Ash-ShinqitiAl‑Ma'idah · 5:32

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:32

5:32Page 113

مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡأَرۡضِ لَمُسۡرِفُونَ ٣٢

Because of that, We decreed upon the Children of Israel that whoever kills a soul unless for a soul1 or for corruption [done] in the land2 - it is as if he had slain mankind entirely. And whoever saves one3 - it is as if he had saved mankind entirely. And Our messengers had certainly come to them with clear proofs. Then indeed many of them, [even] after that, throughout the land, were transgressors.4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ﴾ [ الآيَةَ ]، صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ كَتَبَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهُ مَن قَتَلَ نَفَّسا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا، ولَمْ يَتَعَرَّضْ هُنا لِحُكْمِ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِنَفْسٍ، أوْ بِفَسادٍ في الأرْضِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ، فَبَيَّنَ أنَّ قَتْلَ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ جائِزٌ، في قَوْلِهِ: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٤٥]، وفي قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٨٧]، وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٣٣] .

واعْلَمْ أنَّ آياتِ القِصاصِ في النَّفْسِ فِيها إجْمالٌ بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ، وحاصِلُ تَحْرِيرِ المَقامِ فِيها أنَّ الذَّكَرَ الحُرَّ المُسْلِمَ يُقْتَلُ بِالذَّكَرِ الحُرِّ المُسْلِمِ إجْماعًا، وأنَّ المَرْأةَ كَذَلِكَ تُقْتَلُ بِالمَرْأةِ كَذَلِكَ إجْماعًا، وأنَّ العَبْدَ يُقْتَلُ كَذَلِكَ بِالعَبْدِ إجْماعًا، وإنَّما لَمْ نَعْتَبِرْ قَوْلَ عَطاءٍ بِاشْتِراطِ تَساوِي قِيمَةِ العَبْدَيْنِ، وهو رِوايَةٌ عَنْ أحْمَدَ، ولا قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ: لَيْسَ بَيْنَ العَبِيدِ قِصاصٌ، لِأنَّهم أمْوالٌ؛ لِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ يَرُدُّهُ صَرِيحُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ الآيَةَ، وأنَّ المَرْأةَ تُقْتَلُ بِالرَّجُلِ، لِأنَّها إذا قُتِلَتْ بِالمَرْأةِ، فَقَتْلُها بِالرَّجُلِ أوْلى، وأنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالمَرْأةِ عِنْدَ جُمْهُورِ العُلَماءِ فِيهِما.

وَرُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنهم عَلِيٌّ، والحَسَنُ، وعُثْمانُ البَتِّيُّ، وأحْمَدُ في رِوايَةٍ عَنْهُ أنَّهُ لا يُقْتَلُ بِها حَتّى يَلْتَزِمَ أوْلِياؤُها قَدْرَ ما تَزِيدُ بِهِ دِيَتُهُ عَلى دِيَتِها؛ فَإنْ لَمْ يَلْتَزِمُوهُ أخَذُوا دِيَتَها.

وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، والحَسَنِ: أنَّها إنْ قَتَلَتْ رَجُلًا قُتِلَتْ بِهِ، وأخَذَ أوْلِياؤُهُ أيْضًا زِيادَةَ دِيَتِهِ عَلى دِيَتِها، أوْ أخَذُوا دِيَةَ المَقْتُولِ واسْتَحْيَوْها.

قالَ القُرْطُبِيُّ، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ هَذا الكَلامَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ، وقَدْ أنْكَرَ ذَلِكَ عَنْهم أيْضًا: رَوى هَذا الشَّعْبِيُّ عَنْ عَلِيٍّ، ولا يَصِحُّ لِأنَّ الشَّعْبِيَّ لَمْ يَلْقَ عَلِيًّا.

وَقَدْ رَوى الحَكَمُ، عَنْ عَلِيٍّ، وعَبْدِ اللَّهِ، أنَّهُما قالا: إذا قَتَلَ الرَّجُلُ المَرْأةَ مُتَعَمِّدًا (p-٣٧٣)فَهُوَ بِها قَوَدٌ، وهَذا يُعارِضُ رِوايَةَ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلِيٍّ؛ وقالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ في بابِ: ”سُؤالِ القاتِلِ حَتّى يُقِرَّ“ والإقْرارُ في الحُدُودِ، بَعْدَ أنْ ذَكَرَ القَوْلَ المَذْكُورَ عَنْ عَلِيٍّ والحَسَنِ: ولا يَثْبُتُ عَنْ عَلِيٍّ، ولَكِنْ هو قَوْلُ عُثْمانَ البَتِّيِّ أحَدُ فُقَهاءِ البَصْرَةِ، ويَدُلُّ عَلى بُطْلانِ هَذا القَوْلِ أنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ، أنَّ أوْلِياءَ الرَّجُلِ إذا قَتَلَتْهُ امْرَأةٌ يُجْمَعُ لَهم بَيْنَ القِصاصِ ونِصْفِ الدِّيَةِ، وهَذا قَوْلٌ يَدُلُّ الكِتابُ والسُّنَّةُ عَلى بُطْلانِهِ، وأنَّهُ إمّا القِصاصُ فَقَطْ، وإمّا الدِّيَةُ فَقَطْ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ الآيَةَ، فَرَتَّبَ الِاتِّباعَ بِالدِّيَةِ عَلى العَفْوِ دُونَ القِصاصِ.

وَقالَ ﷺ: «مَن قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهو بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ» الحَدِيثَ، وهو صَرِيحٌ في عَدَمِ الجَمْعِ بَيْنَهُما، كَما هو واضِحٌ عِنْدَ عامَّةِ العُلَماءِ؛ وحُكِيَ عَنْ أحْمَدَ في رِوايَةٍ عَنْهُ، وعُثْمانَ البَتِّيِّ، وعَطاءٍ، أنَّ الرَّجُلَ لا يُقْتَلُ بِالمَرْأةِ، بَلْ تَجِبُ الدِّيَةُ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، ورُوِيَ عَنِ اللَّيْثِ والزُّهْرِيِّ، أنَّها إنْ كانَتْ زَوْجَتَهُ لَمْ يُقْتَلْ بِها، وإنْ كانَتْ غَيْرَ زَوْجَتِهِ قُتِلَ بِها.

والتَّحْقِيقُ قَتْلُهُ بِها مُطْلَقًا؛ كَما سَتَرى أدِلَّتَهُ، فَمِنَ الأدِلَّةِ عَلى قَتْلِ الرَّجُلِ بِالمَرْأةِ إجْماعُ العُلَماءِ عَلى أنَّ الصَّحِيحَ السَّلِيمَ الأعْضاءِ إذا قَتَلَ أعْوَرَ أوْ أشَلَّ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ عَمْدًا، وجَبَ عَلَيْهِ القِصاصُ، ولا يَجُبْ لِأوْلِيائِهِ شَيْءٌ في مُقابَلَةِ ما زادَ بِهِ مِنَ الأعْضاءِ السَّلِيمَةِ عَلى المَقْتُولِ.

وَمِنَ الأدِلَّةِ عَلى قَتْلِ الرَّجُلِ بِالمَرْأةِ، ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ ﷺ مِن حَدِيثِ أنَسٍ: «أنَّهُ ﷺ رَضَّ رَأْسَ يَهُودِيٍّ بِالحِجارَةِ قِصاصًا بِجارِيَةٍ فَعَلَ بِها كَذَلِكَ»، وهَذا الحَدِيثُ اسْتَدَلَّ بِهِ العُلَماءُ عَلى قَتْلِ الذَّكَرِ بِالأُنْثى، وعَلى وُجُوبِ القِصاصِ في القَتْلِ بِغَيْرِ المُحَدَّدِ، والسِّلاحِ.

وَقالَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“ في بابِ ”قَتْلِ الرَّجُلِ بِالمَرْأةِ“: أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحافِظُ، ثَنا أبُو زَكَرِيّا يَحْيى بْنُ مُحَمَّدٍ العَنْبَرِيُّ، ثَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إبْراهِيمَ العَبْدِيُّ، ثَنا الحَكَمُ بْنُ مُوسى القَنْطَرِيُّ، ثَنا يَحْيى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”أنَّهُ كَتَبَ إلى أهْلِ اليَمَنِ بِكِتابٍ فِيهِ الفَرائِضُ، والسُّنَنُ، والدِّياتُ، وبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وكانَ فِيهِ، وإنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالمَرْأةِ»“ .

(p-٣٧٤)وَرَوى هَذا الحَدِيثَ مَوْصُولًا أيْضًا النَّسائِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، وفي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ ما نَصُّهُ: وفي الحَدِيثِ الَّذِي رَواهُ النَّسائِيُّ، وغَيْرُهُ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ في كِتابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالمَرْأةِ»، وكِتابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَذا لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الَّذِي فِيهِ أنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالمَرْأةِ، رَواهُ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، ورَواهُ أيْضًا الدّارَقُطْنِيُّ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، والدّارِمِيُّ، وكَلامُ عُلَماءِ الحَدِيثِ في كِتابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ هَذا مَشْهُورٌ بَيْنَ مُصَحِّحٍ لَهُ، ومُضَعِّفٍ؛ ومِمَّنْ صَحَّحَهُ: ابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، وعَنْ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: أرْجُو أنْ يَكُونَ صَحِيحًا. وصَحَّحَهُ أيْضًا - مِن حَيْثُ الشُّهْرَةِ، لا مِن حَيْثُ الإسْنادِ - جَماعَةٌ مِنهُمُ الشّافِعِيُّ فَإنَّهُ قالَ: لَمْ يَقْبَلُوا هَذا الحَدِيثَ حَتّى ثَبَتَ عِنْدَهم أنَّهُ كِتابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

وَقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: هو كِتابٌ مَشْهُورٌ عِنْدَ أهْلِ السِّيَرِ، مَعْرُوفٌ ما فِيهِ عِنْدَ أهْلِ العِلْمِ، يَسْتَغْنِي بِشُهْرَتِهِ عَنِ الإسْنادِ؛ لِأنَّهُ أشْبَهَ المُتَواتِرَ لِتَلَقِّي النّاسِ لَهُ بِالقَبُولِ، قالَ: ويَدُلُّ عَلى شُهْرَتِهِ ما رَوى ابْنُ وهْبٍ، عَنْ مالِكٍ، عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: وُجِدَ كِتابٌ عِنْدَ آلِ حَزْمٍ يَذْكُرُونَ أنَّهُ كِتابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ العُقَيْلِيُّ: هَذا حَدِيثٌ ثابِتٌ مَحْفُوظٌ، وقالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيانَ: لا أعْلَمَ في جَمِيعِ الكُتُبِ المَنقُولَةِ كِتابًا أصَحَّ مِن كِتابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ هَذا، فَإنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والتّابِعِينَ، يَرْجِعُونَ إلَيْهِ، ويَدَعُونَ رَأْيَهم.

وَقالَ الحاكِمُ: قَدْ شَهِدَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وإمامُ عَصْرِهِ الزُّهْرِيُّ بِالصِّحَّةِ لِهَذا الكِتابِ، ثُمَّ ساقَ ذَلِكَ بِسَنَدِهِ إلَيْهِما، وضَعَّفَ كِتابَ ابْنِ حَزْمٍ هَذا جَماعَةٌ، وانْتَصَرَ لِتَضْعِيفِهِ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ في مُحَلّاهُ.

والتَّحْقِيقُ: صِحَّةُ الِاحْتِجاجِ بِهِ؛ لِأنَّهُ ثَبَتَ أنَّهُ كِتابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَتَبَهُ لِيُبَيِّنَ بِهِ أحْكامَ الدِّياتِ، والزَّكَواتِ، وغَيْرِها، ونُسْخَتُهُ مَعْرُوفَةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ.

والحَدِيثُ: ولا سِيَّما عِنْدَ مَن يَحْتَجُّ بِالمُرْسَلِ كَمالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، وأحْمَدَ في أشْهَرِ الرِّواياتِ.

وَمِن أدِلَّةِ قَتْلِهِ بِها عُمُومُ حَدِيثِ: «المُسْلِمُونَ تَتَكافَأُ دِماؤُهم» الحَدِيثَ، وسَيَأْتِي البَحْثُ فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ، ومِن أوْضَحِ الأدِلَّةِ في قَتْلِ الرَّجُلِ بِالمَرْأةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٤٥]، وقَوْلُهُ ﷺ: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ (p-٣٧٥)يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزّانِي، والنَّفْسُ بِالنَّفْسِ» الحَدِيثَ، أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ، وباقِي الجَماعَةِ، مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

فَعُمُومُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وهَذا الحَدِيثِ الصَّحِيحِ يَقْتَضِي قَتْلَ الرَّجُلِ بِالمَرْأةِ، لِأنَّهُ نَفْسٌ بِنَفْسٍ، ولا يَخْرُجُ عَنْ هَذا العُمُومِ، إلّا ما أخْرَجَهُ دَلِيلٌ صالِحٌ لِتَخْصِيصِ النَّصِّ بِهِ، نَعَمْ يَتَوَجَّهُ عَلى هَذا الِاسْتِدْلالِ سُؤالانِ:

الأوَّلُ: ما وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآيَةَ، مَعَ أنَّهُ حِكايَةٌ عَنْ قَوْمِ مُوسى، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨] .

السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ لا يُخَصَّصُ عُمُومُ قَتْلِ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ في الآيَةِ والحَدِيثِ المَذْكُورَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ [البقرة: ١٧٨]؛ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ أخَصُّ مِن تِلْكَ، لِأنَّها فَصَّلَتْ ما أُجْمِلَ في الأُولى، ولِأنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ مُخاطَبَةٌ بِها صَرِيحًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ﴾ الآيَةَ.

الجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ: أنَّ التَّحْقِيقَ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، ودَلَّتْ عَلَيْهِ نُصُوصُ الشَّرْعِ: أنَّ كُلَّ ما ذُكِرَ لَنا في كِتابِنا، وسُنَّةِ نَبِيِّنا ﷺ مِمّا كانَ شَرْعًا لِمَن قَبْلَنا أنَّهُ يَكُونُ شَرْعًا لَنا، مِن حَيْثُ إنَّهُ وارِدٌ في كِتابِنا، أوْ سُنَّةِ نَبِيِّنا ﷺ لا مِن حَيْثُ إنَّهُ كانَ شَرْعًا لِمَن قَبْلَنا؛ لِأنَّهُ ما قَصَّ عَلَيْنا في شَرْعِنا إلّا لِنَعْتَبِرَ بِهِ، ونَعْمَلَ بِما تَضْمَّنَ.

والنُّصُوصُ الدّالَّةُ عَلى هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا، ولِأجْلِ هَذا أمَرَ اللَّهُ في القُرْآنِ العَظِيمِ في غَيْرِ ما آيَةٍ بِالِاعْتِبارِ بِأحْوالِهِمْ، ووَبَّخَ مَن لَمْ يَعْقِلْ ذَلِكَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى في قَوْمِ لُوطٍ: ﴿وَإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ﴿وَبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨] .

فِي قَوْلِهِ: أفَلا تَعْقِلُونَ تَوْبِيخٌ لِمَن مَرَّ بِدِيارِهِمْ، ولَمْ يَعْتَبِرْ بِما وقَعَ لَهم، ويَعْقِلْ ذَلِكَ لِيَجْتَنِبَ الوُقُوعَ في مِثْلِهِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، ثُمَّ هَدَّدَ الكَفّارَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وَلِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ [محمد: ١٠] .

(p-٣٧٦)وَقالَ في حِجارَةِ قَوْمِ لُوطٍ الَّتِي أُهْلِكُوا بِها، أوْ دِيارِهِمُ الَّتِي أُهْلِكُوا فِيها: ﴿وَما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]، وهو تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ مِنهُ تَعالى لِمَن لَمْ يَعْتَبِرْ بِحالِهِمْ، فَيَجْتَنِبَ ارْتِكابَ ما هَلَكُوا بِسَبَبِهِ، وأمْثالُ ذَلِكَ كَثِيرٌ في القُرْآنِ.

وَقالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ في قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الألْبابِ﴾ [يوسف: ١١١]، فَصَرَّحَ بِأنَّهُ يَقُصُّ قَصَصَهم في القُرْآنِ لِلْعِبْرَةِ، وهو دَلِيلٌ واضِحٌ لِما ذَكَرْنا، ولَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى مَن ذَكَرَ مِنَ الأنْبِياءِ في سُورَةِ الأنْعامِ، قالَ لِنَبِيِّنا ﷺ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وأمْرُهُ ﷺ أمْرٌ لَنا؛ لِأنَّهُ قُدْوَتُنا، ولِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٢١]، ويَقُولُ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٣١]، ويَقُولُ: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآيَةَ [الحشر: ٧] .

وَيَقُولُ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ الآيَةَ [النساء: ٨٠]، ومِن طاعَتِهِ اتِّباعُهُ فِيما أمَرَ بِهِ كُلِّهُ، إلّا ما قامَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى الخُصُوصِ بِهِ ﷺ وكَوْنُ شَرْعِ مَن قَبْلَنا الثّابِتِ بِشَرْعِنا شَرْعًا لَنا، إلّا بِدَلِيلٍ عَلى النَّسْخِ هو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، مِنهم مالِكٌ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأحْمَدُ في أشْهَرِ الرِّوايَتَيْنِ، وخالَفَ الإمامُ الشّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في أصَحِّ الرِّواياتِ عَنْهُ، فَقالَ: إنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا الثّابِتَ بِشَرْعِنا لَيْسَ شَرْعًا لَنا، إلّا بِنَصٍّ مِن شَرْعِنا عَلى أنَّهُ مَشْرُوعٌ لَنا، وخالَفَ أيْضًا في الصَّحِيحِ عَنْهُ في أنَّ الخِطابَ الخاصَّ بِالرَّسُولِ ﷺ يَشْمَلُ حُكْمُهُ الأُمَّةَ؛ واسْتَدَلَّ لِلْأوَّلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾، ولِلثّانِي: بِأنَّ الصِّيغَةَ الخاصَّةَ بِالرَّسُولِ لا تَشْمَلُ الأُمَّةَ وضْعًا، فَإدْخالُها فِيها صَرْفٌ لِلَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ، فَيُحْتاجُ إلى دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، وحَمْلُ الهُدى في قَوْلِهِ: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾، والدِّينِ في قَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ﴾ الآيَةَ [الشورى: ١٣] عَلى خُصُوصِ الأُصُولِ الَّتِي هي التَّوْحِيدُ دُونَ الفُرُوعِ العَمَلِيَّةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في العَقائِدِ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلّا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقالَ: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقالَ: ﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] .

وَقالَ في الفُرُوعِ العَمَلِيَّةِ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى اتِّفاقِهِمْ في الأُصُولِ، واخْتِلافِهِمْ في الفُرُوعِ، كَما قالَ ﷺ: «إنّا مَعْشَرُ الأنْبِياءِ إخْوَةٌ لِعَلّاتٍ دِينُنا واحِدٌ»، أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ، مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ (p-٣٧٧)عَنْهُ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ - وغَفَرَ لَهُ: أمّا حَمْلُ الهُدى في آيَةِ ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾، والدِّينِ في آيَةِ ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ﴾، عَلى سَبِيلِ التَّوْحِيدِ دُونَ الفُرُوعِ العَمَلِيَّةِ، فَهو غَيْرُ مُسَلَّمٍ، أمّا الأوَّلُ فَلِما أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ، في تَفْسِيرِ سُورَةِ ”ص“، عَنْ مُجاهِدٍ: ”«أنَّهُ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ: مِن أيْنَ أخَذْتَ السَّجْدَةَ في“ ص "، فَقالَ: أوَ ما تَقْرَأُ: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ﴾، إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٨٤ و٩٠]، فَسَجَدَها داوُدُ، فَسَجَدَها رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ» - .

فَهَذا نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أدْخَلَ سُجُودَ التِّلاوَةِ في الهُدى في قَوْلِهِ: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾، ومَعْلُومٌ أنَّ سُجُودَ التِّلاوَةِ فَرْعٌ مِنَ الفُرُوعِ لا أصْلٌ مِنَ الأُصُولِ.

وَأمّا الثّانِي: فَلِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَرَّحَ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ الصَّحِيحِ المَشْهُورِ أنَّ اسْمَ الدِّينِ يَتَناوَلُ الإسْلامَ، والإيمانَ، والإحْسانَ، حَيْثُ قالَ: «هَذا جِبْرِيلُ أتاكم يُعَلِّمُكم دِينَكم»، وقالَ تَعالى: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقالَ: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥] .

وَصَرَّحَ ﷺ في الحَدِيثِ المَذْكُورِ بِأنَّ الإسْلامَ يَشْمَلُ الأُمُورَ العَمَلِيَّةَ، كالصَّلاةِ، والزَّكاةِ، والصَّوْمِ، والحَجِّ، وفي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «بُنِي الإسْلامُ عَلى خَمْسٍ» الحَدِيثَ، ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ إنَّ الإسْلامَ هو خُصُوصُ العَقائِدِ، دُونَ الأُمُورِ العَمَلِيَّةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ الدِّينَ لا يَخْتَصُّ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾ الآيَةَ، وهو ظاهِرٌ جِدًّا؛ لِأنَّ خَيْرَ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ هو كِتابُ اللَّهِ، وسُنَّةُ رَسُولِهِ ﷺ .

وَأمّا الخِطابُ الخاصُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ في نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾، فَقَدْ دَلَّتِ النُّصُوصُ عَلى شُمُولِ حُكْمِهِ لِلْأُمَّةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآيَةَ، إلى غَيْرِها مِمّا تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ، وقَدْ عَلِمْنا ذَلِكَ مِنِ اسْتِقْراءِ القُرْآنِ العَظِيمِ حَيْثُ يُعَبِّرُ فِيهِ دائِمًا بِالصِّيغَةِ الخاصَّةِ بِهِ ﷺ ثُمَّ يُشِيرُ إلى أنَّ المُرادَ عُمُومُ حُكْمِ الخِطابِ لِلْأُمَّةِ، كَقَوْلِهِ في أوَّلِ سُورَةِ الطَّلاقِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ﴾ [الطلاق: ١]، ثُمَّ قالَ: ﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ﴾ الآيَةَ، فَدَلَّ عَلى دُخُولِ الكُلِّ حُكْمًا تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ﴾، وقالَ في سُورَةِ التَّحْرِيمِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ [التحريم: ١]، ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]؛ (p-٣٧٨)فَدَلَّ عَلى عُمُومِ حُكْمِ الخِطابِ بِقَوْلِهِ: يا أيُّها النَّبِيُّ، ونَظِيرُ ذَلِكَ أيْضًا في سُورَةِ الأحْزابِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ١]، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ٩٤]، فَقَوْلُهُ: بِما تَعْمَلُونَ، يَدُلُّ عَلى عُمُومِ الخِطابِ بِقَوْلِهِ: يا أيُّها النَّبِيُّ، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَما تَكُونُ في شَأْنٍ﴾ [يونس: ٦١]، ثُمَّ قالَ: ﴿وَلا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا﴾ الآيَةَ.

وَمِن أصْرَحِ الأدِلَّةِ في ذَلِكَ آيَةُ الرُّومِ، وآيَةُ الأحْزابِ، أمّا آيَةُ الرُّومِ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم: ٣٠]، ثُمَّ قالَ: ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾ [الروم: ٣١]، وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ المُسْتَتِرِ، المُخاطَبِ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ﴾، الآيَةَ.

وَتَقْرِيرُ المَعْنى: فَأقِمْ وجْهَكَ يا نَبِيَّ اللَّهِ، في حالِ كَوْنِكم مُنِيبِينَ، فَلَوْ لَمْ تُدْخِلِ الأُمَّةُ حُكْمًا في الخِطابِ الخاصِّ بِهِ ﷺ لَقالَ: مُنِيبًا إلَيْهِ، بِالإفْرادِ، لِإجْماعِ أهْلِ اللِّسانِ العَرَبِيِّ عَلى أنَّ الحالَ الحَقِيقِيَّةَ، أعْنِي الَّتِي لَمْ تَكُنْ سَبَبِيَّةً، تَلْزَمُ مُطابَقَتُها لِصاحِبِها، إفْرادًا، وجَمْعًا، وتَثْنِيَةً، وتَأْنِيثًا، وتَذْكِيرًا، فَلا يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: جاءَ زَيْدٌ ضاحِكِينَ، ولا جاءَتْ هِنْدٌ ضاحِكاتٍ، وأمّا آيَةُ الأحْزابِ، فَقَوْلُهُ تَعالى في قِصَّةِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ الأسْدِيَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فَإنَّ هَذا الخِطابَ خاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ .

* *

وَقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِشُمُولِ حِكْمَتِهِ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ الآيَةَ، وأشارَ إلى هَذا أيْضًا في الأحْزابِ بِقَوْلِهِ: ﴿خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]؛ لِأنَّ الخِطابَ الخاصَّ بِهِ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ الآيَةَ، لَوْ كانَ حُكْمُهُ خاصًّا بِهِ ﷺ لَأغْنى ذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾، كَما هو ظاهِرٌ.

وَقَدْ رَدَّتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - عَلى مَن زَعَمَ أنَّ تَخْيِيرَ الزَّوْجَةِ طَلاقٌ، بِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَيَّرَ نِساءَهُ فاخْتَرْنَهُ، فَلَمْ يَعُدَّهُ طَلاقًا؛ مَعَ أنَّ الخِطابَ في ذَلِكَ خاصٌّ بِهِ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ﴾ الآيَتَيْنِ [الأحزاب: ٢٨] .

وَأخْذَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَيْنُونَةَ الزَّوْجَةِ بِالرِّدَّةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وهو خِطابٌ خاصٌّ بِهِ ﷺ .

(p-٣٧٩)وَحاصِلُ تَحْرِيرِ المَقامِ في مَسْألَةِ ”شَرْعِ مَن قَبْلَنا“، أنَّ لَها واسِطَةٌ وطَرَفَيْنِ، طَرَفٌ يَكُونُ فِيهِ شَرْعًا لَنا إجْماعًا، وهو ما ثَبَتَ بِشَرْعِنا أنَّهُ كانَ شَرْعًا لِمَن قَبْلَنا، ثُمَّ بُيِّنَ لَنا في شَرْعِنا أنَّهُ شَرْعٌ لَنا، كالقِصاصِ، فَإنَّهُ ثَبَتَ بِشَرْعِنا أنَّهُ كانَ شَرْعًا لِمَن قَبْلَنا، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآيَةَ، وبُيِّنَ لَنا في شَرْعِنا أنَّهُ مَشْرُوعٌ لَنا في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾، وطَرَفٌ يَكُونُ فِيهِ غَيْرَ شَرْعٍ لَنا إجْماعًا وهو أمْرانِ:

أحَدُهُما: ما لَمْ يَثْبُتْ بِشَرْعِنا أصْلًا أنَّهُ كانَ شَرْعًا لِمَن قَبْلَنا، كالمُتَلَقّى مِنَ الإسْرائِيلِيّاتِ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهانا عَنْ تَصْدِيقِهِمْ، وتَكْذِيبِهِمْ فِيها، وما نَهانا ﷺ عَنْ تَصْدِيقِهِ لا يَكُونُ مَشْرُوعًا لَنا إجْماعًا.

والثّانِي: ما ثَبَتَ في شَرْعِنا أنَّهُ كانَ شَرْعًا لِمَن قَبْلَنا، وبُيِّنَ لَنا في شَرْعِنا أنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ لَنا، كالآصارِ، والأغْلالِ الَّتِي كانَتْ عَلى مَن قَبْلَنا؛ لِأنَّ اللَّهَ وضَعَها عَنّا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَرَأ ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، أنَّ اللَّهَ قالَ: نَعَمْ قَدْ فَعَلْتُ» .

وَمِن تِلْكَ الآصارِ الَّتِي وضَعَها اللَّهُ عَنّا، عَلى لِسانِ نَبِيِّنا ﷺ ما وقَعَ لِعَبَدَةِ العِجْلِ، حَيْثُ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهم إلّا بِتَقْدِيمِ أنْفُسِهِمْ لِلْقَتْلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَتُوبُوا إلى بارِئِكم فاقْتُلُوا أنْفُسَكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم عِنْدَ بارِئِكم فَتابَ عَلَيْكم إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤] .

والواسِطَةُ هي مَحَلُّ الخِلافِ بَيْنَ العُلَماءِ، وهي ما ثَبَتَ بِشَرْعِنا أنَّهُ كانَ شَرْعًا لِمَن قَبْلَنا، ولَمْ يُبَيَّنْ لَنا في شَرْعِنا أنَّهُ مَشْرُوعٌ لَنا، ولا غَيْرُ مَشْرُوعٍ لَنا، وهو الَّذِي قَدَّمْنا أنَّ التَّحْقِيقَ كَوْنُهُ شَرْعًا لَنا، وهو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، وقَدْ رَأيْتَ أدِلَّتَهم عَلَيْهِ، وبِهِ تَعْلَمُ أنَّ آيَةَ: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآيَةَ، يَلْزَمُنا الأخْذُ بِما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الأحْكامِ.

مَعَ أنَّ القُرْآنَ صَرَّحَ بِذَلِكَ في الجُمْلَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾، وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ [الإسراء: ٣٣]، وفي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، المُتَّفَقِ عَلَيْهِ المُتَقَدِّمِ، التَّصْرِيحُ بِأنَّ ما فِيها مِن قَتْلِ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ مَشْرُوعٌ لَنا، (p-٣٨٠)حَيْثُ قالَ ﷺ: «لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلّا بِإحْدى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزّانِي، والنَّفْسُ بِالنَّفْسِ»، الحَدِيثَ.

وَإلى هَذا أشارَ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ، حَيْثُ قالَ: بابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ المُتَقَدِّمَ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ: والغَرَضُ مِن ذِكْرِ هَذِهِ الآيَةِ مُطابَقَتُها لِلَفْظِ الحَدِيثِ، ولَعَلَّهُ أرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّها وإنْ ورَدَتْ في أهْلِ الكِتابِ، فالحُكْمُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ مُسْتَمِرٌّ في شَرِيعَةِ الإسْلامِ، فَهو أصْلٌ في القِصاصِ في قَتْلِ العَمْدِ؛ ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ ﷺ: «كِتابُ اللَّهِ القِصاصُ»، أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ، بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ ”بِكِتابِ اللَّهِ“ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾، في هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِها، وعَلى بَقِيَّةِ الأقْوالِ فَلا دَلِيلَ في الحَدِيثِ، ولَمْ يَزَلِ العُلَماءُ يَأْخُذُونَ الأحْكامَ مِن قِصَصِ الأُمَمِ الماضِيَةِ، كَما أوْضَحْنا دَلِيلَهُ.

فَمِن ذَلِكَ قَوْلُ المالِكِيَّةِ وغَيْرِهِمْ: إنَّ القَرِينَةَ الجازِمَةَ رُبَّما قامَتْ مَقامَ البَيِّنَةِ، مُسْتَدِلِّينَ عَلى ذَلِكَ بِجَعْلِ شاهِدِ يُوسُفَ شَقَّ قَمِيصِهِ مِن دُبُرٍ قَرِينَةً عَلى صِدْقِهِ، وكَذِبِ المَرْأةِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وَإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ الآيَةَ [يوسف: ٢٦، ٢٧، ٢٨]، فَذِكْرُهُ تَعالى لِهَذا مُقَرِّرًا لَهُ يَدُلُّ عَلى جَوازِ العَمَلِ بِهِ، ومِن هُنا أوْجَبَ مالِكٌ حَدَّ الخَمْرِ عَلى مَنِ اسْتَنْكَهَ فَشُمَّ في فِيهِ رِيحُ الخَمْرِ، لِأنَّ رِيحَها في فِيهِ قَرِينَةٌ عَلى شُرْبِهِ إيّاها.

وَأجازَ العُلَماءُ لِلرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ المَرْأةَ مِن غَيْرِ أنْ يَراها فَتَزُفُّها إلَيْهِ ولائِدُ، لا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِنَّ أمْرٌ أنْ يُجامِعَها مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ عَلى عَيْنِها أنَّها فُلانَةُ بِنْتُ فُلانٍ الَّتِي وقَعَ عَلَيْها العَقْدُ اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ، وتَنْزِيلًا لَها مَنزِلَةَ البَيِّنَةِ.

وَكَذَلِكَ الضَّيْفُ يَنْزِلُ بِساحَةِ قَوْمٍ فَيَأْتِيهِ الصَّبِيُّ، أوِ الوَلِيدَةُ بِطَعامٍ، فَيُباحُ لَهُ أكْلُهُ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ تَشْهَدُ عَلى إذَنْ أهْلِ الطَّعامِ لَهُ في الأكْلِ، اعْتِمادًا عَلى القَرِينَةِ.

وَأخَذَ المالِكِيَّةُ وغَيْرُهم إبْطالَ القَرِينَةِ بِقَرِينَةٍ أقْوى مِنها، مِن أنَّ أوْلادَ يَعْقُوبَ لَمّا جَعَلُوا يُوسُفَ في غَيابَةِ الجُبِّ، جَعَلُوا عَلى قَمِيصِهِ دَمَ سَخْلَةٍ، لِيَكُونَ الدَّمُ عَلى قَمِيصِهِ قَرِينَةً عَلى صِدْقِهِمْ في أنَّهُ أكَلَهُ الذِّئْبُ، فَأبْطَلَها يَعْقُوبُ بِقَرِينَةٍ أقْوى مِنها، وهي عَدَمُ شَقِّ (p-٣٨١)القَمِيصِ، فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ ! مَتى كانَ الذِّئْبُ حَلِيمًا كَيِّسًا، يَقْتُلُ يُوسُفَ، ولا يَشُقُّ قَمِيصَهُ ؟ كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]، وأخَذَ المالِكِيَّةُ ضَمانَ الغُرْمِ مِن قَوْلِهِ تَعالى، في قِصَّةِ يُوسُفَ وإخْوَتِهِ: ﴿وَلِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، وأخَذَ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ ضَمانَ الوَجْهِ المَعْرُوفِ بِالكَفالَةِ، مِن قَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ يَعْقُوبَ وبَنِيهِ: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكم حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلّا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] .

وَأخَذَ المالِكِيَّةُ تَلُومُ القاضِيَ لِلْخُصُومِ ثَلاثَةَ أيّامٍ بَعْدَ انْقِضاءِ الآجالِ مِن قَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ صالِحٍ: ﴿فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ [هود: ٦٥] .

وَأخَذُوا وُجُوبَ الإعْذارِ إلى الخَصْمِ الَّذِي تَوَجَّهُ إلَيْهِ الحُكْمُ بِـ ”أبَقِيَتْ لَكَ حُجَّةٌ ؟“، ونَحْوِ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ سُلَيْمانَ مَعَ الهُدْهُدِ: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذابًا شَدِيدًا أوْ لَأذْبَحَنَّهُ أوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [النمل: ٢١]، وأخَذَ الحَنابِلَةُ جَوازَ طُولِ مُدَّةِ الإجارَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ مُوسى، وصِهْرِهِ شُعَيْبٍ أوْ غَيْرِهِ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ الآيَةَ [القصص: ٢٧]، وأمْثالُ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، لا يُخالِفُ ما ذَكَرْنا، لِأنَّ المُرادَ بِهِ أنَّ بَعْضَ الشَّرائِعِ تُنْسَخُ فِيها أحْكامٌ كانَتْ مَشْرُوعَةً قَبْلَ ذَلِكَ، ويُجَدَّدُ فِيها تَشْرِيعُ أحْكامٍ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوعَةً قَبْلَ ذَلِكَ.

وَبِهَذا الِاعْتِبارِ يَكُونُ لِكُلٍّ شِرْعَةٍ ومِنهاجٍ مِن غَيْرِ مُخالَفَةٍ لِما ذَكَرْنا، وهَذا ظاهِرٌ، فَبِهَذا يَتَّضِحُ لَكَ الجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ، وتَعْلَمُ أنَّ ما تَضَمَّنَتْهُ آيَةُ ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآيَةَ، مَشْرُوعٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، وأنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالمَرْأةِ كالعَكْسِ عَلى التَّحْقِيقِ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ، وكَأنَّ القائِلَ بِعَدَمِ القِصاصِ بَيْنَهُما يَتَشَبَّثُ بِمَفْهُومِ قَوْلِهِ: ﴿والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ [البقرة: ١٧٨]، وسَتَرى تَحْقِيقَ المَقامِ فِيهِ - إنْ شاءَ اللَّهُ - قَرِيبًا.

والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي - الَّذِي هو لِمَ لا يُخَصِّصْ عُمُومَ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ بِالتَّفْصِيلِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ ؟ هو (p-٣٨٢)ما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ مِن أنَّ مَفْهُومَ المُخالَفَةِ إذا كانَ مُحْتَمِلًا لِمَعْنًى آخَرَ، غَيْرِ مُخالَفَتِهِ لِحُكْمِ المَنطُوقِ، يَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِنَ الِاعْتِبارِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском