Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
الواقعة
Al-Waqi'ah
The Inevitable · Meccan · 96 ayahs
(p-٥٠٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الواقِعَةِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ . الَّذِي يَظْهَرُ لِي صَوابُهُ أنَّ ”إذا“ هُنا هي الظَّرْفِيَّةُ المُضَمَّنَةُ مَعْنى الشَّرْطِ، وأنَّ قَوْلَهُ الآتِيَ: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ [الواقعة: ٤]، بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ وأنَّ جَوابَ ”إذا“ هو قَوْلُهُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، وهَذا هو اخْتِيارُ أبِي حَيّانَ خِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّها مَسْلُوبَةُ مَعْنى الشَّرْطِ هُنا، وأنَّها مَنصُوبَةٌ بِـ ”اذْكُرْ“ مَقَدَّرَةً أوْ أنَّها مُبْتَدَأٌ، وخِلافًا لِمَن زَعَمَ أنَّها مَنصُوبَةٌ بِـ ”لَيْسَ“ المَذْكُورَةِ بَعْدَها.
والمَعْرُوفُ عِنْدَ جُمْهُورِ النَّحْوِيِّينَ أنَّ ”إذا“ ظَرْفٌ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ مَنصُوبٌ بِجَزائِهِ، وعَلَيْهِ فالمَعْنى: إذا قامَتِ القِيامَةُ وحَصَلَتْ هَذِهِ الأحْوالُ العَظِيمَةُ ظَهَرَتْ مَنزِلَةُ أصْحابِ المَيْمَنَةِ وأصْحابِ المَشْأمَةِ.
وَقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ أيْ قامَتِ القِيامَةُ، فالواقِعَةُ مِن أسْماءِ القِيامَةِ كالطّامَّةِ والصّاخَّةِ والآزِفَةِ والقارِعَةِ.
وَقَدْ بَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - أنَّ الواقِعَةَ هي القِيامَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً﴾ ﴿فَيَوْمَئِذٍ وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ ﴿وانْشَقَّتِ السَّماءُ فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣ - ١٦] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ فِيهِ أوْجَهٌ مِنَ التَّفْسِيرِ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ العُلَماءِ، كُلُّها حَقٌّ، وبَعْضُها يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ.
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ كاذِبَةٌ مَصْدَرٌ جاءَ بِصِفَةِ اسْمِ الفاعِلِ، فالكاذِبَةُ بِمَعْنى الكَذِبِ كالعافِيَةِ بِمَعْنى المُعافاةِ، والعاقِبَةِ بِمَعْنى العُقْبى، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى عِنْدَ جَماعاتٍ مِنَ العُلَماءِ: ﴿لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١]، قالُوا: مَعْناهُ لا تَسْمَعُ فِيها لَغْوًا، وعَلى هَذا القَوْلِ فالمَعْنى لَيْسَ لِقِيامِ القِيامَةِ كَذِبٌ ولا تَخَلُّفٌ بَلْ هو أمْرٌ واقِعٌ يَقِينًا لا مَحالَةَ.
(p-٥٠٩)وَمِن هَذا المَعْنى قَوْلُهم: حَمَلَ الفارِسُ عَلى قِرْنِهِ فَما كَذَبَ، أيْ: ما تَأخَّرَ ولا تَخَلَّفَ ولا جَبُنَ.
وَمِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎لَيْثٌ بَعْثَرٌّ يَصْطادُ الرِّجالَ إذا ما كَذَبَ اللَّيْثُ عَنْ أقْرانِهِ صَدَقا
وَهَذا المَعْنى قَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٨٧]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها﴾ [الحج: ٧]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٩]، وقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا في سُورَةِ الشُورى في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [الشورى: ٧] .
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ اللّامَ في قَوْلِهِ: لِوَقْعَتِها ظَرْفِيَّةٌ، و كاذِبَةٌ اسْمُ فاعِلِ صِفَةٍ لِمَحْذُوفٍ أيْ لَيْسَ في وقْعَةِ الواقِعَةِ نَفْسٌ كاذِبَةٌ بَلْ جَمِيعُ النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ صادِقُونَ بِالِاعْتِرافِ بِالقِيامَةِ مُصَدِّقُونَ بِها لَيْسَ فِيهِمْ نَفْسٌ كاذِبَةٌ بِإنْكارِها ولا مُكَذِّبَةٌ بِها.
وَهَذا المَعْنى تَشْهَدُ لَهُ في الجُمْلَةِ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا في مِرْيَةٍ مِنهُ حَتّى تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً أوْ يَأْتِيَهم عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٥] .
وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا في سُورَةِ النَّمْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦]، وباقِي الأوْجُهِ قَدْ يَدُلُّ عَلى مَعْناهُ قُرْآنٌ ولَكِنَّهُ لا يَخْلُو مِن بُعْدٍ عِنْدِي، ولِذا لَمْ أذْكُرْهُ، وأقْرَبُها عِنْدِي الأوَّلُ.
No commentary for this ayah
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ .
خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي خافِضَةٌ رافِعَةٌ، ومَفْعُولُ كُلٍّ مِنَ الوَصْفَيْنِ مَحْذُوفٌ.
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: تَقْدِيرُهُ هي خافِضَةٌ أقْوامًا في دَرَكاتِ النّارِ، رافِعَةٌ أقْوامًا إلى الدَّرَجاتِ العُلى إلى الجَنَّةِ، وهَذا المَعْنى قَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ
• كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: (p-٥١٠)﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلا﴾ ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [طه: ٧٥ - ٧٦]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٢١]،
والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: تَقْدِيرُهُ خافِضَةٌ أقْوامًا كانُوا مُرْتَفِعِينَ في الدُّنْيا رافِعَةٌ أقْوامًا كانُوا مُنْخَفَضِينَ في الدُّنْيا، وهَذا المَعْنى تَشْهَدُ لَهُ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ أجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ ﴿وَإذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاليَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الكُفّارِ يَضْحَكُونَ﴾ ﴿عَلى الأرائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين: ٢٩ - ٣٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: تَقْدِيرُهُ خافِضَةٌ بَعْضَ الأجْرامِ الَّتِي كانَتْ مُرْتَفِعَةً كالنُّجُومِ الَّتِي تَسْقُطُ وتَتَناثَرُ يَوْمَ القِيامَةِ، وذَلِكَ خَفْضٌ لَها بَعْدَ أنْ كانَتْ مُرْتَفِعَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الإنفطار: ٢]، وقالَ تَعالى: ﴿وَإذا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ٢] .
رافِعَةٌ أيْ رافِعَةٌ بَعْضَ الأجْرامِ الَّتِي كانَتْ مُنْخَفِضَةً كالجِبالِ الَّتِي تُرْفَعُ مِن أماكِنِها وتَسِيرُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ وتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾ [الكهف: ٤٧]، فَقَوْلُهُ: ﴿وَتَرى الأرْضَ بارِزَةً﴾، لِأنَّها لَمْ يَبْقَ عَلى ظَهْرِها شَيْءٌ مِنَ الجِبالِ، وقالَ تَعالى: ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] .
وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ التَّحْقِيقَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ أنَّ ذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وأنَّها تُسَيَّرُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ كَسَيْرِ السَّحابِ الَّذِي هو المُزْنُ.
وَقَدْ صَرَّحَ بِأنَّ الجِبالَ تُحْمَلُ هي والأرْضَ أيْضًا يَوْمَ القِيامَةِ. وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ﴾ ﴿وَحُمِلَتِ الأرْضُ والجِبالُ﴾ الآيَةَ [الحاقة: ١٣] .
وَعَلى هَذا القَوْلِ، فالمُرادُ تَعْظِيمُ شَأْنِ يَوْمِ القِيامَةِ، وأنَّهُ يَخْتَلُّ فِيهِ نِظامُ العالَمِ، وعَلى القَوْلَيْنِ الأوَّلَيْنِ، فالمُرادُ التَّرْغِيبُ والتَّرْهِيبُ، لِيَخافَ النّاسُ في الدُّنْيا مِن أسْبابِ الخَفْضِ في الآخِرَةِ فَيُطِيعُوا اللَّهَ ويَرْغَبُوا في أسْبابِ الرَّفْعِ فَيُطِيعُوهُ أيْضًا، وقَدْ قَدَّمْنا مِرارًا أنَّ الصَّوابَ في مِثْلِ هَذا حَمْلُ الآيَةِ عَلى شُمُولِها لِلْجَمِيعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا رُجَّتِ الأرْضُ رَجًّا﴾ ﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ .
(p-٥١١)قَدْ قَدَّمْنا أنَّ الأظْهَرَ عِنْدَنا أنَّ قَوْلَهُ: إذا رُجَّتِ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾، والرَّجُّ: التَّحْرِيكُ الشَّدِيدُ، وما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ مِن أنَّ الأرْضَ يَوْمَ القِيامَةِ تُحَرَّكُ تَحْرِيكًا شَدِيدًا جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا زُلْزِلَتِ الأرْضُ زِلْزالَها﴾، وقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا في أوَّلِ سُورَةِ الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ زَلْزَلَةَ السّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الزلزلة: ١] . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ في مَعْناهُ. لِأهْلِ العِلْمِ أوْجُهٌ مُتَقارِبَةٌ، لا يُكَذِّبُ بَعْضُها بَعْضًا وكُلُّها حَقٌّ، وكُلُّها يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ.
وَقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ قَدْ يَكُونُ فِيها أوْجُهٌ كُلُّها حُقٌّ وكُلُّها يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ، فَنَذْكُرُ جَمِيعَ الأوْجُهِ وأدِلَّتَها القُرْآنِيَّةَ.
الوَجْهُ الأوْلُ: قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: ﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ أيْ فُتِّتَتْ تَفْتِيتًا حَتّى صارَتْ كالبَسِيسَةِ، وهي دَقِيقٌ مَلْتُوتٌ بِسَمْنٍ، ومِنهُ قَوْلُ لِصٍّ مِن غَطَفانَ أرادَ أنْ يَخْبِزَ دَقِيقًا عِنْدَهُ فَخافَ أنْ يَعْجَلَ عَنْهُ، فَأمَرَ صاحِبَيْهِ أنْ يَلُتّاهُ لِيَأْكُلُوهُ دَقِيقًا مَلْتُوتًا، وهو البَسِيسَةُ:
؎لا تَخْبِزا خُبْزًا وبَسابِسا ولا تُطِيلا بِمُناخٍ حَبْسا
وَهَذا الوَجْهُ يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأرْضُ والجِبالُ وكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ [المزمل: ١٤]، فَقَوْلُهُ: ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ أيْ رَمْلًا مُتَهايِلًا، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎وَيَوْمًا عَلى ظَهْرِ الكَثِيبِ تَعَذَّرَتْ ∗∗∗ عَلَيَّ وآلَتْ حَلْفَةً لَمْ تُحَلَّلْ
وَمُشابَهَةُ الدَّقِيقِ المَبْسُوسِ بِالرَّمْلِ المُتَهايِلِ واضِحَةٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿وَكانَتِ الجِبالُ كَثِيبًا مَهِيلًا﴾ مُطابِقٌ في المَعْنى لِتَفْسِيرِ ﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ بِأنَّ بَسَّها هو تَفْتِيتُها وطَحْنُها كَما تَرى.
وَما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآياتُ مِن أنَّها تُسْلَبُ عَنْها قُوَّةُ الحَجَرِيَّةِ وتَتَّصِفُ بَعْدَ الصَّلابَةِ والقُوَّةِ بِاللِّينِ الشَّدِيدِ الَّذِي هو كَلِينِ الدَّقِيقِ والرَّمْلِ المُتَهايِلِ. يَشْهَدُ لَهُ في الجُمْلَةِ تَشْبِيهُها في بَعْضِ الآياتِ بِالصُّوفِ المَنفُوشِ الَّذِي هو العِهْنُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ المَنفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]، وقَوْلِهِ تَعالى: (p-٥١٢)﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كالمُهْلِ﴾ ﴿وَتَكُونُ الجِبالُ كالعِهْنِ﴾ [المعارج: ٨ - ٩]، وأصْلُ العِهْنِ أخَصُّ مِن مُطْلَقِ الصُّوفِ لِأنَّهُ الصُّوفُ المَصْبُوغُ خاصَّةً. ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرِ بْنِ أبِي سُلْمى في مُعَلَّقَتِهِ:
؎كَأنَّ فَتاةَ العِهْنِ في كُلِّ مَنزِلٍ ∗∗∗ نَزَلْنَ بِهِ حَبَّ الفَنّا لَمْ يُحْطَمِ
وَقالَ بَعْضُهم: الجِبالُ مِنها جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ ومُخْتَلِفٌ ألْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ، فَإذا بُسِّتْ وفُتِّتَتْ يَوْمَ القِيامَةِ وطُيِّرَتْ في الجَوِّ أشْبَهَتِ العِهْنَ إذا طَيَّرَتْهُ الرِّيحُ في الهَوا، وهَذا الوَجْهُ يَدُلُّ عَلَيْهِ تَرْتِيبُ كَيْنُونَتِها هَباءً مُنْبَثًّا بِالفاءِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ لِأنَّ الهَباءَ هو ما يَنْزِلُ مِنَ الكُوَّةِ مِن شُعاعِ الشَّمْسِ إذا قابَلَتْها:
مُنْبَثًّا أيْ مُتَفَرِّقًا، ووَصْفُها بِالهَباءِ المُنْبَثِّ أنْسَبُ لِكَوْنِ البَسِّ بِمَعْنى التَّفْتِيتِ والطَّحْنِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ أيْ سُيِّرَتْ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وعَلى هَذا فالمُرادُ بِبَسِّها سَوْقُها وتَسْيِيرُها مِن قَوْلِ العَرَبِ: بَسَسْتُ الإبِلَ أبُسُّها، بِضَمِّ الباءِ وأبْسَسْتُها أبُسُّها بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الباءِ، لُغَتانِ بِمَعْنى سُقْتُها، ومِنهُ حَدِيثُ: «يَخْرُجُ أقْوامٌ مِنَ المَدِينَةِ إلى اليَمَنِ والشّامِ، والعِراقِ يَبُسُّونَ والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» .
وَهَذا الوَجْهُ تَشْهَدُ لَهُ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الجِبالَ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٤٧]، وقَوْلِهِ: ﴿وَتَسِيرُ الجِبالُ سَيْرًا﴾ [الطور: ١٠] .
وَقَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لِهَذا في سُورَةِ النَّمْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَتَرى الجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وهي تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ [النمل: ٨٨] .
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَبُسَّتِ الجِبالُ بَسًّا﴾ نُزِعَتْ مِن أماكِنِها وقُلِعَتْ، وقَدْ أوْضَحْنا أنَّ هَذا الوَجْهَ راجِعٌ لِلْوَجْهِ الأوَّلِ مَعَ الإيضاحِ التّامِّ لِأحْوالِ الجِبالِ يَوْمَ القِيامَةِ، وأطْوارِها، بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ، وفي سُورَةِ ”طه“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: ١٠٥] . وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الجِبالُ فَكانَتْ سَرابًا﴾ [النبإ: ٢٠]، والهَباءُ إذا انْبَثَّ أيْ تَفَرَّقَ واضْمَحَلَّ وصارَ لا شَيْءَ، والسَّرابُ قَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ: ﴿حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ [النور: ٣٩] .
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ .
(p-٥١٣)أيْ صِرْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً، والعَرَبُ تُطْلِقُ كانَ بِمَعْنى صارَ، ومِنهُ ﴿وَلا تَقْرَبا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٣٥]، أيْ فَتَصِيرا مِنَ الظّالِمِينَ.
وَمِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎بِتَيْهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كَأنَّها قَطا الحَزْنِ قَدْ كانَتْ فِراخًا بُيُوضُها
وَقَوْلُهُ: أزْواجًا: أيْ أصْنافًا ثَلاثَةً، ثُمَّ بَيَّنَ هَذِهِ الأزْواجَ الثَّلاثَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿وَأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ٨ - ١٢]، أمّا أصْحابُ المَيْمَنَةِ فَهم أصْحابُ اليَمِينِ، كَما أوْضَحَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَأصْحابُ اليَمِينِ ما أصْحابُ اليَمِينِ﴾ ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٧ - ٢٨]، وأصْحابُ المَشْأمَةِ هم أصْحابُ الشِّمالِ كَما أوْضَحَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَأصْحابُ الشِّمالِ ما أصْحابُ الشِّمالِ﴾ ﴿فِي سَمُومٍ وحَمِيمٍ﴾ الآياتِ [الواقعة: ٤١ - ٤٢] .
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: قِيلَ لَهم أصْحابُ اليَمِينِ لِأنَّهم يُؤْتَوْنَ كُتُبَهم بِأيْمانِهِمْ.
وَقِيلَ: لِأنَّهم يُذْهَبُ بِهِمْ ذاتَ اليَمِينِ إلى الجَنَّةِ.
وَقِيلَ: لِأنَّهم عَنْ يَمِينِ أبِيهِمْ آدَمَ، كَما رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ كَذَلِكَ لَيْلَةَ الإسْراءِ.
وَقِيلَ: سُمُّوا أصْحابَ اليَمِينِ وأصْحابَ المَيْمَنَةِ لِأنَّهم مَيامِينُ، أيْ مُبارَكُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ، لِأنَّهم أطاعُوا رَبَّهم فَدَخَلُوا الجَنَّةَ، واليُمْنُ البَرَكَةُ.
وَسُمِّيَ الآخَرُونَ أصْحابَ الشِّمالِ، وقِيلَ: لِأنَّهم يُؤْتَوْنَ كُتُبَهم بِشَمائِلِهِمْ.
وَقِيلَ: لِأنَّهم يُذْهَبُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمالِ إلى النّارِ، والعَرَبُ تُسَمِّي الشِّمالَ شُؤْمًا، كَما تُسَمِّي اليَمِينَ يُمْنًا، ومِن هُنا قِيلَ لَهم أصْحابُ المَشْأمَةِ أوْ لِأنَّهم مَشائِيمُ عَلى أنْفُسِهِمْ: فَعَصَوُا اللَّهَ فَأدْخَلَهُمُ النّارَ، والمَشائِيمُ ضِدُّ المَيامِينِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَشائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً ∗∗∗ ولا ناعِبٍ إلّا بِبَيْنٍ غُرابُها
وَبَيَّنَ - جَلَّ وعَلا - أنَّ السّابِقِينَ هُمُ المُقَرَّبُونَ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١]، وهَذِهِ الأزْواجُ الثَّلاثَةُ المَذْكُورَةُ هي وجَزاؤُها في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ جاءَتْ هي (p-٥١٤)وَجَزاؤُها أيْضًا في آخِرِها، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ ﴿فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّةُ نَعِيمٍ﴾ ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿وَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ﴾ ﴿فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ﴾ ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٨ - ٩٤] .
والمُكَذِّبُونَ هم أصْحابُ المَشْأمَةِ وهم أصْحابُ الشِّمالِ.
وَذَكَرَ تَعالى بَعْضَ صِفاتِ أصْحابِ المَيْمَنَةِ والمَشْأمَةِ في البَلَدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ ﴿أوْ إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ ﴿يَتِيمًا ذا مَقْرَبَةٍ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هم أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ ﴿عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد: ١٨ - ٢٠] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾، اسْتِفْهامٌ أُرِيدَ بِهِ التَّعَجُّبُ مِن شَأْنِ هَؤُلاءِ في السَّعادَةِ، وشَأْنِ هَؤُلاءِ في الشَّقاوَةِ، والجُمْلَةُ فِيهِما مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، وهي خَبَرُ المُبْتَدَأِ قَبْلَهُ، وهو أصْحابُ المَيْمَنَةِ في الأوَّلِ وأصْحابُ المَشْأمَةِ في الثّانِي.
وَهَذا الأُسْلُوبُ يَكْثُرُ في القُرْآنِ نَحْوَ: ﴿الحاقَّةُ﴾ ﴿ما الحاقَّةُ﴾ [الحاقة: ١ - ٢]، ﴿القارِعَةُ﴾ ﴿ما القارِعَةُ﴾ [القارعة: ١ - ٢]، والرّابِطُ في جُمْلَةِ الخَبَرِ في جَمِيعِ الآياتِ المَذْكُورَةِ هو إعادَةُ لَفْظِ المُبْتَدَأِ في جُمْلَةِ الخَبَرِ كَما لا يَخْفى، وقَوْلُهُ: والسّابِقُونَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ اسْتِفْهامُ تَعْجَبٍ كَما ذَكَرَهُ فِيما قَبْلَهُ، ولَكِنَّهُ ذَكَرَ في مُقابَلِهِ تَكْرِيرَ لَفْظِ السّابِقِينَ.
والأظْهَرُ في إعْرابِهِ أنَّهُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ عَلى عادَةِ العَرَبِ في تَكْرِيرِهِمُ اللَّفْظَ وقَصْدِهِمُ الإخْبارَ بِالثّانِي عَنِ الأوَّلِ، يَعْنُونَ أنَّ اللَّفْظَ المُخْبَرَ عَنْهُ هو المَعْرُوفُ خَبَرُهُ الَّذِي لا يَحْتاجُ إلى تَعْرِيفٍ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي النَّجْمِ:
؎أنا أبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي ∗∗∗ لِلَّهِ دَرِّي ما أجَنَّ صَدْرِي
فَقَوْلُهُ: وشِعْرِي شِعْرِي، يَعْنِي: شِعْرِي هو الَّذِي بَلَغَكَ خَبَرُهُ، وانْتَهى إلَيْكَ وصْفُهُ.
56:8Page 534
فَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ ٨
Then the companions of the right - what are the companions of the right?1
No commentary for this ayah
56:9Page 534
وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ ٩
And the companions of the left - what are companions of the left?1
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ .
وَقَوْلُهُ: ثُلَّةٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ هم ثُلَّةٌ، والثُّلَّةُ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ، (p-٥١٥)وَأصْلُها القِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ وهي الثَّلُّ، وهو الكَسْرُ.
وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والثُّلَّةُ مِنَ الثَّلِّ، وهو الكَسْرُ، كَما أنَّ الأُمَّةَ مِنَ الأمِّ وهو الشَّبَحُ، كَأنَّها جَماعَةٌ كُسِّرَتْ مِنَ النّاسِ، وقُطِّعَتْ مِنهم. ا هـ. مِنهُ.
واعْلَمْ أنَّ الثُّلَّةَ تَشْمَلُ الجَماعَةَ الكَثِيرَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَجاءَتْ إلَيْهِمْ ثُلَّةٌ خِنْدَفِيَّةٌ بِجَيْشٍ كَتَيّارٍ مِنَ السَّيْلِ مُزْبِدِ
لِأنَّ قَوْلَهُ: تَيّارٍ مِنَ السَّيْلِ: يَدُلُّ عَلى كَثْرَةِ هَذا الجَيْشِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالثُّلَّةِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في المُرادِ بِهَذِهِ الثُّلَّةِ مِنَ الأوَّلِينَ، وهَذا القَلِيلُ مِنَ الآخِرِينَ المَذْكُورِينَ هُنا، كَما اخْتَلَفُوا في الثُّلَّتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩ - ٤٠]، فَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: كُلُّ هَؤُلاءِ المَذْكُورِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وإنَّ المُرادَ بِالأوَّلِينَ مِنهُمُ الصَّحابَةُ.
وَبَعْضُ العُلَماءِ يَذْكُرُ مَعَهُمُ القُرُونَ المَشْهُودَ لَهم بِالخَيْرِ في قَوْلِهِ - ﷺ: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم» الحَدِيثَ، والَّذِينَ قالُوا: هم كُلُّهم مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، قالُوا: إنَّما المُرادُ بِالقَلِيلِ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وهم مَن بَعْدَ ذَلِكَ إلى قِيامِ السّاعَةِ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المُرادُ بِالأوَّلِينَ في المَوْضِعَيْنِ الأُمَمُ الماضِيَةُ قَبْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ، فالمُرادُ بِالآخِرِينَ فِيهِما هو هَذِهِ الأُمَّةُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ، وغَفَرَ لَهُ: ظاهِرُ القُرْآنِ في هَذا المَقامِ أنَّ الأوَّلِينَ في المَوْضِعَيْنِ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ، والآخِرِينَ فِيهِما مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ في السّابِقِينَ خاصَّةً، وأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ في أصْحابِ اليَمِينِ خاصَّةً.
وَإنَّما قُلْنا: إنَّ هَذا هو ظاهِرُ القُرْآنِ في الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، الَّتِي هي شُمُولُ الآياتِ لِجَمِيعِ الأُمَمِ، وكَوْنُ قَلِيلٍ مِنَ الآخِرِينَ في خُصُوصِ السّابِقِينَ، وكَوْنُ ثُلَّةٍ مِنَ الآخِرِينَ في خُصُوصِ أصْحابِ اليَمِينِ لِأنَّهُ واضِحٌ مِن سِياقِ الآياتِ.
أمّا شُمُولُ الآياتِ لِجَمِيعِ الأُمَمِ فَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ أوَّلُ السُّورَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إذا وقَعَتِ الواقِعَةُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ لا شَكَّ أنَّهُ لا يَخُصُّ أُمَّةً دُونَ أُمَّةٍ، وأنَّ (p-٥١٦)الجَمِيعَ مُسْتَوُونَ في الأهْوالِ والحِسابِ والجَزاءِ.
فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧] عامٌّ في جَمِيعِ أهْلِ المَحْشَرِ، فَظَهَرَ أنَّ السّابِقِينَ وأصْحابَ اليَمِينِ مِنهم مَن هو مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ، ومِنهم مَن هو مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.
وَعَلى هَذا فَظاهِرُ القُرْآنِ أنَّ السّابِقِينَ مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ أكْثَرُ مِنَ السّابِقِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، وأنَّ أصْحابَ اليَمِينِ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ لَيْسَتْ أكْثَرَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، لِأنَّهُ عَبَّرَ في السّابِقِينَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ وعَبَّرَ عَنْ أصْحابِ اليَمِينِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ .
وَلا غَرابَةَ في هَذا، لِأنَّ الأُمَمَ الماضِيَةَ أُمَمٌ كَثِيرَةٌ، وفِيها أنْبِياءُ كَثِيرَةٌ ورُسُلٌ، فَلا مانِعَ مِن أنْ يَجْتَمِعَ مِن سابِقِيها مِن لَدُنْ آدَمَ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ أكْثَرُ مِن سابِقِي هَذِهِ الأُمَّةِ وحْدَها.
أمّا أصْحابُ اليَمِينِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونُوا أكْثَرَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ مِن جَمِيعِ الأُمَمِ، لِأنَّ الثُّلَّةَ تَتَناوَلُ العَدَدَ الكَثِيرَ، وقَدْ يَكُونُ أحَدُ العَدَدَيْنِ الكَثِيرَيْنِ أكْثَرَ مِنَ الآخَرِ، مَعَ أنَّهُما كِلَيْهِما كَثِيرٌ.
وَلِهَذا تَعْلَمُ أنَّ ما دَلَّ عَلَيْهِ ظاهِرُ القُرْآنِ واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ - لا يُنافِي ما جاءَ مِن أنَّ نِصْفَ أهْلِ الجَنَّةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ.
فَأمّا كَونُ قَوْلِهِ: ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ دَلَّ ظاهِرُ القُرْآنِ عَلى أنَّهُ في خُصُوصِ السّابِقِينَ، فَلِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ المُقَرَّبُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١٢]، ثُمَّ قالَ تَعالى مُخْبِرًا عَنْ هَؤُلاءِ السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ .
وَأمّا كَوْنُ قَوْلِهِ: ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ في خُصُوصِ أصْحابِ اليَمِينِ، فَلِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿فَجَعَلْناهُنَّ أبْكارًا﴾ ﴿عُرُبًا أتْرابًا﴾ ﴿لِأصْحابِ اليَمِينِ﴾ ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ﴾ ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٦ - ٤٠]، والمَعْنى هم - أيْ أصْحابُ اليَمِينِ - ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ وثُلَّةٌ مِنَ الآخِرِينَ، وهَذا واضِحٌ كَما تَرى.
No commentary for this ayah
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ﴾ .
(p-٥١٧)السُّرُرُ جَمْعُ سَرِيرٍ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ سُرُرَهم مَرْفُوعَةٌ في قَوْلِهِ في الغاشِيَةِ: ﴿فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الكهف: ١٣]، وقَوْلُهُ تَعالى: مَوْضُونَةٍ مَنسُوجَةٍ بِالذَّهَبِ، وبَعْضُهم يَقُولُ بِقُضْبانِ الذَّهَبِ مُشَبَّكَةٍ بِالدُّرِّ والياقُوتِ، وكُلُّ نَسْجٍ أُحْكِمَ ودَخَلَ بَعْضُهُ في بَعْضٍ تُسَمِّيهِ العَرَبُ وضَنًا، وتُسَمِّي المَنسُوجَ بِهِ مَوْضُونًا ووَضِينًا، ومِنهُ الدِّرْعُ المَوْضُونَةُ إذا أُحْكِمَ نَسْجُها ودَخَلَ بَعْضُ حَلْقاتِها في بَعْضٍ.
وَمِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎وَمِن نَسْجِ داوُدَ مَوْضُونَةٌ تُساقُ مَعَ الحَيِّ عِيرًا فَعِيرا
وَقَوْلُهُ أيْضًا:
؎وَبَيْضاءَ كالنِّهْيِ مَوْضُونَةٍ ∗∗∗ لَها قَوْنَسٌ فَوْقَ جَيْبِ البُدُنِ
وَمِن هَذا القَبِيلِ تَسْمِيَةُ البِطانِ الَّذِي يُنْسَجُ مِنَ السُّيُورِ، مَعَ إدْخالِ بَعْضِها في بَعْضٍ - وضِينًا.
وَمِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وضِينُها ∗∗∗ مُعْتَرِضًا في بَطْنِها جَنِينُها ∗∗∗ مُخالِفًا دِينَ النَّصارى دِينُها
وَهَذِهِ السُّرُرُ المُزَيَّنَةُ هي المُعَبَّرُ عَنْها بِالأرائِكِ في قَوْلِهِ: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلى الأرائِكِ﴾ [الكهف: ٣١]، وقَوْلِهِ: ﴿هم وأزْواجُهم في ظِلالٍ عَلى الأرائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس: ٥٦] . وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مُتَّكِئِينَ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ والتَّقْدِيرُ: اسْتَقَرُّوا عَلى سُرُرٍ في حالِ كَوْنِهِمْ مُتَّكِئِينَ عَلَيْها.
وَما ذَكَرَهُ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِن كَوْنِهِمْ عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ، أيْ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى وجْهِ بَعْضٍ، كُلُّهم يُقابِلُ الآخَرَ بِوَجْهِهِ، جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى في الحِجْرِ: ﴿وَنَزَعْنا ما في صُدُورِهِمْ مِن غِلٍّ إخْوانًا عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] وقَوْلِهِ في الصّافّاتِ: ﴿أُولَئِكَ لَهم رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ ﴿فَواكِهُ وهم مُكْرَمُونَ﴾ ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ ﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ [الصافات: ٤١ - ٤٤] .
No commentary for this ayah
56:17Page 535
يَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ ١٧
There will circulate among them young boys made eternal
(p-٥١٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الطُّورِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهم كَأنَّهم لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور: ٢٤] .
56:18Page 535
بِأَكۡوَابٖ وَأَبَارِيقَ وَكَأۡسٖ مِّن مَّعِينٖ ١٨
With vessels, pitchers and a cup [of wine] from a flowing spring -
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَأْسٍ مِن مَعِينٍ﴾ ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزِفُونَ﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الطُّورِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْسًا لا لَغْوٌ فِيها ولا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣]، وفي المائِدَةِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٩٠] .
56:19Page 535
لَّا يُصَدَّعُونَ عَنۡهَا وَلَا يُنزِفُونَ ١٩
No headache will they have therefrom, nor will they be intoxicated -
No commentary for this ayah
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في سُورَةِ الطُّورِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمْدَدْناهم بِفاكِهَةٍ ولَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢٢] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences