Ash-ShinqitiAn‑Najm · 53:33–62

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

An-Najm 53:33–62

53:33Page 527

أَفَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ ٣٣

Have you seen the one who turned away

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ ﴿وَأعْطى قَلِيلًا وأكْدى﴾ ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ ﴿أمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما في صُحُفِ مُوسى﴾ ﴿وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ ﴿وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ ﴿ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى﴾ .

قَوْلُهُ: تَوَلّى: أيْ رَجَعَ وأدْبَرَ عَنِ الحَقِّ، وقَوْلُهُ: ﴿وَأعْطى قَلِيلًا﴾، قالَ بَعْضُهم: قَلِيلًا مِنَ المالِ، وقالَ بَعْضُهم: أعْطى قَلِيلًا مِنَ الكَلامِ الطَّيِّبِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَأكْدى﴾ أيْ قَطَعَ ذَلِكَ العَطاءَ ولَمْ يُتِمَّهُ، وأصْلُهُ مَن أكْدى صاحِبُ الحَفْرِ إذا انْتَهى في حَفْرِهِ إلى (p-٤٦٨)صَخْرَةٍ لا يَقْدِرُ عَلى الحَفْرِ فِيها، وأصْلُهُ مِنَ الكُدْيَةِ وهي الحِجارَةُ تَعْتَرِضُ حافِرَ البِئْرِ ونَحْوَهُ فَتَمْنَعُهُ الحَفْرَ، وهَذا الَّذِي أعْطى قَلِيلًا وأكْدى اخْتَلَفَ فِيهِ العُلَماءُ، فَقِيلَ: هو الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ قارَبَ أنْ يُؤْمِنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَعَيَّرَهُ بَعْضُ المُشْرِكِينَ، فَقالَ: أتَرَكْتَ دِينَ الأشْياخِ وضَلَّلْتَهم ؟ قالَ: إنِّي خَشِيتُ عَذابَ اللَّهِ، فَضَمِنَ لَهُ الَّذِي عاتَبَهُ إنْ هو أعْطاهُ كَذا مِن مالِهِ ورَجَعَ إلى شِرْكِهِ أنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ عَذابَ اللَّهِ، فَرَجَعَ الوَلِيدُ إلى الشِّرْكِ وأعْطى الَّذِي عَيَّرَهُ بَعْضَ ذَلِكَ المالِ الَّذِي ضَمِنَ ومَنَعَهُ تَمامَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ الآيَةَ.

وَعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: تَوَلّى: أيِ الوَلِيدُ عَنِ الإسْلامِ بَعْدَ أنْ قارَبَ، وأعْطى قَلِيلًا مِنَ المالِ لِلَّذِي ضَمِنَ لَهُ أنْ يَتَحَمَّلَ عَنْهُ ذُنُوبَهُ. ﴿وَأكْدى﴾: أيْ بَخِلَ عَلَيْهِ بِالباقِي، وقِيلَ: أعْطى قَلِيلًا مِنَ الكَلامِ الطَّيِّبِ كَمَدْحِهِ لِلْقُرْآنِ، واعْتِرافِهِ بِصِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ، ”وَأكْدى“ أيِ انْقَطَعَ عَنْ ذَلِكَ ورَجَعَ عَنْهُ. وقِيلَ: هو العاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، كانَ رُبَّما وافَقَ النَّبِيَّ ﷺ في بَعْضِ الأُمُورِ، وذَلِكَ هو مَعْنى إعْطائِهِ القَلِيلَ ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْ ذَلِكَ، وهو مَعْنى إكْدائِهِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ ولَمْ يَنْسَجِمْ مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ﴾ الآيَةَ [النجم: ٣٥]

وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ أبُو جَهْلٍ، قالَ: واللَّهِ ما يَأْمُرُنا مُحَمَّدٌ ﷺ إلّا بِمَكارِمِ الأخْلاقِ، وذَلِكَ مَعْنى إعْطائِهِ قَلِيلًا، وقَطْعُهُ لِذَلِكَ مَعْرُوفٌ.

واقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى أنَّهُ عُثْمانُ بْنُ عَفّانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: رُوِيَ أنَّ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ كانَ يُعْطِي مالَهُ في الخَيْرِ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أبِي سَرْحٍ، وهو أخُوهُ مِنَ الرَّضاعَةِ: يُوشِكُ ألّا يَبْقى لَكَ شَيْءٌ. فَقالَ عُثْمانُ: إنَّ لِي ذُنُوبًا وخَطايا، وإنِّي أطْلُبُ بِما أصْنَعُ رِضا اللَّهِ تَعالى، وأرْجُو عَفْوَهُ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: أعْطِنِي ناقَتَكَ بِرَحْلِها، وأنا أتَحَمَّلُ عَنْكَ ذُنُوبَكَ كُلَّها، فَأعْطاهُ وأشْهَدَ عَلَيْهِ، وأمْسَكَ عَنِ العَطاءِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وَمَعْنى ”تَوَلّى“ تَرَكَ المَرْكَزَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَعادَ عُثْمانُ إلى أحْسَنَ مِن ذَلِكَ وأجْمَلَ. انْتَهى مِنهُ.

وَلا يَخْفى سُقُوطُ هَذا القَوْلِ وبُطْلانُهُ، وأنَّهُ غَيْرُ لائِقٍ بِمَنصِبِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ الكَرِيمَةُ سَبْعَةَ أُمُورٍ:

(p-٤٦٩)الأوَّلُ: إنْكارُ عِلْمِ الغَيْبِ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالهَمْزَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ﴾ والمُرادُ نَفْيُ عِلْمِهِ لِلْغَيْبِ.

الثّانِي: أنَّ لِكُلٍّ مِن إبْراهِيمَ ومُوسى صُحُفًا لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِيها هَذا الكافِرُ.

الثّالِثُ: أنَّ إبْراهِيمَ وفّى، أيْ أتَمَّ القِيامَ بِالتَّكالِيفِ الَّتِي كَلَّفَهُ رَبُّهُ بِها.

الرّابِعُ: أنَّ في تِلْكَ الصُّحُفِ أنَّهُ ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ .

الخامِسُ: أنَّ فِيها أيْضًا أنَّهُ ﴿لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ .

السّادِسُ: ﴿وَأنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾ .

السّابِعُ: أنَّهُ ﴿يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى﴾، أيِ الأكْمَلَ الأتَمَّ.

وَهَذِهِ الأُمُورُ السَّبْعَةُ قَدْ جاءَتْ كُلُّها مُوَضَّحَةً في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

أمّا الأوَّلُ مِنها، وهو عَدَمُ عِلْمِهِمُ الغَيْبَ، فَقَدْ ذَكَرَهُ تَعالى في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ عِنْدَهُمُ الغَيْبُ فَهم يَكْتُبُونَ﴾ [القلم: ٤٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أحَدًا﴾ ﴿إلّا مَنِ ارْتَضى مِن رَسُولٍ﴾ الآيَةَ [الجن: ٢٦]

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]،

والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ، وقَدْ قَدَّمْناها مِرارًا.

والثّانِي: الَّذِي هو أنَّ لِإبْراهِيمَ ومُوسى صُحُفًا لَمْ يَكُنْ هَذا المُتَوَلِّي المُعْطِي قَلِيلًا المُكْدِي عالِمًا بِها، ذَكَرَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَفي الصُّحُفِ الأُولى﴾ ﴿صُحُفِ إبْراهِيمَ ومُوسى﴾ [الأعلى: ١٨ - ١٩] .

والثّالِثُ مِنها: وهو إبْراهِيمُ وفّى تَكالِيفَهُ، فَقَدْ ذَكَرَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ الأصَحَّ في الكَلِماتِ الَّتِي ابْتُلِيَ بِها أنَّها التَّكالِيفُ.

وَأمّا الرّابِعُ مِنها: وهو أنَّهُ ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، فَقَدْ ذَكَرَهُ تَعالى في آياتٍ مِن كِتابِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا ولْنَحْمِلْ خَطاياكم وما هم بِحامِلِينَ مِن خَطاياهم مِن شَيْءٍ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [العنكبوت: ١٢]، (p-٤٧٠)وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وإنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنهُ شَيْءٌ ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ [فاطر: ١٨] .

وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا، والجَوابُ عَمّا يَرِدُ عَلَيْها مِنَ الإشْكالِ في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وذَكَرْنا وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ الآياتِ الوارِدَةِ في ذَلِكَ في سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن أوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهم بِغَيْرِ عِلْمٍ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥] .

وَأمّا الخامِسُ مِنها: وهو أنَّهُ ﴿لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾، فَقَدْ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ أحْسَنْتُمْ أحْسَنْتُمْ لِأنْفُسِكم وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا فَلِنَفْسِهِ ومَن أساءَ فَعَلَيْها﴾ [الجاثية: ١٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَمَن عَمِلَ صالِحًا فَلِأنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤]،

والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ لا يَسْتَحِقُّ أجْرًا إلّا عَلى سَعْيِهِ بِنَفْسِهِ، ولَمْ تَتَعَرَّضْ هَذِهِ الآيَةُ لِانْتِفاعِهِ بِسَعْيِ غَيْرِهِ بِنَفْيٍ ولا إثْباتٍ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ قَدْ دَلَّتِ اللّامُ فِيهِ عَلى أنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ ولا يَمْلِكُ شَيْئًا إلّا بِسَعْيِهِ، ولَمْ تَتَعَرَّضْ لِنَفْيِ الِانْتِفاعِ بِما لَيْسَ مِلْكًا لَهُ ولا مُسْتَحَقًّا لَهُ.

وَقَدْ جاءَتْ آيَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَنْتَفِعُ بِسَعْيِ غَيْرِهِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١] .

وَقَدْ أوْضَحْنا وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ﴾ الآيَةَ في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ في سُورَةِ النَّجْمِ، وقُلْنا فِيهِ ما نَصُّهُ: والجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ إنَّما دَلَّتْ عَلى نَفْيِ مِلْكِ الإنْسانِ لِغَيْرِ سَعْيِهِ، ولَمْ تَدُلَّ عَلى نَفْيِ انْتِفاعِهِ بِسَعْيِ غَيْرِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ: وأنْ لَنْ يَنْتَفِعَ الإنْسانُ إلّا بِما سَعى، وإنَّما قالَ: (p-٤٧١)﴿وَأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ﴾، وبَيْنَ الأمْرَيْنِ فَرْقٌ ظاهِرٌ، لِأنَّ سَعْيَ الغَيْرِ مِلْكٌ لِساعِيهِ إنْ شاءَ بَذَلَهُ لِغَيْرِهِ فانْتَفَعَ بِهِ ذَلِكَ الغَيْرُ، وإنْ شاءَ أبْقاهُ لِنَفْسِهِ.

وَقَدْ أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى انْتِفاعِ المَيِّتِ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ والدُّعاءِ لَهُ والحَجِّ عَنْهُ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا ثَبَتَ الِانْتِفاعُ بِعَمَلِ الغَيْرِ فِيهِ.

الثّانِي: أنَّ إيمانَ الذُّرِّيَّةِ هو السَّبَبُ الأكْبَرُ في رَفْعِ دَرَجاتِهِمْ، إذْ لَوْ كانُوا كُفّارًا لَما حَصَلَ لَهم ذَلِكَ. فَإيمانُ العَبْدِ وطاعَتُهُ سَعْيٌ مِنهُ في انْتِفاعِهِ بِعَمَلِ غَيْرِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ، كَما وقَعَ في الصَّلاةِ في الجَماعَةِ، فَإنَّ صَلاةَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ يَتَضاعَفُ بِها الأجْرُ زِيادَةً عَلى صَلاتِهِ مُنْفَرِدًا، وتِلْكَ المُضاعَفَةُ انْتِفاعٌ بِعَمَلِ الغَيْرِ، سَعى فِيهِ المُصَلِّي بِإيمانِهِ وصَلاتِهِ في الجَماعَةِ، وهَذا الوَجْهُ يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ﴾ .

الثّالِثُ: أنَّ السَّعْيَ الَّذِي حَصَلَ بِهِ رَفْعُ دَرَجاتِ الأوْلادِ لَيْسَ لِلْأوْلادِ كَما هو نَصُّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ ولَكِنَّ مِن سَعْيِ الآباءِ فَهو سَعْيٌ لِلْآباءِ أقَرَّ اللَّهُ عُيُونَهم بِسَبَبِهِ، بِأنْ رَفَعَ إلَيْهِمْ أوْلادَهم لِيَتَمَتَّعُوا في الجَنَّةِ بِرُؤْيَتِهِمْ.

فالآيَةُ تُصَدِّقُ الأُخْرى ولا تُنافِيها، لِأنَّ المَقْصُودَ بِالرَّفْعِ إكْرامُ الآباءِ لا الأوْلادُ، فانْتِفاعُ الأوْلادِ تَبَعٌ فَهو بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ تَفَضَّلٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِما لَيْسَ لَهم، كَما تَفَضَّلَ بِذَلِكَ عَلى الوِلْدانِ والحُورِ العِينِ والخَلْقِ الَّذِينَ يُنْشُؤُهم لِلْجَنَّةِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. ا هـ مِنهُ.

والأمْرُ السّادِسُ والسّابِعُ: وهُما أنَّ عَمَلَهُ سَوْفَ يُرى، ثُمَّ يُجْزاهُ الجَزاءَ الأوْفى، فَقَدْ جاءا مُوَضَّحَيْنِ في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٨ - ٩] .

وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] .

وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] .

(p-٤٧٢)وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿فَهُوَ يَرى﴾ أيْ يَعْلَمُ ذَلِكَ الغَيْبَ، والآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ لا يَخْلُو مِن إعْطاءِ شَيْءٍ في مُقابَلَةِ تَحَمُّلِ الذُّنُوبِ عَمَّنْ أعْطى لِأنَّ فاعِلَ ذَلِكَ لَيْسَ عِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَيَعْلَمُ بِهِ أنَّ الَّذِي ضَمِنَ لَهُ تَحَمُّلَ ذُنُوبِهِ بِفِعْلِ ذَلِكَ، ولَمْ يُنَبَّأْ بِما في الصُّحُفِ الأُولى، مِن أنَّهُ ﴿ألّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ أيْ لا تَتَحَمَّلُ نَفْسٌ ذَنْبَ نَفْسٍ أُخْرى.

وَقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَهُ مُوَضَّحًا في سُورَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وأنَّهُ لا يَمْلِكُ الإنْسانُ ولا يَسْتَحِقُّ إلّا سَعْيَ نَفْسِهِ، وقَدِ اتَّضَحَ بِذَلِكَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ أنْ يَتَحَمَّلَ إنْسانٌ ذُنُوبَ غَيْرِهِ، وقَدْ دَلَّتْ عَلى ذَلِكَ آياتٌ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.

وَقالَ أبُو حَيّانَ في البَحْرِ: أفَرَأيْتَ بِمَعْنى أخْبِرْنِي، والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو المَوْصُولُ وصِلَتُهُ. والمَفْعُولُ الثّانِي هو جُمْلَةُ ﴿أعِنْدَهُ عِلْمُ الغَيْبِ فَهو يَرى﴾ .

53:34Page 527

وَأَعۡطَىٰ قَلِيلٗا وَأَكۡدَىٰٓ ٣٤

And gave a little and [then] refrained?

No commentary for this ayah

53:35Page 527

أَعِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلۡغَيۡبِ فَهُوَ يَرَىٰٓ ٣٥

Does he have knowledge of the unseen, so he sees?1

No commentary for this ayah

53:36Page 527

أَمۡ لَمۡ يُنَبَّأۡ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ ٣٦

Or has he not been informed of what was in the scriptures of Moses

No commentary for this ayah

53:37Page 527

وَإِبۡرَٰهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰٓ ٣٧

And [of] Abraham, who fulfilled [his obligations] -

No commentary for this ayah

53:38Page 527

أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ ٣٨

That no bearer of burdens will bear the burden of another

No commentary for this ayah

53:39Page 527

وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ٣٩

And that there is not for man except that [good] for which he strives

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ .

هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَنْتَفِعُ أحَدٌ بِعَمَلِ غَيْرِهِ.

وَقَدْ جاءَتْ آيَةٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى أنَّ بَعْضَ النّاسِ رُبَّما انْتَفَعَ بِعَمَلِ غَيْرِهِ وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ﴾ الآيَةَ [الطور: ٢١]، فَرَفْعُ دَرَجاتِ الأوْلادِ سَواءٌ قُلْنا: إنَّهُمُ الكِبارُ أوِ الصِّغارُ نَفْعٌ حاصِلٌ لَهم، وإنَّما حَصَلَ لَهم بِعَمَلِ آبائِهِمْ لا بِعَمَلِ أنْفُسِهِمْ.

اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن أنَّ هَذا كانَ شَرْعًا لِمَن قَبْلَنا، فَنُسِخَ في شَرْعِنا غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ آيَةُ: وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ مُحْكَمَةٌ، كَما أنَّ القَوْلَ بِأنَّ المُرادَ بِالإنْسانِ خُصُوصُ الكافِرِ غَيْرُ صَحِيحٍ أيْضًا.

والجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ إنَّما دَلَّتْ عَلى نَفْيِ مِلْكِ الإنْسانِ لِغَيْرِ سَعْيِهِ، ولَمْ تَدُلَّ عَلى نَفْيِ انْتِفاعِهِ بِسَعْيِ غَيْرِهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ وأنْ لَنْ يَنْتَفِعَ الإنْسانُ إلّا بِما سَعى، وإنَّما قالَ: وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ. وبَيْنَ الأمْرَيْنِ فَرْقٌ ظاهِرٌ، لِأنَّ سَعْيَ الغَيْرِ مِلْكٌ لِساعِيهِ، إنْ شاءَ بَذَلَهُ لِغَيْرِهِ فانْتَفَعَ بِهِ ذَلِكَ الغَيْرُ، وإنْ شاءَ أبْقاهُ لِنَفْسِهِ.

وَقَدْ أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى انْتِفاعِ المَيِّتِ بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ والدُّعاءِ لَهُ والحَجِّ عَنْهُ ونَحْوِ ذَلِكَ، مِمّا ثَبَتَ الِانْتِفاعُ بِعَمَلِ الغَيْرِ فِيهِ.

(p-٤٠٤)الثّانِي: أنَّ إيمانَ الذُّرِّيَّةِ هو السَّبَبُ الأكْبَرُ في رَفْعِ دَرَجاتِهِمْ، إذْ لَوْ كانُوا كُفّارًا لَما حَصَلَ لَهم ذَلِكَ، فَإيمانُ العَبْدِ وطاعَتُهُ سَعْيٌ مِنهُ في انْتِفاعِهِ بِعَمَلِ غَيْرِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ، كَما وقَعَ في الصَّلاةِ في الجَماعَةِ، فَإنَّ صَلاةَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ يَتَضاعَفُ بِها الأجْرُ زِيادَةً عَلى صَلاتِهِ مُنْفَرِدًا، وتِلْكَ المُضاعَفَةُ انْتِفاعٌ بِعَمَلِ الغَيْرِ سَعى فِيهِ المُصَلِّي بِإيمانِهِ وصَلاتِهِ في الجَماعَةِ، وهَذا الوَجْهُ يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ﴾ .

الثّالِثُ: أنَّ السَّعْيَ الَّذِي حَصَلَ بِهِ رَفْعُ دَرَجاتِ الأوْلادِ لَيْسَ لِلْأوْلادِ كَما هو نَصُّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ ولَكِنَّهُ مِن سَعْيِ الآباءِ فَهو سَعْيٌ لِلْآباءِ أقَرَّ اللَّهُ عُيُونَهم بِسَبَبِهِ، بِأنْ رَفَعَ إلَيْهِمْ أوْلادَهم لِيَتَمَتَّعُوا في الجَنَّةِ بِرُؤْيَتِهِمْ، فالآيَةُ تُصَدِّقُ الأُخْرى ولا تُنافِيها، لِأنَّ المَقْصُودَ بِالرَّفْعِ إكْراهُ الآباءِ لا الأوْلادِ، فانْتِفاعُ الأوْلادِ تَبَعٌ، فَهو بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ تَفَضُّلٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِما لَيْسَ لَهم، كَما تَفَضَّلَ بِذَلِكَ عَلى الوِلْدانِ والحَوَرِ العَيْنِ والخَلْقِ الَّذِينَ يُنَشِّؤُهم لِلْجَنَّةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

53:40Page 527

وَأَنَّ سَعۡيَهُۥ سَوۡفَ يُرَىٰ ٤٠

And that his effort is going to be seen -

No commentary for this ayah

53:41Page 527

ثُمَّ يُجۡزَىٰهُ ٱلۡجَزَآءَ ٱلۡأَوۡفَىٰ ٤١

Then he will be recompensed for it with the fullest recompense -

No commentary for this ayah

53:42Page 527

وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلۡمُنتَهَىٰ ٤٢

And that to your Lord is the finality

No commentary for this ayah

53:43Page 527

وَأَنَّهُۥ هُوَ أَضۡحَكَ وَأَبۡكَىٰ ٤٣

And that it is He who makes [one] laugh and weep

No commentary for this ayah

53:44Page 527

وَأَنَّهُۥ هُوَ أَمَاتَ وَأَحۡيَا ٤٤

And that it is He who causes death and gives life

No commentary for this ayah

53:45Page 528

وَأَنَّهُۥ خَلَقَ ٱلزَّوۡجَيۡنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰ ٤٥

And that He creates the two mates - the male and female -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ .

ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ أيِ النَّوْعَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى مِن نُطْفَةٍ، وهي نُطْفَةُ المَنِيِّ إذا تُمْنى أيْ تُصَبُّ وتُراقُ في الرَّحِمِ، عَلى أصَحِّ القَوْلَيْنِ.

وَيَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨ - ٥٩]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ [القيامة: ٣٧] .

والعَرَبُ تَقُولُ: أمْنى الرَّجُلُ ومَنِيَ؛ إذا أراقَ المَنِيَّ وصَبَّهُ.

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ أيْ تُقَدَّرَ بِأنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدَّرَ أنْ يَنْشَأ مِنها حَمْلٌ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: مَنِيَ المانِي إذا قَدَّرَ. ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ أبِي قِلابَةَ الهُذَلِيِّ، وقِيلَ سُوِيدِ بْنِ عامِرٍ المُصْطَلَقِيِّ:

؎لا تَأْمَنِ المَوْتَ في حِلٍّ وفي حَرَمٍ إنَّ المَنايا تُوافِي كُلَّ إنْسانِ

؎واسْلُكْ سَبِيلَكَ فِيها غَيْرَ مُحْتَشِمٍ ∗∗∗ حَتّى تُلاقِيَ ما يُمَنِّي لَكَ المانِي

(p-٤٧٣)وَقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى النُّطْفَةِ مُسْتَوْفًى مِن جِهاتٍ في سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ﴾ الآيَةَ [النحل: ٤] . وفي سُورَةِ الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ﴾ [الحج: ٥]، وفي كُلٍّ مِنَ المَوْضِعَيْنِ زِيادَةٌ لَيْسَتْ في الآخَرِ.

وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِخَلْقِ النَّوْعَيْنِ، أعْنِي الذَّكَرَ والأُنْثى مِنَ النُّطْفَةِ جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وأنَّهُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى أمْرَيْنِ: هُما قُدْرَةُ اللَّهِ عَلى البَعْثِ، وأنَّهُ ما خَلَقَ الإنْسانَ إلّا لِيُكَلِّفَهُ ويُجازِيَهُ، وقَدْ جَمَعَ الأمْرَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾ [الحديد: ٣٦ - ٤٠]، فَذَكَرَ دَلالَةَ ذَلِكَ عَلى البَعْثِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾، وذَكَرَ أنَّهُ ما خَلَقَهُ لِيُهْمِلَهُ مِنَ التَّكْلِيفِ والجَزاءِ، مُنْكِرًا عَلى مَن ظَنَّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ أيْ مُهْمَلًا مِنَ التَّكْلِيفِ والجَزاءِ.

وَقَدْ قَدَّمْنا بَعْضَ الكَلامِ عَلى هَذا في سُورَةِ الفُرْقانِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وكانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤] .

53:46Page 528

مِن نُّطۡفَةٍ إِذَا تُمۡنَىٰ ٤٦

From a sperm-drop when it is emitted

No commentary for this ayah

53:47Page 528

وَأَنَّ عَلَيۡهِ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰ ٤٧

And that [incumbent] upon Him is the other [i.e., next] creation.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ .

قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ، وأحَلْنا عَلَيْها مِرارًا كَثِيرَةً.

53:48Page 528

وَأَنَّهُۥ هُوَ أَغۡنَىٰ وَأَقۡنَىٰ ٤٨

And that it is He who enriches and suffices

No commentary for this ayah

53:49Page 528

وَأَنَّهُۥ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعۡرَىٰ ٤٩

And that it is He who is the Lord of Sirius1

No commentary for this ayah

53:50Page 528

وَأَنَّهُۥٓ أَهۡلَكَ عَادًا ٱلۡأُولَىٰ ٥٠

And that He destroyed the first [people of] ʿAad

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ ﴿وَثَمُودَ فَما أبْقى﴾ .

وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِما أهْلَكَ بِهِ عادًا. والآياتِ المُوَضِّحَةَ لِما أهْلَكَ بِهِ ثَمُودَ في سُورَةِ فُصِّلَتْ في قَوْلِهِ تَعالى في الكَلامِ في شَأْنِ عادٍ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ الآيَةَ [فصلت: ١٦] . وقَوْلِهِ في شَأْنِ ثَمُودَ: ﴿فَأخَذَتْهم صاعِقَةُ العَذابِ الهُونِ﴾ الآيَةَ [فصلت: ١٧] .

53:51Page 528

وَثَمُودَاْ فَمَآ أَبۡقَىٰ ٥١

And Thamūd - and He did not spare [them] -

No commentary for this ayah

53:52Page 528

وَقَوۡمَ نُوحٖ مِّن قَبۡلُۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ هُمۡ أَظۡلَمَ وَأَطۡغَىٰ ٥٢

And the people of Noah before. Indeed, it was they who were [even] more unjust and oppressing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِن قَبْلُ إنَّهم كانُوا هم أظْلَمَ وأطْغى﴾ .

قَوْلُهُ: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠]، أيْ وأهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا كَيْفِيَّةَ إهْلاكِهِمْ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ مِن (p-٤٧٤)كِتابِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أغْرَقْناهُمْ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٣٧] .

وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤] .

وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إنَّهم كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٧] .

وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ [نوح: ٢٥] .

وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.

وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِ قَوْمِ نُوحٍ ﴿أظْلَمَ وأطْغى﴾، أيْ أشَدَّ ظُلْمًا وطُغْيانًا مِن غَيْرِهِمْ، قَدْ بَيَّنَهُ تَعالى في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا ونَهارًا﴾ ﴿فَلَمْ يَزِدْهم دُعائِي إلّا فِرارًا﴾ ﴿وَإنِّي كُلَّما دَعَوْتُهم لِتَغْفِرَ لَهم جَعَلُوا أصابِعَهم في آذانِهِمْ واسْتَغْشَوْا ثِيابَهم وأصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبارًا﴾ [نوح: ٥ - ٧] .

وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إنَّهم عَصَوْنِي واتَّبَعُوا مَن لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ ووَلَدُهُ إلّا خَسارًا﴾ ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ أضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢١ - ٢٤] .

وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ إنْ تَذَرْهم يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إلّا فاجِرًا كَفّارًا﴾ [نوح: ٢٧] .

وَقَوْلِهِ: ﴿وَيَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ﴾ [هود: ٣٨] .

وَمِن أعْظَمِ الأدِلَّةِ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]، لِأنَّ قَوْمًا لَمْ يَتَأثَّرُوا بِدَعْوَةِ نَبِيٍّ كَرِيمٍ ناصِحٍ في هَذا الزَّمَنِ الطَّوِيلِ لا شَكَّ أنَّهم أظْلَمُ النّاسِ وأطْغاهم.

53:53Page 528

وَٱلۡمُؤۡتَفِكَةَ أَهۡوَىٰ ٥٣

And the overturned towns1 He hurled down

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُؤْتَفِكَةَ أهْوى﴾ .

المُؤْتَفِكَةُ مُفْتَعِلَةٌ مِنَ الإفْكِ، وهو القَلْبُ والصَّرْفُ، والمُرادُ بِها قُرى قَوْمِ لُوطٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ: ﴿والمُؤْتَفِكاتِ﴾ [التوبة: ٧٠]، بِالجَمْعِ. فَهو مِن إطْلاقِ المُفْرَدِ وإرادَةِ الجَمْعِ كَما أوْضَحْناهُ مِرارًا، وأكْثَرْنا مِن أمْثِلَتِهِ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ (p-٤٧٥)وَأحَلْنا عَلَيْهِ مِرارًا، وإنَّما قِيلَ لَها: مُؤْتَفِكَةٌ، لِأنَّ جِبْرِيلَ أفَكَها فائْتُفِكَتْ، ومَعْنى أفَكَها أنَّهُ رَفَعَها نَحْوَ السَّماءِ ثُمَّ قَلَبَها جاعِلًا أعْلاها أسْفَلَها، وجَعْلُ عالِيها أسْفَلَها هو ائْتِفاكُها وإفْكُها.

وَقَدْ أوْضَحَ تَعالى هَذا المَعْنى في سُورَةِ هُودٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً﴾ الآيَةَ [هود: ٨٢] .

وَقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الحِجْرِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٣ - ٧٤] .

وَقَدْ بَيَّنّا قِصَّةَ قَوْمِ لُوطٍ في هُودٍ والحِجْرِ، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أهْوى تَقُولُ العَرَبُ: هَوى الشَّيْءُ إذا انْحَدَرَ مِن عالٍ إلى أسْفَلَ. وأهْواهُ غَيْرُهُ إذا ألْقاهُ مِنَ العُلُوِّ إلى السُّفْلِ، لِأنَّ المَلَكَ رَفَعَ قُراهم ثُمَّ أهْواها أيْ ألْقاها تَهْوِي إلى الأرْضِ مُنْقَلِبَةً أعْلاها أسْفَلَها.

53:54Page 528

فَغَشَّىٰهَا مَا غَشَّىٰ ٥٤

And covered them by that which He covered.1

No commentary for this ayah

53:55Page 528

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ ٥٥

Then which of the favors of your Lord do you doubt?

No commentary for this ayah

53:56Page 528

هَٰذَا نَذِيرٞ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلۡأُولَىٰٓ ٥٦

This [Prophet (ﷺ)] is a warner from [i.e., like] the former warners.

No commentary for this ayah

53:57Page 528

أَزِفَتِ ٱلۡأٓزِفَةُ ٥٧

The Approaching Day has approached.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ .

قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في أوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، وفي سُورَةِ المُؤْمِنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْذِرْهم يَوْمَ الآزِفَةِ﴾ [غافر: ١٨] .

53:58Page 528

لَيۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ ٥٨

Of it, [from those] besides Allāh, there is no remover.

No commentary for this ayah

53:59Page 528

أَفَمِنۡ هَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ تَعۡجَبُونَ ٥٩

Then at this statement do you wonder?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ .

قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ الَّتِي فِيها إطْلاقُ اسْمِ الحَدِيثِ عَلى القُرْآنِ في سُورَةِ الطُّورِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ الآيَةَ [الطور: ٣٤] .

53:60Page 528

وَتَضۡحَكُونَ وَلَا تَبۡكُونَ ٦٠

And you laugh and do not weep

No commentary for this ayah

53:61Page 528

وَأَنتُمۡ سَٰمِدُونَ ٦١

While you are proudly sporting?1

No commentary for this ayah

53:62Page 528

فَٱسۡجُدُواْۤ لِلَّهِۤ وَٱعۡبُدُواْ۩ ٦٢

So prostrate to Allāh and worship [Him].

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском