Ash-ShinqitiAr‑Rahman · 55:14–45

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Ar-Rahman 55:14–45

55:14Page 531

خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ كَٱلۡفَخَّارِ ١٤

He created man from clay like [that of] pottery.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ ﴿وَخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ .

الصَّلْصالُ: الطِّينُ اليابِسُ الَّذِي تُسْمَعُ لَهُ صَلْصَلَةٌ، أيْ صَوْتٌ إذا قُرِعَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: الصَّلْصالُ المُنْتِنُ، والفَخّارُ الطِّينُ المَطْبُوخُ، وهَذِهِ الآيَةُ بَيَّنَ اللَّهُ فِيها طَوْرًا مِن أطْوارِ التُّرابِ الَّذِي خَلَقَ مِنهُ آدَمَ، فَبَيَّنَ في آياتٍ أنَّهُ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ [الحج: ٥]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ أنْ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ إذا أنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ﴾ [غافر: ٦٧]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنها خَلَقْناكم وفِيها نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥] .

(p-٤٩٩)

وَقَدْ بَيَّنّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿مِنها خَلَقْناكُمْ﴾ أنَّ المُرادَ بِخَلْقِهِمْ مِنها هو خَلْقُ أبِيهِمْ آدَمَ مِنها، لِأنَّهُ أصْلُهم وهم فُرُوعُهُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى عَجَنَ هَذا التُّرابَ بِالماءِ فَصارَ طِينًا، ولِذا قالَ: ﴿أأسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١]، وقالَ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]، وقالَ تَعالى: ﴿وَبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧]، وقالَ: ﴿أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مِن طِينٍ لازِبٍ﴾ [الصافات: ١١]، وقالَ تَعالى: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧١]، ثُمَّ خَمَّرَ هَذا الطِّينَ فَصارَ حَمَأً مَسْنُونًا، أيْ طِينًا أسْوَدَ مُتَغَيِّرَ الرِّيحِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ الآيَةَ [الحجر: ٢٦] . قالَ تَعالى: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٨]، وقالَ عَنْ إبْلِيسَ: ﴿قالَ لَمْ أكُنْ لِأسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٣٣]، والمَسْنُونُ قِيلَ المُتَغَيِّرُ، وقِيلَ المُصَوَّرُ، وقِيلَ الأمْلَسُ، ثُمَّ يَبِسَ هَذا الطِّينُ فَصارَ صَلْصالًا. كَما قالَ هُنا: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾، وقالَ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ .

فالآياتُ يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا، ويَتَبَيَّنُ فِيها أطْوارُ ذَلِكَ التُّرابِ؛ كَما لا يَخْفى.

قَوْلُهُ: الجانَّ أيْ وخَلَقَ الجانَّ وهو أبُو الجِنِّ، وقِيلَ: هو إبْلِيسُ. وقِيلَ: هو الواحِدُ مِنَ الجِنِّ.

وَعَلَيْهِ فالألِفُ واللّامُ لِلْجِنْسِ، والمارِجُ: اللَّهَبُ الَّذِي لا دُخانَ فِيهِ، وقَوْلُهُ: مِن نارٍ بَيانٌ لِمارِجٍ، أيْ مِن لَهَبٍ صافٍ كائِنٍ مِنَ النّارِ.

وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن أنَّهُ تَعالى خَلَقَ الجانَّ مِنَ النّارِ - جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى في الحِجْرِ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن صَلْصالٍ مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٦]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ .

وَقَدْ أوْضَحْنا الكَلامَ عَلى هَذا في سُورَةِ البَقَرَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] .

55:15Page 531

وَخَلَقَ ٱلۡجَآنَّ مِن مَّارِجٖ مِّن نَّارٖ ١٥

And He created the jinn from a smokeless flame of fire.

No commentary for this ayah

55:16Page 531

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٦

So which of the favors of your Lord would you deny?

No commentary for this ayah

55:17Page 532

رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ وَرَبُّ ٱلۡمَغۡرِبَيۡنِ ١٧

[He is] Lord of the two sunrises and Lord of the two sunsets.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّ المَشْرِقَيْنِ ورَبُّ المَغْرِبَيْنِ﴾ .

(p-٥٠٠)قَدْ أوْضَحْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في أوَّلِ الصّافّاتِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ [الصافات: ٥] .

55:18Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ١٨

So which of the favors of your Lord would you deny?

No commentary for this ayah

55:19Page 532

مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ يَلۡتَقِيَانِ ١٩

He released the two seas,1 meeting [one another];

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ .

قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الفُرْقانِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣] .

55:20Page 532

بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ ٢٠

Between them is a barrier so neither of them transgresses.

No commentary for this ayah

55:21Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢١

So which of the favors of your Lord would you deny?

No commentary for this ayah

55:22Page 532

يَخۡرُجُ مِنۡهُمَا ٱللُّؤۡلُؤُ وَٱلۡمَرۡجَانُ ٢٢

From both of them emerge pearl and coral.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ .

قَرَأ هَذا الحَرْفَ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو: ”يُخْرَجُ“ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وعَلَيْهِ فاللُّؤْلُؤُ نائِبُ فاعِلِ ”يُخْرَجُ“ وقَرَأهُ باقِي السَّبْعَةِ: يَخْرُجُ بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، وعَلَيْهِ فاللُّؤْلُؤُ فاعِلُ ”يَخْرُجُ“ .

اعْلَمْ أنَّ جَماعَةً مِن أهْلِ العِلْمِ قالُوا: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿يَخْرُجُ مِنهُما﴾ أيْ مِن مَجْمُوعِها الصّادِقِ بِالبَحْرِ المِلْحِ، وإنَّ الآيَةَ مِن إطْلاقِ المَجْمُوعِ وإرادَةِ بَعْضِهِ، وإنَّ اللُّؤْلُؤَ والمَرْجانَ لا يَخْرُجانِ مِنَ البَحْرِ المِلْحِ وحْدَهُ دُونَ العَذْبِ.

وَهَذا القَوْلُ الَّذِي قالُوهُ في هَذِهِ الآيَةِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وجَلالَتِهِمْ لا شَكَّ في بُطْلانِهِ، لِأنَّ اللَّهَ صَرَّحَ بِنَقِيضِهِ في سُورَةَ فاطِرٍ، ولا شَكَّ أنَّ كُلَّ ما ناقَضَ القُرْآنَ فَهو باطِلٌ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يَسْتَوِي البَحْرانِ هَذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ ومِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ [فاطر: ١٢]، فالتَّنْوِينُ في قَوْلِهِ: مِن كُلِّ تَنْوِينُ عِوَضٍ أيْ مِن كُلِّ واحِدٍ مِنَ العَذْبِ والمِلْحِ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها، وهي اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ، وهَذا مِمّا لا نِزاعَ فِيهِ.

وَقَدْ أوْضَحْنا هَذا في سُورَةِ الأنْعامِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ الآية [الأنعام: ١٣٠]، واللُّؤْلُؤُ الدُّرُّ، والمَرْجانُ الخَرَزُ الأحْمَرُ. وقالَ بَعْضُهم: المَرْجانُ صِغارُ الدُّرِّ واللُّؤْلُؤُ كِبارُهُ.

55:23Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٣

So which of the favors of your Lord would you deny?

No commentary for this ayah

55:24Page 532

وَلَهُ ٱلۡجَوَارِ ٱلۡمُنشَـَٔاتُ فِي ٱلۡبَحۡرِ كَٱلۡأَعۡلَٰمِ ٢٤

And to Him belong the ships [with sails] elevated in the sea like mountains.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَهُ الجَوارِ المُنْشَآتُ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ .

(p-٥٠١)قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ الشُّورى في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ الجَوارِ في البَحْرِ كالأعْلامِ﴾ [الشورى: ٣٢] .

55:25Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٥

So which of the favors of your Lord would you deny?

No commentary for this ayah

55:26Page 532

كُلُّ مَنۡ عَلَيۡهَا فَانٖ ٢٦

Everyone upon it [i.e., the earth] will perish,

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ ﴿وَيَبْقى وجْهُ رَبِّكَ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ﴾ .

ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن فَناءِ كُلِّ مَن عَلى الأرْضِ وبَقاءِ وجْهِهِ - جَلَّ وعَلا - المُتَّصِفِ بِالجَلالِ والإكْرامِ - جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

والوَجْهُ صِفَةٌ مِن صِفاتِ اللَّهِ العَلِيِّ وصَفَ بِها نَفْسَهُ، فَعَلَيْنا أنْ نُصَدِّقَ رَبَّنا ونُؤْمِنَ بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مَعَ التَّنْزِيهِ التّامِّ عَنْ مُشابَهَةِ صِفاتِ الخَلْقِ.

وَقَدْ أوْضَحْنا هَذا غايَةَ الإيضاحِ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في سُورَةِ الأعْرافِ، وفي سُورَةِ القِتالِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

55:27Page 532

وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ ٢٧

And there will remain the Face1 of your Lord, Owner of Majesty and Honor.

No commentary for this ayah

55:28Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٢٨

So which of the favors of your Lord would you deny?

No commentary for this ayah

55:29Page 532

يَسۡـَٔلُهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ كُلَّ يَوۡمٍ هُوَ فِي شَأۡنٖ ٢٩

Whoever is within the heavens and earth asks Him; every day He is in [i.e., bringing about] a matter.1

No commentary for this ayah

55:30Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٠

So which of the favors of your Lord would you deny?

No commentary for this ayah

55:31Page 532

سَنَفۡرُغُ لَكُمۡ أَيُّهَ ٱلثَّقَلَانِ ٣١

We will attend to you, O prominent beings.1

No commentary for this ayah

55:32Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٢

So which of the favors of your Lord would you deny?

No commentary for this ayah

55:33Page 532

يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ إِنِ ٱسۡتَطَعۡتُمۡ أَن تَنفُذُواْ مِنۡ أَقۡطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ فَٱنفُذُواْۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلۡطَٰنٖ ٣٣

O company of jinn and mankind, if you are able to pass beyond the regions of the heavens and the earth, then pass. You will not pass except by authority [from Allāh].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يامَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إلّا بِسُلْطانٍ﴾ .

قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ الحِجْرِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧]، وتَكَلَّمْنا أيْضًا هُناكَ عَلى غَيْرِها مِنَ الآياتِ الَّتِي يُفَسِّرُها الجاهِلُونَ بِكِتابِ اللَّهِ بِغَيْرِ مَعانِيها، فَأغْنى ذَلِكَ عَنْ إعادَتِهِ هُنا.

55:34Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٤

So which of the favors of your Lord would you deny?

No commentary for this ayah

55:35Page 532

يُرۡسَلُ عَلَيۡكُمَا شُوَاظٞ مِّن نَّارٖ وَنُحَاسٞ فَلَا تَنتَصِرَانِ ٣٥

There will be sent upon you a flame of fire and smoke,1 and you will not defend yourselves.

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

(p-٤٠٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الرَّحْمَنِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِن نارٍ ونُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ﴾ .

لا يَخْفى ما يَسْبِقُ إلى الذِّهْنِ مِن أنَّ إرْسالَ شُواظِ النّارِ الَّذِي هو لَهَبُها، والنُّحاسِ الَّذِي هو دُخانُها، أوِ النُّحاسِ المُذابِ، وعَدَمُ الِانْتِصارِ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنهُ إنْعامٌ عَلى الثَّقَلَيْنِ. وقَوْلُهُ لَهم: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [الرحمن: ٣٦]، يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ إرْسالَ الشُّواظِ والنُّحاسِ وعَدَمَ الِانْتِصارِ مِن آلاءِ اللَّهِ، أيْ نِعَمِهِ عَلى الجِنِّ والإنْسِ.

والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ تَكْرِيرَ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾، لِلتَّوْكِيدِ، ولَمْ يُكَرِّرْهُ مُتَوالِيًا لِأنَّ تَكْرِيرَهُ بَعْدَ كُلِّ آيَةٍ أحْسَنُ مِن تَكْرِيرِهِ مُتَوالِيًا، وإذا كانَ لِلتَّوْكِيدِ فَلا إشْكالَ لِأنَّ المَذْكُورَ مِنهُ بَعْدَ ما لَيْسَ مِنَ الآلاءِ مُؤَكِّدٌ لِلْمَذْكُورِ بَعْدَ ما هو مِنَ الآلاءِ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ لَمْ تُذْكَرْ إلّا بَعْدَ ذِكْرِ نِعْمَةٍ أوْ مَوْعِظَةٍ أوْ إنْذارٍ وتَخْوِيفٍ، وكُلُّها مِن آلاءِ اللَّهِ الَّتِي لا يُكَذِّبُ بِها إلّا كافِرٌ جاحِدٌ، أمّا في ذِكْرِ النِّعْمَةِ فَواضِحٌ.

وَأمّا في المَوْعِظَةِ، فَلِأنَّ الوَعْظَ تَلِينُ لَهُ القُلُوبُ فَتَخْشَعُ وتُنِيبُ، فالسَّبَبُ المُوصِلُ إلى ذَلِكَ مِن أعْظَمِ النِّعَمِ، فَظَهَرَ أنَّ الوَعْظَ مِن أكْبَرِ الآلاءِ.

وَأمّا في الإنْذارِ والتَّخْوِيفِ كَهَذِهِ الآيَةِ، فَفِيهِ أيْضًا أعْظَمُ نِعْمَةً عَلى العَبْدِ، لِأنَّ إنْذارَهُ في دارِ الدُّنْيا مِن أهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ، مِن أعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ.

ألا تَرى أنَّهُ لَوْ كانَ أمامَ إنْسانٍ مُسافِرٍ مَهْلَكَةٌ كُبْرى وهو مُشْرِفٌ عَلى الوُقُوعِ فِيها مِن غَيْرٍ أنْ يَعْلَمَ بِها، فَجاءَهُ إنْسانٌ فَأخْبَرَهُ بِها وحَذَّرَهُ مِنَ الوُقُوعِ فِيها، أنَّ هَذا يَكُونُ يَدًا لَهُ عِنْدَهُ وإحْسانًا يُجازِيهِ عَلَيْهِ جَزاءَ أكْبَرِ الإنْعامِ.

(p-٤٠٧)وَهَذا الوَجْهُ الأخِيرُ هو مُقْتَضى الأُصُولِ، لِأنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ في عِلْمِ الأُصُولِ أنَّ النَّصَّ إذا احْتَمَلَ التَّوْكِيدَ والتَّأْسِيسَ فالأصْلُ حَمْلُهُ عَلى التَّأْسِيسِ لا عَلى التَّوْكِيدِ، لِأنَّ في التَّأْسِيسِ زِيادَةُ مَعْنًى لَيْسَتْ في التَّوْكِيدِ.

وَعَلى هَذا القَوْلِ فَتَكْرِيرُ: ﴿فَبِأيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ إنَّما هو بِاعْتِبارِ أنْواعِ النِّعَمِ المَذْكُورِ قَبْلَها مِن إنْعامٍ أوْ مَوْعِظَةٍ أوْ إنْذارٍ.

وَقَدْ عَرَفْتَ أنَّ كُلَّها مِن آلاءِ اللَّهِ، فالمَذْكُورَةُ بَعْدَ نِعَمِهِ كالمَذْكُورَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلَهُ الجَوارِي المُنْشَآتُ﴾ الآيَةَ [الرحمن: ٢٤] .

وَبَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ الآيَةَ [الرحمن: ٢٢]، لِأنَّ السُّفُنَ واللُّؤْلُؤَ والمَرْجانَ مِن آلاءِ اللَّهِ كَما هو ضَرُورِيٌّ، والمَذْكُورَةُ بَعْدَ مَوْعِظَةٍ كالمَذْكُورَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ الآيَةَ [الرحمن: ٣٧]، والمَذْكُورَةُ بَعْدَ إنْذارٍ أوْ تَخْوِيفٍ، كالمَذْكُورَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ﴾ الآيَةَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

55:36Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٦

So which of the favors of your Lord would you deny?

No commentary for this ayah

55:37Page 532

فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتۡ وَرۡدَةٗ كَٱلدِّهَانِ ٣٧

And when the heaven is split open and becomes rose-colored like oil1 -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ﴾ .

ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ السَّماءَ سَتَنْشَقُّ يَوْمَ القِيامَةِ، وأنَّها إذا انْشَقَّتْ صارَتْ ورْدَةً كالدِّهانِ، وقَوْلُهُ: ورْدَةً: أيْ حَمْراءَ كَلَوْنِ الوَرْدِ، وقَوْلُهُ: كالدِّهانِ: فِيهِ قَوْلانِ مَعْرُوفانِ لِلْعُلَماءِ:

الأوَّلُ مِنهُما: أنَّ الدِّهانَ هو الجِلْدُ الأحْمَرُ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى أنَّها تَصِيرُ ورْدَةً مُتَّصِفَةً بِلَوْنِ الوَرْدِ مُشابِهَةً لِلْجِلْدِ الأحْمَرِ في لَوْنِهِ.

(p-٥٠٢)والثّانِي: أنَّ الدِّهانَ هو ما يُدْهَنُ بِهِ، وعَلَيْهِ، فالدِّهانُ، قِيلَ: هو جَمْعُ دُهْنٍ، وقِيلَ: هو مُفْرَدٌ، لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي ما يُدْهَنُ بِهِ دِهانًا، وهو مُفْرَدٌ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

؎كَأنَّهُما مَزادَتا مُتَعَجِّلٍ فَرِيّانِ لَمّا تُسْلَقا بِدِهانِ

وَحَقِيقَةُ الفَرْقِ بَيْنَ القَوْلَيْنِ أنَّهُ عَلى القَوْلِ بِأنَّ الدِّهانَ هو الجِلْدُ الأحْمَرُ يَكُونُ اللَّهُ وصَفَ السَّماءَ عِنْدَ انْشِقاقِها يَوْمَ القِيامَةِ بِوَصْفٍ واحِدٍ وهو الحُمْرَةُ فَشَبَّهَها بِحُمْرَةِ الوَرْدِ، وحُمْرَةِ الأدِيمِ الأحْمَرِ.

قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّها يَصِلُ إلَيْها حُرُّ النّارِ فَتَحْمَرُّ مِن شِدَّةِ الحَرارَةِ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: أصْلُ السَّماءِ حَمْراءُ إلّا أنَّها لِشِدَّةِ بُعْدِها وما دُونَها مِنَ الحَواجِزِ لَمْ تَصِلِ العُيُونُ إلى إدْراكِ لَوْنِها الأحْمَرِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وأنَّها يَوْمَ القِيامَةِ تُرى عَلى حَقِيقَةِ لَوْنِها.

وَأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ الدِّهانَ هو ما يُدْهَنُ بِهِ، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ وصَفَ السَّماءَ عِنْدَ انْشِقاقِها بِوَصْفَيْنِ أحَدِهِما حُمْرَةِ لَوْنِها، والثّانِي أنَّها تَذُوبُ وتَصِيرُ مائِعَةً كالدُّهْنِ.

أمّا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ، فَلَمْ نَعْلَمْ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ تُبَيِّنُ هَذِهِ الآيَةَ، بِأنَّ السَّماءَ سَتَحْمَرُّ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى تَكُونَ كَلَوْنِ الجِلْدِ الأحْمَرِ.

وَأمّا عَلى القَوْلِ الثّانِي الَّذِي هو أنَّها تَذُوبُ وتَصِيرُ مائِعَةً، فَقَدْ أوْضَحَهُ اللَّهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى في المَعارِجِ: ﴿إنَّهم يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ ﴿وَنَراهُ قَرِيبًا﴾ ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ [المعارج: ٧ - ٨]، والمُهْلُ شَيْءٌ ذائِبٌ عَلى كِلا القَوْلَيْنِ، سَواءٌ قُلْنا: إنَّهُ دُرْدِيُّ الزَّيْتِ وهو عَكِرُهُ، أوْ قُلْنا إنَّهُ الذّائِبُ مِن حَدِيدٍ أوْ نُحاسٍ أوْ نَحْوِهِما.

وَقَدْ أوْضَحَ تَعالى في الكَهْفِ أنَّ المُهْلَ شَيْءٌ ذائِبٌ يُشْبِهُ الماءَ، شَدِيدُ الحَرارَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: ٢٩] .

والقَوْلُ بِأنَّ الوَرْدَةَ تَشْبِيهٌ بِالفَرَسِ الكُمَيْتِ وهو الأحْمَرُ لِأنَّ حُمْرَتَهُ تَتَلَوَّنُ بِاخْتِلافِ الفُصُولِ، فَتَشْتَدُّ حُمْرَتُها في فَصْلٍ، وتَمِيلُ إلى الصُّفْرَةِ في فَصْلٍ، وإلى الغَبَرَةِ في فَصْلٍ.

وَأنَّ المُرادَ بِالتَّشْبِيهِ كَوْنُ السَّماءِ عِنْدَ انْشِقاقِها تَتَلَوَّنُ بِألْوانٍ مُخْتَلِفَةٍ واضِحُ البُعْدِ عَنْ ظاهِرِ الآيَةِ. وقَوْلُ مَن قالَ: إنَّها تَذْهَبُ وتَجِيءُ - مَعْناهُ لَهُ شاهِدٌ في كِتابِ اللَّهِ، وذَلِكَ في (p-٥٠٣)قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْرًا﴾ الآيَةَ [الطور: ٩]، ولَكِنَّهُ لا يَخْلُو عِنْدِي مِن بُعْدٍ.

وَما ذَكَرَهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنِ انْشِقاقِ السَّماءِ يَوْمَ القِيامَةِ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ

• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ﴾ [الحاقة: ١٥ - ١٦]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٢٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١]، وقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا في سُورَةِ ”ق“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] .

55:38Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٨

So which of the favors of your Lord would you deny? -

No commentary for this ayah

55:39Page 532

فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُسۡـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٞ وَلَا جَآنّٞ ٣٩

Then on that Day none will be asked about his sin among men or jinn.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ .

ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَسْألُ إنْسًا ولا جانًّا عَنْ ذَنْبِهِ، وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى في القَصَصِ: ﴿وَلا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨] .

وَقَدْ ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في آياتٍ أُخَرَ أنَّهُ يَسْألُ جَمِيعَ النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ الرُّسُلَ والمُرْسَلَ إلَيْهِمْ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]، وقَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣] .

وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ مُبَيِّنَةً لِوَجْهِ الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي قَدْ يَظُنُّ غَيْرُ العالِمِ أنَّ بَيْنَها اخْتِلافًا.

اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ السُّؤالَ المَنفِيَّ في قَوْلِهِ هُنا ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿وَلا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨] - أخَصُّ مِنَ السُّؤالِ المُثْبَتِ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، لِأنَّ هَذِهِ فِيها تَعْمِيمُ السُّؤالِ في كُلِّ عَمَلٍ، والآيَتانِ قَبْلَها لَيْسَ فِيهِما نَفْيُ السُّؤالِ إلّا عَنِ الذُّنُوبِ خاصَّةً، ولِلْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الآياتِ أوْجُهٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ العُلَماءِ.

الأوَّلُ مِنهُما: وهو الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ، وهو مَحِلُّ الشّاهِدِ عِنْدَنا مِن بَيانِ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ هُنا، هو أنَّ السُّؤالَ نَوْعانِ: أحَدُهُما سُؤالُ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ وهو مِن أنْواعِ العَذابِ، والثّانِي هو سُؤالُ الِاسْتِخْبارِ والِاسْتِعْلامِ.

فالسُّؤالُ المَنفِيُّ في بَعْضِ الآياتِ هو سُؤالُ الِاسْتِخْبارِ والِاسْتِعْلامِ، لِأنَّ اللَّهَ أعْلَمُ (p-٥٠٤)بِأفْعالِهِمْ مِنهم أنْفُسِهِمْ كَما قالَ تَعالى: ﴿أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ﴾ [المجادلة: ٦] .

وَعَلَيْهِ فالمَعْنى: لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ سُؤالَ اسْتِخْبارٍ واسْتِعْلامٍ لِأنَّ اللَّهَ أعْلَمُ بِذَنْبِهِ مِنهُ.

والسُّؤالُ المُثْبَتُ في الآياتِ الأُخْرى هو سُؤالُ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، سَواءٌ كانَ عَنْ ذَنْبٍ أوْ غَيْرِ ذَنْبٍ. ومِثالُ سُؤالِهِمْ عَنِ الذُّنُوبِ سُؤالَ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، ومِثالُهُ عَنْ غَيْرِ ذَنْبٍ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات: ٢٤ - ٢٦]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿أفَسِحْرٌ هَذا﴾ [الطور: ١٣ - ١٥]، وقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] .

أمّا سُؤالُ المَوْءُودَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨]، فَلا يُعارِضُ الآياتِ النّافِيَةَ السُّؤالَ عَنِ الذَّنْبِ، لِأنَّها سُئِلَتْ عَنْ أيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ وهَذا لَيْسَ مِن ذَنْبِها، والمُرادُ بِسُؤالِها تَوْبِيخُ قاتِلِها وتَقْرِيعُهُ، لِأنَّها هي تَقُولُ لا ذَنْبَ لِي فَيَرْجِعُ اللَّوْمُ عَلى مَن قَتَلَها ظُلْمًا.

وَكَذَلِكَ سُؤالُ الرُّسُلِ، فَإنَّ المُرادَ بِهِ تَوْبِيخُ مَن كَذَّبَهم وتَقْرِيعُهُ، مَعَ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ بِأنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْهُ، وباقِي أوْجُهِ الجَمْعِ بَيْنَ الآياتِ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ قُرْآنٌ، ومَوْضُوعُ هَذا الكِتابِ بَيانُ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ، وقَدْ بَيَّنّا بَقِيَّتَها في كِتابِنا ”دَفْعُ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ في أوَّلِ سُورَةِ الأعْرافِ.

وَقَدْ قَدَّمْنا طَرَفًا مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ في سُورَةِ الأعْرافِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] .

⁕ ⁕ ⁕

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ .

تَقَدَّمَ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣] .

وَقَوْلِهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ٦] في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ .

55:40Page 532

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٠

So which of the favors of your Lord would you deny?

No commentary for this ayah

55:41Page 533

يُعۡرَفُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ بِسِيمَٰهُمۡ فَيُؤۡخَذُ بِٱلنَّوَٰصِي وَٱلۡأَقۡدَامِ ٤١

The criminals will be known by their marks, and they will be seized by the forelocks and the feet.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيماهم فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾ .

قَوْلُهُ: بِسِيماهم: أيْ بِعَلامَتِهِمُ المُمَيِّزَةِ لَهم، وقَدْ دَلَّ القُرْآنُ عَلى أنَّها هي سَوادُ وُجُوهِهِمْ وزُرْقَةُ عُيُونِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٠٦]، وقالَ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٧٠] (p-٥٠٥)وَقالَ تَعالى: ﴿وَتَرْهَقُهم ذِلَّةٌ ما لَهم مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ كَأنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهم قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٧]، وقالَ تَعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٠ - ٤٢]، لِأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ أيْ يَعْلُوها ويَغْشاها سَوادٌ كالدُّخانِ الأسْوَدِ، وقالَ تَعالى في زُرْقَةِ عُيُونِهِمْ: ﴿وَنَحْشُرُ المُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]، ولا شَيْءَ أقْبَحَ وأشْوَهَ مِن سَوادِ الوُجُوهِ وزُرْقَةِ العُيُونِ، ولِذا لَمّا أرادَ الشّاعِرُ أنْ يُقَبِّحَ عِلَلَ البَخِيلِ بِأسْوَأِ الأوْصافِ وأقْبَحِها، فَوَصَفَها بِسَوادِ الوُجُوهِ وزُرْقَةِ العُيُونِ حَيْثُ قالَ:

؎وَلِلْبَخِيلِ عَلى أمْوالِهِ عِلَلٌ زُرْقُ العُيُونِ عَلَيْها أوْجُهٌ سُودُ

وَلا سِيَّما إذا اجْتَمَعَ مَعَ سَوادِ الوَجْهِ اغْبِرارُهُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْها غَبَرَةٌ﴾ ﴿تَرْهَقُها قَتَرَةٌ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ يَزِيدُهُ قُبْحًا عَلى قُبْحٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والأقْدامِ﴾، وقَدْ قَدَّمْنا تَفْسِيرَهُ والآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الطُّورِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣] .

55:42Page 533

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٢

So which of the favors of your Lord would you deny?

No commentary for this ayah

55:43Page 533

هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٤٣

This is Hell, which the criminals deny.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ .

أمّا قَوْلُهُ: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِها المُجْرِمُونَ﴾ فَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الطُّورِ أيْضًا في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور: ١٤] .

وَأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَها وبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ فَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ﴾ الآيَةَ [الحج: ١٩ - ٢٠] .

55:44Page 533

يَطُوفُونَ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَ حَمِيمٍ ءَانٖ ٤٤

They will circulate between it and scalding water, heated [to the utmost degree].

No commentary for this ayah

55:45Page 533

فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٥

So which of the favors of your Lord would you deny?

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском