Ash-ShinqitiAl‑Ma'idah · 5:47–73

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:47–73

5:47Page 116

وَلۡيَحۡكُمۡ أَهۡلُ ٱلۡإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٤٧

And let the People of the Gospel judge by what Allāh has revealed therein. And whoever does not judge by what Allāh has revealed - then it is those who are the defiantly disobedient.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا شَيْئًا مِمّا أنْزَلَ في الإنْجِيلِ الَّذِي أمَرَ أهْلَ الإنْجِيلِ بِالحُكْمِ بِهِ، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ مِن ذَلِكَ البِشارَةَ بِمَبْعَثِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ ووُجُوبِ اتِّباعِهِ، والإيمانِ بِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ يابَنِي إسْرائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٥٧]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

لَطِيفَةٌ لَها مُناسَبَةٌ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ذَكَرَ بَعْضُ العُلَماءِ أنَّ نَصْرانِيًّا قالَ لِعالِمٍ مِن عُلَماءِ المُسْلِمِينَ: ناظِرْنِي في الإسْلامِ والمَسِيحِيَّةِ أيُّهُما أفْضَلُ ؟ فَقالَ العالِمُ لِلنَّصْرانِيِّ: هَلُمَّ إلى المُناظَرَةِ في ذَلِكَ، فَقالَ النَّصْرانِيُّ: المُتَّفَقُ عَلَيْهِ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ أمِ المُخْتَلَفُ فِيهِ ؟ فَقالَ العالِمُ: المُتَّفَقُ عَلَيْهِ أحَقُّ بِالِاتِّباعِ مِنَ المُخْتَلَفِ فِيهِ، فَقالَ النَّصْرانِيُّ: إذَنْ يَلْزَمُكُمُ اتِّباعُ عِيسى مَعَنا، وتَرْكُ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّنا نَحْنُ وأنْتُمْ نَتَّفِقُ عَلى نُبُوَّةِ عِيسى، ونُخالِفُكم في نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَقالَ المُسْلِمُ: أنْتُمُ الَّذِينَ تَمْتَنِعُونَ مِن (p-٤١١)اتِّباعِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ المُتَّفَقَ عَلَيْهِ الَّذِي هو عِيسى قالَ لَكم: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾، فَلَوْ كُنْتُمْ مُتَّبِعِينَ عِيسى حَقًّا لاتَّبَعْتُمْ مُحَمَّدًا ﷺ فَظَهَرَ أنَّكم أنْتُمُ الَّذِينَ لَمْ تَتَّبِعُوا المُتَّفَقَ عَلَيْهِ ولا غَيْرَهُ، فانْقَطَعَ النَّصْرانِيُّ.

وَلا شَكَّ أنَّ النَّصارى لَوْ كانُوا مُتَّبِعِينَ عِيسى، لاتَّبَعُوا مُحَمَّدًا ﷺ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ قَدْ قَدَّمْنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في النَّصارى، والَّتِي قَبْلَها في اليَهُودِ، والَّتِي قَبْلَ تِلْكَ في المُسْلِمِينَ، كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ القُرْآنِ.

وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الكُفْرَ، والظُّلْمَ، والفِسْقَ كُلَّها يُطْلَقُ عَلى المَعْصِيَةِ بِما دُونَ الكُفْرِ، وعَلى الكُفْرِ المُخْرِجِ مِنَ المِلَّةِ نَفْسِهِ، فَمِنَ الكُفْرِ بِمَعْنى المَعْصِيَةِ قَوْلُهُ ﷺ لَمّا سَألَتْهُ المَرْأةُ عَنْ سَبَبِ كَوْنِ النِّساءِ أكْثَرَ أهْلِ النّارِ، ”إنَّ ذَلِكَ واقِعٌ بِسَبَبِ كُفْرِهِنَّ“، ثُمَّ فَسَّرَهُ بِأنَّهُنَّ يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، ومِنَ الكُفْرِ بِمَعْنى المُخْرِجِ عَنِ المِلَّةِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ الآيَةَ [الكافرون: ١، ٢]، ومِنَ الظُّلْمِ بِمَعْنى الكُفْرِ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّكَ فَإنْ فَعَلْتَ فَإنَّكَ إذًا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦]، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ومِنهُ بِمَعْنى المَعْصِيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٣٢]، ومِنَ الفِسْقِ بِمَعْنى الكُفْرِ قَوْلُهُ: ﴿وَأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ الآيَةَ [السجدة: ٢٠]، ومِنهُ بِمَعْنى المَعْصِيَةِ قَوْلُهُ في الَّذِينَ قَذَفُوا عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهم شَهادَةً أبَدًا وأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] .

وَمَعْلُومٌ أنَّ القَذْفَ لَيْسَ بِمُخْرِجٍ عَنِ المِلَّةِ، ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ جاءُوا بِالإفْكِ عُصْبَةٌ مِنكُمْ﴾ [النور: ١١]، ومِنَ الفِسْقِ بِمَعْنى المَعْصِيَةِ أيْضًا قَوْلُهُ في الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآيَةَ [الحجرات: ٦] .

وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ الألْفاظِ لا بِخُصُوصِ الأسْبابِ، فَمَن كانَ امْتِناعُهُ مِنَ الحُكْمِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ، لِقَصْدِ مُعارَضَتِهِ ورَدِّهِ، والِامْتِناعِ مِنِ التِزامِهِ فَهو كافِرٌ ظالِمٌ فاسِقٌ كُلُّها بِمَعْناها المُخْرِجِ مِنَ المِلَّةِ، ومَن كانَ امْتِناعُهُ مِنَ الحُكْمِ لِهَوًى وهو يَعْتَقِدُ قُبْحَ فِعْلِهِ، فَكُفْرُهُ وظُلْمُهُ وفِسْقُهُ غَيْرُ المُخْرِجِ مِنَ المِلَّةِ، إلّا إذا كانَ ما امْتَنَعَ مِنَ الحُكْمِ بِهِ (p-٤١٢)شَرْطًا في صِحَّةِ إيمانِهِ، كالِامْتِناعِ مِنِ اعْتِقادِ ما لا بُدَّ مِنِ اعْتِقادِهِ، هَذا هو الظّاهِرُ في الآياتِ المَذْكُورَةِ، كَما قَدَّمْنا والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

5:48Page 116

وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٤٨

And We have revealed to you, [O Muḥammad], the Book [i.e., the Qur’ān] in truth, confirming that which preceded it of the Scripture and as a criterion over it. So judge between them by what Allāh has revealed and do not follow their inclinations away from what has come to you of the truth. To each of you We prescribed a law and a method.1 Had Allāh willed, He would have made you one nation [united in religion], but [He intended] to test you in what He has given you; so race to [all that is] good.2 To Allāh is your return all together, and He will [then] inform you concerning that over which you used to differ.

No commentary for this ayah

5:49Page 116

وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ ٤٩

And judge, [O Muḥammad], between them by what Allāh has revealed and do not follow their inclinations and beware of them, lest they tempt you away from some of what Allāh has revealed to you. And if they turn away - then know that Allāh only intends to afflict them with some of their [own] sins. And indeed, many among the people are defiantly disobedient.

No commentary for this ayah

5:50Page 116

أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ ٥٠

Then is it the judgement of [the time of] ignorance they desire? But who is better than Allāh in judgement for a people who are certain [in faith].

No commentary for this ayah

5:51Page 117

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥١

O you who have believed, do not take the Jews and the Christians as allies. They are [in fact] allies of one another. And whoever is an ally to them among you - then indeed, he is [one] of them. Indeed, Allāh guides not the wrongdoing people.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١]، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ وِلايَةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ زائِفَةٌ لَيْسَتْ خالِصَةً؛ لِأنَّها لا تَسْتَنِدُ عَلى أساسٍ صَحِيحٍ، هو دِينُ الإسْلامِ، فَبَيَّنَ أنَّ العَداوَةَ والبَغْضاءَ بَيْنَ النَّصارى دائِمَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهم فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ [المائدة: ١٤]، وبَيَّنَ مِثْلَ ذَلِكَ في اليَهُودِ أيْضًا، حَيْثُ قالَ فِيهِمْ: ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ [المائدة: ٦٤]، والظّاهِرُ أنَّها في اليَهُودِ فِيما بَيْنَهم، كَما هو صَرِيحُ السِّياقِ، خِلافًا لِمَن قالَ: إنَّها بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى.

وَصَرَّحَ تَعالى بِعَدَمِ اتِّفاقِ اليَهُودِ مُعَلِّلًا لَهُ بِعَدَمِ عُقُولِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الحشر: ١٤] .

تَنْبِيهٌ

أخَذَ بَعْضُ العُلَماءِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾، أنَّ اليَهُودِيَّ والنَّصْرانِيَّ يَتَوارَثانِ، ورَدَّهُ بَعْضُ العُلَماءِ، بِأنَّ المُرادَ بِالآيَةِ، وِلايَةُ اليَهُودِ لِخُصُوصِ اليَهُودِ، والنَّصارى لِخُصُوصِ النَّصارى، وعَلى هَذا المَعْنى فَلا دَلِيلَ في الآيَةِ لِتَوارُثِ اليَهُودِ والنَّصارى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّ مَن تَوَلّى اليَهُودَ والنَّصارى مِنَ المُسْلِمِينَ، فَإنَّهُ يَكُونُ مِنهم بِتَوَلِّيهِ إيّاهم، وبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ تَوَلِّيَهم مُوجِبٌ لِسُخْطِ اللَّهِ، والخُلُودِ في عَذابِهِ، وأنَّ مُتَوَلِّيَهم لَوْ كانَ مُؤْمِنًا ما تَوَلّاهم، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهم يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾ ﴿وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨٠، ٨١] .

(p-٤١٣)وَنَهى في مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ تَوَلِّيهِمْ مُبَيِّنًا سَبَبَ التَّنْفِيرِ مِنهُ؛ وهو قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾ [الممتحنة: ١٣] .

وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ، فِيما إذا لَمْ تَكُنِ المُوالاةُ بِسَبَبِ خَوْفٍ، وتَقِيَّةٍ، وإنْ كانَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ فَصاحِبُها مَعْذُورٌ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]، فَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ فِيها بَيانٌ لِكُلِّ الآياتِ القاضِيَةِ بِمَنعِ مُوالاةِ الكُفّارِ مُطْلَقًا وإيضاحٌ؛ لِأنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ في حالَةِ الِاخْتِيارِ، وأمّا عِنْدَ الخَوْفِ والتَّقِيَّةِ، فَيُرَخَّصُ في مُوالاتِهِمْ، بِقَدْرِ المُداراةِ الَّتِي يَكْتَفِي بِها شَرُّهم، ويُشْتَرَطُ في ذَلِكَ سَلامَةُ الباطِنِ مِن تِلْكَ المُوالاةِ: [ الوافِرُ ]

؎وَمَن يَأْتِي الأُمُورَ عَلى اضْطِرارٍ فَلَيْسَ كَمِثْلِ آتِيها اخْتِيارًا

وَيُفْهَمُ مِن ظَواهِرِ هَذِهِ الآياتِ أنَّ مَن تَوَلّى الكُفّارَ عَمْدًا اخْتِيارًا، رَغْبَةً فِيهِمْ أنَّهُ كافِرٌ مِثْلَهم.

5:52Page 117

فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ يَقُولُونَ نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرٖ مِّنۡ عِندِهِۦ فَيُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ نَٰدِمِينَ ٥٢

So you see those in whose hearts is disease [i.e., hypocrisy] hastening into [association with] them, saying, "We are afraid a misfortune may strike us." But perhaps Allāh will bring conquest or a decision from Him, and they will become, over what they have been concealing within themselves, regretful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾ ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكم حَبِطَتْ أعْمالُهم فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾ .

ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، وهُمُ المُنافِقُونَ، يَعْتَذِرُونَ عَنْ مُوالاةِ الكَفّارِ مِنَ اليَهُودِ بِأنَّهم يَخْشَوْنَ أنْ تَدُورَ عَلَيْهِمُ الدَّوائِرُ، أيْ دُوَلُ الدَّهْرِ الدّائِرَةُ مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ، كَما قالَ الشّاعِرُ: [ الوافِرُ ]

؎إذا ما الدَّهْرُ جَرَّ عَلى أُناسٍ كَلاكِلَهُ أناخَ بِآخَرِينا

يَعْنُونَ إمّا بِقَحْطٍ فَلا يَمِيرُونَنا، ولا يَتَفَضَّلُوا عَلَيْنا، وإمّا بِظَفَرِ الكُفّارِ بِالمُسْلِمِينَ، فَلا يَدُومُ الأمْرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، زَعْمًا مِنهم أنَّهم عِنْدَ تَقَلُّبِ الدَّهْرِ بِنَحْوِ ما ذُكِرَ، يَكُونُ لَهم أصْدِقاءُ كانُوا مُحافِظِينَ عَلى صَداقَتِهِمْ؛ فَيَنالُونَ مِنهم ما يُؤَمِّلُ الصَّدِيقُ مِن صَدِيقِهِ، وأنَّ المُسْلِمِينَ يَتَعَجَّبُونَ مِن كَذِبِهِمْ في إقْسامِهِمْ بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ، إنَّهم لَمَعَ المُسْلِمِينَ، وبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ تِلْكَ الدَّوائِرَ الَّتِي حافَظُوا مِن أجْلِها عَلى صَداقَةِ (p-٤١٤)اليَهُودِ، أنَّها لا تَدُورُ إلّا عَلى اليَهُودِ، والكُفّارِ، ولا تَدُورُ عَلى المُسْلِمِينَ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ الآيَةَ، وعَسى مِنَ اللَّهِ نافِذَةٌ؛ لِأنَّهُ الكَرِيمُ العَظِيمُ الَّذِي لا يُطْمَعُ إلّا فِيما يُعْطِي.

والفَتْحُ المَذْكُورُ قِيلَ: هو فَتْحُ المُسْلِمِينَ لِبِلادِ المُشْرِكِينَ، وقِيلَ: الفَتْحُ الحُكْمُ، كَقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا افْتَحْ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا بِالحَقِّ وأنْتَ خَيْرُ الفاتِحِينَ﴾ [الأعراف: ٨٩]، وعَلَيْهِ فَهو حُكْمُ اللَّهِ بِقَتْلِ مُقاتِلَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وسَبْيِ ذَرارِيِّهِمْ، وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ، وقِيلَ: هو فَتْحُ مَكَّةَ، وهو راجِعٌ إلى الأوَّلِ.

وَبَيَّنَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ سَبَبَ حَلِفِهِمْ بِالكَذِبِ لِلْمُسْلِمِينَ، أنَّهم مِنهم، إنَّما هو الفَرَقُ أيِ الخَوْفُ، وأنَّهم لَوْ وجَدُوا مَحَلًّا يَسْتَتِرُونَ فِيهِ عَنِ المُسْلِمِينَ لَسارَعُوا إلَيْهِ؛ لِشِدَّةِ بُغْضِهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكم ولَكِنَّهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أوْ مَغاراتٍ أوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إلَيْهِ وهم يَجْمَحُونَ﴾ [التوبة: ٥٦، ٥٧]، فَفي هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ سَبَبِ أيْمانِ المُنافِقِينَ، ونَظِيرُها قَوْلُهُ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦] .

وَبَيَّنَ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ، أنَّهم يَحْلِفُونَ تِلْكَ الأيْمانَ لِيَرْضى عَنْهُمُ المُؤْمِنُونَ، وأنَّهم إنْ رَضُوا عَنْهم، فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنْهم، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَحْلِفُونَ لَكم لِتَرْضَوْا عَنْهم فَإنْ تَرْضَوْا عَنْهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦] .

وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّهم يُرِيدُونَ بِأيْمانِهِمْ إرْضاءَ المُؤْمِنِينَ، وإنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ أحَقُّ بِالإرْضاءِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكم واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦٢] .

وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهم يَحْلِفُونَ لَهم لِيَرْضَوْا عَنْهم، بِسَبَبِ أنَّ لَهم عُذْرًا صَحِيحًا، وأنَّ اللَّهَ أمَرَهم بِالإعْراضِ عَنْهم، لا لِأنَّ لَهم عُذْرًا صَحِيحًا، بَلْ مَعَ الإعْلامِ بِأنَّهم رِجْسٌ، ومَأْواهُمُ النّارُ بِسَبَبِ ما كَسَبُوا مِنَ النِّفاقِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٩٥] .

وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: أنَّ أيْمانَهُمُ الكاذِبَةَ سَبَبٌ لِإهْلاكِهِمْ أنْفُسَهم، وهو قَوْلُهُ: (p-٤١٥)﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٤٢] .

وَهَذِهِ الأسْبابُ لِحَلِفِ المُنافِقِينَ الَّتِي ذُكِرَتْ في هَذِهِ الآياتِ راجِعَةٌ جَمِيعًا إلى السَّبَبِ الأوَّلِ، الَّذِي هو الخَوْفُ؛ لِأنَّ خَوْفَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ، هو سَبَبُ رَغْبَتِهِمْ في إرْضائِهِمْ، وإعْراضِهِمْ عَنْهم بِأنْ لا يُؤْذُوهم، ولِذا حَلَفُوا لَهم، لِيُرْضُوهم، ولِيُعْرِضُوا عَنْهم، خَوْفًا مِن أذاهم، كَما هو ظاهِرٌ.

تَنْبِيهٌ

قَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا﴾ [المائدة: ٥٣] فِيهِ ثَلاثُ قِراءاتٍ سَبْعِيّاتٍ.

الأُولى: يَقُولُ بِلا واوٍ مَعَ الرَّفْعِ، وبِها قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ.

الثّانِيَةُ: ويَقُولُ بِإثْباتِ الواوِ مَعَ رَفْعِ الفِعْلِ أيْضًا، وبِها قَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ.

الثّالِثَةُ: بِإثْباتِ الواوِ، ونَصْبِ ”يَقُولُ“ عَطْفًا عَلى ﴿أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ﴾ وبِها قَرَأ أبُو عَمْرٍو.

5:53Page 117

وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُواْ خَٰسِرِينَ ٥٣

And those who believe will say,1 "Are these the ones who swore by Allāh their strongest oaths that indeed they were with you?" Their deeds have become worthless, and they have become losers.

No commentary for this ayah

5:54Page 117

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ٥٤

O you who have believed, whoever of you should revert from his religion - Allāh will bring forth [in place of them] a people He will love and who will love Him [who are] humble toward the believers, strong against the disbelievers; they strive in the cause of Allāh and do not fear the blame of a critic. That is the favor of Allāh; He bestows it upon whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Knowing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ الآيَةَ.

أخْبَرَ تَعالى المُؤْمِنِينَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهم إنِ ارْتَدَّ بَعْضُهم فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي عِوَضًا عَنْ ذَلِكَ المُرْتَدِّ بِقَوْمٍ مِن صِفاتِهِمُ الذُّلُّ لِلْمُؤْمِنِينَ، والتَّواضُعُ لَهم، ولِينُ الجانِبِ، والقَسْوَةُ والشِّدَّةُ عَلى الكافِرِينَ، وهَذا مِن كَمالِ صِفاتِ المُؤْمِنِينَ، وبِهَذا أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ فَأمَرَهُ بِلِينِ الجانِبِ لِلْمُؤْمِنِينَ، بِقَوْلِهِ: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨]، وقَوْلِهِ: ﴿واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]، وأمَرَهُ بِالقَسْوَةِ عَلى غَيْرِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣]، وأثْنى تَعالى عَلى نَبِيِّهِ بِاللِّينِ لِلْمُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٥٩]، وصَرَّحَ بِأنَّ ذَلِكَ المَذْكُورَ مِنَ اللِّينِ لِلْمُؤْمِنِينَ، والشِّدَّةِ عَلى الكافِرِينَ، مِن صِفاتِ الرَّسُولِ ﷺ وأصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، بِقَوْلِهِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩] .

(p-٤١٦)وَقَدْ قالَ الشّاعِرُ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: [ الطَّوِيلُ ]

؎وَما حَمَلَتْ مِن ناقَةٍ فَوْقَ رَحْلِها أبَرَّ وأوْفى ذِمَّةً مِن مُحَمَّدِ

؎وَأعْطى إذا ما طالِبُ العُرْفِ جاءَهُ ∗∗∗ وأمْضى بِحَدِّ المَشْرَفِيِّ المُهَنَّدِ

وَقالَ الآخَرُ فِيهِ: [ الطَّوِيلُ ]

؎وَما حَمَلَتْ مِن ناقَةٍ فَوْقَ ∗∗∗ رَحْلِها أشَدَّ عَلى أعْدائِهِ مِن مُحَمَّدِ

وَيُفْهَمُ مِن هَذِهِ الآياتِ أنَّ المُؤْمِنَ يَجِبُ عَلَيْهِ أنْ لا يَلِينَ إلّا في الوَقْتِ المُناسِبِ لِلِّينِ، وألّا يَشْتَدَّ إلّا في الوَقْتِ المُناسِبِ لِلشِّدَّةِ، لِأنَّ اللِّينَ في مَحَلِّ الشِّدَّةِ ضَعْفٌ، وخَوَرٌ، والشِّدَّةَ في مَحَلِّ اللِّينِ حُمْقٌ، وخَرَقٌ، وقَدْ قالَ أبُو الطَّيِّبِ المُتَنَبِّي: [ الطَّوِيلُ ]

؎إذا قِيلَ حِلْمٌ قُلْ فَلِلْحِلْمِ مَوْضِعٌ ∗∗∗ وحِلْمُ الفَتى في غَيْرِ مَوْضِعِهِ جَهْلُ

5:55Page 117

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمۡ رَٰكِعُونَ ٥٥

Your ally is none but Allāh and [therefore] His Messenger and those who have believed - those who establish prayer and give zakāh, and they bow [in worship].

No commentary for this ayah

5:56Page 117

وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٥٦

And whoever is an ally of Allāh and His Messenger and those who have believed - indeed, the party of Allāh - they will be the predominant.

No commentary for this ayah

5:57Page 117

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمۡ هُزُوٗا وَلَعِبٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَٱلۡكُفَّارَ أَوۡلِيَآءَۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٥٧

O you who have believed, take not those who have taken your religion in ridicule and amusement among the ones who were given the Scripture before you nor the disbelievers as allies. And fear Allāh, if you should [truly] be believers.

No commentary for this ayah

5:58Page 118

وَإِذَا نَادَيۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوٗا وَلَعِبٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ ٥٨

And when you call to prayer, they take it in ridicule and amusement. That is because they are a people who do not use reason.

No commentary for this ayah

5:59Page 118

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ هَلۡ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلُ وَأَنَّ أَكۡثَرَكُمۡ فَٰسِقُونَ ٥٩

Say, "O People of the Scripture, do you resent us except [for the fact] that we have believed in Allāh and what was revealed to us and what was revealed before and because most of you are defiantly disobedient?"

No commentary for this ayah

5:60Page 118

قُلۡ هَلۡ أُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيۡهِ وَجَعَلَ مِنۡهُمُ ٱلۡقِرَدَةَ وَٱلۡخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَۚ أُوْلَٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٦٠

Say, "Shall I inform you of [what is] worse than that1 as penalty from Allāh? [It is that of] those whom Allāh has cursed and with whom He became angry and made of them apes and pigs and slaves of ṭāghūt.2 Those are worse in position and further astray from the sound way."

No commentary for this ayah

5:61Page 118

وَإِذَا جَآءُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُواْ بِٱلۡكُفۡرِ وَهُمۡ قَدۡ خَرَجُواْ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكۡتُمُونَ ٦١

And when they come to you, they say, "We believe." But they have entered with disbelief [in their hearts], and they have certainly left with it. And Allāh is most knowing of what they were concealing.

No commentary for this ayah

5:62Page 118

وَتَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٦٢

And you see many of them hastening into sin and aggression and the devouring of [what is] unlawful. How wretched is what they have been doing.

No commentary for this ayah

5:63Page 118

لَوۡلَا يَنۡهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ عَن قَوۡلِهِمُ ٱلۡإِثۡمَ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ٦٣

Why do the rabbis and religious scholars not forbid them from saying what is sinful and devouring what is unlawful? How wretched is what they have been practicing.

No commentary for this ayah

5:64Page 118

وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٦٤

And the Jews say, "The hand of Allāh is chained."1 Chained are their hands, and cursed are they for what they say. Rather, both His hands are extended; He spends however He wills. And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. And We have cast among them animosity and hatred until the Day of Resurrection. Every time they kindled the fire of war [against you], Allāh extinguished it. And they strive throughout the land [causing] corruption, and Allāh does not like corrupters.

No commentary for this ayah

5:65Page 119

وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَكَفَّرۡنَا عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٦٥

And if only the People of the Scripture had believed and feared Allāh, We would have removed from them their misdeeds and admitted them to Gardens of Pleasure.

No commentary for this ayah

5:66Page 119

وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ لَأَكَلُواْ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۚ مِّنۡهُمۡ أُمَّةٞ مُّقۡتَصِدَةٞۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ سَآءَ مَا يَعۡمَلُونَ ٦٦

And if only they had upheld [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to them from their Lord [i.e., the Qur’ān], they would have consumed [provision] from above them and from beneath their feet.1 Among them are a moderate [i.e., acceptable] community, but many of them - evil is that which they do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ أهْلَ الكِتابِ لَوْ أطاعُوا اللَّهَ، وأقامُوا كِتابَهم بِاتِّباعِهِ، والعَمَلِ بِما فِيهِ، لَيَسَّرَ اللَّهُ لَهُمُ الأرْزاقَ، وأرْسَلَ عَلَيْهِمُ المَطَرَ، وأخْرَجَ لَهم ثَمَراتِ الأرْضِ.

وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ خاصًّا بِهِمْ،

• كَقَوْلِهِ عَنْ نُوحٍ وقَوْمِهِ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ ﴿وَيُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ ويَجْعَلْ لَكم جَنّاتٍ ويَجْعَلْ لَكم أنْهارًا﴾ [نوح: ١١]،

• وقَوْلِهِ عَنْ هُودٍ وقَوْمِهِ: ﴿وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾ الآيَةَ [هود: ٥٢]،

• وقَوْلِهِ عَنْ نَبِيِّنا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وقَوْمِهِ ﴿وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكم مَتاعًا حَسَنًا إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [هود: ٣]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً﴾ الآيَةَ [النحل: ٩٧] . عَلى أحَدِ الأقْوالِ

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٩٦]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ﴿وَيَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَأْمُرْ أهْلَكَ بِالصَّلاةِ واصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْألُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ والعاقِبَةُ لِلتَّقْوى﴾ [طه: ١٣٢]، ومَفْهُومُ الآيَةِ أنَّ مَعْصِيَةَ اللَّهِ تَعالى، سَبَبٌ لِنَقِيضِ ما (p-٤١٧)يُسْتَجْلَبُ بِطاعَتِهِ، وقَدْ أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ

• بِقَوْلِهِ: ﴿ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أيْدِي النّاسِ﴾ الآيَةَ [الروم: ٤١]،

ونَحْوَها مِنَ الآياتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّ أهْلَ الكِتابِ قِسْمانِ:

طائِفَةٌ مِنهم مُقْتَصِدَةٌ في عَمَلِها، وكَثِيرٌ مِنهم سَيِّئُ العَمَلِ، وقَسَّمَ هَذِهِ الأُمَّةَ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم ظالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنهم مُقْتَصِدٌ ومِنهم سابِقٌ بِالخَيْراتِ بِإذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هو الفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢]، ووَعَدَ الجَمِيعَ بِالجَنَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ﴾ [فاطر: ٣٣] .

وَذَكَرَ القِسْمَ الرّابِعَ: وهو الكُفّارُ مِنها بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ الآيَةَ [فاطر: ٣٦] .

وَأظْهَرُ الأقْوالِ في المُقْتَصِدِ، والسّابِقِ، والظّالِمِ، أنَّ المُقْتَصِدَ هو مَنِ امْتَثَلَ الأمْرَ، واجْتَنَبَ النَّهْيَ، ولَمْ يَزِدْ عَلى ذَلِكَ، وأنَّ السّابِقَ بِالخَيْراتِ هو مَن فَعَلَ ذَلِكَ، وزادَ بِالتَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ بِالنَّوافِلِ، والتَّوَرُّعِ عَنْ بَعْضِ الجائِزاتِ، خَوْفًا مِن أنْ يَكُونَ سَبَبًا لِغَيْرِهِ، وأنَّ الظّالِمَ هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ١٠٢]، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

5:67Page 119

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٦٧

O Messenger, announce that which has been revealed to you from your Lord, and if you do not, then you have not conveyed His message. And Allāh will protect you from the people. Indeed, Allāh does not guide the disbelieving people.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ الآيَةَ.

أمَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ نَبِيَّهُ ﷺ بِتَبْلِيغِ ما أُنْزِلَ إلَيْهِ، وشَهِدَ لَهُ بِالِامْتِثالِ في آياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ [النور: ٥٤]،

• وقَوْلِهِ: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات: ٥٤]، ولَوْ كانَ يُمْكِنُ أنْ يَكْتُمَ شَيْئًا، لَكَتَمَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]،

فَمَن زَعَمَ أنَّهُ ﷺ كَتَمَ حَرْفًا مِمّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَقَدْ أعْظَمَ الِافْتِراءَ عَلى اللَّهِ، وعَلى رَسُولِهِ ﷺ .

5:68Page 119

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَسۡتُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۖ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٦٨

Say, "O People of the Scripture, you are [standing] on nothing until you uphold [the law of] the Torah, the Gospel, and what has been revealed to you from your Lord [i.e., the Qur’ān]." And that which has been revealed to you from your Lord will surely increase many of them in transgression and disbelief. So do not grieve over the disbelieving people.

No commentary for this ayah

5:69Page 119

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٩

Indeed, those who have believed [in Prophet Muḥammad (ﷺ)] and those [before him (ﷺ)] who were Jews or Sabeans or Christians - those [among them] who believed in Allāh and the Last Day and did righteousness - no fear will there be concerning them, nor will they grieve.1

No commentary for this ayah

5:70Page 119

لَقَدۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ رُسُلٗاۖ كُلَّمَا جَآءَهُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُهُمۡ فَرِيقٗا كَذَّبُواْ وَفَرِيقٗا يَقۡتُلُونَ ٧٠

We had already taken the covenant of the Children of Israel and had sent to them messengers. Whenever there came to them a messenger with what their souls did not desire, a party [of messengers] they denied, and another party they killed.

No commentary for this ayah

5:71Page 120

وَحَسِبُوٓاْ أَلَّا تَكُونَ فِتۡنَةٞ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٞ مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ٧١

And they thought there would be no [resulting] punishment, so they became blind and deaf. Then Allāh turned to them in forgiveness; then [again] many of them became blind and deaf. And Allāh is Seeing of what they do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهم واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ الآيَةَ.

ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ عَمُوا وصَمُّوا مَرَّتَيْنِ، تَتَخَلَّلُهُما (p-٤١٨)تَوْبَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وبَيَّنَ تَفْصِيلَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٤]، فَبَيَّنَ جَزاءَ عَماهم، وصَمَمِهِمْ في المَرَّةِ الأوْلى بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٥]، وبَيَّنَ جَزاءَ عَماهم وصَمَمِهِمْ في المَرَّةِ الآخِرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكم ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾، وبَيَّنَ التَّوْبَةَ الَّتِي بَيْنَهُما بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأمْدَدْناكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم إنْ عادُوا إلى الإفْسادِ عادَ إلى الِانْتِقامِ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾، فَعادُوا إلى الإفْسادِ بِتَكْذيبِهِ ﷺ وكَتْمِ صِفاتِهِ الَّتِي في التَّوْراةِ، فَعادَ اللَّهُ إلى الِانْتِقامِ مِنهم، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ نَبِيَّهُ ﷺ فَذَبَحَ مُقاتِلَةَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وسَبى نِساءَهم، وذَرارِيَّهم، وأجْلى بَنِي قَيْنُقاعَ، وبَنِي النَّضِيرِ، كَما ذَكَرَ تَعالى طَرَفًا مِن ذَلِكَ في سُورَةِ الحَشْرِ، وهَذا البَيانُ الَّذِي ذَكَرْنا في هَذِهِ الآيَةِ ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وكَثِيرٌ مِنهم لَمْ يَذْكُرْهُ، ولَكِنْ ظاهِرُ القُرْآنِ يَقْتَضِيهِ؛ لِأنَّ السِّياقَ في ذِكْرِ أفْعالِهِمُ القَبِيحَةِ الماضِيَةِ، مِن قَتْلِ الرُّسُلِ، وتَكْذِيبِهِمْ، إذْ قَبْلَ الآيَةِ المَذْكُورَةِ: ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة: ٧٠] .

وَمَعْنى ﴿وَحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١]، ظَنُّوا ألّا يُصِيبَهم بَلاءٌ وعَذابٌ مِنَ اللَّهِ، بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ، وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ، لِزَعْمِهِمُ الباطِلِ، أنَّهم أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، وقَوْلُهُ: ﴿كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾، أحْسَنُ أوْجُهِ الإعْرابِ فِيهِ؛ أنَّهُ بَدَلٌ مِن واوِ الفاعِلِ في قَوْلِهِ: ﴿عَمُوا وصَمُّوا﴾، كَقَوْلِكَ: جاءَ القَوْمُ أكْثَرُهم، وقَوْلُهُ: ﴿ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، قَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو عَمْرٍو بِالرَّفْعِ، والباقُونَ بِالنَّصْبِ، فَوَجْهُ قِراءَةِ النَّصْبِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ الحُسْبانَ بِمَعْنى الظَّنِّ، ووَجْهُ قِراءَةِ الرَّفْعِ، تَنْزِيلُ اعْتِقادِهِمْ لِذَلِكَ، ولَوْ كانَ باطِلًا، مَنزِلَةَ العِلْمِ، فَتَكُونُ أنْ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

5:72Page 120

لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ٧٢

They have certainly disbelieved who say, "Allāh is the Messiah, the son of Mary" while the Messiah has said, "O Children of Israel, worship Allāh, my Lord and your Lord." Indeed, he who associates others with Allāh - Allāh has forbidden him Paradise, and his refuge is the Fire. And there are not for the wrongdoers any helpers.

No commentary for this ayah

5:73Page 120

لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٣

They have certainly disbelieved who say, "Allāh is the third of three."1 And there is no god except one God. And if they do not desist from what they are saying, there will surely afflict the disbelievers among them a painful punishment.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском