Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Adh-Dhariyat 51:46–60
51:46Page 522
وَقَوۡمَ نُوحٖ مِّن قَبۡلُۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٤٦
And [We destroyed] the people of Noah before; indeed, they were a people defiantly disobedient.
No commentary for this ayah
51:47Page 522
وَٱلسَّمَآءَ بَنَيۡنَٰهَا بِأَيۡيْدٖ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ٤٧
And the heaven We constructed with strength,1 and indeed, We are [its] expander.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءَ بَنَيْناها بِأيْدٍ وإنّا لَمُوسِعُونَ﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ ”ق“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها﴾ الآيَةَ [ق: ٦] .
تَنْبِيهٌ:
قَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿بَنَيْناها بِأيْدٍ﴾، لَيْسَ مِن آياتِ الصِّفاتِ المَعْرُوفَةِ بِهَذا الِاسْمِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: بِأيْدٍ لَيْسَ جَمْعَ يَدٍ: وإنَّما الأيْدُ القُوَّةُ، فَوَزْنُ قَوْلِهِ هُنا بِأيْدٍ فَعْلٌ، ووَزْنُ الأيْدِي أفْعُلُ، فالهَمْزَةُ في قَوْلِهِ: بِأيْدٍ في مَكانِ الفاءِ، والياءُ في مَكانِ العَيْنِ، والدّالُ في مَكانِ اللّامِ، ولَوْ كانَ قَوْلُهُ تَعالى: بِأيْدٍ جَمْعَ يَدٍ لَكانَ وزْنُهُ أفْعُلًا، فَتَكُونُ الهَمْزَةُ زائِدَةً والياءُ في مَكانِ الفاءِ، والدّالُ في مَكانِ العَيْنِ، والياءُ المَحْذُوفَةُ لِكَوْنِهِ مَنقُوصًا هي اللّامَ.
والأيْدُ، والآدُ في لُغَةِ العَرَبِ بِمَعْنى القُوَّةِ، ورَجُلٌ أيْدٌ قَوِيٌّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧]، أيْ قَوَّيْناهُ بِهِ، فَمَن ظَنَّ أنَّها جَمْعُ يَدٍ في هَذِهِ الآيَةِ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا فاحِشًا، والمَعْنى: والسَّماءَ بَنَيْناها بِقُوَّةٍ.
51:48Page 522
وَٱلۡأَرۡضَ فَرَشۡنَٰهَا فَنِعۡمَ ٱلۡمَٰهِدُونَ ٤٨
And the earth We have spread out, and excellent is the preparer.
No commentary for this ayah
51:49Page 522
وَمِن كُلِّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَا زَوۡجَيۡنِ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٤٩
And of all things We created two mates [i.e., counterparts]; perhaps you will remember.
No commentary for this ayah
51:50Page 522
فَفِرُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٥٠
So flee to Allāh.1 Indeed, I am to you from Him a clear warner.
No commentary for this ayah
51:51Page 522
وَلَا تَجۡعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٥١
And do not make [as equal] with Allāh another deity. Indeed, I am to you from Him a clear warner.
No commentary for this ayah
51:52Page 523
كَذَٰلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٌ ٥٢
Similarly, there came not to those before them any messenger except that they said, "A magician or a madman."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾ ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ . ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ ما أتى نَبِيٌّ قَوْمًا ﴿إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿أتَواصَوْا بِهِ﴾، ثُمَّ أضْرَبَ عَنْ تَواصِيهِمْ بِذَلِكَ إضْرابَ إبْطالٍ، لِأنَّهم لَمْ يُجْمَعُوا في زَمَنٍ حَتّى يَتَواصَوْا فَقالَ: ﴿بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ أيِ المُوجِبُ الَّذِي جَمَعَهم عَلى اتِّفاقِهِمْ جَمِيعًا عَلى تَكْذِيبِ الرُّسُلِ ونِسْبَتِهِمْ لِلسِّحْرِ والجُنُونِ هو اتِّحادٌ في الطُّغْيانِ الَّذِي هو مُجاوَزَةُ الحَدِّ في الكُفْرِ.
(p-٤٤٣)وَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم إنَّما اتَّفَقُوا، لِأنَّ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ تُشْبِهُ قُلُوبَ بَعْضٍ في الكُفْرِ والطُّغْيانِ، فَتَشابَهَتْ مَقالاتُهم لِلرُّسُلِ لِأجْلِ تَشابُهِ قُلُوبِهِمْ.
وَقَدْ أوْضَحَ تَعالى هَذا المَعْنى في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨] .
51:53Page 523
أَتَوَاصَوۡاْ بِهِۦۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ ٥٣
Did they suggest it to them?1 Rather, they [themselves] are a transgressing people.
No commentary for this ayah
51:54Page 523
فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٖ ٥٤
So leave them, [O Muḥammad], for you are not to be blamed.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهم فَما أنْتَ بِمَلُومٍ﴾ .
نَفْيُهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لِلَّوْمِ عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ أدّى الأمانَةَ ونَصَحَ لِلْأُمَّةِ.
وَقَدْ أوْضَحَ تَعالى هَذا المَعْنى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠]، والآياتُ الدّالَّةُ عَلى هَذا المَعْنى كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
51:55Page 523
وَذَكِّرۡ فَإِنَّ ٱلذِّكۡرَىٰ تَنفَعُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٥٥
And remind, for indeed, the reminder benefits the believers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ الَّتِي تَضَمَّنَها أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ شَيْئًا لِحِكَمٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَيَذْكُرَ بَعْضَ حِكَمِهِ في بَعْضِ المَواضِعِ، فَإنّا نَذْكُرُ بَقِيَّةَ حِكَمِهِ، والآياتِ الدّالَّةَ عَلَيْها، وقَدْ قَدَّمْنا أمْثِلَةَ ذَلِكَ.
وَمِن ذَلِكَ القَبِيلِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، فَإنَّها تَضَمَّنَتْ واحِدَةً مِن حِكَمِ التَّذْكِيرِ وهي رَجاءُ انْتِفاعِ المُذَكَّرِ بِهِ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ هُنا: وذَكِّرْ، ورَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ .
وَمِن حِكَمِ ذَلِكَ أيْضًا خُرُوجُ المُذَكِّرِ مِن عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وقَدْ جَمَعَ اللَّهُ هاتَيْنِ الحِكْمَتَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا مَعْذِرَةً إلى رَبِّكم ولَعَلَّهم يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] .
وَمِن حِكَمِ ذَلِكَ أيْضًا النِّيابَةُ عَنِ الرُّسُلِ في إقامَةِ حُجَّةِ اللَّهِ عَلى خَلْقِهِ في أرْضِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] .
(p-٤٤٤)وَقَدْ بَيَّنَ هَذِهِ الحُجَّةَ في آخِرِ ”طه“ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنّا أهْلَكْناهم بِعَذابٍ مِن قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾ [طه: ١٣٤] .
وَأشارَ لَها في القَصَصِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا أنْ تُصِيبَهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ٤٧] .
وَقَدْ قَدَّمْنا هَذِهِ الحِكَمَ في سُورَةِ المائِدَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] .
51:56Page 523
وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦
And I did not create the jinn and mankind except to worship Me.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ .
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾، فَقالَ بَعْضُهُمُ: المَعْنى ما خَلَقْتُهم إلّا لِيَعْبُدَنِي السُّعَداءُ مِنهم ويَعْصِيَنِي الأشْقِياءُ، فالحِكْمَةُ المَقْصُودَةُ مِن إيجادِ الخَلْقِ الَّتِي هي عِبادَةُ اللَّهِ حاصِلَةٌ بِفِعْلِ السُّعَداءِ مِنهم كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩]، وهَذا القَوْلُ نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وسُفْيانَ.
وَغايَةُ ما يَلْزَمُ عَلى هَذا القَوْلِ أنَّهُ أطْلَقَ فِيها المَجْمُوعَ وأرادَ بَعْضَهم.
وَأمْثالُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ، ومِن أوْضَحِها قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ: ”فَإنْ قَتَلُوكم فاقْتُلُوهم“، مِنَ القَتْلِ لا مِنَ القِتالِ، وقَدْ بَيَّنّا هَذا في مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، وذَكَرْنا أنَّ مِن شَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎فَسَيْفُ بَنِي عَبْسٍ وقَدْ ضَرَبُوا بِهِ نَبا مِن يَدَيْ ورْقاءَ عَنْ رَأْسِ خالِدٍ
فَتَراهُ نَسَبَ الضَّرْبَ لِبَنِي عَبْسٍ مَعَ تَصْرِيحِهِ أنَّ الضّارِبَ الَّذِي نَبا بِيَدِهِ السَّيْفُ عَنْ رَأْسِ خالِدٍ يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ الكِلابِيِّ، هو ورْقاءُ يَعْنِي ابْنَ زُهَيْرٍ العَبْسِيِّ.
وَقَدْ قَدَّمْنا في الحُجُراتِ أنَّ مِن ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالَتِ الأعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات: ١٤٧]، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَمِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٩] .
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾: أيْ ”إلّا لِيُقِرُّوا لِي بِالعُبُودِيَّةِ طَوْعًا (p-٤٤٥)أوْ كَرْهًا“، لِأنَّ المُؤْمِنَ يُطِيعُ بِاخْتِيارِهِ والكافِرَ مُذْعِنٌ مُنْقادٌ لِقَضاءِ رَبِّهِ جَبْرًا عَلَيْهِ، وهَذا القَوْلُ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتارَهُ، ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥]، والسُّجُودُ والعِبادَةُ كِلاهُما خُضُوعٌ وتَذَلُّلٌ لِلَّهِ - جَلَّ وعَلا - وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ بَعْضَهم يَفْعَلُ ذَلِكَ طَوْعًا وبَعْضَهم يَفْعَلُهُ كَرْهًا.
وَعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: ﴿إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾: أيٌّ إلّا لِيَعْرِفُونِي. واسْتَدَلَّ بَعْضُهم لِهَذا القَوْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ وهو كَثِيرٌ في القُرْآنِ، وقَدْ أوْضَحْنا كَثْرَتَهُ فِيهِ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾: أيْ إلّا لِآمُرُهم بِعِبادَتِي فَيَعْبُدُنِي مَن وفَّقْتُهُ مِنهم لِعِبادَتِي دُونَ غَيْرِهِ، وعَلى هَذا القَوْلِ: فَإرادَةُ عِبادَتِهِمُ المَدْلُولُ عَلَيْها بِاللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ - إرادَةٌ دِينِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ وهي المُلازِمَةُ لِلْأمْرِ، وهي عامَّةٌ لِجَمِيعِ مَن أمَرَتْهُمُ الرُّسُلُ لِطاعَةِ اللَّهِ، لا إرادَةٌ كَوْنِيَّةٌ قَدَرِيَّةٌ، لِأنَّها لَوْ كانَتْ كَذَلِكَ لَعَبَدَهُ جَمِيعُ الإنْسِ والجِنِّ، والواقِعُ خِلافُ ذَلِكَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ وغَفَرَ لَهُ: التَّحْقِيقُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾، أيْ إلّا لِآمُرُهم بِعِبادَتِي وأبْتَلِيهِمْ أيْ أخْتَبِرُهم بِالتَّكالِيفِ، ثُمَّ أُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وإنَّما قُلْنا إنَّ هَذا هو التَّحْقِيقُ في مَعْنى الآيَةِ، لِأنَّهُ تَدُلُّ عَلَيْهِ آياتٌ مُحْكَماتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ، فَقَدْ صَرَّحَ تَعالى في آياتٍ مِن كِتابِهِ أنَّهُ خَلَقَهم لِيَبْتَلِيَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا، وأنَّهُ خَلَقَهم لِيَجْزِيَهم بِأعْمالِهِمْ.
قالَ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ هُودٍ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ﴾ [هود: ٧]، ثُمَّ بَيَّنَ الحِكْمَةَ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا ولَئِنْ قُلْتَ إنَّكم مَبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ المَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٧] .
(p-٤٤٦)وَقالَ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ المُلْكِ: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] .
وَقالَ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] .
فَتَصْرِيحُهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآياتِ المَذْكُورَةِ بِأنَّ حِكْمَةَ خَلْقِهِ لِلْخَلْقِ، هي ابْتِلاؤُهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا، يُفَسِّرُ قَوْلَهُ: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ . وخَيْرُ ما يُفَسَّرُ بِهِ القُرْآنُ - القُرْآنُ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ نَتِيجَةَ العَمَلِ المَقْصُودِ مِنهُ لا تَتِمُّ إلّا بِجَزاءِ المُحْسِنِ بِإحْسانِهِ والمُسِيءِ بِإساءَتِهِ، ولِذا صَرَّحَ تَعالى بِأنَّ حِكْمَةَ خَلْقِهِمْ أوَّلًا وبَعْثِهِمْ ثانِيًا، هو جَزاءُ المُحْسِنِ بِإحْسانِهِ والمُسِيءِ بِإساءَتِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ يُونُسَ: ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ والَّذِينَ كَفَرُوا لَهم شَرابٌ مِن حَمِيمٍ وعَذابٌ ألِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٤]، وقَوْلُهُ في النَّجْمِ: ﴿وَلِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساءُوا بِما عَمِلُوا ويَجْزِيَ الَّذِينَ أحْسَنُوا بِالحُسْنى﴾ [النجم: ٣١] .
وَقَدْ أنْكَرَ تَعالى عَلى الإنْسانِ حُسْبانَهُ وظَنَّهُ أنَّهُ يُتْرَكُ سُدًى، أيْ مُهْمَلًا، لَمْ يُؤْمَرْ ولَمْ يُنْهَ، وبَيَّنَ أنَّهُ ما نَقَلَهُ مِن طَوْرٍ إلى طَوْرٍ حَتّى أوْجَدَهُ إلّا لِيَبْعَثَهُ بَعْدَ المَوْتِ أيْ ويُجازِيَهُ عَلى عَمَلِهِ، قالَ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [القيامة: ٣٦ - ٤٠] .
والبَراهِينُ عَلى البَعْثِ دالَّةٌ عَلى الجَزاءِ، وقَدْ نَزَّهَ تَعالى نَفْسَهُ عَنْ هَذا الظَّنِّ الَّذِي ظَنَّهُ الكُفّارُ بِهِ تَعالى، وهو أنَّهُ لا يَبْعَثُ الخَلْقَ ولا يُجازِيهِمْ مُنْكِرًا ذَلِكَ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦] .
وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا في أوَّلِ سُورَةِ الأحْقافِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الأحقاف: ٣] .
* *
تَنْبِيهٌ:
اعْلَمْ أنَّ الآياتِ الدّالَّةَ عَلى حِكْمَةِ خَلْقِ اللَّهِ لِلسَّماواتِ والأرْضِ وأهْلِهِما وما بَيْنَهُما (p-٤٤٧)قَدْ يَظُنُّ غَيْرُ المُتَأمِّلِ أنَّ بَيْنَهُما اخْتِلافًا، والواقِعُ خِلافُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ كَلامَ اللَّهِ لا يُخالِفُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وإيضاحُ ذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى ذَكَرَ في بَعْضِ الآياتِ أنَّ حِكْمَةَ خَلْقِهِ لِلسَّماواتِ والأرْضِ هي إعْلامُ خَلْقِهِ بِأنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وأنَّهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى في آخِرِ الطَّلاقِ: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢] .
وَذَكَرَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِهِ أنَّهُ خَلَقَ الخَلْقَ لِيُبَيِّنَ لِلنّاسِ كَوْنَهُ هو المَعْبُودُ وحْدَهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]، ثُمَّ أقامَ البُرْهانَ عَلى أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، ولَمّا قالَ: ﴿ياأيُّها النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، بَيَّنَ أنَّ خَلْقَهم بُرْهانٌ عَلى أنَّهُ المَعْبُودُ وحْدَهُ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَكم والَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١] .
والِاسْتِدْلالُ عَلى أنَّ المَعْبُودَ واحِدٌ بِكَوْنِهِ هو الخالِقُ - كَثِيرٌ جِدًّا في القُرْآنِ، وقَدْ أوْضَحْنا الآياتِ الدّالَّةَ عَلَيْهِ في أوَّلِ سُورَةِ الفُرْقانِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٢ - ٣]، وفي سُورَةِ الرَّعْدِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآيَةَ [الرعد: ١٦]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.
وَذَكَرَ في بَعْضِ الآياتِ أنَّهُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لِيَبْتَلِيَ النّاسَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ وكانَ عَرْشُهُ عَلى الماءِ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] .
وَذَكَرَ في بَعْضِ الآياتِ أنَّهُ خَلَقَهم لِيَجْزِيَهم بِأعْمالِهِمْ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالقِسْطِ﴾ الآيَةَ [يونس: ٤]، وذَكَرَ في آيَةِ الذّارِياتِ هَذِهِ أنَّهُ ما خَلَقَ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُوهُ، فَقَدْ يَظُنُّ غَيْرُ العالِمِ أنَّ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ اخْتِلافًا مَعَ أنَّها لا اخْتِلافَ بَيْنِها، لِأنَّ الحُكْمَ المَذْكُورَ فِيها كُلِّها راجِعٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، وهو مَعْرِفَةُ اللَّهِ وطاعَتُهُ ومَعْرِفَةُ وعْدِهِ ووَعِيدِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الطلاق: ١٢]، (p-٤٤٨)وَقَوْلُهُ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] راجِعٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ هو العِلْمُ بِاللَّهِ، لِأنَّ مَن عَرَفَ اللَّهَ أطاعَهُ ووَحَّدَهُ.
وَهَذا العِلْمُ يُعَلِّمُهُمُ اللَّهُ إيّاهُ ويُرْسِلُ لَهُمُ الرُّسُلَ بِمُقْتَضاهُ لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، ويَحْيا مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، فالتَّكْلِيفُ بَعْدَ العِلْمِ، والجَزاءُ بَعْدَ التَّكْلِيفِ، فَظَهَرَ بِهَذا اتِّفاقُ الآياتِ لِأنَّ الجَزاءَ لا بُدَّ لَهُ مِن تَكْلِيفٍ، وهو الِابْتِلاءُ المَذْكُورُ في الآياتِ والتَّكْلِيفُ لا بُدَّ لَهُ مِن عِلْمٍ، ولِذا دَلَّ بَعْضُ الآياتِ عَلى أنَّ حِكْمَةَ الخَلْقِ لِلْمَخْلُوقاتِ هي العِلْمُ بِالخالِقِ، ودَلَّ بَعْضُها عَلى أنَّها الِابْتِلاءُ، ودَلَّ بَعْضُها عَلى أنَّها الجَزاءُ، وكُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ لا اخْتِلافَ فِيهِ، وبَعْضُهُ مُرَتَّبٌ عَلى بَعْضٍ.
وَقَدْ بَيَّنّا مَعْنى ﴿إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ في سُورَةِ هُودٍ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٩]، وبَيَّنّا هُناكَ أنَّ الإرادَةَ المَدْلُولَ عَلَيْها بِاللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ أيْ ولِأجْلِ الِاخْتِلافِ إلى شَقِيٍّ وسَعِيدٍ خَلَقَهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ [الأعراف: ١٧٩] إرادَةٌ كَوْنِيَّةٌ قَدَرِيَّةٌ، وأنَّ الإرادَةَ المَدْلُولَ عَلَيْها بِاللّامِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾، إرادَةٌ دِينِيَّةٌ شَرْعِيَّةٌ.
وَبَيَّنّا هُناكَ أيْضًا الأحادِيثَ الدّالَّةَ عَلى أنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ مُنْقَسِمًا إلى شَقِيٍّ وسَعِيدٍ، وأنَّهُ كَتَبَ ذَلِكَ وقَدَّرَهُ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهم، وقالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]،: وقالَ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] .
والحاصِلُ: أنَّ اللَّهَ دَعا جَمِيعَ النّاسِ عَلى ألْسِنَةِ رُسُلِهِ إلى الإيمانِ بِهِ وعِبادَتِهِ وحْدَهُ وأمَرَهم بِذَلِكَ، وأمْرُهُ بِذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْإرادَةِ الدِّينِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - يَهْدِي مَن يَشاءُ مِنهم ويُضِلُّ مَن يَشاءُ بِإرادَتِهِ الكَوْنِيَّةِ القَدَرِيَّةِ فَيَصِيرُونَ إلى ما سَبَقَ بِهِ العِلْمُ مِن شَقاوَةٍ وسَعادَةٍ، وبِهَذا تَعْلَمُ وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ﴾ . وقَوْلِهِ: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وإنَّما ذَكَرْنا أنَّ الإرادَةَ قَدْ تَكُونُ دِينِيَّةً شَرْعِيَّةً، وهي مُلازِمَةٌ لِلْأمْرِ والرِّضا، وقَدْ تَكُونُ كَوْنِيَّةً قَدَرِيَّةً ولَيْسَتْ مُلازِمَةً لَهُما، لِأنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ الجَمِيعَ بِالأفْعالِ المُرادَةِ مِنهم دِينًا، ويُرِيدُ ذَلِكَ كَوْنًا وقَدَرًا مِن بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]، (p-٤٤٩)فَقَوْلُهُ: ﴿إلّا لِيُطاعَ﴾ أيْ: فِيما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِنا، لِأنَّهُ مَطْلُوبٌ مُرادٌ مِنَ المُكَلَّفِينَ شَرْعًا ودِينًا، وقَوْلُهُ: ﴿بِإذْنِ اللَّهِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَقَعُ مِن ذَلِكَ إلّا ما أرادَهُ اللَّهُ كَوْنًا وقَدَرًا، واللَّهُ - جَلَّ وعَلا - يَقُولُ: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى دارِ السَّلامِ ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]، والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ»، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
51:57Page 523
مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ ٥٧
I do not want from them any provision, nor do I want them to feed Me.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الأنْعامِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤] .
51:58Page 523
إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ ٥٨
Indeed, it is Allāh who is the [continual] Provider,1 the firm possessor of strength.
No commentary for this ayah
51:59Page 523
فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوبٗا مِّثۡلَ ذَنُوبِ أَصۡحَٰبِهِمۡ فَلَا يَسۡتَعۡجِلُونِ ٥٩
And indeed, for those who have wronged is a portion [of punishment] like the portion of their companions [i.e., predecessors], so let them not impatiently urge Me.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ .
أصْلُ الذَّنُوبِ في لُغَةِ العَرَبِ الدَّلْوُ، وعادَةُ العَرَبِ أنَّهم يَقْتَسِمُونَ ماءَ الآبارِ والقَلْبِ بِالدَّلْوِ، فَيَأْخُذُ هَذا مِنهُ مِلْءَ دَلْوٍ، ويَأْخُذُ الآخَرُ كَذَلِكَ، ومِن هُنا أطْلَقُوا اسْمَ الذَّنُوبِ الَّتِي هي الدَّلْوُ عَلى النَّصِيبِ. قالَ الرّاجِزُ في اقْتِسامِهِمُ الماءَ بِالدَّلْوِ:
؎لَنا ذَنُوبٌ ولَكم ذَنُوبُ فَإنْ أبَيْتُمْ فَلَنا القَلِيبُ
وَيُرْوى:
؎إنّا إذا شارَبَنا شَرِيبُ ∗∗∗ لَهُ ذَنُوبٌ ولَنا ذَنُوبُ ∗∗∗ فَإنْ أبى كانَ لَنا القَلِيبُ
وَمِن إطْلاقِ الذَّنُوبِ عَلى مُطْلَقِ النَّصِيبِ قَوْلُ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ التَّمِيمِيِّ، وقِيلَ عَبِيدٌ:
؎وَفِي كُلِّ حَيٍّ قَدْ خَبَطْتُ بِنِعْمَةٍ ∗∗∗ فَحَقَّ لِشَأْسٍ مِن نِداكَ ذَنُوبُ
وَقَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎لَعَمْرِكَ والمَنايا طارِقاتٌ ∗∗∗ لِكُلِّ بَنِي أبٍ مِنها ذَنُوبُ
فالذَّنُوبُ في البَيْتَيْنِ النَّصِيبُ، ومَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: فَإنَّ لِلَّذِينِ ظَلَمُوا بِتَكْذِيبِ (p-٤٥٠)النَّبِيِّ ﷺ ذَنُوبًا، أيْ نَصِيبًا مِن عَذابِ اللَّهِ مِثْلَ ذَنُوبِ أصْحابِهِمْ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ مِنَ العَذابِ لَمّا كَذَّبُوا رُسُلَهم.
وَهَذا المَعْنى الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ مِن كِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ قالَها الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَما أغْنى عَنْهم ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿فَأصابَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا والَّذِينَ ظَلَمُوا مِن هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر: ٥٠] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الرَّعْدِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الحَسَنَةِ وقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ﴾ [الرعد: ٦]، وفي سُورَةِ مَرْيَمَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ [مريم: ٨٤]، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.
51:60Page 523
فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوۡمِهِمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ ٦٠
And woe to those who have disbelieved from their Day which they are promised.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ .
ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن تَهْدِيدِ الكُفّارِ بِالوَيْلِ مِن يَوْمِ القِيامَةِ لِما يَنالُهم فِيهِ مِن عَذابِ النّارِ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ
• كَقَوْلِهِ تَعالى في ”ص“: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧]،
• وقَوْلِهِ في إبْراهِيمَ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِن عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ٢]،
• وقَوْلِهِ في المُرْسَلاتِ: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥]،
والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ كَلِمَةَ ووَيْلٌ، قالَ فِيها بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّها مَصْدَرٌ لا فِعْلَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، ومَعْناهُ الهَلاكُ الشَّدِيدُ، وقِيلَ: هو وادٍ في جَهَنَّمَ تَسْتَعِيذُ مِن حَرِّهِ، والَّذِي سَوَّغَ الِابْتِداءَ بِهَذِهِ النَّكِرَةِ أنَّ فِيها مَعْنى الدُّعاءِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences