Ash-ShinqitiMuhammad · 47:24

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Muhammad 47:24

47:24Page 509

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ ٢٤

Then do they not reflect upon the Qur’ān, or are there locks upon [their] hearts?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ .

الهَمْزَةُ في قَوْلِهِ: أفَلا يَتَدَبَّرُونَ لِلْإنْكارِ، والفاءُ عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ، عَلى أصَحِّ القَوْلَيْنِ، والتَّقْدِيرُ: أيُعْرِضُونَ عَنْ كِتابِ اللَّهِ فَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ؛ كَما أشارَ لَهُ في الخُلاصَةِ بِقَوْلِهِ:

؎وَحَذْفُ مَتْبُوعٍ بَدا هُنا اسْتَبِحْ

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ ”أمْ“ فِيهِ مُنْقَطِعَةٌ بِمَعْنى بَلْ، فَقَدْ أنْكَرَ تَعالى عَلَيْهِمْ إعْراضَهم عَنْ تَدَبُّرِ القُرْآنِ، بِأداةِ الإنْكارِ الَّتِي هي الهَمْزَةُ، وبَيَّنَ أنَّ قُلُوبَهم عَلَيْها أقْفالٌ لا تَنْفَتِحُ لِخَيْرٍ، ولا لِفَهْمِ قُرْآنٍ.

وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنَ التَّوْبِيخِ والإنْكارِ عَلى مَن أعْرَضَ عَنْ تَدَبُّرِ كِتابِ اللَّهِ، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أمْ جاءَهم ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الأوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابٌ أنْزَلْناهُ إلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ ولِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبابِ﴾ [ص: ٢٩] .

وَقَدْ ذَمَّ - جَلَّ وعَلا - المُعْرِضَ عَنْ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها﴾ [الكهف: ٥٧]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها﴾ [السجدة: ٢٢] .

(p-٢٥٧)وَمَعْلُومٌ أنَّ كُلَّ مَن لَمْ يَشْتَغِلْ بِتَدَبُّرِ آياتِ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ أيْ تَصَفُّحِها وتَفَهُّمِها، وإدْراكِ مَعانِيها والعَمَلِ بِها، فَإنَّهُ مُعْرِضٌ عَنْها، غَيْرُ مُتَدَبِّرٍ لَها فَيَسْتَحِقُّ الإنْكارَ والتَّوْبِيخَ المَذْكُورَ في الآياتِ إنْ كانَ اللَّهُ أعْطاهُ فَهْمًا يَقْدِرُ بِهِ عَلى التَّدَبُّرِ، وقَدْ شَكا النَّبِيُّ ﷺ إلى رَبِّهِ مِن هَجْرِ قَوْمِهِ هَذا القُرْآنَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقالَ الرَّسُولُ يارَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: - ٣٠] .

وَهَذِهِ الآياتُ المَذْكُورَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ تَدَبُّرَ القُرْآنِ وتَفَهُّمَهُ وتَعَلُّمَهُ والعَمَلَ بِهِ، أمْرٌ لا بُدَّ مِنهُ لِلْمُسْلِمِينَ.

وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ المُشْتَغِلِينَ بِذَلِكَ هم خَيْرُ النّاسِ. كَما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «خَيْرُكم مَن تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَهُ» وقالَ تَعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتابَ وبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩] .

فَإعْراضُ كَثِيرٍ مِنَ الأقْطارِ عَنِ النَّظَرِ في كِتابِ اللَّهِ وتَفَهُّمِهِ والعَمَلِ بِهِ وبِالسُّنَّةِ الثّابِتَةِ المُبِيِّنَةِ لَهُ، مَن أعْظَمِ المُناكِرِ وأشْنَعِها، وإنْ ظَنَّ فاعِلُوهُ أنَّهم عَلى هُدًى.

وَلا يَخْفى عَلى عاقِلٍ أنَّ القَوْلَ بِمَنعِ العَمَلِ بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ اكْتِفاءً عَنْهُما بِالمَذاهِبِ المُدَوَّنَةِ، وانْتِفاءِ الحاجَةِ إلى تَعَلُّمِهِما؛ لِوُجُودِ ما يَكْفِي عَنْهُما مِن مَذاهِبِ الأئِمَّةِ - مِن أعْظَمِ الباطِلِ.

وَهُوَ مُخالِفٌ لِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ وإجْماعِ الصَّحابَةِ ومُخالِفٌ لِأقْوالِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ.

(p-٢٥٨)فَمُرْتَكِبُهُ مُخالِفٌ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِأصْحابِ رَسُولِهِ جَمِيعًا ولِلْأئِمَّةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ، كَما سَتَرى إيضاحَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

* *

مَسائِلُ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَ بَعْضِ مُتَأخِّرِي الأُصُولِيِّينَ: إنَّ تَدَبُّرَ هَذا القُرْآنِ العَظِيمِ، وتَفَهُّمَهُ والعَمَلَ بِهِ لا يَجُوزُ إلّا لِلْمُجْتَهِدِينَ خاصَّةً، وإنَّ كُلَّ مَن لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الِاجْتِهادِ المُطْلَقِ بِشُرُوطِهِ المُقَرَّرَةِ عِنْدَهُمُ الَّتِي لَمْ يَسْتَنِدِ اشْتِراطُ كَثِيرٍ مِنها إلى دَلِيلٍ مِن كِتابٍ ولا سُنَّةٍ ولا إجْماعٍ ولا قِياسٍ جَلِيٍّ، ولا أثَرٍ عَنِ الصَّحابَةِ - قَوْلٌ لا مُسْتَنَدَ لَهُ مِن دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ أصْلًا.

بَلِ الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، أنَّ كُلَّ مَن لَهُ قُدْرَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، عَلى التَّعَلُّمِ والتَّفَهُّمِ، وإدْراكِ مَعانِي الكِتابِ والسُّنَّةِ، يَجِبُ عَلَيْهِ تَعَلُّمُهُما، والعَمَلُ بِما عَلِمَ مِنهُما.

أمّا العَمَلُ بِهِما مَعَ الجَهْلِ بِما يَعْمَلُ بِهِ مِنهُما فَمَمْنُوعٌ إجْماعًا.

وَأمّا ما عَلِمَهُ مِنهُما عِلْمًا صَحِيحًا ناشِئًا عَنْ تَعَلُّمٍ صَحِيحٍ. فَلَهُ أنْ يَعْمَلَ بِهِ. ولَوْ آيَةً واحِدَةً أوْ حَدِيثًا واحِدًا.

وَمَعْلُومٌ أنَّ هَذا الذَّمَّ والإنْكارَ عَلى مَن يَتَدَبَّرُ كِتابَ اللَّهِ - عامٌّ لِجَمِيعِ النّاسِ.

وَمِمّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أنَّ المُخاطَبِينَ الأوَّلِينَ بِهِ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ هُمُ المُنافِقُونَ والكُفّارُ، لَيْسَ أحَدٌ مِنهم مُسْتَكْمِلًا لِشُرُوطِ الِاجْتِهادِ المُقَرَّرَةِ عِنْدَ أهْلِ الأُصُولِ، بَلْ لَيْسَ عِنْدَهم شَيْءٌ مِنها أصْلًا. فَلَوْ كانَ القُرْآنُ لا يَجُوزُ أنْ يُنْتَفَعَ بِالعَمَلِ بِهِ والِاهْتِداءِ بِهَدْيِهِ إلّا المُجْتَهِدُونَ بِالإصْلاحِ الأُصُولِيِّ لَما وبَّخَ اللَّهُ الكَفّارُ وأنْكَرَ عَلَيْهِمْ عَدَمَ الِاهْتِداءِ بِهُداهُ، ولَما أقامَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ بِهِ حَتّى يُحَصِّلُوا شُرُوطَ الِاجْتِهادِ المُقَرَّرَةَ عِنْدَ مُتَأخِّرِي الأُصُولِيِّينَ، كَما تَرى.

وَمَعْلُومٌ أنَّ مِنَ المُقَرَّرِ في الأُصُولِ أنَّ صُورَةَ سَبَبِ النُّزُولِ قَطْعِيَّةُ الدُّخُولِ، وإذًا فَدُخُولُ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ في الآياتِ المَذْكُورَةِ قَطْعِيٌّ، ولَوْ كانَ لا يَصِحُّ الِانْتِفاعُ بِهَدْيِ القُرْآنِ إلّا لِخُصُوصِ المُجْتَهِدِينَ لَما أنْكَرَ اللَّهُ عَلى الكُفّارِ عَدَمَ تَدَبُّرِهِمْ كِتابَ اللَّهِ، وعَدَمَ عَمَلِهِمْ بِهِ.

وَقَدْ عَلِمْتَ أنَّ الواقِعَ خِلافُ ذَلِكَ قَطْعًا، ولا يَخْفى أنَّ شُرُوطَ الِاجْتِهادِ لا تُشْتَرَطُ إلّا (p-٢٥٩)فِيما فِيهِ مَجالٌ لِلِاجْتِهادِ. والأُمُورُ المَنصُوصَةُ في نُصُوصٍ صَحِيحَةٍ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، لا يَجُوزُ الِاجْتِهادُ فِيها لِأحَدٍ، حَتّى تُشْتَرَطَ فِيها شُرُوطُ الِاجْتِهادِ، بَلْ لَيْسَ فِيها إلّا الِاتِّباعُ، وبِذَلِكَ تَعْلَمُ أنَّ ما ذَكَرُهُ صاحِبُ مَراقِي السُّعُودِ تَبَعًا لِلْقَرافِيِّ مِن قَوْلِهِ: مَن لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا فالعَمَلُ مِنهُ بِمَعْنى النَّصِّ مِمّا يُحْظَلُ لا يَصِحُّ عَلى إطْلاقِهِ بِحالٍ لِمُعارَضَتِهِ لِآياتٍ وأحادِيثَ كَثِيرَةٍ مِن غَيْرِ اسْتِنادٍ إلى دَلِيلٍ.

وَمِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَصِحُّ تَخْصِيصُ عُمُوماتِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، إلّا بِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ.

وَمِنَ المَعْلُومِ أيْضًا أنَّ عُمُوماتِ الآياتِ والأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى حَثِّ جَمِيعِ النّاسِ عَلى العَمَلِ بِكِتابِ اللَّهِ، وسُنَّةِ رَسُولِهِ - أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، كَقَوْلِهِ - ﷺ: «تَرَكْتُ فِيكم ما إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتابَ اللَّهِ وسُنَّتِي» وقَوْلِهِ - ﷺ: «عَلَيْكم بِسُنَّتِي» الحَدِيثَ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصى.

فَتَخْصِيصُ جَمِيعِ تِلْكَ النُّصُوصِ بِخُصُوصِ المُجْتَهِدِينَ، وتَحْرِيمُ الِانْتِفاعِ بِهَدْيِ الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلى غَيْرِهِمْ تَحْرِيمًا باتًّا يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ مِن كِتابِ اللَّهِ أوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ ولا يَصِحُّ تَخْصِيصُ تِلْكَ النُّصُوصِ بِآراءِ جَماعاتٍ مِنَ المُتَأخِّرِينَ المُقِرِّينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّهم مِنَ المُقَلِّدِينَ.

وَمَعْلُومٌ أنَّ المُقَلِّدَ الصِّرْفَ، لا يَجُوزُ عَدُّهُ مِنَ العُلَماءِ ولا مِن ورَثَةِ الأنْبِياءِ، كَما سَتَرى إيضاحَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ.

وَقالَ صاحِبُ مَراقِي السُّعُودِ في نَشْرِ البُنُودِ في شَرْحِهِ لِبَيْتِهِ المَذْكُورِ (p-٢٦٠)آنِفًا ما نَصُّهُ: يَعْنِي أنَّ غَيْرَ المُجْتَهِدِ يُحْظَلُ لَهُ، أيْ يُمْنَعُ أنْ يَعْمَلَ بِمَعْنى نَصٍّ مِن كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ وإنْ صَحَّ سَنَدُها لِاحْتِمالِ عَوارِضِهِ مِن نَسْخٍ وتَقْيِيدٍ، وتَخْصِيصٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ العَوارِضِ الَّتِي لا يَضْبُطُها إلّا المُجْتَهِدُ، فَلا يُخَلِّصُهُ مِنَ اللَّهِ إلّا تَقْلِيدُ مُجْتَهِدٍ، قالَهُ القَرافِيُّ. انْتَهى مَحَلُّ الغَرَضِ مِنهُ بِلَفْظِهِ.

وَبِهِ تَعْلَمُ أنَّهُ لا مُسْتَنَدَ لَهُ، ولا لِلْقَرافِيُّ الَّذِي تَبِعَهُ في مَنعِ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ غَيْرِ المُجْتَهِدِينَ مِنَ العَمَلِ بِكِتابِ اللَّهِ، وسُنَّةِ رَسُولِهِ، إلّا مُطْلَقَ احْتِمالِ العَوارِضِ، الَّتِي تَعْرِضُ لِنُصُوصِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، مِن نَسْخٍ أوْ تَخْصِيصٍ أوْ تَقْيِيدٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، وهو مَرْدُودٌ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الأصْلَ السَّلامَةُ مِنَ النَّسْخِ حَتّى يَثْبُتَ وُرُودُ النّاسِخِ، والعامُّ ظاهِرٌ في العُمُومِ حَتّى يَثْبُتَ وُرُودُ المُخَصِّصِ، والمُطْلَقُ ظاهِرٌ في الإطْلاقِ حَتّى يَثْبُتَ وُرُودُ المُقَيِّدِ، والنَّصُّ يَجِبُ العَمَلُ بِهِ حَتّى يَثْبُتَ النُّسَخُ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، والظّاهِرُ يَجِبُ العَمَلُ بِهِ عُمُومًا كانَ أوْ إطْلاقًا أوْ غَيْرَهُما حَتّى يَرِدَ دَلِيلٌ صارِفٌ عَنْهُ إلى المُحْتَمَلِ المَرْجُوحِ، كَما هو مَعْرُوفٌ في مَحَلِّهِ.

وَأوَّلُ مَن زَعَمَ أنَّهُ لا يَجُوزُ العَمَلُ بِالعامِّ حَتّى يُبْحَثَ عَنِ المُخَصَّصِ فَلا يُوجَدُ، ونَحْوَ ذَلِكَ - أبُو العَبّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ، وتَبِعَهُ جَماعاتٌ مِنَ المُتَأخِّرِينَ، حَتّى حَكَمُوا عَلى ذَلِكَ الإجْماعِ حِكايَةً لا أساسَ لَها.

وَقَدْ أوْضَحَ ابْنُ القاسِمِ العَبّادِيُّ في الآياتِ البَيِّناتِ غَلَطَهم في ذَلِكَ، في كَلامِهِ عَلى شَرْحِ المَحَلِّ لِقَوْلِ ابْنِ السُّبْكِيِّ في جَمْعِ الجَوامِعِ، ويُتَمَسَّكُ بِالعامِّ في حَياةِ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ البَحْثِ عَنِ المُخَصِّصِ، وكَذا بَعْدَ الوَفاةِ، خِلافًا لِابْنِ سُرَيْجٍ ا هـ.

وَعَلى كُلِّ حالٍ فَظَواهِرُ النُّصُوصِ مِن عُمُومٍ وإطْلاقٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، لا يَجُوزُ تَرْكُها إلّا لِدَلِيلٍ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلَيْهِ، مِن مُخَصِّصٍ أوْ مُقَيِّدٍ، لا لِمُجَرَّدِ مُطْلَقِ الِاحْتِمالِ، كَما هو مَعْلُومٌ في مَحَلِّهِ.

(p-٢٦١)فادِّعاءُ كَثِيرٍ مِنَ المُتَأخِّرِينَ، أنَّهُ يَجِبُ تَرْكُ العَمَلِ بِهِ حَتّى يُبْحَثَ عَنِ المُخَصِّصِ والمُقَيِّدِ مَثَلًا - خِلافُ التَّحْقِيقِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ غَيْرَ المُجْتَهِدِ إذا تَعَلَّمَ آياتِ القُرْآنِ، أوْ بَعْضَ أحادِيثِ النَّبِيِّ ﷺ لِيَعْمَلَ بِها، تَعَلَّمَ ذَلِكَ النَّصَّ العامَّ أوِ المُطْلَقَ، وتَعَلَّمَ مَعَهُ مُخَصِّصَهُ ومُقَيِّدَهُ إنْ كانَ مُخَصَّصًا أوْ مُقَيَّدًا، وتَعَلَّمَ ناسِخَهُ إنْ كانَ مَنسُوخًا، وتَعَلُّمُ ذَلِكَ سَهْلٌ جِدًّا، بِسُؤالِ العُلَماءِ العارِفِينَ بِهِ، ومُراجَعَةِ كُتُبِ التَّفْسِيرِ والحَدِيثِ المُعْتَدِّ بِها في ذَلِكَ، والصَّحابَةُ كانُوا في العَصْرِ الأوَّلِ يَتَعَلَّمُ أحَدُهم آيَةً فَيَعْمَلُ بِها، وحَدِيثًا فَيَعْمَلُ بِهِ، ولا يَمْتَنِعُ مِنَ العَمَلِ بِذَلِكَ حَتّى يُحَصِّلَ رُتْبَةَ الِاجْتِهادِ المُطْلَقِ، ورُبَّما عَمِلَ الإنْسانُ بِما عَلِمَ فَعَلَّمَهُ ما لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، كَما يُشِيرُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]، عَلى القَوْلِ بِأنَّ الفَرْقانَ هو العِلْمُ النّافِعُ الَّذِي يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ الآيَةَ [الحديد: ٢٨] .

وَهَذِهِ التَّقْوى الَّتِي دَلَّتِ الآياتُ عَلى أنَّ اللَّهَ يُعَلِّمُ صاحِبَها بِسَبَبِها ما لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، لا تَزِيدُ عَلى عَمَلِهِ بِما عَلِمَ، مِن أمْرِ اللَّهِ وعَلَيْهِ فَهي عَمَلٌ بِبَعْضِ ما عَلِمَ زادَهُ اللَّهُ بِهِ عِلْمَ ما لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ.

فالقَوْلُ بِمَنعِ العَمَلِ بِما عَلِمَ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، حَتّى يُحَصِّلَ رُتْبَةَ الِاجْتِهادِ المُطْلَقِ، هو عَيْنُ السَّعْيِ في حِرْمانِ جَمِيعِ المُسْلِمِينَ مِنَ الانْتِفاعِ بِنُورِ القُرْآنِ، حَتّى يُحَصِّلُوا شَرْطًا مَفْقُودًا في اعْتِقادِ القائِلِينَ بِذَلِكَ. وادِّعاءُ مِثْلِ هَذا عَلى اللَّهِ وعَلى كِتابِهِ وعَلى سُنَّةِ رَسُولِهِ - هو كَما تَرى.

* *

(p-٢٦٢)تَنْبِيهٌ مُهِمٌّ:

يَجِبُ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ يَخافُ العَرْضَ عَلى رَبِّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، أنْ يَتَأمَّلَ فِيهِ لِيَرى لِنَفَسِهِ المَخْرَجَ مِن هَذِهِ الوَرْطَةِ العُظْمى، والطّامَّةِ الكُبْرى، الَّتِي عَمَّتْ جُلَّ بِلادِ المُسْلِمِينَ مِنَ المَعْمُورَةِ.

وَهِيَ ادِّعاءُ الِاسْتِغْناءِ عَنْ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، اسْتِغْناءً تامًّا في جَمِيعِ الأحْكامِ مِن عِباداتٍ ومُعامَلاتٍ، وحُدُودٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، بِالمَذاهِبِ المُدَوَّنَةِ.

وَبِناءُ هَذا عَلى مُقَدِّمَتَيْنِ:

إحْداهُما: أنَّ العَمَلَ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ لا يَجُوزُ إلّا لِلْمُجْتَهِدِينَ.

والثّانِيَةُ: أنَّ المُجْتَهِدِينَ مَعْدُومُونَ عَدَمًا كُلِّيًّا، لا وُجُودَ لِأحَدٍ مِنهم في الدُّنْيا، وأنَّهُ بِناءً عَلى هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ، يُمْنَعُ العَمَلُ بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهُ مَنعًا باتًّا عَلى جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ، ويُسْتَغْنى عَنْهُما بِالمَذاهِبِ المُدَوَّنَةِ.

وَزادَ كَثِيرٌ مِنهم عَلى هَذا مَنعَ تَقْلِيدِ غَيْرِ المَذاهِبِ الأرْبَعَةِ، وأنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُ اسْتِمْرارُهُ إلى آخِرِ الزَّمانِ.

فَتَأمَّلْ يا أخِي رَحِمَكَ اللَّهُ: كَيْفَ يَسُوغُ لِمُسْلِمٍ، أنْ يَقُولَ بِمَنعِ الِاهْتِداءِ بِكِتابِ اللَّهِ، وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ وعَدَمِ وُجُوبِ تَعَلُّمِهِما والعَمَلِ بِهِما اسْتِغْناءً عَنْهُما بِكَلامِ رِجالٍ غَيْرِ مَعْصُومِينَ ولا خِلافَ في أنَّهم يُخْطِئُونَ.

فَإنْ كانَ قَصْدُهم أنَّ الكِتابَ والسُّنَّةَ، لا حاجَةَ إلى تَعَلُّمِهِما، وأنَّهُما يُغْنِي غَيْرُهُما، فَهَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ، ومُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ وزُورٌ.

وَإنْ كانَ قَصْدَهم أنَّ تَعَلُّمَهُما صَعْبٌ لا يُقْدَرُ عَلَيْهِ، فَهو أيْضًا زَعْمٌ باطِلٌ؛ لِأنَّ تَعَلُّمَ الكِتابِ والسُّنَّةِ أيْسَرُ مِن تَعَلُّمِ مَسائِلِ الآراءِ والِاجْتِهادِ المُنْتَشِرَةِ، مَعَ كَوْنِها في غايَةِ التَّعْقِيدِ (p-٢٦٣)والكَثْرَةِ، واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - يَقُولُ في سُورَةِ القَمَرِ مَرّاتٍ مُتَعَدِّدَةً: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧ - ٢٢ - ٣٢ - ٤٠]، ويَقُولُ تَعالى في الدُّخانِ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهم يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان: ٥٨]، ويَقُولُ في مَرْيَمَ: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧] .

فَهُوَ كِتابٌ مُيَسَّرٌ بِتَيْسِيرِ اللَّهِ لِمَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِلْعَمَلِ بِهِ، واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - يَقُولُ: ﴿بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]، ويَقُولُ: ﴿وَلَقَدْ جِئْناهم بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٥٢] .

فَلا شَكَّ أنَّ الَّذِي يَتَباعَدُ عَنْ هُداهُ يُحاوِلُ التَّباعُدَ عَنْ هُدى اللَّهِ ورَحْمَتِهِ.

وَلا شَكَّ أنَّ هَذا القُرْآنَ العَظِيمَ هو النُّورُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ إلى أرْضِهِ، لِيُسْتَضاءَ بِهِ، فَيُعْلَمَ في ضَوْئِهِ الحَقُّ مِنَ الباطِلِ، والحَسَنُ مِنَ القَبِيحِ، والنّافِعُ مِنَ الضّارِّ، والرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ.

قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١٧٤] .

وَقالَ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ ﴿وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥]، وقالَ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ [الشورى: ٥٢]، وقالَ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ [التغابن: ٨]، وقالَ تَعالى: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .

فَإذا عَلِمْتَ أيُّها المُسْلِمُ أنَّ هَذا القُرْآنَ العَظِيمَ، هو النُّورُ الَّذِي أنْزَلَهُ اللَّهُ لِيُسْتَضاءَ بِهِ، ويُهْتَدى بِهُداهُ في أرْضِهِ، فَكَيْفَ تَرْضى لِبَصِيرَتِكَ أنْ تَعْمى عَنِ النُّورِ.

فَلا تَكُنْ خُفّاشِيَّ البَصِيرَةِ، واحْذَرْ أنْ تَكُونَ مِمَّنْ قِيلَ فِيهِمْ:

؎خَفافِيشٌ أعْماها النَّهارُ بِضَوْئِهِ ∗∗∗ وَوافَقَها قِطْعٌ مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمُ ∗∗∗ مِثْلُ النَّهارِ يَزِيدُ أبْصارَ الوَرى ∗∗∗ نُورًا ويُعْمِي أعْيُنَ الخُفّاشِ

(p-٢٦٤)﴿يَكادُ البَرْقُ يَخْطَفُ أبْصارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠]، ﴿أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى إنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبابِ﴾ [الرعد: ١٩] .

وَلا شَكَّ أنَّ مَن عَمِيَتْ بَصِيرَتُهُ عَنِ النُّورِ تَخَبَّطَ في الظَّلامِ، ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا، فَما لَهُ مِن نُورٍ.

وَبِهَذا تَعْلَمُ أيُّها المُسْلِمُ المُنْصِفُ، أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكَ الجِدُّ والِاجْتِهادُ في تَعَلُّمِ كِتابِ اللَّهِ، وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ بِالوَسائِلِ النّافِعَةِ المُنْتِجَةِ، والعَمَلُ بِكُلِّ ما عَلَّمَكَ اللَّهُ مِنهُما عِلْمًا صَحِيحًا.

وَلْتَعْلَمْ أنَّ تَعَلُّمَ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ في هَذا الزَّمانِ أيْسَرُ مِنهُ بِكَثِيرٍ في القُرُونِ الأوْلى، لِسُهُولَةِ مَعْرِفَةِ جَمِيعِ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، مِن ناسِخٍ ومَنسُوخٍ وعامٍّ وخاصٍّ، ومُطْلَقٍ ومُقَيَّدٍ، ومُجْمَلٍ ومُبَيَّنٍ وأحْوالِ الرِّجالِ، مِن رُواةِ الحَدِيثِ، والتَّمْيِيزِ بَيْنَ الصَّحِيحِ والضَّعِيفِ؛ لِأنَّ الجَمِيعَ ضَبَطَ وأتْقَنَ ودَوَّنَ، فالجَمِيعُ سَهَّلَ التَّناوُلَ اليَوْمَ.

فَكُلُّ آيَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ قَدْ عُلِمَ ما جاءَ فِيها مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعَيْنِ وكِبارِ المُفَسِّرِينَ.

وَجَمِيعُ الأحادِيثِ الوارِدَةِ عَنْهُ ﷺ حُفِظَتْ ودُوِّنَتْ، وعُلِمَتْ أحْوالُ مُتُونِها وأسانِيدِها، وما يَتَطَرَّقُ إلَيْها مِنَ العِلَلِ والضَّعْفِ.

فَجَمِيعُ الشُّرُوطِ الَّتِي اشْتَرَطُوها في الِاجْتِهادِ يَسْهُلُ تَحْصِيلُها جِدًّا عَلى كُلِّ مَن رَزَقَهُ اللَّهُ فَهْمًا وعِلْمًا.

والنّاسِخُ والمَنسُوخُ، والخاصُّ والعامُّ، والمُطْلَقُ والمُقَيَّدُ، ونَحْوُ ذَلِكَ تَسْهُلُ مَعْرِفَتُهُ اليَوْمَ عَلى كُلِّ ناظِرٍ في الكِتابِ والسُّنَّةِ مِمَّنْ رَزَقَهُ اللَّهُ فَهْمًا ووَفَّقَهُ لِتَعَلُّمِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ.

واعْلَمْ أيُّها المُسْلِمُ المُنْصِفُ، أنَّ مِن أشْنَعِ الباطِلِ وأعْظَمِ القَوْلِ بِغَيْرِ الحَقِّ، عَلى اللَّهِ وكِتابِهِ وعَلى النَّبِيِّ وسُنَّتِهِ المُطَهَّرَةِ، ما قالَهُ الشَّيْخُ أحْمَدُ الصّاوِيُّ في حاشِيَتِهِ عَلى الجَلالَيْنِ في سُورَةِ الكَهْفِ وآلِ عِمْرانَ واغْتَرَّ بِقَوْلِهِ في ذَلِكَ خَلْقٌ لا يُحْصى مِنَ المُتَسَمِّينَ بِاسْمِ طَلَبَةِ العِلْمِ؛ لِكَوْنِهِمْ لا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ حَقٍّ وباطِلٍ.

(p-٢٦٥)فَقَدْ قالَ الصّاوِيُّ أحْمَدُ المَذْكُورُ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ [الكهف: ٢٣] بَعْدَ أنْ ذَكَرَ الأقْوالَ في انْفِصالِ الِاسْتِثْناءِ عَنِ المُسْتَثْنى مِنهُ بِزَمانٍ - ما نَصُّهُ: وعامَّةُ المَذاهِبِ الأرْبَعَةِ عَلى خِلافِ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَإنَّ شَرْطَ حَلِّ الأيْمانِ بِالمَشِيئَةِ أنْ تَتَّصِلَ، وأنْ يُقْصَدَ بِها حَلُّ اليَمِينِ، ولا يَضُرَّ الفَصْلُ بِتَنَفُّسٍ أوْ سُعالٍ أوْ عُطاسٍ، ولا يَجُوزُ تَقْلِيدُ ما عَدا المَذاهِبَ الأرْبَعَةَ، ولَوْ وافَقَ قَوْلَ الصَّحابَةِ والحَدِيثَ الصَّحِيحَ والآيَةَ، فالخارِجُ عَنِ المَذاهِبِ الأرْبَعَةِ ضالٌّ مُضِلٌّ، ورُبَّما أدّاهُ ذَلِكَ لِلْكُفْرِ؛ لِأنَّ الأخْذَ بِظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن أُصُولِ الكُفْرِ. انْتَهى مِنهُ بِلَفْظِهِ.

فانْظُرْ يا أخِي - رَحِمَكَ اللَّهُ - ما أشْنَعَ هَذا الكَلامَ وما أبْطَلَهُ، وما أجْرَأ قائِلَهُ عَلى اللَّهِ وكِتابِهِ، وعَلى النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ .

أمّا قَوْلُهُ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ الخُرُوجُ عَنِ المَذاهِبِ الأرْبَعَةِ، ولَوْ كانَتْ أقْوالُهم مُخالِفَةً لِلْكِتابِ والسُّنَّةِ، وأقْوالِ الصَّحابَةِ، فَهو قَوْلٌ باطِلٌ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ وإجْماعِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وإجْماعِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ أنْفُسِهِمْ، كَما سَنَرى إيضاحَهُ إنْ شاءَ اللَّهُ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ في المَسائِلِ الآتِيَةِ بَعْدَ هَذِهِ المَسْألَةِ، فالَّذِي يَنْصُرُهُ هو الضّالُّ المُضِلِّ.

وَأمّا قَوْلُهُ: إنَّ الأخْذَ بِظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن أصُولُ الكُفْرِ، فَهَذا أيْضًا مِن أشْنَعِ (p-٢٦٦)الباطِلِ وأعْظَمِهِ، وقائِلُهُ مِن أعْظَمِ النّاسِ انْتِهاكًا لِحُرْمَةِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ ﴿سُبْحانَكَ هَذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾ .

والتَّحْقِيقُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وهو الَّذِي كانَ عَلَيْهِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعامَّةُ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ أنَّهُ لا يَجُوزُ العُدُولُ عَنْ ظاهِرِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، حَتّى يَقُومَ دَلِيلٌ صَحِيحٌ شَرْعِيٌّ صارِفٌ عَنِ الظّاهِرِ إلى المُحْتَمَلِ المَرْجُوحِ.

والقَوْلُ بِأنَّ العَمَلَ بِظاهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن أُصُولِ الكُفْرِ لا يَصْدُرُ البَتَّةَ عَنْ عالِمٍ بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، وإنَّما يَصْدُرُ عَمَّنْ لا عِلْمَ لَهُ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ أصْلًا؛ لِأنَّهُ لِجَهْلِهِ بِهِما يَعْتَقِدُ ظاهِرَهُما كُفْرًا، والواقِعُ في نَفْسِ الأمْرِ أنَّ ظاهِرَهُما بَعِيدٌ مِمّا ظَنَّهُ أشَدُّ مِن بَعْدِ الشَّمْسِ مِنَ اللَّمْسِ.

وَمِمّا يُوَضِّحُ لَكَ ذَلِكَ: أنَّ آيَةَ الكَهْفِ هَذِهِ الَّتِي ظَنَّ الصّاوِيُّ أنَّ ظاهِرَها حَلَّ الأيْمانِ بِالتَّعْلِيقِ بِالمَشِيئَةِ المُتَأخِّرِ زَمَنُها عَنِ اليَمِينِ، وأنَّ ذَلِكَ مُخالِفٌ لِلْمَذاهِبِ الأرْبَعَةِ: وبَنى عَلى ذَلِكَ أنَّ العَمَلَ بِظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن أُصُولِ الكُفْرِ، كُلُّهُ باطِلٌ لا أساسَ لَهُ.

وَظاهِرُ الآيَةِ بَعِيدٌ مِمّا ظَنَّ، بَلِ الظَّنُّ الَّذِي ظَنَّهُ والزَّعْمُ الَّذِي زَعَمَهُ لا تُشِيرُ الآيَةُ إلَيْهِ أصْلًا، ولا تَدُلُّ عَلَيْهِ لا بِدَلالَةِ المُطابَقَةِ، ولا التَّضَمُّنِ ولا الِالتِزامِ، فَضْلًا عَلى أنْ تَكُونَ ظاهِرَةً فِيهِ.

وَسَبَبُ نُزُولِها يَزِيدُ ذَلِكَ إيضاحًا؛ لِأنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الرُّوحِ، وأصْحابِ الكَهْفِ، وذِي القَرْنَيْنِ، فَقالَ لَهم: سَأُخْبِرُكم غَدًا، ولَمْ يَقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَعاتَبَهُ رَبُّهُ بِعَدَمِ تَفْوِيضِ الأمْرِ إلَيْهِ، وعَدَمِ تَعْلِيقِهِ بِمَشِيئَتِهِ - جَلَّ وعَلا - فَتَأخَّرَ عَنْهُ الوَحْيُ.

ثُمَّ عَلَّمَهُ اللَّهُ في الآيَةِ الأدَبَ مَعَهُ، في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] .

ثُمَّ قالَ لِنَبِيِّهِ: ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]، يَعْنِي إنْ قُلْتَ سَأفْعَلُ كَذا غَدًا، ثُمَّ نَسِيتَ أنْ تَقُولَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ تَذَكَّرْتَ بَعْدَ ذَلِكَ، فاذْكُرْ رَبَّكَ، أيْ قُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، أيْ لِتَتَدارَكَ بِذَلِكَ الأدَبَ مَعَ اللَّهِ الَّذِي فاتَكَ عِنْدَ وقْتِهِ، بِسَبَبِ النِّسْيانِ، وتَخْرُجَ مِن عُهْدَةِ النَّهْيِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ .

(p-٢٦٧)والتَّعْلِيقُ بِهَذِهِ المَشِيئَةِ المُتَأخِّرَةِ لِأجْلِ المَعْنى المَذْكُورِ الَّذِي هو ظاهِرُ الآيَةِ الصَّحِيحُ لا يُخالِفُ مَذْهَبًا مِنَ المَذاهِبِ الأرْبَعَةِ ولا غَيْرِهِمْ، وهو التَّحْقِيقُ في مُرادِ ابْنِ عَبّاسٍ بِما يُنْقَلُ عَنْهُ مِن جَوازِ تَأْخِيرِ الِاسْتِثْناءِ كَما أوْضَحَهُ كَبِيرُ المُفَسِّرِينَ أبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ.

وَقَدْ قَدَّمْنا إيضاحَهُ في الكَلامِ عَلى آيَةِ الكَهْفِ هَذِهِ. فَيا أتْباعَ الصّاوِيِّ المُقَلِّدِينَ لَهُ تَقْلِيدًا أعْمى عَلى جَهالَةٍ عَمْياءَ، أيْنَ دَلَّ ظاهِرُ آيَةِ الكَهْفِ هَذِهِ عَلى اليَمِينِ بِاللَّهِ، أوْ بِالطَّلاقِ، أوْ بِالعِتْقِ، أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأيْمانِ ؟

هَلِ النَّبِيُّ ﷺ حَلَفَ لَمّا قالَ لِلْكُفّارِ: سَأُخْبِرُكم غَدًا ؟

وَهَلْ قالَ اللَّهُ: ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي حالِفٌ سَأفْعَلُ ذَلِكَ غَدًا ؟

وَمِن أيْنَ جِئْتُمْ بِاليَمِينِ، حَتّى قُلْتُمْ: إنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ هو حَلُّ الأيْمانِ بِالمَشِيئَةِ المُتَأخِّرَةِ عَنْها، وبَنَيْتُمْ عَلى ذَلِكَ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ مُخالِفٌ لِمَذاهِبِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ، وأنَّ العَمَلَ بِظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ مَن أصُولُ الكُفْرِ ؟

وَمِمّا يَزِيدُ ما ذَكَرْنا إيضاحًا ما قالَهُ الصّاوِيُّ أيْضًا في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ [آل عمران: ٧]، فَإنَّهُ قالَ عَلى كَلامِ الجَلالِ ما نَصُّهُ: زَيْغٌ أيْ مَيْلٌ عَنِ الحَقِّ لِلْباطِلِ، قَوْلُهُ: بِوُقُوعِهِمْ في الشُّبُهاتِ واللَّبْسِ، أيْ كَنَصارى نَجْرانَ، ومَن حَذا حَذْوَهم مِمَّنْ أخَذَ بِظاهِرِ القُرْآنِ، فَإنَّ العُلَماءَ ذَكَرُوا أنَّ مِن أُصُولِ الكُفْرِ الأخْذَ بِظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ ا هـ.

فانْظُرْ - رَحِمَكَ اللَّهُ - ما أشْنَعَ هَذا الكَلامَ، وما أبْطَلَهُ، وما أجْرَأ قائِلَهُ عَلى انْتِهاكِ حُرُماتِ اللَّهِ وكِتابِهِ ونَبِيِّهِ وسُنَّتِهِ ﷺ وما أدَلَّهُ عَلى أنَّ صاحِبَهُ لا يَدْرِي ما يَتَكَلَّمُ بِهِ. فَإنَّهُ جَعَلَ ما قالَهُ نَصارى نَجْرانَ هو ظاهِرُ كِتابِ اللَّهِ، ولِذا جَعَلَ مِثْلَهم مَن حَذا حَذْوَهم، فَأخَذَ بِظاهِرِ القُرْآنِ.

وَذَكَرَ أنَّ العُلَماءَ قالُوا: إنَّ الأخْذَ بِظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن أُصُولِ الكُفْرِ، مَعَ أنَّهُ لا يَدْرِي وجْهَ ادِّعاءِ نَصارى نَجْرانَ عَلى ظاهِرِ القُرْآنِ أنَّهُ كَفَرَ، مَعَ أنَّهُ مُسْلِمٌ أنَّ ادِّعاءَهم عَلى ظاهِرِ القُرْآنِ أنَّهُ كَفَّرَهم ومَن حَذا حَذْوَهُمُ ادِّعاءٌ صَحِيحٌ، إلّا أنَّ الأخْذَ بِظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن أُصُولِ الكُفْرِ.

(p-٢٦٨)وَقَدْ قالَ قَبْلَ هَذا: قِيلَ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ وفْدَ نَجْرانَ قالُوا لِلنَّبِيِّ - ﷺ: «ألَسْتَ تَقُولُ: إنَّ عِيسى رُوحُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ ؟ فَقالَ: نَعَمْ، فَقالُوا: حَسْبُنا، أيْ كَفانا ذَلِكَ في كَوْنِهِ ابْنَ اللَّهِ» . فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

فاتَّضَحَ أنَّ الصّاوِيَّ يَعْتَقِدُ أنَّ ادِّعاءَ نَصارى نَجْرانَ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ﴾ [النساء: ١٧١]، هو أنَّ عِيسى ابْنُ اللَّهِ ادِّعاءٌ صَحِيحٌ، وبَنى عَلى ذَلِكَ أنَّ العُلَماءَ قالُوا: إنَّ الأخْذَ بِظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن أُصُولِ الكُفْرِ.

وَهَذا كُلُّهُ مِن أشْنَعِ الباطِلِ وأعْظَمِهِ، فالآيَةٌ لا يُفْهَمُ مَن ظاهِرِها البَتَّةَ، بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، ولا بِدَلالَةٍ مِنَ الدَّلالاتِ، أنَّ عِيسى ابْنُ اللَّهِ، وادِّعاءُ نَصارى نَجْرانَ ذَلِكَ كَذِبٌ بَحْتٌ.

فَقَوْلُ الصّاوِيِّ كَنَصارى نَجْرانَ، ومَن حَذا حَذْوَهم مِمَّنْ أخَذَ بِظَواهِرِ القُرْآنِ صَرِيحٌ في أنَّهُ يَعْتَقِدُ أنَّ ما ادَّعاهُ وفْدُ نَجْرانَ مِن كَوْنِ عِيسى ابْنَ اللَّهِ هو ظاهِرُ القُرْآنِ اعْتِقادٌ باطِلٌ باطِلٌ باطِلٌ، حاشا القُرْآنِ العَظِيمِ مِن أنْ يَكُونَ هَذا الكُفْرُ البَواحُ ظاهِرَهُ، بَلْ هو لا يَدُلُّ عَلَيْهِ البَتَّةَ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ ظاهِرَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿وَرُوحٌ مِنهُ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكم ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ جَمِيعًا مِنهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، أيْ كُلُّ ذَلِكَ مِن عِيسى ومِن تَسْخِيرِ السَّماواتِ والأرْضِ مَبْدَؤُهُ ومَنشَؤُهُ - جَلَّ وعَلا.

فَلَفْظَةُ ”مِن“ في الآيَتَيْنِ لِابْتِداءِ الغايَةِ، وذَلِكَ هو ظاهِرُ القُرْآنِ وهو الحَقُّ خِلافًا لِما زَعَمَهُ الصّاوِيُّ وحَكاهُ عَنْ نَصارى نَجْرانَ.

وَقَدِ اتَّضَحَ بِما ذَكَرْنا أنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ الأخْذَ بِظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن أُصُولِ الكُفْرِ لا يَعْلَمُونَ ما هي الظَّواهِرُ، وأنَّهم يَعْتَقِدُونَ شَيْئًا ظاهِرَ النَّصِّ، والواقِعُ أنَّ النَّصَّ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ ظاهِرَهُ.

فَبَنَوْا باطِلًا عَلى باطِلٍ، ولا شَكَّ أنَّ الباطِلَ لا يُبْنى عَلَيْهِ إلّا الباطِلُ.

وَلَوْ تَصَوَّرُوا مَعانِيَ ظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ عَلى حَقِيقَتِها لِمَنَعَهم ذَلِكَ مِن أنْ يَقُولُوا ما قالُوا.

فَتَصَوُّرُ الصّاوِيِّ أنَّ ظاهِرَ آيَةِ الكَهْفِ المُتَقَدِّمَةِ هو حَلُّ الأيْمانِ، بِالتَّعْلِيقِ بِالمَشِيئَةِ (p-٢٦٩)المُتَأخِّرِ زَمَنُها عَنِ اليَمِينِ، وبِناؤُهُ عَلى ذَلِكَ مُخالَفَةَ ظاهِرِ الآيَةِ لِمَذاهِبِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ، وأنَّ الأخْذَ بِظَواهِرِ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن أُصُولِ الكُفْرِ، مَعَ أنَّ الآيَةَ لا تُشِيرُ أصْلًا إلى ما اعْتَقَدَ أنَّهُ ظاهِرُها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском