Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
المجادلة
Al-Mujadila
The Pleading Woman · Medinan · 22 ayahs
58:1Page 542
قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسۡمَعُ تَحَاوُرَكُمَآۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ ١
Certainly has Allāh heard the speech of the one who argues [i.e., pleads] with you, [O Muḥammad], concerning her husband and directs her complaint to Allāh. And Allāh hears your dialogue; indeed, Allāh is Hearing and Seeing.
No commentary for this ayah
58:2Page 542
ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمۡۖ إِنۡ أُمَّهَٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّٰٓـِٔي وَلَدۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَيَقُولُونَ مُنكَرٗا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ ٢
Those who pronounce ẓihār1 among you [to separate] from their wives - they are not [consequently] their mothers. Their mothers are none but those who gave birth to them. And indeed, they are saying an objectionable statement and a falsehood. But indeed, Allāh is Pardoning and Forgiving.
(p-٥٥٢)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
سُورَةُ المُجادِلَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنكم مِن نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ مُوَضَّحًا في سُورَةِ الأحْزابِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، وبَيَّنّا هُناكَ كَلامَ أهْلِ العِلْمِ، وأدِلَّتَهم، ومُناقَشَتَها في مَسائِلِ الظِّهارِ، ومَسائِلِ أحْكامِ الكَفّارَةِ بِالعِتْقِ، والصِّيامِ، والإطْعامِ، وأوْجُهَ القِراءَةِ في الآيَةِ.
58:3Page 542
وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مِّن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۚ ذَٰلِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٣
And those who pronounce ẓihār from their wives and then [wish to] go back on what they said - then [there must be] the freeing of a slave before they touch one another. That is what you are admonished thereby; and Allāh is Aware of what you do.
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٤١٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُجادَلَةِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ .
لا يَخْفى أنَّ تَرْتِيبَهُ تَعالى الكَفّارَةَ بِالعِتْقِ عَلى الظِّهارِ والعَوْدِ مَعًا يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ الكَفّارَةَ لا تَلْزَمُ إلّا بِالظِّهارِ والعَوْدِ مَعًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾، صَرِيحٌ في أنَّ التَّكْفِيرَ يَلْزَمُ كَوْنُهُ قَبْلَ العُودِ إلى المَسِيسِ.
اعْلَمْ أوَّلًا أنَّ ما رَجَّحَهُ ابْنُ حَزْمٍ مِن قَوْلِ داوُدَ وحَكاهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأشَجِّ والفَرّاءِ وفِرْقَةٍ مِن أهْلِ الكَلامِ، وقالَ بِهِ شُعْبَةُ مِن أنَّ مَعْنى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا هو عَوْدُهم إلى لَفْظِ الظِّهارِ، فَيُكَرِّرُونَهُ مَرَّةً أُخْرى قَوْلٌ باطِلٌ، بِدَلِيلِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْتَفْصِلِ المَرْأةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيها آيَةُ الظِّهارِ، هَلْ كَرَّرَ زَوْجُها صِيغَةَ الظِّهارِ أمْ لا، وتَرْكُ الِاسْتِفْصالِ يَنْزِلُ مَنزِلَةَ العُمُومِ في الأقْوالِ كَما تَقَدَّمَ مِرارًا.
والتَّحْقِيقُ، أنَّ الكَفّارَةَ ومَنعَ الجِماعِ قَبْلَها لا يُشْتَرَطُ فِيهِما تَكْرِيرُ صِيغَةِ الظِّهارِ وما زَعَمَهُ البَعْضُ أيْضًا مِن أنَّ الكَلامَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، وتَقْدِيرُهُ: والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا، ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا سالِمِينَ مِنَ الإثْمِ بِسَبَبِ الكَفّارَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ أيْضًا، لِما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ مِن وُجُوبِ الحَمْلِ عَلى بَقاءِ التَّرْتِيبِ إلّا لِدَلِيلٍ، وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِ صاحِبِ مَراقِي السُّعُودِ:
؎كَذَلِكَ تَرْتِيبٌ لِإيجابِ العَمَلْ بِما لَهُ الرُّجْحانُ مِمّا يُحْتَمَلْ
وَسَنَذْكُرُ إنْ شاءَ اللَّهُ الجَوابَ عَنْ هَذا الإشْكالِ عَلى مَذاهِبِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وأرْضاهم أجْمَعِينَ، فَنَقُولُ وبِاللَّهِ نَسْتَعِينُ:
مَعْنى العَوْدِ عِنْدَ مالِكٍ فِيهِ قَوْلانِ ؟ تُؤُوِّلَتِ المُدَوَّنَةُ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما وكِلاهُما مُرَجَّحٌ.
(p-٤١١)الأوَّلُ: أنَّهُ العَزْمُ عَلى الجِماعِ فَقَطْ.
الثّانِي: أنَّهُ العَزْمُ عَلى الجِماعِ وإمْساكِ الزَّوْجَةِ مَعًا، وعَلى كِلا القَوْلَيْنِ فَلا إشْكالَ في الآيَةِ لِأنَّ المَعْنى حِينَئِذٍ: والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِن نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعْزِمُونَ عَلى الجِماعِ، أوْ عَلَيْهِ مَعَ الإمْساكِ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا فَلا مُنافاةَ بَيْنَ العَزْمِ عَلى الجِماعِ أوْ عَلَيْهِ مَعَ الإمْساكِ، وبَيْنَ الإعْتاقِ قَبْلَ المَسِيسِ.
وَغايَةُ ما يَلْزَمُ عَلى هَذا القَوْلِ حَذْفُ الإرادَةِ وهو واقِعٌ في القُرْءانِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦]، أيْ أرَدْتُمُ القِيامَ إلَيْها.
وَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ [النحل: ٩٨]، أيْ أرَدْتَ قِراءَتَهُ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ الآيَةَ [النحل: ٩٨] .
وَمَعْنى العَوْدِ عِنْدَ الشّافِعِيِّ أنْ يُمْسِكَها بَعْدَ المُظاهَرَةِ زَمانًا يُمْكِنُهُ أنْ يُطَلِّقَ فِيهِ فَلا يُطَلِّقُ، وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ في الآيَةِ أيْضًا، لِأنَّ إمْساكَهُ إيّاها الزَّمَنَ المَذْكُورَ لا يُنافِي التَّكْفِيرَ قَبْلَ المَسِيسِ كَما هو واضِحٌ.
وَمَعْنى العَوْدِ عِنْدَ أحْمَدَ هو أنْ يَعُودَ إلى الجِماعِ أوْ يَعْزِمَ عَلَيْهِ، أمّا العَزْمُ فَقَدْ بَيَّنّا أنَّهُ لا إشْكالَ في الآيَةِ عَلى القَوْلِ بِهِ.
وَأمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّهُ الجِماعُ، فالجَوابُ أنَّهُ إنْ ظاهَرَ وجامَعَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ يَلْزَمُهُ الكَفُّ عَنِ المَسِيسِ مَرَّةً أُخْرى حَتّى يُكَفِّرَ ولا يَلْزَمُ مِن هَذا جَوازُ الجِماعِ الأوَّلِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ لِأنَّ الآيَةَ عَلى هَذا القَوْلِ، إنَّما بَيَّنَتْ حُكْمَ ما إذا وقَعَ الجِماعُ قَبْلَ التَّكْفِيرِ وأنَّهُ وُجُوبُ التَّكْفِيرِ قَبْلَ مَسِيسٍ آخَرَ.
أمّا الإقْدامُ عَلى المَسِيسِ الأوَّلِ فَحُرْمَتُهُ مَعْلُومَةٌ مِن عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ .
وَمَعْنى العَوْدِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى هو العَزْمُ عَلى الوَطْءِ وعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ كَما تَقَدَّمَ.
وَما حَكاهُ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ في تَفْسِيرِهِ عَنْ مالِكٍ مِن أنَّهُ حَكى عَنْهُ أنَّ العَوْدَ الجِماعُ، فَهو خِلافُ المَعْرُوفِ مِن مَذْهَبِهِ.
(p-٤١٢)وَكَذَلِكَ ما حَكاهُ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ مِن أنَّ العَوْدَ هو العَوْدُ إلى الظِّهارِ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ ورَفْعِ ما كانَ عَلَيْهِ أمْرُ الجاهِلِيَّةِ فَهو خِلافُ المُقَرَّرِ في فُرُوعِ الحَنَفِيَّةِ مِن أنَّهُ العَزْمُ عَلى الوَطْءِ كَما ذَكَرْنا، وغالِبُ ما قِيلَ في مَعْنى العَوْدِ راجِعٌ إلى ما ذَكَرْنا مِن أقْوالِ الأئِمَّةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ ؟ المُرادُ بِالعَوْدِ الرُّجُوعُ إلى الِاسْتِمْتاعِ بِغَيْرِ الجِماعِ، والمُرادُ بِالمَسِيسِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ خُصُوصُ الجِماعِ.
وَعَلَيْهِ فَلا إشْكالَ، ولَكِنْ لا يَخْفى عَدَمُ ظُهُورِ هَذا القَوْلِ، والتَّحْقِيقُ عَدَمُ جَوازِ الِاسْتِمْتاعِ وطْءٍ أوْ غَيْرِهِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ .
وَأجازَ بَعْضُهُمُ الِاسْتِمْتاعُ بِغَيْرِ الوَطْءِ قائِلًا: إنَّ المُرادَ بِالمَسِيسِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَتَماسّا﴾ نَفْسُ الجِماعِ لا مُقَدِّماتُهُ.
وَمِمَّنْ قالَ بِذَلِكَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ والثَّوْرِيُّ.
وَرُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ أحَدُ القَوْلَيْنِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: اللّامُ في قَوْلِهِ: لِما قالُوا بِمَعْنى في، أيْ يَعُودُونَ فِيما قالُوا بِمَعْنى يَرْجِعُونَ عَنْهُ كَقَوْلِهِ ﷺ «الواهِبُ العائِدُ في هِبَتِهِ» الحَدِيثَ، وقِيلَ: اللّامُ بِمَعْنى عَنْ، أيْ يَعُودُونَ عَمّا قالُوا، أيْ يَرْجِعُونَ عَنْهُ وهو قَرِيبٌ مِمّا قَبْلَهُ.
قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّ العَوْدَ لَهُ مَبْدَأٌ ومُنْتَهى، فَمَبْدَؤُهُ العَزْمُ عَلى الوَطْءِ ومُنْتَهاهُ الوَطْءُ بِالفِعْلِ، فَمَن عَزَمَ عَلى الوَطْءِ فَقَدْ عادَ بِالنِّيَّةِ فَتَلْزَمُهُ الكَفّارَةُ لِإباحَةِ الوَطْءِ، ومَن وطِئَ بِالفِعْلِ تَحَتَّمَ في حَقِّهِ اللُّزُومُ وخالَفَ بِالإقْدامِ عَلى الوَطْءِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ، ويَدُلُّكَ لِهَذا أنَّهُ ﷺ لَمّا قالَ: «إذا التَقى المُسْلِمانِ بِسَيْفَيْهِما فالقاتِلُ والمَقْتُولُ في النّارِ قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَرَفْنا القاتِلَ فَما بالُ المَقْتُولِ ؟ قالَ: إنَّهُ كانَ حَرِيصًا عَلى قَتْلِ صاحِبِهِ» فَبَيَّنَ أنَّ العَزْمَ عَلى الفِعْلِ عَمَلٌ يُؤاخَذُ بِهِ الإنْسانُ.
فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ الآيَةِ المُتَبادِرُ مِنها يُوافِقُ قَوْلَ الظّاهِرِيَّةِ الَّذِي قَدَّمْنا بُطْلانَهُ لِأنَّ الظّاهِرَ المُتَبادِرَ مِن قَوْلِهِ: لِما قالُوا أنَّهُ صِيغَةُ الظِّهارِ فَيَكُونُ العَوْدُ لَها تَكْرِيرُها مَرَّةً أُخْرى.
فالجَوابُ أنَّ المَعْنى ”لِما قالُوا“ أنَّهُ حَرامٌ عَلَيْهِمْ وهو الجِماعُ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ وُجُودُ نَظِيرِهِ في القُرْآنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠]، أيْ ما يَقُولُ إنَّهُ يُؤْتاهُ (p-٤١٣)مِن مالٍ ووَلَدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]، وما ذَكَرْنا مِن أنَّ مَن جامَعَ قَبْلَ التَّكْفِيرِ يَلْزَمُهُ الكَفُّ عَنِ المَسِيسِ مَرَّةً أُخْرى حَتّى يُكَفِّرَ، هو التَّحْقِيقُ خِلافًا لِمَن قالَ: تَسْقُطُ الكَفّارَةُ بِالجِماعِ قَبْلَ المَسِيسِ.
كَما رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وأبِي يُوسُفَ ولِمَن قالَ: تَلْزَمُ بِهِ كَفّارَتانِ.
كَما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ولِمَن قالَ: تَلْزَمُ بِهِ ثَلاثُ كَفّاراتٍ، كَما رَواهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ الحَسَنِ وإبْراهِيمَ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
58:4Page 542
فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ مِن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۖ فَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ فَإِطۡعَامُ سِتِّينَ مِسۡكِينٗاۚ ذَٰلِكَ لِتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٤
And he who does not find [a slave] - then a fast for two months consecutively1 before they touch one another; and he who is unable - then the feeding of sixty poor persons. That is for you to believe [completely] in Allāh and His Messenger; and those are the limits [set by] Allāh. And for the disbelievers is a painful punishment.
No commentary for this ayah
58:5Page 542
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ ٥
Indeed, those who oppose Allāh and His Messenger are abased as those before them were abased. And We have certainly sent down verses of clear evidence. And for the disbelievers is a humiliating punishment
No commentary for this ayah
58:6Page 542
يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓاْۚ أَحۡصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ٦
On the Day when Allāh will resurrect them all and inform them of what they did. Allāh had enumerated it, while they forgot it; and Allāh is, over all things, Witness.1
No commentary for this ayah
58:7Page 543
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجۡوَىٰ ثَلَٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمۡ وَلَا خَمۡسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمۡ وَلَآ أَدۡنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمۡ أَيۡنَ مَا كَانُواْۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٧
Have you not considered that Allāh knows what is in the heavens and what is on the earth? There are not three in a private conversation but that He is the fourth of them,1 nor are there five but that He is the sixth of them - and no less than that and no more except that He is with them [in knowledge] wherever they are. Then He will inform them of what they did on the Day of Resurrection. Indeed Allāh is, of all things, Knowing.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في آخِرِ سُورَةِ النَّحْلِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، وذَكَرْنا هُناكَ مَعْنى المَعِيَّةِ الخاصَّةِ، والمَعِيَّةِ العامَّةِ، والآياتِ القُرْآنِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما.
58:8Page 543
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجۡوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَيَتَنَٰجَوۡنَ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِۖ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوۡكَ بِمَا لَمۡ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ لَوۡلَا يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُۚ حَسۡبُهُمۡ جَهَنَّمُ يَصۡلَوۡنَهَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٨
Have you not considered those who were forbidden from private conversation [i.e., ridicule and conspiracy] and then return to that which they were forbidden and converse among themselves about sin and aggression and disobedience to the Messenger? And when they come to you, they greet you with that [word] by which Allāh does not greet you1 and say among themselves, "Why does Allāh not punish us for what we say?" Sufficient for them is Hell, which they will [enter to] burn, and wretched is the destination.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ ويَتَناجَوْنَ بِالإثْمِ والعُدْوانِ﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلَيْهِ مَعَ بَيانِ الفِرَقِ بَيْنَ النَّجْوى بِالخَيْرِ، والنَّجْوى بِالإثْمِ والعَدُوّانِ في سُورَةِ النِّساءِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلّا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ [النساء: ١١٤] .
58:9Page 543
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَنَٰجَيۡتُمۡ فَلَا تَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٩
O you who have believed, when you converse privately, do not converse about sin and aggression and disobedience to the Messenger but converse about righteousness and piety. And fear Allāh, to whom you will be gathered.
No commentary for this ayah
58:10Page 543
إِنَّمَا ٱلنَّجۡوَىٰ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ لِيَحۡزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيۡسَ بِضَآرِّهِمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٠
Private conversation is only from Satan that he may grieve those who have believed,1 but he will not harm them at all except by permission of Allāh. And upon Allāh let the believers rely.
No commentary for this ayah
58:11Page 543
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قِيلَ لَكُمۡ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلۡمَجَٰلِسِ فَٱفۡسَحُواْ يَفۡسَحِ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَٱنشُزُواْ يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١١
O you who have believed, when you are told, "Space yourselves" in assemblies, then make space; Allāh will make space for you.1 And when you are told, "Arise,"2 then arise; Allāh will raise those who have believed among you and those who were given knowledge, by degrees. And Allāh is Aware of what you do.
No commentary for this ayah
58:12Page 544
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَٰجَيۡتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَةٗۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٢
O you who have believed, when you [wish to] privately consult the Messenger, present before your consultation a charity. That is better for you and purer. But if you find not [the means] - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى طَلَبِ تَقْدِيمِ الصَّدَقَةِ أمامَ المُناجاةِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقاتٍ فَإذْ لَمْ تَفْعَلُوا وتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ [المجادلة: ١٣]، يَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ.
والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّ الأخِيرَ ناسِخٌ لِلْأوَّلِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
58:13Page 544
ءَأَشۡفَقۡتُمۡ أَن تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَٰتٖۚ فَإِذۡ لَمۡ تَفۡعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٣
Have you feared to present before your consultation charities? Then when you do not and Allāh has forgiven you, then [at least] establish prayer and give zakāh and obey Allāh and His Messenger. And Allāh is Aware of what you do.
No commentary for this ayah
58:14Page 544
۞ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مَّا هُم مِّنكُمۡ وَلَا مِنۡهُمۡ وَيَحۡلِفُونَ عَلَى ٱلۡكَذِبِ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٤
Have you not considered those who make allies of a people with whom Allāh has become angry? They are neither of you nor of them, and they swear to untruth while they know [they are lying].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هم مِنكم ولا مِنهُمْ﴾ .
قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: مَعْنى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا﴾: ألَمْ يَنْتَهِ عِلْمُكَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا.
وَقَدْ قَدَّمْنا الرَّدَّ عَلى مَن قالَ: إنَّ لَفْظَةَ ”ألَمْ تَرَ“ لا تُعَدّى إلّا بِحَرْفِ الجَرِّ الَّذِي هو (p-٥٥٣)”إلى“، ولا تَتَعَدّى بِنَفْسِها إلى المَفْعُولِ، وبَيَّنّا أنَّ ذَلِكَ وإنْ كانَ هو الَّذِي في القُرْآنِ في جَمِيعِ المَواضِعِ فَإنَّ تَعْدِيَتَها إلى المَفْعُولِ بِنَفْسِها صَحِيحَةٌ.
وَمِن شَواهِدِ ذَلِكَ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:
؎ألَمْ تَرَيانِي كُلَّما جِئْتُ طارِقًا وجَدْتُ بِها طِيبًا وإنْ لَمْ تُطَيَّبِ
والمُرادُ إنْكارُ اللَّهِ عَلى المُنافِقِينَ تُوَلِّيهِمُ القَوْمَ الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وهُمُ اليَهُودُ والكُفّارُ، وهَذا الإنْكارُ يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ مَنعِ ذَلِكَ التَّوَلِّي، وقَدْ صَرَّحَ اللَّهُ بِالنَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ١٣] .
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِ المُنافِقِينَ لَيْسُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ، ولا مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ تَوَلَّوْهم، وهُمُ الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ اليَهُودِ - جاءَ مُوَضَّحًا في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ [النساء: ١٤٢ - ١٤٣] .
58:15Page 544
أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدًاۖ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٥
Allāh has prepared for them a severe punishment. Indeed, it was evil that they were doing.
No commentary for this ayah
58:16Page 544
ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ ١٦
They took their [false] oaths as a cover, so they averted [people] from the way of Allāh, and for them is a humiliating punishment.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ المُنافِقِينَ اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً، والأيْمانُ جَمْعُ يَمِينٍ، وهي الحَلِفُ، والجُنَّةُ هي التُّرْسُ الَّذِي يَتَّقِي بِهِ المُقاتِلُ وقْعَ السِّلاحِ. والمَعْنى أنَّهم جَعَلُوا الأيْمانَ الكاذِبَةَ، وهي حِلْفُهم لِلْمُسْلِمِينَ إنَّهم مَعَهم وإنَّهم مُخْلِصُونَ في باطِنِ الأمْرِ - تُرْسًا لَهم يَتَّقُونَ بِهِ الشَّرَّ الَّذِي يَنْزِلُ بِهِمْ لَوْ صَرَّحُوا بِكُفْرِهِمْ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مِن ”صَدَّ“ المُتَعَدِّيَةِ، وأنَّ المَفْعُولَ مَحْذُوفٌ، أيْ: فَصَدُّوا غَيْرَهم مِمَّنْ أطاعَهم لِأنَّ صُدُودَهم في أنْفُسِهِمْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ والحَمْلُ عَلى التَّأْسِيسِ أولى مِنَ الحَمْلِ عَلى التَّأْكِيدِ، كَما أوْضَحْناهُ مِرارًا.
وَهَذانَ الأمْرانِ اللَّذانِ تَضَمَّنَتْهُما هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، وهُما كَوْنُ المُنافِقِينَ يَحْلِفُونَ الأيْمانَ الكاذِبَةَ لِتَكُونَ لَهم جُنَّةً، وأنَّهم يَصُدُّونَ غَيْرَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ - جاءا مُوَضَّحَيْنِ في آياتٍ أُخَرَ مِن كِتابِ اللَّهِ، أمّا أيْمانُهُمُ الكاذِبَةُ فَقَدْ بَيَّنَها اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - في آياتٍ كَثِيرَةٍ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة: ١٤]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكم واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ ومَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٩٥]، (p-٥٥٤)
• وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [التوبة: ٤٢]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون: ٢] .
وَأمّا صَدُّهم مَن أطاعَهم عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ بَيَّنَهُ اللَّهُ في آياتٍ مِن كِتابِهِ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لِإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا﴾ [الأحزاب: ١٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] .
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿فَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾، أيْ لِأجْلِ نِفاقِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٤٥] .
58:17Page 544
لَّن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ١٧
Never will their wealth or their children avail them against Allāh at all. Those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهم ولا أوْلادُهم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ .
قَدْ قَدَّمْنا الآياتِ المُوَضِّحَةَ لَهُ في سُورَةِ الكَهْفِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿خَيْرًا مِنها مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٥ - ٣٦] .
58:18Page 544
يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيَحۡلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍۚ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٨
On the Day Allāh will resurrect them all, and they will swear to Him as they swear to you and think that they are [standing] on something.1 Unquestionably, it is they who are the liars.
No commentary for this ayah
58:19Page 544
ٱسۡتَحۡوَذَ عَلَيۡهِمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَأَنسَىٰهُمۡ ذِكۡرَ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱلشَّيۡطَٰنِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٩
Satan has overcome them and made them forget the remembrance of Allāh. Those are the party of Satan. Unquestionably, the party of Satan - they will be the losers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأنْساهم ذِكْرَ اللَّهِ﴾ .
ما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن إسْنادِ إنْساءِ ذِكْرِ اللَّهِ إلى الشَّيْطانِ - ذَكَرَهُ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]،، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٤٢]، وفي مَعْناهُ قَوْلُ فَتى مُوسى: ﴿وَما أنْسانِيهُ إلّا الشَّيْطانُ أنْ أذْكُرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣] .
58:20Page 544
إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡأَذَلِّينَ ٢٠
Indeed, the ones who oppose Allāh and His Messenger - those will be among the most humbled.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ في الأذَلِّينَ﴾ .
ذَكَرَ - جَلَّ وعَلا - في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ داخِلُونَ في جُمْلَةِ الأذَلِّينَ - لا يُوجَدُ أحَدٌ أذَلَّ مِنهم. وقَوْلُهُ: ﴿يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أيْ يُعادُونَ ويُحالِفُونَ ويُشاقُّونَ، وأصْلُهُ مُخالَفَةُ حُدُودِ اللَّهِ الَّتِي حَدَّها.
وَقَوْلُهُ: ﴿فِي الأذَلِّينَ﴾ أيِ الَّذِينَ هم أعْظَمُ النّاسِ ذُلًّا. والذُّلُّ: الصَّغارُ والهَوانُ والحَقارَةُ.
(p-٥٥٥)وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن كَوْنِ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ هم أذَلَّ خَلْقِ اللَّهِ، بَيَّنَهُ - جَلَّ وعَلا - في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ، وذَلِكَ بِذِكْرِهِ أنْواعَ عُقُوبَتِهِمُ المُفْضِيَةِ إلى الذُّلِّ والخِزْيِ والهَوانِ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ﴾ [التوبة: ٦٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحادُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة: ٥]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشاقِّ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [الحشر: ٣ - ٤]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ ﴿وَمَن يُشاقِقِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ ﴿ذَلِكم فَذُوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ [الأنفال: ١٢ - ١٤]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
58:21Page 544
كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغۡلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِيٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ ٢١
Allāh has written [i.e., decreed], "I will surely overcome, I and My messengers." Indeed, Allāh is Powerful and Exalted in Might.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأغْلِبَنَّ أنا ورُسُلِي إنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ .
قَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلى أنَّ رُسُلَ اللَّهِ غالِبُونَ لِكُلِّ مَن غالَبَهم، والغَلَبَةُ نَوْعانِ: غَلَبَةٌ بِالحُجَّةِ والبَيانِ، وهي ثابِتَةٌ لِجَمِيعِ الرُّسُلِ، وغَلَبَةٌ بِالسَّيْفِ والسِّنانِ، وهي ثابِتَةٌ لِمَن أُمِرَ بِالقِتالِ مِنهم دُونَ مَن لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ.
وَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، وأمْثالُها مِنَ الآيَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ ﴿إنَّهم لَهُمُ المَنصُورُونَ﴾ ﴿وَإنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الغالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] - أنَّهُ لَنْ يُقْتَلَ نَبِيٌّ في جِهادٍ قَطُّ، لِأنَّ المَقْتُولَ لَيْسَ بِغالِبٍ، لِأنَّ القَتْلَ قِسْمٌ مُقابِلٌ لِلْغَلَبَةِ، كَما بَيَّنَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وَمَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٧٤]، وقالَ تَعالى: ﴿إنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا﴾ الآيَةَ [غافر: ٥١]، وقَدْ نَفى عَنِ المَنصُورِ كَوْنَهُ مَغْلُوبًا نَفْيًا باتًّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٠] .
وَبِهَذا تَعْلَمُ أنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ جاءَ في القُرْآنِ أنَّهم قُتِلُوا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧]، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٣] - لَيْسُوا مَقْتُولِينَ في جِهادٍ، وأنَّ نائِبَ الفاعِلِ في قَوْلِهِ تَعالى: (p-٥٥٦)﴿وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، عَلى قِراءَةِ ”قُتِلَ“ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ، هو رِبِّيُّونَ لا ضَمِيرُ النَّبِيِّ.
وَقَدْ أوْضَحْنا هَذا غايَةَ الإيضاحِ بِالآياتِ القُرْآنِيَّةِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٤٦]، وذَكَرْنا بَعْضَهُ في الصّافّاتِ في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنا المُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١] .
58:22Page 545
لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنۡهُۖ وَيُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱللَّهِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٢٢
You will not find a people who believe in Allāh and the Last Day having affection for those who oppose Allāh and His Messenger, even if they were their fathers or their sons or their brothers or their kindred. Those - He has decreed within their hearts faith and supported them with spirit1 from Him. And We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. Allāh is pleased with them, and they are pleased with Him - those are the party of Allāh. Unquestionably, the party of Allāh - they are the successful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كانُوا آباءَهم أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ .
وَرَدَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ بِلَفْظِ الخَبَرِ، والمُرادُ بِها الإنْشاءُ، وهَذا النَّهْيُ البَلِيدُ، والزَّجْرُ العَظِيمُ عَنْ مُوالاةِ أعْداءِ اللَّهِ، وإيرادُ الإنْشاءِ بِلَفْظِ الخَبَرِ أقْوى وأوْكَدُ مِن إيرادِهِ بِلَفْظِ الإنْشاءِ، كَما هو مَعْلُومٌ في مَحِلِّهِ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾: أيْ يُحِبُّونَ ويُوالُونَ أعْداءَ اللَّهِ ورَسُولِهِ.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنَ النَّهْيِ والزَّجْرِ العَظِيمِ عَنْ مُوالاةِ أعْداءِ اللَّهِ - جاءَ مُوَضَّحًا في آياتٍ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكم وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ الآيَةَ [التوبة: ١٢٣]،
• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ﴿وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ﴾ زَعَمَ بَعْضُهم أنَّها نَزَلَتْ في أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ، قائِلًا: إنَّهُ قَتَلَ أباهُ كافِرًا يَوْمَ بَدْرٍ أوْ يَوْمَ أُحُدٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ المُنافِقِ المَشْهُورِ، وزَعَمَ مَن قالَ؛ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ في قَتْلِ أبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَنَهاهُ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ، وزَعَمَ مَن قالَ؛ أنَّ أباهُ أبا قُحافَةَ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ إسْلامِهِ فَضَرَبَهُ ابْنُهُ أبُو بَكْرٍ حَتّى سَقَطَ.
(p-٥٥٧)وَقَوْلُهُ: ﴿أوْ أبْناءَهُمْ﴾، زَعَمَ بَعْضُهم أنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ حِينَ طَلَبَ مُبارَزَةَ ابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَوْمَ بَدْرٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أوْ إخْوانَهُمْ﴾ زَعَمَ بَعْضُهم أنَّها نَزَلَتْ في مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ قالُوا: قَتَلَ أخاهُ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ. وقالَ بَعْضُهم: مَرَّ بِأخِيهِ يَوْمَ بَدْرٍ يَأْسِرُهُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقالَ: شَدِّدْ عَلَيْهِ الأسْرَ، عَلِمَ أنَّ أُمَّهُ مَلِيَّةٌ وسَتَفْدِيهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ قالَ بَعْضُهم: نَزَلَتْ في عُبَيْدَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ المُطَّلِبِ، وحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، لَمّا قَتَلُوا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، والوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ في المُبارَزَةِ يَوْمَ بَدْرٍ، وهم بَنُو عَمِّهِمْ، لِأنَّهم أوْلادُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ، وعَبْدُ شَمْسٍ أخُو هاشِمٍ كَما لا يَخْفى.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ﴾ أيْ ثَبَّتَهُ في قُلُوبِهِمْ بِتَوْفِيقِهِ.
وَما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن تَثْبِيتِ الإيمانِ في قُلُوبِهِمْ جاءَ مُوَضَّحًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إلَيْكُمُ الإيمانَ وزَيَّنَهُ في قُلُوبِكم وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الكُفْرَ والفُسُوقَ والعِصْيانَ أُولَئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ﴾ ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ونِعْمَةً﴾ [الحجرات: ٧ - ٨] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences