Ash-ShinqitiAl‑Ma'idah · 5:74–89

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Ma'idah 5:74–89

5:74Page 120

أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧٤

So will they not repent to Allāh and seek His forgiveness? And Allāh is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

أشارَ في هَذِهِ الآيَةِ، إلى أنَّ الَّذِينَ قالُوا: ﴿إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، لَوْ تابُوا إلَيْهِ مِن ذَلِكَ، لَتابَ عَلَيْهِمْ، وغَفَرَ لَهم، لِأنَّهُ اسْتَعْطَفَهم إلى ذَلِكَ أحْسَنَ اسْتِعْطافٍ، وألْطَفَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ﴾، ثُمَّ أشارَ إلى أنَّهم إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ غَفَرَ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وصَرَّحَ بِهَذا المَعْنى عامًّا لِجَمِيعِ الكُفّارِ بِقَوْلِهِ: (p-٤١٩)﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهم ما قَدْ سَلَفَ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٣٨] .

5:75Page 120

مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٧٥

The Messiah, son of Mary, was not but a messenger; [other] messengers have passed on before him. And his mother was a supporter of truth. They both used to eat food.1 Look how We make clear to them the signs; then look how they are deluded.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ عِيسى وأُمَّهُ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ، وذَكَرَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ كانُوا كَذَلِكَ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٢٠]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَما جَعَلْناهم جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ﴾ الآيَةَ [الأنبياء: ٨]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٧]،

وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾، مَعْنى قَوْلِهِ: [ ذ \ ٧٥ ]، يُؤْفَكُونَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ، والمُرادُ بِصَرْفِهِمْ عَنْهُ، قَوْلُ بَعْضِهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: ﴿إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾، وقَوْلُ بَعْضِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وعَلى مَن يَقُولُ ذَلِكَ لَعائِنُ اللَّهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّهم يَقُولُونَ هَذا الأمْرَ الَّذِي لَمْ يَقُلْ أحَدٌ أشْنَعَ مِنهُ ولا أعْظَمَ، مَعَ ظُهُورِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ المُبَيِّنَةِ لَهُ، ولِذا قالَ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾، عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ مِن أمْرِهِمْ، كَيْفَ يُؤْفَكُونَ إلى هَذا الكُفْرِ مَعَ وُضُوحِ أدِلَّةِ التَّوْحِيدِ ؟ !

5:76Page 120

قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗاۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٧٦

Say, "Do you worship besides Allāh that which holds for you no [power of] harm or benefit while it is Allāh who is the Hearing, the Knowing?"

No commentary for this ayah

5:77Page 121

قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٧٧

Say, "O People of the Scripture, do not exceed limits in your religion beyond the truth and do not follow the inclinations of a people who had gone astray before and misled many and have strayed from the soundness of the way."

No commentary for this ayah

5:78Page 121

لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ٧٨

Cursed were those who disbelieved among the Children of Israel by the tongue of David and of Jesus, the son of Mary. That was because they disobeyed and [habitually] transgressed.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ الآيَةَ، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الَّذِينَ لُعِنُوا عَلى لِسانِ داوُدَ، الَّذِينَ اعْتَدَوْا في السَّبْتِ، والَّذِينَ لُعِنُوا عَلى لِسانِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ المائِدَةِ، وعَلَيْهِ فَلَعْنُ الأوَّلِينَ مَسْخُهم قِرَدَةً، كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكم في السَّبْتِ فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، وقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦]، ولَعْنُ الآخَرِينَ هو المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ مَسَخَهم خَنازِيرَ، وهَذا القَوْلُ مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، والباقِرِ، نَقَلَهُ الألُوسِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وقالَ: واخْتارَهُ غَيْرُ واحِدٍ، ونَقَلَهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ، وأبِي مالِكٍ، وذَكَرَ أنَّهُ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ .

وَقالَ بَعْضُ مَن قالَ بِهَذا القَوْلِ: إنَّ أهْلَ أيْلَةَ لَمّا اعْتَدَوْا في السَّبْتِ، «قالَ داوُدُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”اللَّهُمَّ ألْبِسْهُمُ اللَّعْنَ مِثْلَ الرِّداءِ، ومِثْلَ المِنطَقَةِ عَلى الحَقْوَيْنِ“»، فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً، وأصْحابُ المائِدَةِ لَمّا كَفَرُوا، «قالَ عِيسى - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: (p-٤٢٠)”اللَّهُمَّ عَذِّبْ مَن كَفَرَ بَعْدَ ما أكَلَ مِنَ المائِدَةِ عَذابًا لَمْ تُعَذِّبْهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، والعَنْهم كَما لَعَنْتَ أصْحابَ السَّبْتِ، فَأصْبَحُوا خَنازِيرَ»“ .

وَأنَّ هَذا مَعْنى لَعْنِهِمْ عَلى لِسانِ داوُدَ، وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وفي الآيَةِ أقْوالٌ غَيْرُ هَذا تَرَكْنا التَّعَرُّضَ لَها، لِأنَّها لَيْسَتْ مِمّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ.

5:79Page 121

كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٧٩

They used not to prevent one another from wrongdoing that they did. How wretched was that which they were doing.

No commentary for this ayah

5:80Page 121

تَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ لَبِئۡسَ مَا قَدَّمَتۡ لَهُمۡ أَنفُسُهُمۡ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَفِي ٱلۡعَذَابِ هُمۡ خَٰلِدُونَ ٨٠

You see many of them becoming allies of those who disbelieved [i.e., the polytheists]. How wretched is that which they have put forth for themselves in that Allāh has become angry with them, and in the punishment they will abide eternally.

No commentary for this ayah

5:81Page 121

وَلَوۡ كَانُواْ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨١

And if they had believed in Allāh and the Prophet and in what was revealed to him, they would not have taken them as allies; but many of them are defiantly disobedient.

No commentary for this ayah

5:82Page 121

۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ٨٢

You will surely find the most intense of the people in animosity toward the believers [to be] the Jews and those who associate others with Allāh; and you will find the nearest of them in affection to the believers those who say, "We are Christians." That is because among them are priests and monks and because they are not arrogant.

No commentary for this ayah

5:83Page 122

وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٨٣

And when they hear what has been revealed to the Messenger, you see their eyes overflowing with tears because of what they have recognized of the truth. They say, "Our Lord, we have believed, so register us among the witnesses.

No commentary for this ayah

5:84Page 122

وَمَا لَنَا لَا نُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡحَقِّ وَنَطۡمَعُ أَن يُدۡخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٤

And why should we not believe in Allāh and what has come to us of the truth? And we aspire that our Lord will admit us [to Paradise] with the righteous people."

No commentary for this ayah

5:85Page 122

فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٥

So Allāh rewarded them for what they said1 with gardens [in Paradise] beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. And that is the reward of doers of good.

No commentary for this ayah

5:86Page 122

وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ٨٦

But those who disbelieved and denied Our signs - they are the companions of Hellfire.

No commentary for this ayah

5:87Page 122

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٨٧

O you who have believed, do not prohibit the good things which Allāh has made lawful to you and do not transgress. Indeed, Allāh does not like transgressors.

No commentary for this ayah

5:88Page 122

وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ ٨٨

And eat of what Allāh has provided for you [which is] lawful and good. And fear Allāh, in whom you are believers.

No commentary for this ayah

5:89Page 122

لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖۚ ذَٰلِكَ كَفَّٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٨٩

Allāh will not impose blame upon you for what is meaningless1 in your oaths, but He will impose blame upon you for [breaking] what you intended of oaths. So its expiation2 is the feeding of ten needy people from the average of that which you feed your [own] families or clothing them or the freeing of a slave. But whoever cannot find [or afford it] - then a fast of three days [is required]. That is the expiation for oaths when you have sworn. But guard your oaths.3 Thus does Allāh make clear to you His verses [i.e., revealed law] that you may be grateful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾، قَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ البَقَرَةِ أنَّ المُرادَ بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ، هو ما قَصَدْتُمْ عَقْدَ اليَمِينِ فِيهِ، لا ما جَرى عَلى ألْسِنَتِكم مِن غَيْرِ قَصْدٍ نَحْوَ ”لا واللَّهِ“ و ”بَلى واللَّهِ“، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: [ الطَّوِيلُ ]

؎وَلَسْتَ بِمَأخُوذٍ بِلَغْوٍ تَقُولُهُ إذا لَمْ تَعْمَدْ عاقِداتِ العَزائِمِ

وَهَذا العَقْدُ مَعْنَوِيٌّ، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: [ البَسِيطُ ]

؎قَوْمٌ إذا عَقَدُوا عَقْدًا لِجارِهِمُ شَدُّوا ∗∗∗ العِناجَ وشَدُّوا فَوْقَهُ الكَرَبا

وَقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وشُعْبَةُ عَنْ عاصِمٍ: عَقَدْتُمْ [المائدة: ٨٩]، بِالتَّخْفِيفِ بِلا ألِفٍ، وقَرَأهُ ابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: عاقَدْتُمْ بِألِفٍ بِوَزْنِ فاعِلٍ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِالتَّشْدِيدِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، والتَّضْعِيفُ والمُفاعَلَةُ: مَعْناهُما مُجَرَّدُ الفِعْلِ بِدَلِيلِ قِراءَةِ عَقَدْتُمْ بِلا ألِفٍ، ولا تَضْعِيفٍ، والقِراءاتُ يُبَيِّنُ بَعْضُها بَعْضًا، و ”ما“ في قَوْلِهِ: بِما عَقَّدْتُمْ مَصْدَرِيَّةٌ عَلى التَّحْقِيقِ لا مَوْصُولَةٌ، كَما قالَهُ بَعْضُهم زاعِمًا أنَّ ضَمِيرَ الرّابِطِ مَحْذُوفٌ.

وَفِي المُرادِ بِاللَّغْوِ في الآيَةِ أقْوالٌ، أشْهَرُها عِنْدَ العُلَماءِ اثْنانِ:

الأوَّلُ: أنَّ اللَّغْوَ ما يَجْرِي عَلى لِسانِ الإنْسانِ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، كَقَوْلِهِ: ”لا واللَّهِ“ و ”بَلى واللَّهِ“ .

وَذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ: الشّافِعِيُّ، وعائِشَةُ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْها، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، والشَّعْبِيِّ، وعِكْرِمَةَ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وأبِي صالِحٍ، والضَّحّاكِ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، وأبِي قِلابَةَ، والزُّهْرِيِّ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، وغَيْرُهُ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ اللَّغْوَ هو أنْ يَحْلِفَ عَلى ما يَعْتَقِدُهُ، فَيَظْهَرَ نَفْيُهُ، وهَذا هو (p-٤٢١)مَذْهَبُ مالِكِ بْنِ أنَسٍ، وقالَ: إنَّهُ أحْسَنُ ما سَمِعَ في مَعْنى اللَّغْوِ، وهو مَرْوِيٌّ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، وسُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، والحَسَنِ، وزُرارَةَ بْنِ أوْفى، وأبِي مالِكٍ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ، وبَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وأحَدِ قَوْلَيْ عِكْرِمَةَ، وحَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ، والسُّدِّيِّ، ومَكْحُولٍ، ومُقاتِلٍ، وطاوُسٍ، وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، ويَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، ورَبِيعَةَ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ.

والقَوْلانِ مُتَقارِبانِ، واللَّغْوُ يَشْمَلُهُما؛ لِأنَّهُ في الأوَّلِ لَمْ يَقْصِدْ عَقْدَ اليَمِينِ أصْلًا، وفي الثّانِي لَمْ يَقْصِدْ إلّا الحَقَّ والصَّوابَ، وغَيْرُ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ مِنَ الأقْوالِ تَرَكْتُهُ لِضَعْفِهِ في نَظَرِي، واللَّغْوُ في اللُّغَةِ: هو الكَلامُ بِما لا خَيْرَ فِيهِ، ولا حاجَةَ إلَيْهِ، ومِنهُ حَدِيثُ: ”إذا قُلْتَ لِصاحِبِكَ، والإمامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةَ، أنْصِتْ، فَقَدْ لَغَوْتَ أوْ لَغَيْتَ“ .

وَقَوْلُ العَجّاجِ: [ الرَّجَزُ ]

؎وَرُبَّ أسْرابِ حَجِيجٍ كُظَّمِ ∗∗∗ عَنِ اللَّغا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ

* *

مَسائِلُ مِن أحْكامِ الأيْمانِ

اعْلَمْ أنَّ الأيْمانَ أرْبَعَةُ أقْسامٍ: اثْنانِ فِيهِما الكَفّارَةُ بِلا خِلافٍ، واثْنانِ مُخْتَلَفٌ فِيهِما.

قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ما نَصُّهُ: الأيْمانُ في الشَّرِيعَةِ عَلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ: قِسْمانِ فِيهِما الكَفّارَةُ، وقِسْمانِ لا كَفّارَةَ فِيهِما. خَرَّجَ الدّارَقُطْنِيُّ في ”سُنَنِهِ“: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، حَدَّثَنا خَلَفُ بْنُ هِشامٍ، حَدَّثَنا عَبْثَرٌ عَنْ لَيْثٍ، عَنْ حَمّادٍ، عَنْ إبْراهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: الأيْمانُ أرْبَعَةٌ، يَمِينانِ يُكَفَّرانِ، ويَمِينانِ لا يُكَفَّرانِ. فاليَمِينانِ اللَّذانِ يُكَفَّرانِ، فالرَّجُلُ الَّذِي يَحْلِفُ: واللَّهِ لا أفْعَلُ كَذا وكَذا فَيَفْعَلُ، والرَّجُلُ يَقُولُ: واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ كَذا وكَذا، فَلا يَفْعَلُ. واليَمِينانِ اللَّذانِ لا يُكَفَّرانِ، فالرَّجُلُ يَحْلِفُ: واللَّهِ ما فَعَلْتُ كَذا وكَذا، وقَدْ فَعَلَ، والرَّجُلُ يَحْلِفُ: لَقَدْ فَعَلْتُ كَذا وكَذا ولَمْ يَفْعَلْهُ.

قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: وذَكَرَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ في ”جامِعِهِ“، وذَكَرَهُ المَرْوَزِيُّ عَنْهُ أيْضًا، قالَ سُفْيانُ: الأيْمانُ أرْبَعَةٌ، يَمِينانِ يُكَفَّرانِ، وهو أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: ”واللَّهِ لا (p-٤٢٢)أفْعَلُ“ ثُمَّ يَفْعَلُ، أوْ يَقُولَ: ”واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ“ ثُمَّ لا يَفْعَلُ. ويَمِينانِ لا يُكَفَّرانِ، وهو أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: ”واللَّهِ ما فَعَلْتُ“، وقَدْ فَعَلَ، أوْ يَقُولَ: ”واللَّهِ لَقَدْ فَعَلْتُ“ وما فَعَلَ.

قالَ المَرْوَزِيُّ: أمّا اليَمِينانِ الأُولَيانِ، فَلا اخْتِلافَ فِيهِما بَيْنَ العُلَماءِ عَلى ما قالَ سُفْيانُ، وأمّا اليَمِينانِ الأُخْرَيانِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِيهِما فَإنْ كانَ الحالِفُ حَلَفَ عَلى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ كَذا وكَذا، أوْ أنَّهُ فَعَلَ كَذا وكَذا عِنْدَ نَفْسِهِ صادِقًا يُرى أنَّهُ عَلى ما حَلَفَ عَلَيْهِ، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ولا كَفّارَةَ عَلَيْهِ في قَوْلِ مالِكٍ، وسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْيِ.

وَكَذَلِكَ قالَ أحْمَدُ وأبُو عُبَيْدٍ، وقالَ الشّافِعِيُّ: لا إثْمَ عَلَيْهِ، وعَلَيْهِ الكَفّارَةُ.

قالَ المَرْوَزِيُّ: ولَيْسَ قَوْلُ الشّافِعِيِّ في هَذا بِالقَوِيِّ، قالَ: وإنْ كانَ الحالِفُ عَلى أنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ كَذا وكَذا، وقَدْ فَعَلَ، مُتَعَمِّدًا لِلْكَذِبِ فَهو آثِمٌ، ولا كَفّارَةَ عَلَيْهِ في قَوْلِ عامَّةِ العُلَماءِ: مالِكٍ، وسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْيِ، وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وأبِي ثَوْرٍ، وأبِي عُبَيْدٍ.

وَكانَ الشّافِعِيُّ يَقُولُ: يُكَفِّرُ، قالَ: وقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ التّابِعِينَ مِثْلُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ، قالَ المَرْوَزِيُّ: أمِيلُ إلى قَوْلِ مالِكٍ وأحْمَدَ، اهـ مَحَلُّ الغَرَضِ مِنَ القُرْطُبِيِّ بِلَفْظِهِ، وهو حاصِلُ تَحْرِيرِ المَقامِ في حَلِفِ الإنْسانِ ”لَأفْعَلَنَّ“ أوْ ”لا أفْعَلُ“ .

وَأمّا حَلِفُهُ عَلى وُقُوعِ أمْرٍ غَيْرِ فِعْلِهِ، أوْ عَدَمِ وُقُوعِهِ، كَأنْ يَقُولَ: واللَّهِ لَقَدْ وقَعَ في الوُجُودِ كَذا، أوْ لَمْ يَقَعْ في الوُجُودِ كَذا، فَإنْ حَلَفَ عَلى ماضٍ أنَّهُ واقِعٌ، وهو يَعْلَمُ عَدَمَ وُقُوعِهِ مُتَعَمِّدًا الكَذِبَ فَهي يَمِينٌ غَمُوسٌ، وإنْ كانَ يَعْتَقِدُ وُقُوعَهُ فَظَهَرَ نَفْيُهُ فَهي مِن يَمِينِ اللَّغْوِ كَما قَدَّمْنا، وإنْ كانَ شاكًّا فَهو كالغَمُوسِ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم مِنَ الغَمُوسِ.

وَإنْ حَلَفَ عَلى مُسْتَقْبَلٍ لا يَدْرِي أيَقَعُ أمْ لا ؟ فَهو كَذَلِكَ أيْضًا يَدْخُلُ في يَمِينِ الغَمُوسِ، وأكْثَرُ العُلَماءِ عَلى أنَّ يَمِينَ الغَمُوسِ لا تُكَفَّرُ؛ لِأنَّها أعْظَمُ إثْمًا مِن أنْ تُكَفِّرَها كَفّارَةُ اليَمِينِ.

وَقَدْ قَدَّمْنا قَوْلَ الشّافِعِيِّ بِالكَفّارَةِ فِيها، وفِيها عِنْدَ المالِكِيَّةِ تَفْصِيلٌ، وهو وُجُوبُ الكَفّارَةِ في غَيْرِ المُتَعَلِّقَةِ بِالزَّمَنِ الماضِي، واعْلَمْ أنَّ اليَمِينَ مُنْقَسِمَةٌ أيْضًا إلى يَمِينٍ مُنْعَقِدَةٍ عَلى بِرٍّ، ويَمِينٍ مُنْعَقِدَةٍ عَلى حِنْثٍ، فالمُنْعَقِدَةُ عَلى بِرٍّ هي الَّتِي لا يَلْزَمُ حالِفَها تَحْلِيلُ اليَمِينِ كَقَوْلِهِ: ”واللَّهِ لا أفْعَلُ كَذا“، والمُنْعَقِدَةُ عَلى حِنْثٍ، هي الَّتِي يَلْزَمُ صاحِبَها حَلُّ اليَمِينِ بِفِعْلِ ما حَلَفَ عَلَيْهِ، أوْ بِالكَفّارَةِ كَقَوْلِهِ: ”واللَّهِ لَأفْعَلَنَّ كَذا“، ولا يُحْكَمُ بِحِنْثِهِ (p-٤٢٣)فِي المُنْعَقِدَةِ عَلى حِنْثٍ حَتّى يَفُوتَ إمْكانُ فِعْلِ ما حَلَفَ عَلَيْهِ، إلّا إذا كانَتْ مُوَقَّتَةً بِوَقْتٍ فَيَحْنَثُ بِفَواتِهِ، ولَكِنْ إنْ كانَتْ بِطَلاقٍ كَقَوْلِهِ عَلى طَلاقِها: ”لَأفْعَلَنَّ كَذا“، فَإنَّهُ يُمْنَعُ مِن وطْئِها حَتّى يَفْعَلَ ما حَلَفَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لا يَدْرِي أيَبَرُّ في يَمِينِهِ أمْ يَحْنَثُ ؟ ولا يَجُوزُ الإقْدامُ عَلى فَرْجٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ مِنهم مالِكٌ وأصْحابُهُ.

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: لا يُمْنَعُ مِنَ الوَطْءِ، لِأنَّها زَوْجَتُهُ، والطَّلاقُ لَمْ يَقَعْ بِالفِعْلِ، ومِمَّنْ قالَ بِهِ أحْمَدُ.

* *

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ اليَمِينَ لا تَنْعَقِدُ إلّا بِأسْماءِ اللَّهِ وصِفاتِهِ، فَلا يَجُوزُ القَسَمُ بِمَخْلُوقٍ لِقَوْلِهِ - ﷺ: «مَن كانَ حالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ، أوْ لِيَصْمُتْ»، ولا تَنْعَقِدُ يَمِينٌ بِمَخْلُوقٍ كائِنًا مَن كانَ، كَما أنَّها لا تَجُوزُ بِإجْماعِ مَن يُعْتَدُّ بِهِ مِن أهْلِ العِلْمِ، وبِالنَّصِّ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ في مَنعِ الحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَقَوْلُ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ بِانْعِقادِ اليَمِينِ بِهِ ﷺ لِتَوَقُّفِ إسْلامِ المَرْءِ عَلى الإيمانِ بِهِ ظاهِرُ البُطْلانِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

* *

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُخْرَجُ مِن عُهْدَةِ اليَمِينِ بِواحِدٍ مِن ثَلاثَةِ أشْياءَ:

الأوَّلُ: إبْرارُها بِفِعْلِ ما حَلَفَ عَلَيْهِ.

الثّانِي: الكَفّارَةُ، وهي جائِزَةٌ قَبْلَ الحِنْثِ وبَعْدَهُ عَلى التَّحْقِيقِ.

الثّالِثُ: الِاسْتِثْناءُ بِنَحْوِ إنْ شاءَ اللَّهُ، والتَّحْقِيقُ أنَّهُ حِلٌّ لِلْيَمِينِ لا بَدَلَ مِنَ الكَفّارَةِ، كَما زَعَمَهُ ابْنُ الماجِشُونِ، ويُشْتَرَطُ فِيهِ قَصْدُ التَّلَفُّظِ بِهِ، والِاتِّصالُ بِاليَمِينِ، فَلا يُقْبَلُ الفَصْلُ بِغَيْرِ ضَرُورِيٍّ كالسُّعالِ، والعُطاسِ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ مِن جَوازِ تَراخِي الِاسْتِثْناءِ.

فالتَّحْقِيقُ فِيهِ أنَّ المُرادَ بِهِ أنَّ العَبْدَ يَلْزَمُهُ إذا قالَ: ”لَأفْعَلَنَّ كَذا“، أنْ يَقُولَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، كَما صَرَّحَ بِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ﴿إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤]، فَإنْ نَسِيَ الِاسْتِثْناءَ بِـ ”إنْ شاءَ“، وتَذَكَّرَهُ ولَوْ بَعْدَ فَصْلٍ، فَإنَّهُ يَقُولُ: إنْ شاءَ اللَّهُ؛ لِيَخْرُجَ بِذَلِكَ مِن عُهْدَةِ عَدَمِ تَفْوِيضِ الأُمُورِ إلى اللَّهِ وتَعْلِيقِها بِمَشِيئَتِهِ، لا مِن حَيْثُ إنَّهُ يُحِلُّ اليَمِينَ الَّتِي مَضَتْ وانْعَقَدَتْ.

(p-٤٢٤)وَيَدُلُّ لِهَذا أنَّهُ تَعالى قالَ لِأيُّوبَ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فاضْرِبْ بِهِ ولا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤]، ولَوْ كانَ تَدارُكُ الِاسْتِثْناءِ مُمْكِنًا لَقالَ لَهُ قُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ، ويَدُلُّ لَهُ أيْضًا أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما عُلِمَ انْعِقادُ يَمِينٍ لِإمْكانِ أنْ يَلْحَقَها الِاسْتِثْناءُ المُتَأخِّرُ، واعْلَمْ أنَّ الِاسْتِثْناءَ بِـ ”إنْ شاءَ اللَّهُ“ يُفِيدُ في الحَلِفِ بِاللَّهِ إجْماعًا.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في غَيْرِهِ كالحَلِفِ بِالطَّلاقِ والظِّهارِ والعِتْقِ، كَأنْ يَقُولَ: إنْ دَخَلْتِ الدّارَ فَأنْتِ طالِقٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، أوْ أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إنْ شاءَ اللَّهُ، أوْ أنْتِ حُرَّةٌ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَذَهَبَ بَعْضُ العُلَماءِ إلى أنَّهُ لا يُفِيدُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ أيْمانًا، وإنَّما هي تَعْلِيقاتٌ لِلْعِتْقِ والظِّهارِ والطَّلاقِ، والِاسْتِثْناءُ بِالمَشِيئَةِ إنَّما ورَدَ بِهِ الشَّرْعُ في اليَمِينِ دُونَ التَّعْلِيقِ، وهَذا مَذْهَبُ مالِكٍ وأصْحابِهِ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، والأوْزاعِيُّ، وقَتادَةُ، ورَجَّحَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ وغَيْرُهُ.

وَذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّهُ يُفِيدُ في ذَلِكَ كُلِّهِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ. وأبُو حَنِيفَةَ، وطاوُسٌ، وحَمّادٌ، وأبُو ثَوْرٍ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“، وفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ الظِّهارِ، وبَيْنَ العِتْقِ والطَّلاقِ؛ لِأنَّ الظِّهارَ فِيهِ كَفّارَةٌ فَهو يَمِينٌ تَنْحَلُّ بِالِاسْتِثْناءِ، كاليَمِينِ بِاللَّهِ والنَّذْرِ، ونَقَلَهُ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ عَنْ أبِي مُوسى، وجَزَمَ هو بِهِ.

* *

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: لَوْ فَعَلَ المَحْلُوفَ عَنْ فِعْلِهِ ناسِيًا، فَفِيهِ لِلْعُلَماءِ ثَلاثَةُ مَذاهِبَ:

الأوَّلُ: لا حِنْثَ عَلَيْهِ مُطْلَقًا؛ لِأنَّهُ مَعْذُورٌ بِالنِّسْيانِ، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، وقالَ - ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأ والنِّسْيانَ، وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» ”، وهَذا الحَدِيثُ وإنْ أعَلَّهُ الإمامُ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، فَإنَّ العُلَماءَ تَلَقَّوْهُ بِالقَبُولِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ويَشْهَدُ لَهُ ما ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَرَأ ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، قالَ اللَّهُ نَعَمْ»، ومِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: قالَ اللَّهُ“ قَدْ فَعَلْتُ ”وَكَوْنُ مَن فَعَلَ ناسِيًا لا يَحْنَثُ هو قَوْلُ عَطاءٍ، وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ، وابْنِ أبِي نَجِيحٍ، وإسْحاقَ، ورِوايَةً عَنْ أحْمَدَ، كَما قالَهُ صاحِبُ“ المُغْنِي ”، ووَجْهُ هَذا القَوْلِ ظاهِرٌ لِلْأدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنا، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ يَحْنَثُ مُطْلَقًا، وهو مَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، ورَبِيعَةُ، وأبُو حَنِيفَةَ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ، كَما نَقَلَهُ عَنْهم صاحِبُ (p-٤٢٥)" المُغْنِي“، ووَجْهُ هَذا القَوْلِ عِنْدَ القائِلِ بِهِ أنَّهُ فَعَلَ ما حَلَفَ لا يَفْعَلُهُ عَمْدًا؛ فَلَمّا كانَ عامِدًا لِلْفِعْلِ الَّذِي هو سَبَبُ الحِنْثِ، لَمْ يُعْذَرْ بِنِسْيانِهِ اليَمِينَ، ولا يَخْفى عَدَمُ ظُهُورِهِ.

وَذَهَبَ قَوْمٌ إلى الفَرْقِ بَيْنَ الطَّلاقِ والعِتْقِ وبَيْنَ غَيْرِهِما، فَلا يُعْذَرُ بِالنِّسْيانِ في الطَّلاقِ والعِتْقِ، ويُعْذَرُ بِهِ في غَيْرِهِما، وهَذا هو ظاهِرُ مَذْهَبِ الإمامِ أحْمَدَ، كَما قالَهُ صاحِبُ ”المُغْنِي“، قالَ: واخْتارَهُ الخَلّالُ، وصاحِبُهُ، وهو قَوْلُ أبِي عُبَيْدٍ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: وهَذا القَوْلُ الأخِيرُ لَهُ وجْهٌ مِنَ النَّظَرِ؛ لِأنَّ في الطَّلاقِ والعِتْقِ حَقًّا لِلَّهِ وحَقًّا لِلْآدَمِيِّ، والحالِفُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مُتَعَمِّدًا في نَفْسِ الأمْرِ، ويَدَّعِي النِّسْيانَ؛ لِأنَّ العَمْدَ مِنَ القُصُودِ الكامِنَةِ الَّتِي لا تَظْهَرُ حَقِيقَتُها لِلنّاسِ، فَلَوْ عُذِرَ بِادِّعاءِ النِّسْيانِ لَأمْكَنَ تَأْدِيَةُ ذَلِكَ إلى ضَياعِ حُقُوقِ الآدَمِيِّينَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

* *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: إذا حَلَفَ لا يَفْعَلُ أمْرًا مِنَ المَعْرُوفِ كالإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ ونَحْوِهِ، فَلَيْسَ لَهُ الِامْتِناعُ مِن ذَلِكَ والتَّعَلُّلُ بِاليَمِينِ، بَلْ عَلَيْهِ أنْ يُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ، ويَأْتِيَ الَّذِي هو خَيْرٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأيْمانِكم أنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النّاسِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٢٤]، أيْ لا تَجْعَلُوا أيْمانَكم بِاللَّهِ تَعالى مانِعَةً لَكم مِنَ البِرِّ، وصِلَةِ الرَّحِمِ إذا حَلَفْتُمْ عَلى تَرْكِها، ونَظِيرُ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى في حَلِفِ أبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ألّا يُنْفِقَ عَلى مِسْطَحٍ، لِما قالَ في عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها ما قالَ: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ أنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبى والمَساكِينَ والمُهاجِرِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولْيَعْفُوا ولْيَصْفَحُوا ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] .

وَقَوْلُهُ - ﷺ: «واللَّهِ لَأنْ يَلِجَّ أحَدُكم بِيَمِينِهِ في أهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِن أنْ يُعْطِيَ كَفّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ.

وَقَوْلُهُ - ﷺ: «إنِّي واللَّهِ - إنْ شاءَ اللَّهُ - لا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَأرى غَيْرَها خَيْرًا مِنها إلّا أتَيْتُ الَّذِي هو خَيْرٌ وتَحَلَّلْتُها»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى.

وَقَوْلُهُ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: «يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ، لا تَسْألِ الإمارَةَ، فَإنَّكَ إنْ أُعْطِيتَها مِن غَيْرِ مَسْألَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْها، وإنْ أُعْطِيتَها عَنْ مَسْألَةٍ وُكِلْتَ إلَيْها، وإذا حَلَفْتَ عَلى يَمِينٍ فَرَأيْتَ غَيْرَها خَيْرًا مِنها فَأْتِ الَّذِي هو خَيْرٌ، وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أيْضًا، والأحادِيثُ في البابِ كَثِيرَةٌ. وهَذا هو الحَقُّ في المَسْألَةِ خِلافًا لِمَن قالَ: (p-٤٢٦)كَفّارَتُها تَرْكُها مُتَمَسِّكًا بِأحادِيثَ ورَدَتْ في ذَلِكَ، قالَ أبُو داوُدَ: والأحادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّها: «فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ»، وهي الصِّحاحُ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، لَمْ يُقَيِّدْ هُنا رَقَبَةٍ كَفّارَةَ اليَمِينِ بِالإيمانِ، وقَيَّدَ بِهِ كَفّارَةَ القَتْلِ خَطَأً.

وَهَذِهِ مِن مَسائِلِ المُطْلَقِ والمُقَيَّدِ في حالَةِ اتِّفاقِ الحُكْمِ، مَعَ اخْتِلافِ السَّبَبِ، وكَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ يَقُولُونَ فِيهِ بِحَمْلِ المُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ، فَتَقَيُّدُ رَقَبَةِ اليَمِينِ والظِّهارِ بِالقَيْدِ الَّذِي في رَقَبَةِ القَتْلِ خَطَأً، حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ، وخالَفَ في ذَلِكَ أبُو حَنِيفَةَ ومَن وافَقَهُ.

وَقَدْ أوْضَحْنا هَذِهِ المَسْألَةَ في كِتابِنا ”دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ“، في سُورَةِ النِّساءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]؛ ولِذَلِكَ لَمْ نُطِلِ الكَلامَ بِها هُنا، والمُرادُ بِالتَّحْرِيرِ الإخْراجُ مِنَ الرِّقِّ، ورُبَّما اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ في الإخْراجِ مِنَ الأسْرِ، والمَشَقّاتِ، وتَعَبِ الدُّنْيا ونَحْوِ ذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُ والِدَةِ مَرْيَمَ: إنِّي ﴿نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥]، أيْ مِن تَعَبِ أعْمالِ الدُّنْيا، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ هَمّامِ بْنِ غالِبٍ التَّمِيمِيِّ: [ الكامِلُ ]

؎أبَنِي غُدانَةَ إنَّنِي حَرَّرْتُكم فَوَهَبْتُكم لِعَطِيَّةَ بْنِ جِعالِ

يَعْنِي حَرَّرْتُكم مِنَ الهِجاءِ، فَلا أهْجُوكم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском