Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
الطور
At-Tur
The Mount · Meccan · 49 ayahs
(p-٤٥١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
سُورَةُ الطُّورِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والطُّورِ﴾ ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ ﴿فِي رَقٍّ مَنشُورٍ﴾ ﴿والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾ ﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾ ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ ﴿ما لَهُ مِن دافِعٍ﴾ .
هَذِهِ الأقْسامُ الَّتِي أقْسَمَ اللَّهُ بِها تَعالى في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أقْسَمَ بِبَعْضِها بِخُصُوصِهِ، وأقْسَمَ بِجَمِيعِها في آيَةٍ عامَّةٍ لَها ولِغَيْرِها.
أمّا الَّذِي أقْسَمَ مِنها إقْسامًا خاصًّا فَهو الطُّورُ، والكِتابُ المَسْطُورُ، والسَّقْفُ المَرْفُوعُ، والأظْهَرُ أنَّ الطُّورَ الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى، وقَدْ أقْسَمَ اللَّهُ تَعالى بِالطُّورِ في قَوْلِهِ: ﴿والتِّينِ والزَّيْتُونِ﴾ ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ [التين: ٢١] .
والأظْهَرُ أنَّ الكِتابَ المَسْطُورَ هو القُرْآنُ العَظِيمُ، وقَدْ أكْثَرَ اللَّهُ مِنَ الإقْسامِ بِهِ في كِتابِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حم﴾ ﴿والكِتابِ المُبِينِ﴾ [الزخرف: ١ - ٢ ]، [ ٤٤ \ ١ - ٢]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يس﴾ ﴿والقُرْآنِ الحَكِيمِ﴾ [يس: ١ - ٢]، وقِيلَ: هو كِتابُ الأعْمالِ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ.
﴿والسَّقْفِ المَرْفُوعِ﴾: هو السَّماءُ، وقَدْ أقْسَمَ اللَّهُ بِها في كِتابِهِ في آياتٍ مُتَعَدِّدَةٍ
• كَقَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ الحُبُكِ﴾ [الذاريات: ٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: ١]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ [الشمس: ٥]، والرَّقُّ بِفَتْحِ الرّاءِ كُلُّ ما يُكْتَبُ فِيهِ مِن صَحِيفَةٍ وغَيْرِها، وقِيلَ هو الجِلْدُ المُرَقَّقُ لِيُكْتَبَ فِيهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مَنشُورٍ﴾ أيْ مَبْسُوطٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣]، وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنهم أنْ يُؤْتى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢] .
﴿
والبَيْتِ المَعْمُورِ﴾: هو البَيْتُ المَعْرُوفُ في السَّماءِ المُسَمّى بِالضُّراحِ بِضَمِّ الضّادِ، وقِيلَ فِيهِ مَعْمُورٌ، لِكَثْرَةِ ما يَغْشاهُ مِنَ المَلائِكَةِ المُتَعَبِّدِينَ، فَقَدْ جاءَ الحَدِيثُ: «أنَّهُ يَزُورُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ولا يَعُودُونَ إلَيْهِ بَعْدَها» .
(p-٤٥٢)وَقَوْلُهُ: ﴿والبَحْرِ المَسْجُورِ﴾ فِيهِ وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ لِلْعُلَماءِ. أحَدُهُما أنَّ المَسْجُورَ هو المُوقَدُ نارًا، قالُوا: وسَيَضْطَرِمُ البَحْرُ يَوْمَ القِيامَةِ نارًا، مِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] .
الوَجْهُ الثّانِي: هو أنَّ المَسْجُورَ بِمَعْنى المَمْلُوءِ، لِأنَّهُ مَمْلُوءٌ ماءً، ومِن إطْلاقِ المَسْجُورِ عَلى المَمْلُوءِ قَوْلُ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎فَتَوَسَّطا عُرْضَ السَّرِيِّ وصَدَّعا مَسْجُورَةً مُتَجاوِرًا قُلّامُها
فَقَوْلُهُ: مَسْجُورَةً أيْ عَيْنًا مَمْلُوءَةً ماءً، وقَوْلُ النَّمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ العُكْلِيِّ:
؎إذا شاءَ طالَعَ مَسْجُورَةً ∗∗∗ تَرى حَوْلَها النَّبْعَ والسّاسَما
وَهَذانَ الوَجْهانِ المَذْكُورانِ في مَعْنى المَسْجُورِ هُما أيْضًا في قَوْلِهِ: ﴿وَإذا البِحارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير: ٦]، وأمّا الآيَةُ العامَّةُ الَّتِي أقْسَمَ فِيها تَعالى بِما يَشْمَلُ جَمِيعَ هَذِهِ الأقْسامِ وغَيْرِها، فَهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ ﴿وَما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨ - ٣٩]، لِأنَّ الإقْسامَ في هَذِهِ الآيَةِ عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾، قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في أوَّلِ الذّارِياتِ، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
52:9Page 523
يَوۡمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوۡرٗا ٩
On the Day the heaven will sway with circular motion
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
52:12Page 523
ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي خَوۡضٖ يَلۡعَبُونَ ١٢
Who are in [empty] discourse amusing themselves.
No commentary for this ayah
52:13Page 523
يَوۡمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ١٣
The Day they are thrust toward the fire of Hell with a [violent] thrust, [its angels will say],
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ .
الدَّعُّ في لُغَةِ العَرَبِ: الدَّفْعُ بِقُوَّةٍ وعُنْفٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ اليَتِيمَ﴾، أيْ يَدْفَعُهُ عَنْ حَقِّهِ بِقُوَّةٍ وعُنْفٍ، وقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ أمْرَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ يُدْفَعُونَ إلى النّارِ بِقُوَّةٍ وعُنْفٍ يَوْمَ القِيامَةِ.
والثّانِي: أنَّهم يُقالُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ تَوْبِيخًا وتَقْرِيعًا: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] .
وَهَذانَ الأمْرانِ المَذْكُورانِ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ جاءا مُوَضَّحَيْنِ في آياتٍ أُخَرَ، أمّا (p-٤٥٣)الأخِيرُ مِنهُما، وهو كَوْنُهم يُقالُ لَهم: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤]، وقَدْ ذَكَرَهُ تَعالى في آياتٍ مِن كِتابِهِ كَقَوْلِهِ في السَّجْدَةِ: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: ٢٠]، وقَوْلِهِ في سَبَأٍ: ﴿فاليَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكم لِبَعْضٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا ونَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [سبإ: ٤٢]، وقَوْلِهِ تَعالى في المُرْسَلاتِ: ﴿انْطَلِقُوا إلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿انْطَلِقُوا إلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ ﴿لا ظَلِيلٍ ولا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ ﴿إنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كالقَصْرِ﴾، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَأمّا الأوَّلُ مِنهُما وهو كَوْنُهم يُدْفَعُونَ إلى النّارِ بِقُوَّةٍ فَقَدْ ذَكَرَهُ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في آياتٍ مِن كِتابِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذُوهُ فاعْتِلُوهُ إلى سَواءِ الجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٤٧]، أيْ جُرُّوهُ بِقُوَّةٍ وعُنْفٍ إلى وسَطِ النّارِ. والعَتْلُ في لُغَةِ العَرَبِ: الجَرُّ بِعُنْفٍ وقُوَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ:
؎لَيْسَ الكِرامُ بِناحِلِيكَ أباهم حَتّى تَرُدَّ إلى عَطِيَّةٍ تَعْتِلُ
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ [الرحمن: ٤١]، أيْ تَجْمَعُ الزَّبانِيَةُ بَيْنَ ناصِيَةِ الواحِدِ مِنهم، أيْ مُقَدَّمِ شَعْرِ رَأْسِهِ وقَدَمِهِ، ثُمَّ تَدْفَعُهُ في النّارِ بِقُوَّةٍ وشِدَّةٍ.
وَقَدْ بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - أنَّهم أيْضًا يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ في آياتٍ مِن كِتابِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ في النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: ٤٨]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالكِتابِ وبِما أرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿إذِ الأغْلالُ في أعْناقِهِمْ والسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ ﴿فِي الحَمِيمِ ثُمَّ في النّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٠ - ٧٢] .
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ - بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ ”يَوْمئِذٍ“ في قَوْلِهِ تَعالى قَبْلَهُ: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١] .
52:14Page 523
هَٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٤
"This is the Fire which you used to deny.
No commentary for this ayah
52:15Page 524
أَفَسِحۡرٌ هَٰذَآ أَمۡ أَنتُمۡ لَا تُبۡصِرُونَ ١٥
Then is this magic, or do you not see?
No commentary for this ayah
52:16Page 524
ٱصۡلَوۡهَا فَٱصۡبِرُوٓاْ أَوۡ لَا تَصۡبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٦
[Enter to] burn therein; then be patient or impatient - it is all the same for you. You are only being recompensed [for] what you used to do."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكم إنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الكُفّارَ مُعَذَّبُونَ في النّارِ لا مَحالَةَ، سَواءٌ صَبَرُوا أوْ لَمْ يَصْبِرُوا، فَلا يَنْفَعُهم في ذَلِكَ صَبْرٌ ولا جَزَعٌ، وقَدْ أوْضَحَ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا لَوْ هَدانا اللَّهُ لَهَدَيْناكم سَواءٌ عَلَيْنا أجَزِعْنا أمْ صَبَرْنا ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] .
52:17Page 524
إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَنَعِيمٖ ١٧
Indeed, the righteous will be in gardens and pleasure,
No commentary for this ayah
52:18Page 524
فَٰكِهِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ وَوَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ ١٨
Enjoying what their Lord has given them, and their Lord protected them from the punishment of Hellfire.
No commentary for this ayah
52:19Page 524
كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٩
[They will be told], "Eat and drink in satisfaction for what you used to do."
No commentary for this ayah
52:20Page 524
مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ سُرُرٖ مَّصۡفُوفَةٖۖ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ ٢٠
They will be reclining on thrones lined up, and We will marry them to fair women with large, [beautiful] eyes.
No commentary for this ayah
52:21Page 524
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيۡءٖۚ كُلُّ ٱمۡرِيِٕۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٞ ٢١
And those who believed and whose descendants followed them in faith - We will join with them their descendants, and We will not deprive them of anything of their deeds.1 Every person, for what he earned, is retained.2
(p-٤٥٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ . ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ العُمُومُ في جَمِيعِ النّاسِ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى في آياتٍ أُخَرَ أنَّ أصْحابَ اليَمِينِ خارِجُونَ مِن هَذا العُمُومِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ المُجْرِمِينَ﴾ [المدثر: ٣٨ - ٤١] .
وَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ التَّخْصِيصَ بَيانٌ، كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٤٠١)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الطُّورِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي عُمُومَ رَهْنِ كُلِّ إنْسانٍ بِعَمَلِهِ، ولَوْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ، نَظَرًا لِلشُّمُولِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِلَفْظَةِ: ”كُلُّ“، وقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى عَدَمِ شُمُولِها لِأصْحابِ اليَمِينِ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ ﴿إلّا أصْحابَ اليَمِينِ﴾ [المدثر: ٣٨ - ٣٩] .
والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ آيَةَ ”الطُّورِ“ هَذِهِ تُخَصِّصُها آيَةُ ”المُدَّثِّرِ“ .
52:22Page 524
وَأَمۡدَدۡنَٰهُم بِفَٰكِهَةٖ وَلَحۡمٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ ٢٢
And We will provide them with fruit and meat from whatever they desire.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ .
لَمْ يُذْكَرْ هُنا شَيْءٌ مِن صِفاتِ هَذِهِ الفاكِهَةِ ولا هَذا اللَّحْمِ إلّا أنَّهُ مِمّا يَشْتَهُونَ، وقَدْ بَيَّنَ صِفاتِ هَذِهِ الفاكِهَةِ في مَواضِعَ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ ﴿لا مَقْطُوعَةٍ ولا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٢ - ٣٣]، وبَيَّنَ أنَّها أنْواعٌ في مَواضِعَ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَهم فِيها مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ [محمد: ١٥]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما رُزِقُوا مِنها مِن ثَمَرَةٍ رِزْقًا قالُوا هَذا الَّذِي رُزِقْنا مِن قَبْلُ وأُتُوا بِهِ مُتَشابِهًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات: ٤١ - ٤٢]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَوَصَفَ اللَّحْمَ المَذْكُورَ بِأنَّهُ مِنَ الطَّيْرِ، والفاكِهَةَ بِأنَّها مِمّا يَتَخَيَّرُونَهُ عَلى غَيْرِهِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠ - ٢١] .
52:23Page 524
يَتَنَٰزَعُونَ فِيهَا كَأۡسٗا لَّا لَغۡوٞ فِيهَا وَلَا تَأۡثِيمٞ ٢٣
They will exchange with one another a cup [of wine] wherein [results] no ill speech or commission of sin.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ .
قَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ”لا لَغْوَ“ بِالبِناءِ عَلى الفَتْحِ، ”وَلا تَأْثِيمَ“ كَذَلِكَ لِأنَّها ”لا“ الَّتِي لِنَفْيِ الجِنْسِ فَبُنِيَتْ مَعَها، وهي إنْ كانَتْ كَذَلِكَ؛ نَصٌّ في العُمُومِ، وقَرَأهُ الباقُونَ مِنَ السَّبْعَةِ ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ بِالرَّفْعِ والتَّنْوِينِ. لِأنَّ لا النّافِيَةَ لِلْجِنْسِ إذا تَكَرَّرَتْ كَما هُنا جازَ إعْمالُها وإهْمالُها، والقِراءَتانِ في الآيَةِ فِيهِما المِثالُ لِلْوَجْهَيْنِ، وإعْمالُها كَثِيرٌ، ومِن شَواهِدِ إهْمالِها قِراءَةُ الجُمْهُورِ في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وَما هَجَرْتُكِ حَتّى قُلْتِ مُعْلِنَةً لا ناقَةٌ لِي في هَذا ولا جُمَلٌ
وَقَوْلُهُ: ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا﴾: أيْ يَتَعاطَوْنَ، ويَتَناوَلُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ. ”كَأْسًا“ أيْ خَمْرًا، فالتَّنازُعُ يُطْلَقُ لُغَةً عَلى كُلِّ تَعاطٍ وتَناوُلٍ، فَكُلُّ قَوْمٍ يُعْطِي بَعْضُهم بَعْضًا شَيْئًا (p-٤٥٥)وَيُناوِلُهُ إيّاهُ، فَهم يَتَنازَعُونَهُ كَتَنازُعِ كُئُوسِ الشَّرابِ والكَلامِ، وهَذا المَعْنى مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ.
وَمِنهُ في الشَّرابِ قَوْلُ الأخْطَلِ:
؎وَشارِبٌ مُرْبِحٌ بِالكَأْسِ نادَمَنِي ∗∗∗ لا بِالحَصُورِ ولا فِيها بِسَوّارِ
؎نازَعْتُهُ طَيِّبَ الرّاحِ الشُّمُولِ وقَدْ ∗∗∗ صاحَ الدَّجاجُ وحانَتْ وقْعَةُ السّارِ
فَقَوْلُهُ: نازَعْتُهُ طَيِّبَ الرّاحِ: أيْ ناوَلْتُهُ كُئُوسَ الخَمْرِ وناوَلْنِيها، ومِنهُ في الكَلامِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎وَلِمّا تَنازَعْنا الحَدِيثَ وأسْمَحَتْ ∗∗∗ هَصَرَتْ بِغُصْنٍ ذِي شَمارِيخَ مَيّالِ
والكَأْسُ تُطْلَقُ عَلى إناءِ الخَمْرِ، ولا تَكادُ العَرَبُ تُطْلِقُ الكَأْسَ إلّا عَلى الإناءِ المَمْلُوءِ، وهي مُؤَنَّثَةٌ، وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ يَعْنِي أنَّ خَمْرَ الجَنَّةِ الَّتِي يَتَعاطاها المُؤْمِنُونَ فِيها مُخالِفَةٌ في جَمِيعِ الصِّفاتِ لِخَمْرِ الدُّنْيا، فَخَمْرُ الآخِرَةِ لا لَغْوَ فِيها، واللَّغْوُ كُلُّ كَلامٍ ساقِطٍ لا خَيْرَ فِيهِ، فَخَمْرُ الآخِرَةِ لا تَحْمِلُ شارِبِيها عَلى الكَلامِ الخَبِيثِ والهَذَيانِ، لِأنَّها لا تُؤَثِّرُ في عُقُولِهِمْ بِخِلافِ خَمْرِ الدُّنْيا، فَإنَّهم إنْ يَشْرَبُوها سَكِرُوا وطاشَتْ عُقُولُهم، فَتَكَلَّمُوا بِالكَلامِ الخَبِيثِ والهَذَيانِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِنَ اللَّغْوِ.
والتَّأْثِيمُ: هو ما يُنْسَبُ بِهِ فاعِلُهُ إلى الإثْمِ، فَخَمْرُ الآخِرَةِ لا يَأْثَمُ شارِبُها بِشُرْبِها، لِأنَّها مُباحَةٌ لَهُ، فَنَعِمَ بِلَذَّتِها كَما قالَ تَعالى: ﴿وَأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥]، ولا تَحْمِلُ شارِبَها عَلى أنْ يَفْعَلَ إثْمًا بِخِلافِ خَمْرِ الدُّنْيا، فَشارِبُها يَأْثَمُ بِشُرْبِها ويَحْمِلُهُ السُّكْرُ عَلى الوُقُوعِ في المُحْرِماتِ كالقَتْلِ والزِّنا والقَذْفِ.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن مُخالَفَةِ خَمْرِ الآخِرَةِ لِخَمْرِ الدُّنْيا، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ ﴿لا فِيها غَوْلٌ ولا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: ٤٥ - ٤٧]، وقَوْلِهِ: ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾: أيْ لَيْسَ فِيها غَوْلٌ يَغْتالُ العُقُولَ فَيُذْهِبُها كَخَمْرِ الدُّنْيا. ﴿وَلا هم عَنْها يُنْزَفُونَ﴾: أيْ لا يَسْكَرُونَ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٧ - ١٩]، (p-٤٥٦)وَقَوْلُهُ: ﴿لا يُصَدَّعُونَ﴾ أيْ لا يُصِيبُهُمُ الصُّداعُ الَّذِي هو وجَعُ الرَّأْسِ بِسَبَبِها.
وَقَدْ أوْضَحْنا مَعْنى هَذِهِ الآياتِ في صِفَةِ خَمْرِ الآخِرَةِ، وبَيَّنّا أنَّها مُخالِفَةٌ في جَمِيعِ الصِّفاتِ لِخَمْرِ الدُّنْيا، وذَكَرْنا الشَّواهِدَ العَرَبِيَّةَ في ذَلِكَ في سُورَةِ المائِدَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٩٠] .
52:24Page 524
۞ وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ غِلۡمَانٞ لَّهُمۡ كَأَنَّهُمۡ لُؤۡلُؤٞ مَّكۡنُونٞ ٢٤
There will circulate among them [servant] boys [especially] for them, as if they were pearls well-protected.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ ”غِلْمانٌ“ جَمْعُ غُلامٍ، أيْ خَدَمٌ لَهم، وقَدْ قَدَّمْنا إطْلاقاتِ الغُلامِ وشَواهِدَها العَرَبِيَّةَ في سُورَةِ الحِجْرِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا لا تَوْجَلْ إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الحجر: ٥٣] .
وَلَمْ يُبَيِّنْ هُنا ما يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِهِ، وذَكَرَ هُنا حُسْنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ في أصْدافِهِ، لِأنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ في صَفائِهِ وحُسْنِهِ، وقِيلَ: ”مَكْنُونٌ“ أيْ مَخْزُونٍ لِنَفاسَتِهِ، لِأنَّ النَّفِيسَ هو الَّذِي يُخْزَنُ ويُكَنُّ.
وَبَيَّنَ تَعالى في الواقِعَةِ بَعْضَ ما يَطُوفُونَ عَلَيْهِمْ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ ﴿بِأكْوابٍ وأبارِيقَ وكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٧ - ١٨]، وزادَ في هَذِهِ الآيَةِ كَوْنَهم مُخَلَّدِينَ، وذَكَرَ بَعْضَ ما يُطافُ عَلَيْهِمْ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ﴾ ﴿وَأكْوابٍ﴾ [الإنسان: ١٥ - ١٦]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَ﴾ ﴿قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان: ١٥ - ١٦] .
والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ المَحْذُوفَ في قَوْلِهِ: ﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ﴾ في آيَةِ الزُّخْرُفِ والإنْسانِ المَذْكُورَتَيْنِ هو الغِلْمانُ المَذْكُورُونَ في الطُّورِ والواقِعَةِ، وذَكَرَ بَعْضَ صِفاتِ هَؤُلاءِ الغِلْمانِ في الإنْسانِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ إذا ﴿رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ [الإنسان: ١٩] .
52:25Page 524
وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٢٥
And they will approach one another, inquiring of each other.
No commentary for this ayah
52:26Page 524
قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا قَبۡلُ فِيٓ أَهۡلِنَا مُشۡفِقِينَ ٢٦
They will say, "Indeed, we were previously among our people fearful [of displeasing Allāh].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا إنّا كُنّا قَبْلُ في أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا ووَقانا عَذابَ السَّمُومِ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يَسْألُ بَعْضُهم بَعْضًا، وأنَّ (p-٤٥٧)المَسْئُولَ عَنْهم يَقُولُ لِلسّائِلِ: ﴿إنّا كُنّا قَبْلُ﴾ أيْ في دارِ الدُّنْيا ﴿فِي أهْلِنا مُشْفِقِينَ﴾ أيْ خائِفِينَ مِن عَذابِ اللَّهِ، ونَحْنُ بَيْنَ أهْلِنا أحْياءٌ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ أيْ أكْرَمَنا، وتَفَضَّلَ عَلَيْنا بِسَبَبِ الخَوْفِ مِنهُ في دارِ الدُّنْيا فَهَدانا، ووَفَّقَنا في الدُّنْيا ووَقانا في الآخِرَةِ عَذابَ السَّمُومِ، والسَّمُومُ النّارُ ولَفْحُها ووَهَجُها، وأصْلُهُ الرِّيحُ الحارَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ المَسامَّ، والجَمْعُ سَمائِمُ. ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ:
؎أنامِلُ لَمْ تَضْرِبْ عَلى البُهْمِ بِالضُّحى بِهِنَّ ووَجْهٌ لَمْ تَلُحْهُ السَّمائِمُ
وَقَدْ يُطْلَقُ السَّمُومُ عَلى الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ البَرْدِ، ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
اليَوْمُ يَوْمٌ بارِدٌ سَمُومُهُ مَن جَزِعَ اليَوْمَ فَلا ألُومُهُ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا﴾ تَدُلُّ عَلى أنَّ عِلَّةَ ذَلِكَ هي الخَوْفُ مِنَ اللَّهِ في دارِ الدُّنْيا، وما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّ الإشْفاقَ الَّذِي هو الخَوْفُ الشَّدِيدُ مِن عَذابِ اللَّهِ في دارِ الدُّنْيا سَبَبٌ لِلسَّلامَةِ مِنهُ في الآخِرَةِ - يُفْهَمُ مِن دَلِيلِ خِطابِهِ، أعْنِي مَفْهُومَ مُخالَفَتِهِ: أنَّ مَن لَمْ يَخَفْ مِن عَذابِ اللَّهِ في الدُّنْيا لَمْ يَنْجُ مِنهُ في الآخِرَةِ.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بِمَنطُوقِها ومَفْهُومِها جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضُوعِ. فَذَكَرَ تَعالى أنَّ السُّرُورَ في الدُّنْيا وعَدَمَ الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ سَبَبُ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ وراءَ ظَهْرِهِ﴾ ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾ الآيَةَ [الإنشقاق: ١٠ - ١٤] .
وَقَدْ تَقَرَّرَ في مَسْلَكِ الإيماءِ والتَّنْبِيهِ أنَّ ”إنَّ“ المَكْسُورَةَ المُشَدَّدَةَ مِن حُرُوفِ التَّعْلِيلِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ كانَ في أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا﴾ ﴿وَيَصْلى سَعِيرًا﴾ .
والمَسْرُورُ في أهْلِهِ في دارِ الدُّنْيا لَيْسَ بِمُشْفِقٍ ولا خائِفٍ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: ﴿إنَّهُ ظَنَّ أنْ لَنْ يَحُورَ﴾؛ لِأنَّ مَعْناهُ: ظَنَّ أنْ لَنْ يَرْجِعَ إلى اللَّهِ حَيًّا يَوْمَ القِيامَةِ، ولا شَكَّ أنَّ مَن ظَنَّ أنَّهُ لا يُبْعَثُ بَعْدَ المَوْتِ لا يَكُونُ مُشْفِقًا في أهْلِهِ خَوْفًا مِنَ العَذابِ، لِأنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِالحِسابِ والجَزاءِ. وكَوْنُ ﴿لَنْ يَحُورَ﴾ بِمَعْنى لَنْ يَرْجِعَ - مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ مُهَلْهَلِ بْنِ رَبِيعَةَ التَّغْلَبِيِّ:(p-٤٥٨)
؎ألَيْلَتَنا بِذِي حَسْمٍ أنِيرِي ∗∗∗ إذا أنْتِ انْقَضَيْتِ فَلا تَحُورِي
فَقَوْلُهُ: فَلا تَحُورِي، أيْ فَلا تَرْجِعِي.
وَقَوْلُ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ العامِرِيِّ:
؎وَما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْئِهِ ∗∗∗ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ ما هو ساطِعٌ
أيْ يَرْجِعُ رَمادًا، وقِيلَ: يَصِيرُ، والمَعْنى واحِدٌ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ ﴿وَظِلٍّ مِن يَحْمُومٍ﴾ ﴿لا بارِدٍ ولا كَرِيمٍ﴾ ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ ﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾ ﴿وَكانُوا يَقُولُونَ أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أئِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ الآيَةَ [الواقعة: ٤١ - ٤٧]، لِأنَّ تَنَعُّمَهم في الدُّنْيا المَذْكُورَ في قَوْلِهِ: ﴿مُتْرَفِينَ﴾، وإنْكارَهم لِلْبَعْثِ المَذْكُورَ في قَوْلِهِ: ﴿أئِذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا﴾ الآيَةَ - دَلِيلٌ عَلى عَدَمِ إشْفاقِهِمْ في الدُّنْيا، وهو عِلَّةُ كَوْنِهِمْ في سَمُومٍ وحَمِيمٍ.
وَقَدْ قَدَّمْنا قَرِيبًا أنَّ ”إنَّ“ المَكْسُورَةَ المُشَدَّدَةَ مِن حُرُوفِ التَّعْلِيلِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم كانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ الآيَةَ - عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ الآيَةَ.
وَقَدْ ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - أنَّ الإشْفاقَ مِن عَذابِ اللَّهِ مِن أسْبابِ دُخُولِ الجَنَّةِ والنَّجاةِ مِنَ العَذابِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ مَنطُوقُ آيَةِ الطُّورِ هَذِهِ، قالَ تَعالى في المَعارِجِ: ﴿والَّذِينَ هم مِن عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ في جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ الآياتِ [النمل: ٣٥]، وذَكَرَ ذَلِكَ مِن صِفاتِ أهْلِ الجَنَّةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ هم مِن خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وهم لَها سابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١]، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١٢] .
وَقَوْلُهُ في آيَةِ الواقِعَةِ المَذْكُورَةِ: ﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلى الحِنْثِ العَظِيمِ﴾، أيْ يُدِيمُونَ ويَعْزِمُونَ عَلى الذَّنْبِ الكَبِيرِ، كالشِّرْكِ وإنْكارِ البَعْثِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالحِنْثِ حِنْثُهم في اليَمِينِ الفاجِرَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ﴾ [النحل: ٣٨] .
52:27Page 524
فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ ٢٧
So Allāh conferred favor upon us and protected us from the punishment of the Scorching Fire.
No commentary for this ayah
52:28Page 524
إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلُ نَدۡعُوهُۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡبَرُّ ٱلرَّحِيمُ ٢٨
Indeed, we used to supplicate1 Him before. Indeed, it is He who is the Beneficent, the Merciful."
No commentary for this ayah
52:29Page 524
فَذَكِّرۡ فَمَآ أَنتَ بِنِعۡمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٖ وَلَا مَجۡنُونٍ ٢٩
So remind, [O Muḥammad], for you are not, by the favor of your Lord, a soothsayer or a madman.
(p-٤٥٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ ولا مَجْنُونٍ﴾ ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ .
نَفى اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ الكَرِيمَتَيْنِ ثَلاثَ صِفاتٍ قَبِيحَةٍ عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ رَماهُ بِها الكُفّارُ، وهي الكِهانَةُ والجُنُونُ والشِّعْرُ، أمّا دَعْواهم أنَّهُ كاهِنٌ أوْ مَجْنُونٌ، فَقَدْ نَفاها صَرِيحًا بِحَرْفِ النَّفْيِ الَّذِي هو ”ما“ في قَوْلِهِ: ﴿فَما أنْتَ﴾ وأُكِّدَ النَّفْيُ بِالباءِ في قَوْلِهِ: بِكاهِنٍ وأمّا كَوْنُهُ شاعِرًا فَقَدْ نَفاهُ ضِمْنًا بِأمِ المُنْقَطِعَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ﴾، لِأنَّها تَدُلُّ عَلى الإضْرابِ والإنْكارِ المُتَضَمِّنِ مَعْنى النَّفْيِ.
وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ بِنَفْيِ هَذِهِ الصِّفاتِ عَنْهُ ﷺ كَقَوْلِهِ تَعالى في نَفْيِ الجُنُونِ عَنْهُ في أوَّلِ القَلَمِ: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢]، وقَوْلِهِ في التَّكْوِيرِ: ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢]، وكَقَوْلِهِ في نَفْيِ الصِّفَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ أعْنِي الكِهانَةَ والشِّعْرَ: ﴿وَما هو بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤١ - ٤٢]، وقَدْ قَدَّمْنا بَعْضَ الكَلامِ عَلى هَذا في سُورَةِ الشُّعَراءِ وغَيْرِها.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ﴾ [الطور: ٣٠]، أيْ نَنْتَظِرُ بِهِ حَوادِثَ الدَّهْرِ، حَتّى يَحْدُثَ لَهُ مِنها المَوْتُ، فالمَنُونُ: الدَّهْرُ، ورَيْبُهُ: حَوادِثُهُ الَّتِي يَطْرَأُ فِيها الهَلاكُ والتَّغْيِيرُ، والتَّحْقِيقُ أنَّ الدَّهْرَ هو المُرادُ في قَوْلِ أبِي ذُؤَيْبٍ الهُذَلِيِّ:
؎أمِنَ المَنُونِ ورَيْبِهِ تَتَوَجَّعُ والدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ
لِأنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ورَيْبِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المَنُونَ الدَّهْرُ، ومِن ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُ الآخَرِ:
؎تَرَبَّصْ بِها رَيْبَ المَنُونِ ∗∗∗ لَعَلَّها تُطَلَّقُ يَوْمًا أوْ يَمُوتُ حَلِيلُها
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المَنُونُ في الآيَةِ المَوْتُ، وإطْلاقُ المَنُونِ عَلى المَوْتِ مَعْرُوفٌ في كَلامِ العَرَبِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي الغَوْلِ الطُّهَوِيِّ:
؎هم مَنَعُوا حِمى الوَقْبى بِضَرْبٍ ∗∗∗ يُؤَلَّفُ بَيْنَ أشْتاتِ المَنُونِ
لِأنَّ الَّذِينَ ماتُوا عِنْدَ ذَلِكَ الماءِ المُسَمّى بِالوَقْبى، جاءُوا مِن جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَجَمَعَ المَوْتُ بَيْنَهم في مَحِلٍّ واحِدٍ، ولَوْ ماتُوا في بِلادِهِمْ لَكانَتْ مَناياهم في بِلادٍ شَتّى.
52:30Page 524
أَمۡ يَقُولُونَ شَاعِرٞ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيۡبَ ٱلۡمَنُونِ ٣٠
Or do they say [of you], "A poet for whom we await a misfortune of time"?1
No commentary for this ayah
52:31Page 524
قُلۡ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُتَرَبِّصِينَ ٣١
Say, "Wait, for indeed I am, with you, among the waiters."
No commentary for this ayah
52:32Page 525
أَمۡ تَأۡمُرُهُمۡ أَحۡلَٰمُهُم بِهَٰذَآۚ أَمۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ ٣٢
Or do their minds1 command them to [say] this, or are they a transgressing people?
No commentary for this ayah
52:33Page 525
أَمۡ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُۥۚ بَل لَّا يُؤۡمِنُونَ ٣٣
Or do they say, "He has made it up"? Rather, they do not believe.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences