Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-Waqi'ah 56:57–70
56:57Page 536
نَحۡنُ خَلَقۡنَٰكُمۡ فَلَوۡلَا تُصَدِّقُونَ ٥٧
We have created you, so why do you not believe?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكم فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ .
لَمّا أنْكَرَ الكُفّارُ بَعْثَهم وآباءَهُمُ الأوَّلِينَ، وأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يُخْبِرَهم أنَّهُ تَعالى باعِثٌ جَمِيعَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وذَكَرَ جَزاءَ مُنْكِرِي البَعْثِ بِأكْلِ الزَّقُّومِ وشُرْبِ الحَمِيمِ - أتْبَعَ ذَلِكَ بِالبَراهِينِ القاطِعَةِ الدّالَّةِ عَلى البَعْثِ فَقالَ: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ﴾ هَذا الخَلْقَ الأوَّلَ ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾، أيْ: فَهَلّا تُصَدِّقُونَ بِالبَعْثِ الَّذِي هو الخَلْقُ الثّانِي، لِأنَّ إعادَةَ الخَلْقِ لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ أصْعَبَ مِنَ ابْتِدائِهِ كَما لا يَخْفى.
وَهَذا البُرْهانُ عَلى البَعْثِ بِدَلالَةِ الخَلْقِ الأوَّلِ عَلى الخَلْقِ الثّانِي - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ كَثِيرَةٍ جِدًّا
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ [الحج: ٥]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١]،
والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ، وقَدْ ذَكَرْناها بِإيضاحٍ وكَثْرَةٍ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ مِن هَذا الكِتابِ المُبارَكِ في سُورَةِ البَقَرَةِ والنَّحْلِ والحَجِّ والجاثِيَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ وأحَلْنا عَلَيْها كَثِيرًا.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ﴾ ”لَوْلا“ حَرْفُ تَحْضِيضٍ، ومَعْناهُ الطَّلَبُ بِحَثٍّ وشِدَّةٍ، فالآيَةُ تَدُلُّ عَلى شِدَّةِ حَثِّ اللَّهِ لِلْكُفّارِ وحَضِّهِ لَهم عَلى التَّصْدِيقِ بِالبَعْثِ لِظُهُورِ بُرْهانِهِ القاطِعِ الَّذِي هو خَلْقُهُ لَهم أوَّلًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا قَرِيبًا كَلامَ أهْلِ العِلْمِ في هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ المَتْبُوعَةِ بِأداةِ عَطْفٍ، وذَكَرْناهُ قَبْلَ (p-٥٢٨)هَذا مِرارًا، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَ﴾ يَعْنِي أفَرَأيْتُمْ ما تَصُبُّونَهُ مِنَ المَنِيِّ في أرْحامِ النِّساءِ، فَلَفْظَةُ ”ما“ مَوْصُولَةٌ، والجُمْلَةُ الفِعْلِيَّةُ صِلَةُ المَوْصُولِ، والعائِدُ إلى الصِّفَةِ مَحْذُوفٌ، لِأنَّهُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ، والتَّقْدِيرُ: أفَرَأيْتُمْ ما تُمْنُونَهُ، والعَرَبُ تَقُولُ: أمْنى النُّطْفَةَ بِصِيغَةِ الرُّباعِيِّ، يُمْنِيها بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ، إذا أراقَها في رَحِمِ المَرْأةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ [النجم: ٤٦]، ومَنى يَمْنى بِصِيغَةِ الثُّلاثِيِّ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ، إلّا أنَّ القِراءَةَ بِها شاذَّةٌ.
وَمِمَّنْ قَرَأ ”تَمْنُونَ“ بِفَتْحِ التّاءِ مُضارِعٌ في الثُّلاثِيِّ المُجَرَّدِ - أبُو السَّمّالِ وابْنُ السِّمَيْقَعِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أمْ نَحْنُ الخالِقُونَ﴾ اسْتِفْهامُ تَقْرِيرٍ، فَإنَّهم لا بُدَّ أنْ يَقُولُوا: أنْتُمُ الخالِقُونَ، فَيُقالُ لَهم: إذا كُنّا خَلَقْنا هَذا الإنْسانَ الخَصِيمَ المُبِينَ مِن تِلْكَ النُّطْفَةِ الَّتِي تُمْنى في الرَّحِمِ، فَكَيْفَ تُكَذِّبُونَ بِقُدْرَتِنا عَلى خَلْقِهِ مَرَّةً أُخْرى، وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ الإعادَةَ لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ أصْعَبَ مِنَ الِابْتِداءِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في ”تَخْلُقُونَهُ“ عائِدٌ إلى المَوْصُولِ أيْ تَخْلُقُونَ ما تُمْنُونَهُ مِنَ النُّطَفِ عَلَقًا، ثُمَّ مُضَغًا إلى آخِرِ أطْوارِهِ.
وَهَذا الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ البَراهِينِ القاطِعَةِ عَلى كَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلى البَعْثِ وغَيْرِهِ، وعَلى أنَّهُ المَعْبُودُ وحْدَهُ، بِبَيانِ أطْوارِ خَلْقِ الإنْسانِ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ، وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى ذَلِكَ مُسْتَوْفًى بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ، وبَيَّنّا ما يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ طَوْرٍ مِن أطْوارِهِ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ في سُورَةِ الحَجِّ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنْ كُنْتُمْ في رَيْبٍ مِنَ البَعْثِ فَإنّا خَلَقْناكم مِن تُرابٍ﴾ الآيَةَ [الحج: ٥] .
وَذَكَرْنا أطْوارَ خَلْقِ الإنْسانِ في سُورَةِ الرَّحْمَنِ أيْضًا في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خَلَقَ الإنْسانَ﴾ ﴿عَلَّمَهُ البَيانَ﴾ [الرحمن: ٣ - ٤]، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ.
وَبَيَّنّا الآياتِ الدّالَّةَ عَلى أطْوارِ خَلْقِهِ جُمْلَةً وتَفْصِيلًا في الحَجِّ.
تَنْبِيهٌ:
هَذا البُرْهانُ الدّالُّ عَلى البَعْثِ الَّذِي هو خَلْقُ الإنْسانِ مِن نُطْفَةِ مَنِيٍّ تُمْنى - يَجِبُ عَلى كُلِّ إنْسانٍ النَّظَرُ فِيهِ، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - وجَّهَ صِفَةَ الأمْرِ بِالنَّظَرِ فِيهِ إلى مَنِيِّ الإنْسانِ، والأصْلُ في صِيغَةِ الأمْرِ عَلى التَّحْقِيقِ الوُجُوبُ إلّا لِدَلِيلٍ صارِفٍ عَنْهُ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ﴿خُلِقَ مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ الآيَةَ [الطارق: ٥ - ٦]، وقَدْ قَدَّمْنا (p-٥٢٩)شَرْحَها في أوَّلِ سُورَةِ النَّحْلِ، وقَرَأ هَذا الحَرْفَ نافِعٌ أفَرَأيْتُمْ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ بَعْدَ الرّاءِ بَيْنَ بَيْنَ.
والرِّوايَةُ المَشْهُورَةُ الَّتِي بِها الأداءُ عَنْ ورْشٍ عَنْهُ إبْدالُ الهَمْزَةِ ألِفًا وإشْباعُها لِسُكُونِ الياءِ بَعْدَها.
وَقَرَأ الكِسائِيُّ: ”أفَرَيْتُمْ“ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ، وقَرَأهُ باقِي السَّبْعَةِ بِتَحْقِيقِ الهَمْزَةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: أأنْتُمْ قَرَأهُ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وهِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ بِتَسْهِيلِ الهَمْزَةِ الثّانِيَةِ. والرِّوايَةُ المَشْهُورَةُ الَّتِي بِها الأداءُ عَنْ ورْشٍ عَنْ نافِعٍ إبْدالُ الثّانِيَةِ ألِفًا مُشْبَعًا مَدُّها لِسُكُونِ النُّونِ بَعْدَها، وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وهُشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ في الرِّوايَةِ الأُخْرى بِتَحْقِيقِ الهَمْزَتَيْنِ، وقالُونَ، وأبُو عَمْرٍو وهُشامٌ بِألْفِ الإدْخالِ بَيْنَ الهَمْزَتَيْنِ والباقُونَ بِدُونِها.
56:59Page 536
ءَأَنتُمۡ تَخۡلُقُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ٥٩
Is it you who creates it, or are We the Creator?
No commentary for this ayah
56:60Page 536
نَحۡنُ قَدَّرۡنَا بَيۡنَكُمُ ٱلۡمَوۡتَ وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ ٦٠
We have decreed death among you, and We are not to be outdone
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم ونُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ .
قَرَأ هَذا الحَرْفَ عامَّةُ القُرّاءِ السَّبْعَةِ غَيْرَ ابْنِ كَثِيرٍ قَدَّرْنا بِتَشْدِيدِ الدّالِّ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ بِتَخْفِيفِها، وقَدْ قَدَّمْنا في تَرْجَمَةِ هَذا الكِتابِ المُبارَكِ أنَّ الآيَةَ الكَرِيمَةَ قَدْ يَكُونُ فِيها وجْهانِ أوْ أكْثَرُ مِنَ التَّفْسِيرِ، ويَكُونُ كُلُّ ذَلِكَ صَحِيحًا، وكُلُّهُ يَشْهَدُ لَهُ قُرْآنٌ، فَنَذْكُرُ الجَمِيعَ وأدِلَّتَهُ مِنَ القُرْآنِ، ومِن ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ.
وَإيضاحُ ذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ: قَدَّرْنا [الواقعة: ٦٠] وجْهانِ مِنَ التَّفْسِيرِ، وفِيما تَتَعَلَّقُ بِهِ: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ﴾ [الواقعة: ٦١] وجْهانِ أيْضًا، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: وهو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ أيْ قَدَّرْنا لِمَوْتِكم آجالًا مُخْتَلِفَةً وأعْمارًا مُتَفاوِتَةً فَمِنكم مَن يَمُوتُ صَغِيرًا ومِنكم مَن يَمُوتُ شابًّا، ومِنكم مَن يَمُوتُ شَيْخًا.
وَهَذا المَعْنى دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكم طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أشُدَّكم ومِنكم مَن يُتَوَفّى ومِنكم مَن يُرَدُّ إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾ [الحج: ٥]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ومِنكم مَن يُتَوَفّى مِن قَبْلُ ولِتَبْلُغُوا أجَلًا مُسَمًّى ولَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ [غافر: ٦٧]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما يُعَمَّرُ مِن مُعَمَّرٍ ولا يُنْقَصُ مِن عُمُرِهِ إلّا في كِتابٍ﴾ [فاطر: ١١]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾ [المنافقون: ١١]،
• وقَوْلِهِ: (p-٥٣٠)﴿وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ [الواقعة: ٦]،
أيْ ما نَحْنُ بِمَغْلُوبِينَ. والعَرَبُ تَقُولُ: سَبَقَهُ عَلى كَذا أيْ غَلَبَهُ عَلَيْهِ وأعْجَزَهُ عَنْ إدْراكِهِ، أيْ: وما نَحْنُ بِمَغْلُوبِينَ عَلى ما قَدَّرْنا مِن آجالِكم وحَدَّدْناهُ مِن أعْمارِكم فَلا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُقَدِّمَ أجَلًا أخَّرْناهُ ولا يُؤَخِّرَ أجَلًا قَدَّمْناهُ.
وَهَذا المَعْنى دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ أجَلُهم لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح: ٤]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أنْ تَمُوتَ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ كِتابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَعَلى هَذا القَوْلِ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ [الواقعة: ٦١]، لَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِـ ”مَسْبُوقِينَ“ بَلْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠]، والمَعْنى: نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ المَوْتَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم، أيْ نُبَدِّلَ مِنَ الَّذِينَ ماتُوا أمْثالًا لَهم نُوجِدُهم.
وَعَلى هَذا، فَمَعْنى تَبْدِيلِ أمْثالِهِمْ - إيجادُ آخَرِينَ مِن ذُرِّيَّةِ أُولَئِكَ الَّذِينَ ماتُوا، وهَذا المَعْنى تَشْهَدُ لَهُ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ كَما أنْشَأكم مِن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٣]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَهَذا التَّفْسِيرُ هو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وقِراءَةُ ”قَدَّرْنا“ بِالتَّشْدِيدِ مُناسِبَةٌ لِهَذا الوَجْهِ، وكَذَلِكَ لَفْظَةُ ”بَيْنَكُمُ“ .
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ ”قَدَّرْنا“ بِمَعْنى قَضَيْنا وكَتَبْنا أيْ كَتَبْنا المَوْتَ وقَدَّرْناهُ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ، وهَذا الوَجْهُ تَشْهَدُ لَهُ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ [الأنبياء: ٣٥]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]، وعَلى هَذا القَوْلِ فَقَوْلُهُ: ﴿عَلى أنْ نُبَدِّلَ﴾ [الواقعة: ٦١]،
مُتَعَلِّقٌ بِـ ”مَسْبُوقِينَ“، أيْ: ما نَحْنُ مَغْلُوبِينَ، والمَعْنى: وما نَحْنُ بِمَغْلُوبِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكم إنْ أهْلَكْناكم لَوْ شِئْنا، فَنَحْنُ قادِرُونَ عَلى إهْلاكِكم، ولا يُوجَدُ أحَدٌ يَغْلِبُنا ويَمْنَعُنا مِن خَلْقِ أمْثالِكم بَدَلًا مِنكم.
وَهَذا المَعْنى تَشْهَدُ لَهُ آياتٌ مِن كِتابِ اللَّهِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٣٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكم ما يَشاءُ﴾ [الأنعام: ١٣٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: (p-٥٣١)﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ﴿وَما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ١٩ - ٢٠]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]، وقَدْ قَدَّمْنا هَذا في سُورَةِ النِّساءِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٣٣] . وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿وَنُنْشِئَكم في ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١]،
فِيهِ لِلْعُلَماءِ أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ.
قالَ بَعْضُهم: ”نُنْشِئَكم“ بَعْدَ إهْلاكِكم فِيما لا تَعْلَمُونَهُ مِنَ الصُّوَرِ والهَيْئاتِ، كَأنْ نُنْشِئَكم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، كَما فَعَلْنا بِبَعْضِ المُجْرِمِينَ قَبْلَكم.
وَقالَ بَعْضُهم: ”نُنْشِئَكم“ فِيما لا تَعْلَمُونَهُ مِنَ الصِّفاتِ، فَنُغَيِّرَ صِفاتِكم ونُجَمِّلَ المُؤْمِنِينَ بِبَياضِ الوُجُوهِ، ونُقَبِّحَ الكافِرِينَ بِسَوادِ الوُجُوهِ وزُرْقَةِ العُيُونِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ.
56:61Page 536
عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمۡثَٰلَكُمۡ وَنُنشِئَكُمۡ فِي مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦١
In that We will change your likenesses and produce you in that [form] which you do not know.1
No commentary for this ayah
56:62Page 536
وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُولَىٰ فَلَوۡلَا تَذَكَّرُونَ ٦٢
And you have already known the first creation, so will you not remember?
No commentary for this ayah
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ .
تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بُرْهانًا قاطِعًا ثانِيًا عَلى البَعْثِ وامْتِنانًا عَظِيمًا عَلى الخَلْقِ بِخَلْقِ أرْزاقِهِمْ لَهم، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣]، يَعْنِي أفَرَأيْتُمُ البَذْرَ الَّذِي تَجْعَلُونَهُ في الأرْضِ بَعْدَ حَرْثِها أيْ تَحْرِيكِها وتَسْوِيَتِها ﴿أأنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾ أيْ تَجْعَلُونَهُ زَرْعًا، ثُمَّ تُنَمُّونَهُ إلى أنْ يَصِيرَ مُدْرَكًا صالِحًا لِلْأكْلِ أمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ لَهُ، ولا شَكَّ أنَّ الجَوابَ الَّذِي لا جَوابَ غَيْرُهُ هو أنْ يُقالَ: أنْتَ يا رَبَّنا هو الزّارِعُ المُنْبِتُ، ونَحْنُ لا قُدْرَةَ لَنا عَلى ذَلِكَ فَيُقالُ لَهم: كُلُّ عاقِلٍ يَعْلَمُ أنَّ مَن أنْبَتَ هَذا السُّنْبُلَ مِن هَذا البَذْرِ الَّذِي تَعَفَّنَ في باطِنِ الأرْضِ قادِرٌ عَلى أنْ يَبْعَثَكم بَعْدَ مَوْتِكم. وكَوْنُ إنْباتِ النَّباتِ بَعْدَ عَدَمِهِ مِن بَراهِينِ البَعْثِ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَمِن آياتِهِ أنَّكَ تَرى الأرْضَ خاشِعَةً فَإذا أنْزَلْنا عَلَيْها الماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ إنَّ الَّذِي أحْياها لَمُحْيِي المَوْتى﴾ [فصلت: ٣٩]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْظُرْ إلى آثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم: ٥٠]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أقَلَّتْ سَحابًا ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأنْزَلْنا بِهِ الماءَ فَأخْرَجْنا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ المَوْتى لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٥٧] .
والآياتُ بِمِثْلِ هَذا كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ، وقَدْ قَدَّمْناها مُسْتَوْفاةً مَعَ سائِرِ آياتِ بَراهِينِ البَعْثِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ في سُورَةِ البَقَرَةِ والنَّحْلِ والجاثِيَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَواضِعِ، (p-٥٣٢)وَأحَلْنا عَلَيْها مِرارًا.
تَنْبِيهٌ:
اعْلَمْ أنَّهُ يَجِبُ عَلى كُلِّ إنْسانٍ أنْ يَنْظُرَ في هَذا البُرْهانِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، لِأنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - وجَّهَ في كِتابِهِ صِيغَةَ أمْرٍ صَرِيحَةٍ عامَّةٍ في كُلِّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمّى الإنْسانِ بِالنَّظَرِ في هَذا البُرْهانِ العَظِيمِ المُتَضَمِّنِ لِلِامْتِنانِ لَأعْظَمِ النِّعَمِ عَلى الخَلْقِ، ولِلدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ اللَّهِ وقُدْرَتِهِ عَلى البَعْثِ وغَيْرِهِ، وشَدَّةِ حاجَةِ خَلْقِهِ إلَيْهِ مَعَ غِناهُ عَنْهم، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وَعِنَبًا وقَضْبًا﴾ ﴿وَزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ ﴿وَحَدائِقَ غُلْبًا﴾ ﴿وَفاكِهَةً وأبًّا﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٤ - ٣٢] .
والمَعْنى: انْظُرْ أيُّها الإنْسانُ الضَّعِيفُ إلى طَعامِكَ كالخُبْزِ الَّذِي تَأْكُلُهُ ولا غِنى لَكَ عَنْهُ، مَن هو الَّذِي خَلَقَ الماءَ الَّذِي صارَ سَبَبًا لِإنْباتِهِ، هَلْ يَقْدِرُ أحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ عَلى خَلْقِ الماءِ ؟ أيْ إبْرازِهِ مِن أصْلِ العَدَمِ إلى الوُجُودِ، ثُمَّ هَبْ أنَّ الماءَ خُلِقَ، هَلْ يَقْدِرُ أحَدٌ غَيْرُ اللَّهِ أنْ يُنْزِلَهُ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ الهائِلِ العَظِيمِ الَّذِي يُسْقِي بِهِ الأرْضَ مِن غَيْرِ هَدْمٍ ولا غَرَقٍ ؟ ثُمَّ هَبْ أنَّ الماءَ نَزَلَ في الأرْضِ، مَن هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى شَقِّ الأرْضِ عَنْ مَسارِ الزَّرْعِ ؟ ثُمَّ هَبْ أنَّ الزَّرْعَ طَلَعَ، فَمَن هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى إخْراجِ السُّنْبُلِ مِنهُ ؟ ثُمَّ هَبْ أنَّ السُّنْبُلَ خَرَجَ مِنهُ، فَمَن هو الَّذِي يَقْدِرُ عَلى إنْباتِ الحَبِّ فِيهِ وتَنْمِيَتِهِ حَتّى يُدْرَكَ صالِحًا لِلْأكْلِ ؟
﴿انْظُرُوا إلى ثَمَرِهِ إذا أثْمَرَ ويَنْعِهِ إنَّ في ذَلِكم لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩]، والمَعْنى: انْظُرُوا إلى الثَّمَرِ وقْتَ طُلُوعِهِ ضَعِيفًا لا يَصْلُحُ لِلْأكْلِ، وانْظُرُوا إلى يَنْعِهِ، أيِ انْظُرُوا إلَيْهِ بَعْدَ أنْ صارَ يانِعًا مُدْرَكًا صالِحًا لِلْأكْلِ، تَعْلَمُوا أنَّ الَّذِي رَبّاهُ ونَمّاهُ حَتّى صارَ كَما تَرَوْنَهُ وقْتَ يَنْعِهِ - قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، مُنْعِمٌ عَلَيْكم عَظِيمُ الإنْعامِ؛ ولِذا قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكم لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩]، فاللّازِمُ أنْ يَتَأمَّلَ الإنْسانُ ويَنْظُرَ في طَعامِهِ ويَتَدَبَّرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ﴾ [عبس: ٢٥] أيْ عَنِ النَّباتِ شَقًّا إلى آخِرِ ما بَيَّنّاهُ. وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ [الواقعة: ٦٥]، يَعْنِي لَوْ نَشاءُ تَحْطِيمَ ذَلِكَ الزَّرْعِ لَجَعَلْناهُ حُطامًا، أيْ فُتاتًا وهَشِيمًا، ولَكِنّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ رَحْمَةً بِكم. ومَفْعُولُ فِعْلِ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ لِلِاكْتِفاءِ عَنْهُ بِجَزاءِ الشَّرْطِ، وتَقْدِيرُهُ كَما ذَكَرْنا. وقَوْلُهُ: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥] (p-٥٣٣)قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: المَعْنى فَظَلْتُمْ تَعْجَبُونَ مِن تَحْطِيمِ زَرْعِكم.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: تَفَكَّهُونَ بِمَعْنى تَنْدَمُونَ عَلى ما خَسِرْتُمْ مِنَ الإنْفاقِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾ [الكهف: ٤٢] .
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: تَنْدَمُونَ عَلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ الَّتِي كانَتْ سَبَبًا لِتَحْطِيمِ زَرْعِكم. والأوَّلُ مِنَ الوَجْهَيْنِ في سَبَبِ النَّدَمِ هو الأظْهَرُ.
56:64Page 536
ءَأَنتُمۡ تَزۡرَعُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلزَّٰرِعُونَ ٦٤
Is it you who makes it grow, or are We the grower?
No commentary for this ayah
56:65Page 536
لَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَٰهُ حُطَٰمٗا فَظَلۡتُمۡ تَفَكَّهُونَ ٦٥
If We willed, We could make it [dry] debris, and you would remain in wonder,1
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
56:68Page 536
أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلۡمَآءَ ٱلَّذِي تَشۡرَبُونَ ٦٨
And have you seen the water that you drink?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ﴾ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ .
تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ امْتِنانًا عَظِيمًا عَلى خَلْقِهِ بِالماءِ الَّذِي يَشْرَبُونَهُ، وذَلِكَ أيْضًا آيَةٌ مِن آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى عَظَمَتِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ وشِدَّةِ حاجَةِ خَلْقِهِ إلَيْهِ، والمَعْنى: أفَرَأيْتُمُ الماءَ الَّذِينَ تَشْرَبُونَ، الَّذِي لا غِنى لَكم عَنْهُ لَحْظَةً، ولَوْ أعْدَمْناهُ لَهَلَكْتُمْ جَمِيعًا في أقْرَبِ وقْتٍ: ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة: ٦٩] .
والجَوابُ الَّذِي لا جَوابَ غَيْرُهُ - هو أنْتَ يا رَبَّنا، هو مُنْزِلُهُ مِنَ المُزْنِ، ونَحْنُ لا قُدْرَةَ لَنا عَلى ذَلِكَ. فَيُقالُ لَهم: إذا كُنْتُمْ في هَذا القَدْرِ مِن شِدَّةِ الحاجَةِ إلَيْهِ تَعالى فَلِمَ تَكْفُرُونَ بِهِ وتَشْرَبُونَ ماءَهُ وتَأْكُلُونَ رِزْقَهُ وتَعْبُدُونَ غَيْرَهُ.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنَ الِامْتِنانِ عَلى الخَلْقِ بِالماءِ وأنَّهم يَلْزَمُهُمُ الإيمانُ بِاللَّهِ وطاعَتُهُ شُكْرًا لِنِعْمَةِ هَذا الماءِ، كَما أشارَ لَهُ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٠] - جاءَ في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا ونُسْقِيَهُ مِمّا خَلَقْنا أنْعامًا وأناسِيَّ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٤٨ - ٤٩]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأسْقَيْناكم ماءً فُراتًا﴾ [المرسلات: ٢٧]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ هُنا: ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠]، أيْ لَوْ نَشاءُ جَعْلَهُ أُجاجًا لَفَعَلْنا، ولَكِنْ جَعَلْناهُ عَذْبًا فُراتًا سائِغًا شَرابُهُ، وقَدْ قَدَّمْنا في سُورَةِ الفُرْقانِ أنَّ الماءَ الأُجاجَ هو الجامِعُ بَيْنَ المُلُوحَةِ والمَرارَةِ الشَّدِيدَتَيْنِ.
(p-٥٣٤)وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِهِ تَعالى لَوْ شاءَ لَجَعَلَ الماءَ غَيْرَ صالِحٍ لِلشَّرابِ - جاءَ مَعْناهُ في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكم بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ وإنّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨]، لِأنَّ الذَّهابَ بِالماءِ وجَعْلَهُ غَوْرًا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ وجَعْلَهُ أُجاجًا، كُلُّ ذَلِكَ في المَعْنى سَواءٌ بِجامِعِ عَدَمِ تَأتِّي شُرْبِ الماءِ. وهَذِهِ الآياتُ المَذْكُورَةُ تَدُلُّ عَلى شِدَّةِ حاجَةِ الخَلْقِ إلى خالِقِهِمْ كَما تَرى. وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿أأنْتُمْ أنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ﴾ [الواقعة: ٦٩]، يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ الماءِ السّاكِنِ في الأرْضِ النّابِعِ مِنَ العُيُونِ والآبارِ ونَحْوِ ذَلِكَ، أنَّ أصْلَهُ كُلَّهُ نازِلٌ مِنَ المُزْنِ، وأنَّ اللَّهَ أسْكَنَهُ في الأرْضِ وخَزَنَهُ فِيها لِخَلْقِهِ.
وَهَذا المَعْنى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأسْكَنّاهُ في الأرْضِ﴾ [المؤمنون: ١٨]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ في الأرْضِ﴾ [الزمر: ٢١]، وقَدْ قَدَّمْنا هَذا في سُورَةِ الحِجْرِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأسْقَيْناكُمُوهُ وما أنْتُمْ لَهُ بِخازِنِينَ﴾ الآيَةَ [الحجر: ٢٢]، وفي سُورَةِ ”سَبَأٍ“ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها﴾ الآيَةَ [سبإ: ٢] . وقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٠]، فَلَوْلا بِمَعْنى هَلّا، وهي حِرَفُ تَحْضِيضٍ، وهو الطَّلَبُ بِحَثٍّ وحَضٍّ، والمَعْنى أنَّهم يُطْلَبُ مِنهم شُكْرُ هَذا المُنْعِمِ العَظِيمِ بِحَثٍّ وحَضٍّ.
واعْلَمْ أنَّ الشُّكْرَ يُطْلَقُ مِنَ العَبْدِ لِرَبِّهِ ومِنَ الرَّبِّ لِعَبْدِهِ.
فَشُكْرُ العَبْدِ لِرَبِّهِ يَنْحَصِرُ مَعْناهُ في اسْتِعْمالِهِ جَمِيعَ نِعَمِهِ فِيما يُرْضِيهِ تَعالى. فَشُكْرُ نِعْمَةِ العَيْنِ ألّا يَنْظُرَ بِها إلّا ما يُرْضِي مَن خَلَقَها، وهَكَذا في جَمِيعِ الجَوارِحِ. وشُكْرُ نِعْمَةِ المالِ أنْ يُقِيمَ فِيهِ أوامِرَ رَبِّهِ ويَكُونَ مَعَ ذَلِكَ شاكِرَ القَلْبِ واللِّسانِ. وشُكْرُ العَبْدِ لِرَبِّهِ جاءَ في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ تَعالى هُنا: ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٠]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]، والآياتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْلُومَةٌ.
وَأمّا شُكْرُ الرَّبِّ لِعَبْدِهِ فَهو أنْ يُثِيبَهُ الثَّوابَ الجَزِيلَ مِن عَمَلِهِ القَلِيلِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤]، (p-٥٣٥)إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
تَنْبِيهٌ لُغَوِيٌّ
اعْلَمْ أنَّ مادَّةَ الشُّكْرِ تَتَعَدّى إلى النِّعْمَةِ تارَةً، وإلى المُنْعِمِ أُخْرى، فَإنْ عُدِّيَتْ إلى النِّعْمَةِ تَعَدَّتْ إلَيْها بِنَفْسِها دُونَ حَرْفِ الجَرِّ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبِّ أوْزِعْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ [النمل: ١٩]، وإنْ عُدِّيَتْ إلى المُنْعِمِ تَعَدَّتْ إلَيْهِ بِحَرْفِ الجَرِّ الَّذِي هو اللّامُ كَقَوْلِكَ: نَحْمَدُ اللَّهَ ونَشْكُرُ لَهُ، ولَمْ تَأْتِ في القُرْآنِ مُعَدّاةً إلّا بِاللّامِ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [النحل: ١١٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ واعْبُدُوهُ واشْكُرُوا لَهُ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَهَذِهِ هي اللُّغَةُ الفُصْحى، وتَعْدِيَتُها لِلْمَفْعُولِ بِدُونِ اللّامِ لُغَةٌ لا لَحْنٌ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي نُخَيْلَةَ:
؎شَكَرْتُكَ إنَّ الشُّكْرَ حَبْلُ مَنِ اتَّقى وما كُلُّ مَن أوْلَيْتَهُ نِعْمَةً يَقْضِي
وَقَوْلُ جَمِيلِ بْنِ مَعْمَرٍ:
؎خَلِيلَيَّ عُوجا اليَوْمَ حَتّى تُسَلِّما ∗∗∗ عَلى عَذْبَةِ الأنْيابِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ
؎فَإنَّكُما إنْ عُجْتُما لِيَ ساعَةً ∗∗∗ شَكَرْتُكُما حَتّى أُغَيَّبَ في قَبْرِي
وَهَذِهِ الآياتُ مِن سُورَةِ الواقِعَةِ قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّ اقْتِرانَ جَوابِ ”لَوْ“ بِاللّامِ، وعَدَمَ اقْتِرانِهِ بِها كِلاهُما سائِغٌ، لِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطامًا﴾ [الواقعة: ٦٥]، بِاللّامِ ثُمَّ قالَ: ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠]، بِدُونِها.
56:69Page 536
ءَأَنتُمۡ أَنزَلۡتُمُوهُ مِنَ ٱلۡمُزۡنِ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنزِلُونَ ٦٩
Is it you who brought it down from the clouds, or is it We who bring it down?
No commentary for this ayah
56:70Page 536
لَوۡ نَشَآءُ جَعَلۡنَٰهُ أُجَاجٗا فَلَوۡلَا تَشۡكُرُونَ ٧٠
If We willed, We could make it bitter, so why are you not grateful?
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences