ مَحْذُوفٌ.

وَأظْهَرُ الأقْوالِ في تَقْدِيرِهِ: إنْ كانَ هَذا القُرْآنُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وكَفَرْتُمْ بِهِ، وجَحَدْتُمُوهُ - فَأنْتُمْ ضُلّالٌ ظالِمُونَ. وكَوْنُ جَزاءِ الشَّرْطِ في هَذِهِ الآيَةِ كَوْنُهم ضالِّينَ ظالِمِينَ - بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ ”فُصِّلَتْ“: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كانَ مِن عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَن أضَلُّ مِمَّنْ هو في شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٥٢] . وقَوْلُهُ في آيَةِ ”الأحْقافِ“ هَذِهِ: ﴿فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ .

وَقالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ: مَفْعُولا أرَأيْتُمْ مَحْذُوفانِ؛ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِما.

والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتُمْ حالَكم، إنْ كانَ كَذا، ألَسْتُمْ ظالِمِينَ.

فالأوَّلُ: حالُكم، والثّانِي: ألَسْتُمْ ظالِمِينَ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، أيْ فَقَدْ ظَلَمْتُمْ.

وَلِذَلِكَ جاءَ فِعْلُ الشَّرْطِ ماضِيًا.

(p-٢١٩)وَبَعْضُ العُلَماءِ يَقُولُ: إنَّ أرَأيْتُمْ بِمَعْنى أخْبِرُونِي. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى .

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْراءِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ .

التَّحْقِيقُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - أنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ جارِيَةٌ عَلى أُسْلُوبٍ عَرَبِيٍّ مَعْرُوفٍ، وهو إطْلاقُ المَثَلِ عَلى الذّاتِ نَفْسِها، كَقَوْلِهِمْ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ هَذا، يَعْنُونَ لا يَنْبَغِي لَكَ أنْتَ أنْ تَفْعَلَهُ.

وَعَلى هَذا فالمَعْنى: وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى أنَّ هَذا القُرْآنَ وحْيٌ مُنَزَّلٌ حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ، لا أنَّهُ شَهِدَ عَلى شَيْءٍ آخَرَ مُماثِلٍ لَهُ؛ ولِذا قالَ تَعالى: ﴿فَآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ﴾ .

وَمِمّا يُوَضِّحُ هَذا تَكَرُّرُ إطْلاقِ المَثَلِ في القُرْآنِ مُرادًا بِهِ الذّاتُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٢٢] .

فَقَوْلُهُ: كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ، أيْ كَمَن هو نَفْسُهُ في الظُّلُماتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة: ١٣٧] أيْ فَإنْ آمَنُوا بِما آمَنتُمْ بِهِ، لا بِشَيْءٍ آخَرَ مُماثِلٍ لَهُ - عَلى التَّحْقِيقِ - .

وَيُسْتَأْنَسُ لَهُ بِالقِراءَةِ المَرْوِيَّةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ فَإنْ آمَنُوا بِما آمَنتُمْ بِهِ الآيَةَ.

القَوْلُ بِأنَّ لَفْظَةَ (ما) في الآيَةِ مَصْدَرِيَّةٌ، وأنَّ المُرادَ تَشْبِيهُ الإيمانِ بِالإيمانِ، أيْ فَإنْ آمَنُوا بِإيمانٍ مِثْلِ إيمانِكم فَقَدِ اهْتَدَوْا، لا يَخْفى بُعْدُهُ.

والشّاهِدُ في الآيَةِ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَما قالَ الجُمْهُورُ، وعَلَيْهِ فَهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ في سُورَةٍ مَكِّيَّةٍ.

وَقِيلَ: إنَّ الشّاهِدَ مُوسى بْنُ عِمْرانَ - عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

46:11Page 503

وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡ كَانَ خَيۡرٗا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيۡهِۚ وَإِذۡ لَمۡ يَهۡتَدُواْ بِهِۦ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَآ إِفۡكٞ قَدِيمٞ ١١

And those who disbelieve say of those who believe, "If it had [truly] been good, they would not have preceded us to it." And when they are not guided by it, they will say, "This is an ancient falsehood."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ﴾ .

(p-٢٢٠)أظْهَرُ أقْوالِ العُلَماءِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكافِرِينَ الَّذِينَ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ لَوْ كانَ خَيْرًا ما سَبَقُونا إلَيْهِ، أنَّهم كُفّارُ مَكَّةَ، وأنَّ مُرادَهم أنَّ فَقُرّاءَ المُسْلِمِينَ وضُعَفاءَهم: كَبِلالٍ وعَمّارٍ وصُهَيْبٍ وخَبّابٍ ونَحْوِهِمْ - أحْقَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِن أنْ يَخْتارَ لَهُمُ الطَّرِيقَ الَّتِي فِيها الخَيْرُ.

وَأنَّهم هُمُ الَّذِينَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ عَظَمَةٌ وجاهٌ واسْتِحْقاقُ السَّبْقِ لِكُلِّ خَيْرٍ؛ لِزَعْمِهِمْ أنَّ اللَّهَ أكْرَمُهم في الدُّنْيا بِالمالِ والجاهِ، وأنَّ أُولَئِكَ الفُقَراءَ لا مالَ لَهم ولا جاهَ، وأنَّ ذَلِكَ التَّفْضِيلَ في الدُّنْيا يَسْتَلْزِمُ التَّفْضِيلَ في الآخِرَةِ.

وَهَذا المَعْنى الَّذِي اسْتَظْهَرْناهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ - تَدُلُّ لَهُ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ القُرْآنُ.

أمّا ادِّعاؤُهم أنَّ ما أُعْطُوا مِنَ المالِ والأوْلادِ والجاهِ في الدُّنْيا، دَلِيلٌ عَلى أنَّهم سَيُعْطَوْنَ مِثْلَهُ في الآخِرَةِ، وتَكْذِيبُ اللَّهِ لَهم في ذَلِكَ - فَقَدْ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُونَ أنَّما نُمِدُّهم بِهِ مِن مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿نُسارِعُ لَهم في الخَيْراتِ بَل لا يَشْعُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٥ - ٥٦] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ ﴿كَلّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا﴾ الآيَةَ [مريم: ٧٧ - ٧٩] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالُوا نَحْنُ أكْثَرُ أمْوالًا وأوْلادًا وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبإ: ٣٥] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَما أمْوالُكم ولا أوْلادُكم بِالَّتِي تُقَرِّبُكم عِنْدَنا زُلْفى﴾ الآيَةَ [سبإ: ٣٧] .

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إلى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا ولَنُذِيقَنَّهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت: ٥٠] .

وَقَدْ أوْضَحْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى هَذا في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي لَأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦] .

وَأمّا احْتِقارُ الكُفّارِ لِضُعَفاءِ المُؤْمِنِينَ وفُقَرائِهِمْ، وزَعْمُهم أنَّهم أحْقَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِن أنْ يُصِيبَهم بِخَيْرٍ، وأنَّما هم عَلَيْهِ لَوْ كانَ خَيْرًا لَسَبَقَهم إلَيْهِ أصْحابُ الغِنى والجاهِ والوَلَدِ مِنَ الكُفّارِ - فَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ، كَقَوْلِهِ تَعالى في ”الأنْعامِ“: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهم بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا﴾ [الأنعام: ٥٣] .

فَهَمْزَةُ الإنْكارِ في قَوْلِهِ: أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مِن بَيْنِنا، تَدُلُّ عَلى إنْكارِهِمْ أنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى أُولَئِكَ الضُّعَفاءِ بِخَيْرٍ.

(p-٢٢١)وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ اللَّهُ بِأعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ ﴿وَإذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٥٣ - ٥٤] .

• وقَوْلِهِ تَعالى في ”الأعْرافِ“: ﴿وَنادى أصْحابُ الأعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهم بِسِيماهم قالُوا ما أغْنى عَنْكم جَمْعُكم وما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكم ولا أنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٤٨ - ٤٩] .

• وقَوْلِهِ تَعالى في ”ص“: ﴿وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالًا كُنّا نَعُدُّهم مِنَ الأشْرارِ﴾ ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا أمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأبْصارُ﴾ [ص: ٦٢ - ٦٣] .

فَقَدْ قالَ غَيْرُ واحِدٍ: إنَّ الرِّجالَ الَّذِينَ كانُوا يَعُدُّونَهم مِنَ الأشْرارِ هم ضُعَفاءُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ كانُوا يَسْخَرُونَ مِنهم في دارِ الدُّنْيا، ويَزْعُمُونَ أنَّهم أحْقَرُ مِن أنْ ينالَهُمُ اللَّهُ بِخَيْرٍ، ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ: ﴿أأتَّخَذْناهم سِخْرِيًّا﴾ وسَيَسْخَرُ ضُعَفاءُ المُسْلِمِينَ في الجَنَّةِ مِنَ الكُفّارِ الَّذِينَ كانُوا يَسْخَرُونَ مِنهم في الدُّنْيا وهم في النّارِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وَإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ﴿هَلْ ثُوِّبَ الكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٦] . وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا ويَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١٢] .

46:12Page 503

وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةٗۚ وَهَٰذَا كِتَٰبٞ مُّصَدِّقٞ لِّسَانًا عَرَبِيّٗا لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُحۡسِنِينَ ١٢

And before it was the scripture of Moses to lead and as a mercy. And this is a confirming Book in an Arabic tongue to warn those who have wronged and as good tidings to the doers of good.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهَذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِسانًا عَرَبِيًّا﴾ .

قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِتَكُونَ مِنَ المُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٤ - ١٩٥] وفي سُورَةِ ”الزُّمَرِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُرْءانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ الآيَةَ [الزمر: ٢٨] .

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ .

قَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ مَعَ بَيانِ أنْواعِ الإنْذارِ في القُرْآنِ في أوَّلِ سُورَةِ ”الأعْرافِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٢] . وفي أوَّلِ سُورَةِ ”الكَهْفِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ ويُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢] .

46:13Page 503

إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٣

Indeed, those who have said, "Our Lord is Allāh," and then remained on a right course - there will be no fear concerning them, nor will they grieve.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ .

(p-٢٢٢)قَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ ”فُصِّلَتْ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ﴾ الآيَةَ [ ٤١ ] .

46:14Page 503

أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤

Those are the companions of Paradise, abiding eternally therein as reward for what they used to do.

No commentary for this ayah

46:15Page 504

وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ١٥

And We have enjoined upon man, to his parents, good treatment. His mother carried him with hardship and gave birth to him with hardship, and his gestation and weaning [period] is thirty months. [He grows] until, when he reaches maturity and reaches [the age of] forty years, he says, "My Lord, enable me1 to be grateful for Your favor which You have bestowed upon me and upon my parents and to work righteousness of which You will approve and make righteous for me my offspring. Indeed, I have repented to You, and indeed, I am of the Muslims."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا﴾ .

قَرَأ هَذا الحَرْفَ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو عَمْرٍو: حُسْنًا بِضَمِّ الحاءِ وسُكُونِ السِّينِ، وكَذَلِكَ هو في مَصاحِفِهِمْ.

وَقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ: إحْسانًا بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ وإسْكانِ الحاءِ، وألْفٍ بَعْدِ السِّينِ.

وَقَدْ قَدَّمَنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذِهِ الآيَةِ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الإسراء: ٢٣] . وقالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ: قِيلَ: ضَمَّنَ ووَصَّيْنا مَعْنى ألْزَمْنا، فَيَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، فانْتَصَبَ حُسْنًا وإحْسانًا عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِوَصَّيْنا.

وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ إيصاءً ذا حُسْنٍ أوْ ذا إحْسانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حُسْنًا بِمَعْنى إحْسانٍ، فَيَكُونُ مَفْعُولًا بِهِ، أيْ ووَصَّيْناهُ بِها لِإحْسانِنا إلَيْهِما، فَيَكُونُ الإحْسانُ مِنَ اللَّهِ تَعالى .

وَقِيلَ: النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ عَلى تَضْمِينِ مَعْنى أحْسَنّا بِالوَصِيَّةِ لِلْإنْسانِ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا. ا هـ مِنهُ، وكُلُّها لَهُ وجْهٌ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا ووَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ .

قَرَأ هَذا الحَرْفَ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: كَرْهًا بِفَتْحِ الكافِ في المَوْضِعَيْنِ.

وَقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: كُرْهًا بِضَمِّ الكافِ في المَوْضِعَيْنِ.

وَهُما لُغَتانِ كالضُّعْفِ والضَّعْفِ.

وَمَعْنى حَمَلَتْهُ كُرْهًا أنَّها في حالِ حَمْلِها بِهِ تُلاقِي مَشَقَّةً شَدِيدَةً.

(p-٢٢٣)وَمِنَ المَعْلُومِ ما تُلاقِيهِ الحامِلُ مِنَ المَشَقَّةِ والضَّعْفِ، إذا أثْقَلَتْ وكَبَرَ الجَنِينُ في بَطْنِها.

وَمَعْنى وضَعَتْهُ كُرْهًا: أنَّها في حالَةِ وضْعِ الوَلَدِ تُلاقِي مِن ألَمِ الطَّلْقِ وكَرْبِهِ مَشَقَّةً شَدِيدَةً، كَما هو مَعْلُومٌ.

وَهَذِهِ المَشاقُّ العَظِيمَةُ الَّتِي تُلاقِيها الأُمُّ في حَمْلِ الوَلَدِ ووَضْعِهِ، لا شَكَّ أنَّها يَعْظُمُ حَقُّها بِها، ويَتَحَتَّمُ بِرُّها والإحْسانُ إلَيْها، كَما لا يَخْفى.

وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنَ المَشَقَّةِ الَّتِي تُعانِيها الحامِلُ، ودَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةٌ أُخْرى، وهي قَوْلُهُ تَعالى في ”لُقْمانَ“: ﴿وَوَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وهْنًا عَلى وهْنٍ﴾ [لقمان: ١٤] أيْ تَهِنُ بِهِ وهْنًا عَلى وهْنٍ، أيْ ضَعْفًا عَلى ضَعْفٍ؛ لِأنَّ الحَمْلَ كُلَّما تَزايَدَ وعَظُمَ في بَطْنِها، ازْدادَتْ ضَعْفًا عَلى ضَعْفٍ.

وَقَوْلُهُ في آيَةِ ”الأحْقافِ“ هَذِهِ كُرْهًا في المَوْضِعَيْنِ - مَصْدَرٌ مُنْكَّرٌ، وهو حالٌ، أيْ حَمَلَتْهُ ذاتَ كُرْهٍ ووَضَعَتْهُ ذاتَ كُرْهٍ، وإتْيانُ المَصْدَرِ المُنْكَّرِ حالًا كَثِيرٌ، كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:

؎وَمَصْدَرٌ مُنْكَّرٌ حالًا يَقَعْ بِكَثْرَةٍ كَبَغْتَةً زَيْدٌ طَلَعْ

وَقالَ بَعْضُهم: كُرْهًا في المَوْضِعَيْنِ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ، أيْ حَمَلَتْهُ حَمْلًا ذا كُرْهٍ، ووَضَعَتْهُ وضْعًا ذا كُرْهٍ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى .

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ .

هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ لَيْسَ فِيها بِانْفِرادِها تَعَرُّضٌ لِبَيانِ أقَلِّ مُدَّةِ الحَمْلِ، ولَكِنَّها بِضَمِيمَةِ بَعْضِ الآياتِ الأُخْرى إلَيْها يُعْلَمُ أقَلُّ أمَدِ الحَمْلِ؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ الكَرِيمَةَ مِن سُورَةِ ”الأحْقافِ“ صَرَّحَتْ بِأنَّ أمَدَ الحَمْلِ والفِصالِ مَعًا - ثَلاثُونَ شَهْرًا.

وَقَوْلُهُ تَعالى في ”لُقْمانَ“: ﴿وَفِصالُهُ في عامَيْنِ﴾ . وقَوْلُهُ في ”البَقَرَةِ“: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] - يُبَيِّنُ أنَّ أمَدَ الفِصالِ عامانِ، وهُما أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ شَهْرًا، فَإذا طَرَحْتَها مِنَ الثَّلاثِينَ بَقِيَتْ سِتَّةُ أشْهُرٍ، فَتَعَيَّنَ كَوْنُها أمَدًا لِلْحَمْلِ، وهي أقَلُّهُ، ولا خِلافَ في ذَلِكَ بَيْنَ العُلَماءِ.

(p-٢٢٤)وَدَلالَةُ هَذِهِ الآياتِ عَلى أنَّ سِتَّةَ أشْهُرٍ أمَدُ الحَمْلِ - هي المَعْرُوفَةُ عِنْدَ عُلَماءِ الأُصُولِ بِدَلالَةِ الإشارَةِ.

وَقَدْ أوْضَحْنا الكَلامَ عَلَيْها في مَباحِثِ الحَجِّ، في سُورَةِ ”الحَجِّ“ في مَبْحَثِ أقْوالِ أهْلِ العِلْمِ في حُكْمِ المَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وأشَرْنا لِهَذا النَّوْعِ مِنَ البَيانِ في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا بَلَغَ أشُدَّهُ وبَلَغَ أرْبَعِينَ سَنَةً﴾ .

قَدْ قَدَّمَنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] وفي تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ.

46:16Page 504

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنۡهُمۡ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمۡ فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَعۡدَ ٱلصِّدۡقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ ١٦

Those are the ones from whom We will accept the best of what they did and overlook their misdeeds, [their being] among the companions of Paradise. [That is] the promise of truth which they had been promised.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском