Ash-ShinqitiAl‑Ma'idah · 5:35–46

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:35–46

5:35Page 113

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُواْ فِي سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣٥

O you who have believed, fear Allāh and seek the means [of nearness] to Him and strive in His cause that you may succeed.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ الآيَةَ.

اعْلَمْ أنَّ جُمْهُورَ العُلَماءِ عَلى أنَّ المُرادَ بِالوَسِيلَةِ هُنا هو القُرْبَةُ إلى اللَّهِ تَعالى، بِامْتِثالِ أوامِرِهِ، واجْتِنابِ نَواهِيهِ عَلى وفْقِ ما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ بِإخْلاصٍ في ذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ هَذا وحْدَهُ هو الطَّرِيقُ المُوَصِّلَةُ إلى رِضى اللَّهِ تَعالى، ونَيْلِ ما عِنْدَهُ مِن خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.

وَأصْلُ الوَسِيلَةِ: الطَّرِيقُ الَّتِي تُقَرِّبُ إلى الشَّيْءِ، وتُوَصِّلُ إلَيْهِ وهي العَمَلُ الصّالِحُ بِإجْماعِ العُلَماءِ؛ لِأنَّهُ لا وسِيلَةَ إلى اللَّهِ تَعالى إلّا بِاتِّباعِ رَسُولِهِ ﷺ وعَلى هَذا فالآياتُ المُبَيِّنَةُ لِلْمُرادِ مِنَ الوَسِيلَةِ كَثِيرَةٌ جِدًّا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وكَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي﴾ [ \ ٣١ ]، وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النور: ٥٤]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنَّ المُرادَ بِالوَسِيلَةِ الحاجَةُ، ولَمّا سَألَهُ نافِعٌ الأزْرَقُ هَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ ؟ أنْشَدَ لَهُ بَيْتَ عَنْتَرَةَ: [ الكامِلُ ]

؎إنَّ الرِّجالَ لَهم إلَيْكِ وسِيلَةٌ إنْ يَأْخُذُوكِ تَكَحَّلِي وتَخَضَّبِي

قالَ: يَعْنِي لَهم إلَيْكِ حاجَةٌ، وعَلى هَذا القَوْلِ الَّذِي رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فالمَعْنى: ﴿وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]، واطْلُبُوا حاجَتَكم مِنَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ وحْدَهُ هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى إعْطائِها، ومِمّا يُبَيِّنُ مَعْنى هَذا الوَجْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكم رِزْقًا فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ﴾ الآيَةَ [العنكبوت: ١٧]، وقَوْلُهُ: ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٣٢]، وفي الحَدِيثِ: «إذا سَألْتَ فاسْألِ اللَّهَ» .

(p-٤٠٣)قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: التَّحْقِيقُ في مَعْنى الوَسِيلَةِ هو ما ذَهَبَ إلَيْهِ عامَّةَ العُلَماءِ مِن أنَّها التَّقَرُّبُ إلى اللَّهِ تَعالى بِالإخْلاصِ لَهُ في العِبادَةِ، عَلى وفْقِ ما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ وتَفْسِيرُ ابْنِ عَبّاسٍ داخِلٌ في هَذا؛ لِأنَّ دُعاءَ اللَّهِ والِابْتِهالَ إلَيْهِ في طَلَبِ الحَوائِجِ مِن أعْظَمِ أنْواعِ عِبادَتِهِ الَّتِي هي الوَسِيلَةُ إلى نَيْلِ رِضاهُ ورَحْمَتِهِ.

وَبِهَذا التَّحْقِيقِ تَعْلَمُ أنَّ ما يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِن مَلاحِدَةِ أتْباعِ الجُهّالِ المُدَّعِينَ لِلتَّصَوُّفِ مِن أنَّ المُرادَ بِالوَسِيلَةِ في الآيَةِ الشَّيْخُ الَّذِي يَكُونُ لَهُ واسِطَةٌ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ، أنَّهُ تَخَبُّطٌ في الجَهْلِ والعَمى وضَلالٌ مُبِينٌ وتَلاعُبٌ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى، واتِّخاذُ الوَسائِطِ مَن دُونِ اللَّهِ مَن أصُولِ كُفْرِ الكَفّارِ، كَما صَرَّحَ بِهِ تَعالى في قَوْلِهِ عَنْهم: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣]، وقَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]، فَيَجِبُ عَلى كُلِّ مُكَلَّفٍ أنْ يَعْلَمَ أنَّ الطَّرِيقَ المُوَصِّلَةَ إلى رِضى اللَّهِ وجَنَّتِهِ ورَحْمَتِهِ هي اتِّباعُ رَسُولِهِ ﷺ ومَن حادَ عَنْ ذَلِكَ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ، ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٢٣] .

والظّاهِرُ أنَّ الوَسِيلَةَ في بَيْتِ عَنْتَرَةَ مَعْناها التَّقَرُّبُ أيْضًا إلى المَحْبُوبِ؛ لِأنَّهُ وسِيلَةٌ لِنَيْلِ المَقْصُودِ مِنهُ، ولِذا أنْشَدَ بَيْتَ عَنْتَرَةَ المَذْكُورَ ابْنُ جَرِيرٍ، والقُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُما لِهَذا المَعْنى الَّذِي ذَكَرْنا، وجَمْعُ الوَسِيلَةِ: الوَسائِلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: [ الطَّوِيلُ ]

؎إذا غَفَلَ الواشُونَ عُدْنا لِوَصْلِنا ∗∗∗ وعادَ التَّصافِي بَيْنَنا والوَسائِلُ

وَهَذا الَّذِي فَسَّرْنا بِهِ الوَسِيلَةَ هُنا هو مَعْناها أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٥٧]، ولَيْسَ المُرادُ بِالوَسِيلَةِ أيْضًا المَنزِلَةَ الَّتِي في الجَنَّةِ الَّتِي أمَرَنا ﷺ أنْ نَسْألَ لَهُ اللَّهَ أنْ يُعْطِيَهُ إيّاها، نَرْجُو اللَّهَ أنْ يُعْطِيَهُ إيّاها؛ لِأنَّها لا تَنْبَغِي إلّا لِعَبْدٍ، وهو يَرْجُو أنْ يَكُونَ هو.

5:36Page 113

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفۡتَدُواْ بِهِۦ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنۡهُمۡۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٣٦

Indeed, those who disbelieve - if they should have all that is in the earth and the like of it with it by which to ransom themselves from the punishment of the Day of Resurrection, it will not be accepted from them, and for them is a painful punishment.

No commentary for this ayah

5:37Page 114

يُرِيدُونَ أَن يَخۡرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنۡهَاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ ٣٧

They will wish to get out of the Fire, but never are they to emerge therefrom, and for them is an enduring punishment.

No commentary for this ayah

5:38Page 114

وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٣٨

[As for] the thief, the male and the female, amputate their hands in recompense for what they earned [i.e., committed] as a deterrent [punishment] from Allāh. And Allāh is Exalted in Might and Wise.

No commentary for this ayah

5:39Page 114

فَمَن تَابَ مِنۢ بَعۡدِ ظُلۡمِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ٣٩

But whoever repents after his wrongdoing and reforms, indeed, Allāh will turn to him in forgiveness. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

No commentary for this ayah

5:40Page 114

أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٤٠

Do you not know that to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth? He punishes whom He wills and forgives whom He wills, and Allāh is over all things competent.

No commentary for this ayah

5:41Page 114

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٤١

O Messenger, let them not grieve you who hasten into disbelief – of those who say, "We believe" with their mouths, but their hearts believe not, and from among the Jews. [They are] avid listeners to falsehood, listening to another people who have not come to you.1 They distort words beyond their [proper] places [i.e., usages], saying, "If you are given this,2 take it; but if you are not given it, then beware." But he for whom Allāh intends fitnah3 - never will you possess [power to do] for him a thing against Allāh. Those are the ones for whom Allāh does not intend to purify their hearts. For them in this world is disgrace, and for them in the Hereafter is a great punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا﴾، في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إجْمالٌ؛ لِأنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ هَذا، مُفَسِّرٌ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: فَخُذُوهُ، وقَوْلُهُ: لَمْ تُؤْتَوْهُ، لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ في الآيَةِ ولَكِنَّ اللَّهَ أشارَ لَهُ هُنا، وذَكَرَهُ في مَوْضِعٍ آخَرَ.

(p-٤٠٤)اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في اليَهُودِيِّ واليَهُودِيَّةِ الَّذِينَ زَنَيا بَعْدَ الإحْصانِ، وكانَ اليَهُودُ قَدْ بَدَّلُوا حُكْمَ الرَّجْمِ في التَّوْراةِ، فَتَعَمَّدُوا تَحْرِيفَ كِتابِ اللَّهِ، واصْطَلَحُوا فِيما بَيْنَهم عَلى أنَّ الزّانِيَ المُحْصَنَ الَّذِي يَعْلَمُونَ أنَّ حَدَّهُ في كِتابِ اللَّهِ، التَّوْراةِ: الرَّجْمُ، أنَّهم يَجْلِدُونَهُ ويَفْضَحُونَهُ بِتَسْوِيدِ الوَجْهِ، والإرْكابِ عَلى حِمارٍ، فَلَمّا زَنى المَذْكُورانِ قالُوا فِيما بَيْنَهم تَعالَوْا نَتَحاكَمُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ في شَأْنِ حَدِّهِما، فَإنْ حَكَمَ بِالجَلْدِ والتَّحْمِيمِ فَخُذُوا عَنْهُ ذَلِكَ واجْعَلُوهُ حُجَّةً بَيْنَكم وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى ويَكُونُ نَبِيٌّ مِن أنْبِياءِ اللَّهِ قَدْ حَكَمَ فِيهِما بِذَلِكَ، وإنْ حَكَمَ بِالرَّجْمِ فَلا تَتَّبِعُوهُ، فَإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: هَذا، وقَوْلِهِ: فَخُذُوهُ، وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾، هو الحُكْمُ المُحَرَّفُ الَّذِي هو الجَلْدُ والتَّحْمِيمُ كَما بَيَّنّا، وأشارَ إلى ذَلِكَ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا﴾ يَعْنِي المُحَرَّفَ والمُبَدَّلَ الَّذِي هو الجَلْدُ والتَّحْمِيمُ فَخُذُوهُ، ﴿وَإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾ بِأنْ حَكَمَ بِالحَقِّ الَّذِي هو الرَّجْمُ فاحْذَرُوا أنْ تَقْبَلُوهُ.

وَذَكَرَ تَعالى هَذا أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٣]، يَعْنِي التَّوْراةَ ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، يَعْنِي في شَأْنِ الزّانِيَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾، أيْ عَمّا في التَّوْراةِ مِن حُكْمِ رَجْمِ الزّانِي المُحْصَنِ، وقَوْلُهُ هُنا: ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم وهم مُعْرِضُونَ﴾، هو مَعْنى قَوْلِهِ عَنْهم: ﴿وَإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا﴾، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

5:42Page 115

سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ أَكَّٰلُونَ لِلسُّحۡتِۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُمۡ أَوۡ أَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡۖ وَإِن تُعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيۡـٔٗاۖ وَإِنۡ حَكَمۡتَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٤٢

[They are] avid listeners to falsehood, devourers of [what is] unlawful. So if they come to you, [O Muḥammad], judge between them or turn away from them. And if you turn away from them - never will they harm you at all. And if you judge, judge between them with justice. Indeed, Allāh loves those who act justly.

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الآيَةَ.

هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ إذْ تَحاكَمَ إلَيْهِ أهْلُ الكِتابِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الحُكْمِ بَيْنَهم والإعْراضِ عَنْهم، وقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٤٩] .

والجَوابُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَأنِ احْكم بَيْنَهُمْ﴾ ناسِخٌ لِقَوْلِهِ: ﴿أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ والحَسَنِ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ (p-٢٧٤)وَعَطاءٍ الخُراسانِيِّ وغَيْرِ واحِدٍ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.

وَقِيلَ: مَعْنى ﴿وَأنِ احْكُمْ﴾ أيْ إذا حَكَمْتَ بَيْنَهم، فاحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ لا بِاتِّباعِ الهَوى، وعَلَيْهِ فالأُولى مُحْكَمَةٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

5:43Page 115

وَكَيۡفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوۡرَىٰةُ فِيهَا حُكۡمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوۡنَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٣

But how is it that they come to you for judgement while they have the Torah, in which is the judgement of Allāh? Then they turn away, [even] after that; but those are not [in fact] believers.

No commentary for this ayah

5:44Page 115

إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَۚ فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗاۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٤٤

Indeed, We sent down the Torah, in which was guidance and light. The prophets who submitted [to Allāh] judged by it for the Jews, as did the rabbis and scholars by that with which they were entrusted of the Scripture of Allāh, and they were witnesses thereto. So do not fear the people but fear Me, and do not exchange My verses for a small price [i.e., worldly gain]. And whoever does not judge by what Allāh has revealed - then it is those who are the disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ وكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾ الآيَةَ.

أخْبَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الأحْبارَ والرُّهْبانَ اسْتَحْفَظُوا كِتابَ اللَّهِ يَعْنِي اسْتَوْدَعُوهُ، وطَلَبَ مِنهم حِفْظَهُ، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلِ امْتَثَلُوا الأمْرَ في ذَلِكَ وحَفِظُوهُ، أوْ لَمْ يَمْتَثِلُوا الأمْرَ في ذَلِكَ وضَيَّعُوهُ ؟ ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهم لَمْ يَمْتَثِلُوا الأمْرَ، ولَمْ يَحْفَظُوا ما اسْتُحْفِظُوهُ، بَلْ حَرَّفُوهُ وبَدَّلُوهُ عَمْدًا كَقَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ . الآيَةَ [النساء: ٤٦] .

• وَقَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾،

• وقَوْلِهِ: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١]،

• وقَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٧٩]،

• وقَوْلِهِ جَلَّ وعَلا: ﴿وَإنَّ مِنهم لَفَرِيقًا يَلْوُونَ ألْسِنَتَهم بِالكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الكِتابِ وما هو مِنَ الكِتابِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٧٨]، (p-٤٠٥)

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

تَنْبِيهٌ

إنْ قِيلَ ما الفَرْقُ بَيْنَ التَّوْراةِ والقُرْآنِ ؟ فَإنَّ كُلًّا مِنهُما كَلامُ اللَّهِ أنْزَلَهُ عَلى رَسُولٍ مِن رُسُلِهِ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ - والتَّوْراةُ حُرِّفَتْ، وبُدِّلَتْ كَما بَيَّنّاهُ آنِفًا، والقُرْآنُ مَحْفُوظٌ مِنَ التَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ، لَوْ حَرَّفَ مِنهُ أحَدٌ حَرْفًا واحِدًا فَأبْدَلَهُ بِغَيْرِهِ، أوْ زادَ فِيهِ حَرْفًا أوْ نَقَصَ فِيهِ آخَرَ لَرَدَّ عَلَيْهِ آلافُ الأطْفالِ مِن صِغارِ المُسْلِمِينَ فَضْلًا عَنْ كِبارِهِمْ.

فالجَوابُ أنَّ اللَّهَ اسْتَحْفَظَهُمُ التَّوْراةَ، واسْتَوْدَعَهم إيّاها، فَخانُوا الأمانَةَ ولَمْ يَحْفَظُوها، بَلْ ضَيَّعُوها عَمْدًا، والقُرْآنُ العَظِيمُ لَمْ يَكِلِ اللَّهُ حِفْظَهُ إلى أحَدٍ حَتّى يُمْكِنَهُ تَضْيِيعُهُ، بَلْ تَوَلّى حِفْظَهُ جَلَّ وعَلا بِنَفْسِهِ الكَرِيمَةِ المُقَدَّسَةِ، كَما أوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وقَوْلِهِ: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ﴾ الآيَةَ [فصلت: ٤٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، و ”الباءُ“ في قَوْلِهِ: ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، مُتَعَلِّقَةٌ بِالرُّهْبانِ والأحْبارِ؛ لِأنَّهم إنَّما صارُوا في تِلْكَ المَرْتَبَةِ بِسَبَبِ ما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ.

وَقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِيَحْكُمُ. والمَعْنى مُتَقارِبٌ.

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾، اخْتَلَفَ العُلَماءُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: هَلْ هي في المُسْلِمِينَ، أوْ في الكُفّارِ ؟، فَرُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّها في المُسْلِمِينَ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّها في اليَهُودِ، ورُوِيَ عَنْ طاوُسٍ أيْضًا أنَّها في المُسْلِمِينَ، وأنَّ المُرادَ بِالكُفْرِ فِيها كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، وأنَّهُ لَيْسَ الكُفْرَ المُخْرِجَ مِنَ المِلَّةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ الكُفْرَ الَّذِي تَذْهَبُونَ إلَيْهِ، رَواهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وقالَ صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ولَمْ يُخَرِّجاهُ، قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.

قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: والقُرْآنُ العَظِيمُ يَدُلُّ عَلى أنَّها في اليَهُودِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ فِيما قَبْلَها أنَّهم ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾، وأنَّهم يَقُولُونَ ﴿إنْ أُوتِيتُمْ هَذا﴾، يَعْنِي الحُكْمَ المُحَرَّفَ الَّذِي هو غَيْرُ حُكْمِ اللَّهِ فَخُذُوهُ، وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ أيِ المُحَرَّفَ، بَلْ أُوتِيتُمْ حُكْمَ اللَّهِ الحَقَّ فاحْذَرُوا، فَهم يَأْمُرُونَ بِالحَذَرِ مِن حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي يَعْلَمُونَ أنَّهُ حَقٌّ.

(p-٤٠٦)وَقَدْ قالَ تَعالى بَعْدَها ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٤٥]، فَدَلَّ عَلى أنَّ الكَلامَ فِيهِمْ، ومِمَّنْ قالَ بِأنَّ الآيَةَ في أهْلِ الكِتابِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ ما ذَكَرَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ، وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وعِكْرِمَةُ، وعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ وغَيْرُهم، وزادَ الحَسَنُ، وهي عَلَيْنا واجِبَةٌ، نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، ونَقَلَ نَحْوَ قَوْلِ الحَسَنِ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ.

وَقالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ و الظّالِمُونَ و الفاسِقُونَ [المائدة: ٤٤، ٤٥، ٤٧]، نَزَلَتْ كُلُّها في الكُفّارِ، ثَبَتَ ذَلِكَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ البَراءِ وقَدْ تَقَدَّمَ، وعَلى هَذا المُعْظَمِ، فَأمّا المُسْلِمُ فَلا يَكْفُرُ وإنِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً، وقِيلَ فِيهِ إضْمارٌ، أيْ ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾، رَدًّا لِلْقُرْآنِ وجَحْدًا لِقَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ فَهو كافِرٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ.

فالآيَةُ عامَّةٌ عَلى هَذا، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، والحَسَنُ: هي عامَّةٌ في كُلِّ مَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، واليَهُودِ، والكُفّارِ، أيْ مُعْتَقِدًا ذَلِكَ ومُسْتَحِلًّا لَهُ.

فَأمّا مَن فَعَلَ ذَلِكَ، وهو مُعْتَقِدٌ أنَّهُ مُرْتَكِبُ مُحَرَّمٍ فَهو مِن فُسّاقِ المُسْلِمِينَ وأمْرُهُ إلى اللَّهِ تَعالى إنْ شاءَ عَذَّبَهُ، وإنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ فَقَدْ فَعَلَ فِعْلًا يُضاهِي أفْعالَ الكُفّارِ، وقِيلَ: أيْ ومَن لَمْ يَحْكم بِجَمِيعِ ما أنْزَلَ فَهو كافِرٌ فَأمّا مَن حَكَمَ بِالتَّوْحِيدِ، ولَمْ يَحْكم بِبَعْضِ الشَّرائِعِ فَلا يَدْخُلُ في هَذِهِ الآيَةِ، والصَّحِيحُ الأوَّلُ إلّا أنَّ الشَّعْبِيَّ قالَ: هي في اليَهُودِ خاصَّةً، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، قالَ: ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ثَلاثَةُ أشْياءَ:

مِنها أنَّ اليَهُودَ ذَكَرُوا قَبْلَ هَذا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِلَّذِينَ هادُوا﴾ [المائدة: ٤٤] فَعادَ الضَّمِيرُ عَلَيْهِمْ.

وَمِنها أنَّ سِياقَ الكَلامِ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ، ألا تَرى أنَّ بَعْدَهُ ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ﴾، فَهَذا الضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ بِإجْماعٍ، وأيْضًا فَإنَّ اليَهُودَ هُمُ الَّذِينَ أنْكَرُوا الرَّجْمَ والقِصاصَ، فَإنْ قالَ قائِلٌ ”مَن“ إذا كانَتْ لِلْمُجازاةِ فَهي عامَّةٌ إلّا أنْ يَقَعَ دَلِيلٌ عَلى تَخْصِيصِها، قِيلَ لَهُ: ”مَن“ هُنا بِمَعْنى الَّذِي، مَعَ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الأدِلَّةِ والتَّقْرِيرِ؛ واليَهُودُ الَّذِينَ لَمْ يَحْكُمُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ، فَهَذا مِن أحْسَنِ ما قِيلَ في هَذا.

(p-٤٠٧)وَيُرْوى أنَّ حُذَيْفَةَ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآياتِ، أهِيَ في بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَ: نَعَمْ هي فِيهِمْ، ولَتَسْلُكُنَّ سَبِيلَهم حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ، وقِيلَ: الكافِرُونَ لِلْمُسْلِمِينَ، والظّالِمُونَ لِلْيَهُودِ، والفاسِقُونَ لِلنَّصارى، وهَذا اخْتِيارُ أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ، قالَهُ: لِأنَّهُ ظاهِرُ الآياتِ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ عَبّاسٍ، وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وابْنِ أبِي زائِدَةَ، وابْنِ شُبْرُمَةَ، والشَّعْبِيِّ أيْضًا قالَ طاوُسٌ وغَيْرُهُ: لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنِ المِلَّةِ، ولَكِنَّهُ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ.

وَهَذا يَخْتَلِفُ إنْ حَكَمَ بِما عِنْدَهُ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَهو تَبْدِيلٌ لَهُ يُوجِبُ الكُفْرَ، وإنْ حَكَمَ بِهِ هَوًى ومَعْصِيَةً فَهو ذَنْبٌ تُدْرِكُهُ المَغْفِرَةُ عَلى أصْلِ أهْلِ السُّنَّةِ في الغُفْرانِ لِلْمُذْنِبِينَ، قالَ القُشَيْرِيُّ: ومَذْهَبُ الخَوارِجِ أنَّ مَنِ ارْتَشى، وحَكَمَ بِحُكْمِ غَيْرِ اللَّهِ فَهو كافِرٌ، وعَزا هَذا إلى الحَسَنِ، والسُّدِّيِّ، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: أخَذَ اللَّهُ عَلى الحُكّامِ ثَلاثَةَ أشْياءَ: ألّا يَتَّبِعُوا الهَوى، وألّا يَخْشَوُا النّاسَ ويَخْشَوْهُ، وألّا يَشْتَرُوا بِآياتِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، انْتَهى كَلامُ القُرْطُبِيِّ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: الظّاهِرُ المُتَبادِرُ مِن سِياقِ الآياتِ أنَّ آيَةَ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾، نازِلَةٌ في المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ قَبْلَها مُخاطِبًا لِمُسْلِمِي هَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾، فالخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ كَما هو ظاهِرٌ مُتَبادِرٌ مِن سِياقِ الآيَةِ، وعَلَيْهِ فالكُفْرُ إمّا كُفْرٌ دُونَ كَفْرٍ، وإمّا أنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ مُسْتَحِلًّا لَهُ، أوْ قاصِدًا بِهِ جَحْدَ أحْكامِ اللَّهِ ورَدِّها مَعَ العِلْمِ بِها.

أمّا مَن حَكَمَ بِغَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ، وهو عالِمٌ أنَّهُ مُرْتَكِبٌ ذَنْبًا، فاعِلٌ قَبِيحًا، وإنَّما حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ الهَوى فَهو مِن سائِرِ عُصاةِ المُسْلِمِينَ، وسِياقُ القُرْآنِ ظاهِرٌ أيْضًا في أنَّ آيَةَ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾، في اليَهُودِ؛ لِأنَّهُ قالَ قَبْلَها: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والعَيْنَ بِالعَيْنِ والأنْفَ بِالأنْفِ والأُذُنَ بِالأُذُنِ والسِّنَّ بِالسِّنِّ والجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ .

فالخِطابُ لَهم لِوُضُوحِ دَلالَةِ السِّياقِ عَلَيْهِ كَما أنَّهُ ظاهِرٌ أيْضًا في أنَّ آيَةَ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ في النَّصارى؛ لِأنَّهُ قالَ قَبْلَها: ﴿وَلْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ .

واعْلَمْ أنَّ تَحْرِيرَ المَقامِ في هَذا البَحْثِ أنَّ الكُفْرَ، والظُّلْمَ، والفِسْقَ، كُلُّ واحِدٍ مِنها (p-٤٠٨)رُبَّما أُطْلِقَ في الشَّرْعِ مُرادًا بِهِ المَعْصِيَةُ تارَةً، والكُفْرَ المُخْرِجَ مِنَ المِلَّةِ أُخْرى: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾، مُعارَضَةً لِلرُّسُلِ وإبْطالًا لِأحْكامِ اللَّهِ، فَظُلْمُهُ وفِسْقُهُ وكُفْرُهُ كُلُّها كُفْرٌ مُخْرِجٌ عَنِ المِلَّةِ، ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ مُعْتَقِدًا أنَّهُ مُرْتَكِبٌ حَرامًا فاعِلٌ قَبِيحًا فَكُفْرُهُ وظُلْمُهُ وفِسْقُهُ غَيْرُ مُخْرِجٍ عَنِ المِلَّةِ، وقَدْ عَرَفْتَ أنَّ ظاهِرَ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأُولى في المُسْلِمِينَ، والثّانِيَةَ في اليَهُودِ، والثّالِثَةَ في النَّصارى، والعِبْرَةُ بِعُمُومِ الألْفاظِ لا بِخُصُوصِ الأسْبابِ، وتَحْقِيقُ أحْكامِ الكُلِّ هو ما رَأيْتَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

5:45Page 115

وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَيۡنَ بِٱلۡعَيۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصٞۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٞ لَّهُۥۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٥

And We ordained for them therein a life for a life, an eye for an eye, a nose for a nose, an ear for an ear, a tooth for a tooth, and for wounds is legal retribution. But whoever gives [up his right as] charity, it is an expiation for him. And whoever does not judge by what Allāh has revealed - then it is those who are the wrongdoers [i.e., the unjust].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآيَةَ، قَدْ قَدَّمْنا احْتِجاجَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى بِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى قَتْلِ المُسْلِمِ بِالذِّمِّيِّ، ونَفْسُ الآيَةِ فِيها إشارَةٌ إلى أنَّ الكافِرَ لا يَدْخُلُ في عُمُومِ الآيَةِ، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ العُلَماءِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ الآيَةَ.

وَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ الكافِرَ لَيْسَ مِنَ المُتَصَدِّقِينَ الَّذِينَ تَكُونُ صَدَقَتُهم كَفّارَةٌ لَهم؛ لِأنَّ الكُفْرَ سَيِّئَةٌ لا تَنْفَعُ مَعَها حَسَنَةٌ، نَبَّهَ عَلى هَذا إسْماعِيلُ القاضِي في ”أحْكامِ القُرْآنِ“، كَما نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“، وما ذَكَرَهُ إسْماعِيلُ القاضِي مِن أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ أيْضًا عَلى عَدَمِ دُخُولِ العَبْدِ، بِناءً عَلى أنَّهُ لا يَصِحُّ لَهُ التَّصَدُّقُ بِجُرْحِهِ؛ لِأنَّ الحَقَّ لِسَيِّدِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأنَّ مِنَ العُلَماءِ مَن يَقُولُ: إنَّ الأُمُورَ المُتَعَلِّقَةَ بِبَدَنِ العَبْدِ، كالقِصاصِ لَهُ العَفْوُ فِيها دُونَ سَيِّدِهِ، وعَلَيْهِ فَلا مانِعَ مَن تَصْدُّقِهِ بِجُرْحِهِ، وعَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنْ مَعْنى ﴿فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾، أنَّ التَّصَدُّقَ بِالجِنايَةِ كَفّارَةٌ لِلْجانِي، لا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، فَلا مانِعَ أيْضًا مِنَ الِاسْتِدْلالِ المَذْكُورِ بِالآيَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ لا يَذْكُرُ عَنِ الكافِرِ أنَّهُ مُتَصَدِّقٌ؛ لِأنَّ الكافِرَ لا صَدَقَةَ لَهُ لِكُفْرِهِ، وما هو باطِلٌ لا فائِدَةَ فِيهِ لا يَذْكُرُهُ اللَّهُ تَعالى، في مَعْرِضِ التَّقْرِيرِ والإثْباتِ، مَعَ أنَّ هَذا القَوْلَ ضَعِيفٌ في مَعْنى الآيَةِ.

وَجُمْهُورُ العُلَماءِ مِنَ الصَّحابَةِ، فَمَن بَعْدَهم: عَلى أنَّ مَعْناها فَهو كَفّارَةٌ لِلْمُتَصَدِّقِ، وهو أظْهَرُ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ فِيهِ عائِدٌ إلى مَذْكُورٍ، وذَلِكَ في المُؤْمِنِ قَطْعًا دُونَ الكافِرِ، فالِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ ظاهِرٌ جِدًّا.

تَنْبِيهٌ

احْتَجَّ بَعْضُ العُلَماءِ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلى أنَّهُ لا يُقْتَلُ اثْنانِ بِواحِدٍ؛ لِأنَّهُما لَوْ قُتِلا بِهِ لَخَرَجَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾؛ لِكَوْنِهِما نَفْسَيْنِ بِنَفْسٍ واحِدَةٍ.

(p-٤٠٩)وَمِمَّنْ قالَ بِهَذا مُتَمَسِّكًا بِهَذا الدَّلِيلِ ابْنُ الزُّبَيْرِ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ سِيرِينَ، وحَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ، وعَبْدُ المَلِكِ، ورَبِيعَةُ، وداوُدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وحَكاهُ ابْنُ أبِي مُوسى، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورُوِيَ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، وابْنِ الزُّبَيْرِ، وابْنِ سِيرِينَ، والزُّهْرِيِّ أنَّهُ يُقْتَلُ مِنهم واحِدٌ، ويُؤْخَذُ مِنَ الباقِينَ حِصَصُهم مِنَ الدِّيَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم مُكافِئٌ لَهُ، فَلا تُسْتَوْفى أبْدالٌ بِمُبْدَلٍ واحِدٍ، كَما لا تَجِبُ دِياتٌ لِمَقْتُولٍ واحِدٍ، كَما نَقَلَهُ عَمَّنْ ذَكَرْنا ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ .

وَقالُوا مُقْتَضى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وقَوْلِهِ: ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، أنَّهُ لا يُؤْخَذُ بِالنَّفْسِ أكْثَرُ مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ، قالُوا: ولِأنَّ التَّفاوُتَ في الأوْصافِ يَمْنَعُ القِصاصَ، بِدَلِيلِ عَدَمِ قَتْلِ الحُرِّ بِالعَبْدِ، والتَّفاوُتَ في العَدَدِ أوْلى.

وَقالَ ابْنُ المُنْذِرِ: لا حُجَّةَ مَعَ مَن أوْجَبَ قَتَلَ جَماعَةٍ بِواحِدٍ، وعَدَمِ قَتْلِ الجَماعَةِ بِالواحِدِ رِوايَةٌ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ.

والرِّوايَةُ المَشْهُورَةُ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ، ومَذْهَبُ الأئِمَّةِ الثَّلاثَةِ: أنَّهُ يُقْتَلُ الجَماعَةُ بِالواحِدِ، وقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قَتَلَ سَبْعَةً بِواحِدٍ، وقالَ: لَوْ تَمالَأ عَلَيْهِ أهْلُ صَنْعاءَ لَقَتَلْتُهم بِهِ جَمِيعًا، ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَإنَّهُ تَوَقَّفَ عَنْ قِتالِ الحَرُورِيَّةِ حَتّى يُحْدِثُوا، فَلَمّا ذَبَحُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبّابٍ، كَما تُذْبَحُ الشّاةُ، وأُخْبِرَ عَلِيٌّ بِذَلِكَ قالَ: اللَّهُ أكْبَرُ نادُوهم أنْ أخْرِجُوا إلَيْنا قاتِلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خِبّابٍ، فَقالُوا: كُلُّنا قَتَلَهُ، ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ عَلِيٌّ لِأصْحابِهِ: دُونَكُمُ القَوْمَ، فَما لَبِثَ أنْ قَتَلَهم عَلِيٌّ وأصْحابُهُ، نَقَلَهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ الدّارَقُطْنِيِّ في ”سُنَنِهِ“ .

وَيَزِيدُ قَتْلَ الجَماعَةِ بِالواحِدِ ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَوْ أنَّ أهْلَ السَّماءِ، وأهْلَ الأرْضِ اشْتَرَكُوا في دَمِ مُؤْمِنٍ لَأكَبَّهُمُ اللَّهُ في النّارِ» . قالَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، نَقَلَهُ عَنْهُ القُرْطُبِيُّ.

وَرَوى البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا، وزادَ: ”إلّا أنْ يَشاءَ“، ورَوى البَيْهَقِيُّ أيْضًا عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «مَن أعانَ عَلى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ» .

وَرُوِيَ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، والحَسَنُ، (p-٤١٠)وَأبُو سَلَمَةَ، وعَطاءٌ، وقَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وإسْحاقُ، وأبُو ثَوْرٍ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدامَةَ في المُغْنِي: أنَّ الجَماعَةَ تُقْتَلُ بِالواحِدِ، ورَواهُ البَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ، وعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أيْضًا، ولَمْ يُعْلَمْ لَهُما مُخالِفٌ في الصَّحابَةِ، فَصارَ إجْماعًا سُكُوتِيًّا، واعْتَرَضَهُ بَعْضُهم بِأنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ ثَبَتَ عَنْهُ عَدَمُ قَتْلِ الجَماعَةِ بِالواحِدِ، كَما قالَهُ ابْنُ المُنْذِرِ.

وَإذَنْ فالخِلافُ واقِعٌ بَيْنَ الصَّحابَةِ، والمُقَرَّرُ في الأُصُولِ أنَّ الصَّحابَةَ إذا اخْتَلَفُوا، لَمْ يَجُزِ العَمَلُ بِأحَدِ القَوْلَيْنِ إلّا بِتَرْجِيحٍ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ -: ويَتَرَجَّحُ مَذْهَبُ الجُمْهُورِ الَّذِي هو قَتْلُ الجَماعَةِ بِالواحِدِ، بِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿وَلَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، يَعْنِي أنَّ مَن عُلِمَ أنَّهُ يُقْتَلُ إذا قَتَلَ يَكُونُ ذَلِكَ رادِعًا لَهُ وزاجِرًا عَنِ القَتْلِ، ولَوْ كانَ الِاثْنانِ لا يُقْتَصُّ مِنهُما لِلْواحِدِ، لَكانَ كُلُّ مَن أحَبَّ أنْ يَقْتُلَ مُسْلِمًا، أخَذَ واحِدًا مِن أعْوانِهِ فَقَتَلَهُ مَعَهُ، فَلَمْ يَكُنْ هُناكَ رادِعٌ عَنِ القَتْلِ؛ وبِذَلِكَ تَضِيعُ حِكْمَةُ القِصاصِ مِن أصْلِها، مَعَ أنَّ المُتَمالِئِينَ عَلى القَتْلِ يَصْدُقُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم أنَّهُ قاتِلٌ، فَيُقْتَلُ، ويَدُلُّ لَهُ أنَّ الجَماعَةَ لَوْ قَذَفُوا واحِدًا لَوَجَبَ حَدُّ القَذْفِ عَلى جَمِيعِهِمْ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

5:46Page 116

وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٦

And We sent, following in their footsteps,1 Jesus, the son of Mary, confirming that which came before him in the Torah; and We gave him the Gospel, in which was guidance and light and confirming that which preceded it of the Torah as guidance and instruction for the righteous.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском