Ash-ShinqitiAl‑Hashr · 59:4–6

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Hashr 59:4–6

59:4Page 546

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۖ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٤

That is because they opposed Allāh and His Messenger. And whoever opposes Allāh - then indeed, Allāh is severe in penalty.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ .

المُشاقَّةُ: العِصْيانُ، ومِنهُ شَقُّ العَصا، والمُخالَفَةُ.

وَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أوْقَعَ ما أوْقَعَهُ بِبَنِي النَّضِيرِ مِن إخْراجِهِمْ مِن دِيارِهِمْ وتَخْرِيبِ بُيُوتِهِمْ؛ بِسَبَبِ أنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ، وأنَّ المُشاقَّةَ المَذْكُورَةَ هي عِلَّةُ العُقُوبَةِ الحاصِلَةِ بِهِمْ، ولا شَكَّ أنَّ مُشاقَّةَ اللَّهِ ورَسُولِهِ مِن أعْظَمِ أسْبابِ الهَلاكِ.

وَفِي الآيَةِ مَبْحَثٌ أُصُولِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المُشاقَّةَ قَدْ وقَعَتْ مِن غَيْرِ اليَهُودِ، فَلَمْ تَقَعْ بِهِمْ تِلْكَ العُقُوبَةُ كَما وقَعَ مِنَ المُشْرِكِينَ المَنصُوصُ عَلَيْها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكم فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾ [الأنفال: ١٢]، وهَذا في بَدْرٍ قَطْعًا، ثُمَّ قالَ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشاقِّ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ [الأنفال: ١٣]، ولَمّا قَدَرَ ﷺ عَلى أهْلِ مَكَّةَ لَمْ يُوقِعْ بِهِمْ ما أوْقَعَ بِاليَهُودِ مِن قَتْلٍ بَلْ قالَ: «اذْهَبُوا فَأنْتُمُ الطُّلَقاءُ» فَوُجِدَ الوَصْفُ الَّذِي هو المُشاقَّةُ الَّذِي هو عِلَّةُ الحُكْمِ، ولَمْ يُوجَدِ الحُكْمُ الَّذِي هو الإخْراجُ مِنَ الدِّيارِ وتَخْرِيبُ البُيُوتِ.

قالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَتِ المُشاقَّةُ عِلَّةً لِهَذا التَّخْرِيبِ لَوَجَبَ أنْ يُقالَ: أيْنَما حَصَلَتْ هَذِهِ المُشاقَّةُ حَصَلَ التَّخْرِيبُ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ قُلْنا: هَذا أحَدُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ تَخْصِيصَ العِلَّةِ المَنصُوصَةِ لا يَقْدَحُ في صِحَّتِها. ا هـ.

وَقَدْ بَحَثَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هَذِهِ المَسْألَةَ في آَدابِ البَحْثِ والمُناظَرَةِ، وفي مُذَكِّرَةِ الأُصُولِ في مَبْحَثِ النَّقْضِ، وعَنْوَنَ لَهُ في آدابِ البَحْثِ بِقَوْلِهِ: تَخَلُّفُ الحُكْمِ لَيْسَ بِنَقْضٍ سَواءً لِوُجُودِ مانِعٍ أوْ تَخَلُّفِ شَرْطٍ.

وَمَثَّلَ لِتَخَلُّفِ الحُكْمِ بِوُجُودِ مانِعٍ بِقَتْلِ الوالِدِ ولَدَهُ عَمْدًا، مَعَ عَدَمِ قَتْلِهِ قِصاصًا بِهِ؛ لِأنَّ عِلَّةَ القِصاصِ مَوْجُودَةٌ، وهي القَتْلُ العَمْدُ، والحُكْمُ وهو القِصاصُ مُتَخَلِّفٌ.

وَمَثَّلَ لِتَخَلُّفِ الشَّرْطِ بِسَرِقَةِ أقَلَّ مِن نِصابٍ أوْ مِن غَيْرِ الحِرْزِ.

(p-٢٣)ثُمَّ قالَ: النَّوْعُ الثّالِثُ: تَخَلُّفُ حُكْمِها عَنْها لا لِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي ذَكَرْنا، ومَثَّلَ لَهُ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ [الحشر: ٣]، قالُوا: فَهَذِهِ العِلَّةُ، الَّتِي هي مُشاقَّةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، قَدْ تُوجَدُ في قَوْمٍ يُشاقُّونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ مَعَ تَخَلُّفِ حُكْمِها عَنْها، وهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تُؤَيِّدُ قَوْلَ مَن قالَ: إنِ النَّقْضَ في فَنِّ الأُصُولِ تَخْصِيصٌ لِلْعِلَّةِ مُطْلَقًا، لا نَقْضٌ لَها، وعَزاهُ في مَراقِي السُّعُودِ لِلْأكْثَرِينَ في قَوْلِهِ في مَبْحَثِ القَوادِحِ في الدَّلِيلِ في الأُصُولِ:

؎مِنها وُجُودُ الوَصْفِ دُونَ الحُكْمِ سَمّاهُ بِالنَّقْضِ وُعاةُ العِلْمِ

؎والأكْثَرُونَ عِنْدَهم لا يَقْدَحُ ∗∗∗ بَلْ هو تَخْصِيصٌ وذا مُصَحِّحٌ

إلى قَوْلِهِ:

؎وَلَسْتُ فِيما اسْتَنْبَطْتُ بِضائِرٍ ∗∗∗ إنْ جاءَ لِفَقْدِ شَرْطٍ أوْ لِمانِعٍ

وَقَدْ أطْلَعَنِي بَعْضُ الإخْوانِ عَلى شَرْحٍ لِفَضِيلَةِ الشَّيْخِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلى مَراقِي السُّعُودِ في أوائِلِهِ عَلى قَوْلِ المُؤَلِّفِ:

؎ذُو فَتْرَةٍ بِالفَرْعِ ولا يُراعِ

وَتَكَلَّمَ عَلى حُكْمِ أهْلِ الفَتْرَةِ، ثُمَّ عَلى تَخْصِيصِ بَعْضِ الآياتِ، ومِن ثَمَّ إلى تَخْصِيصِ العِلَّةِ.

وَجاءَ في هَذا المَخْطُوطِ ما نَصُّهُ: ورَجَّحَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ سُورَةِ ”الحَشْرِ“ أنَّ تَخْصِيصَ العِلَّةِ كَتَخْصِيصِ النَّصِّ مُطْلَقًا، مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ﴾ الآيَةَ [الحشر: ٣]، وقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُ بَنِي النَّضِيرِ، فَلَمْ يَفْعَلْ لَهم مِثْلَ ما فَعَلَ لَهم، واللَّهُ أعْلَمُ ا هـ.

إلّا أنِّي طَلَبْتُ هَذا التَّرْجِيحَ في ابْنِ كَثِيرٍ عِنْدَ الآيَةِ، فَلَمْ أقِفْ عَلَيْهِ فَلْيُتَأمَّلْ، ولَعَلَّهُ في غَيْرِ التَّفْسِيرِ.

أمّا ما ذَكَرَهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - عَنِ البَعْضِ في آدابِ البَحْثِ والمُناظَرَةِ، وهو أنَّهُ: قَدْ يَتَخَلَّفُ الحُكْمُ عَنِ العِلَّةِ، لا لِشَيْءٍ مِنَ الأسْبابِ الَّتِي ذَكَرْنا، فالَّذِي يَظْهَرُ لِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّ تَخَلُّفَ الحُكْمِ عَنِ العِلَّةِ في غَيْرِ اليَهُودِ، وإنَّما هو لِتَخَلُّفِ جُزْءٍ مِنها، وأنَّ العِلَّةَ (p-٢٤)مُرَكَّبَةٌ، أيْ هي في اليَهُودِ مُشاقَّةٌ وزِيادَةٌ، تِلْكَ الزِّيادَةُ لَمْ تُوجَدْ في غَيْرِ اليَهُودِ، فَوَقَعَ الفَرْقُ، وذَلِكَ أنَّ مُشاقَّةَ غَيْرِ اليَهُودِ كانَتْ؛ لِجَهْلِهِمْ وشَكِّهِمْ، كَما أشارَ تَعالى لِذَلِكَ عَنْهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩] إلى آخِرِ السُّورَةِ فَهم في حاجَةٍ إلى زِيادَةِ بَيانٍ، وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ في أوَّلِ سُورَةِ ”ص“: ﴿وَعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ ﴿أؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ [ص: ٤ - ٨] .

فَهم في عَجَبٍ ودَهْشَةٍ، واسْتِبْعادٍ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ ﷺ الذِّكْرُ مِن بَيْنِهِمْ، وهم في شَكِّ مِن أمْرِهم، فَهم في حاجَةٍ إلى إزالَةِ الشَّكِّ والتَّثَبُّتِ مِنَ الأمْرِ، ولِذا لَمّا زالَ عَنْهم شَكُّهم وتَبَيَّنُوا مِن أمْرِهم، وراحُوا يَدْخُلُونَ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، بَيْنَما كانَ كُفْرُ اليَهُودِ جُحُودًا بَعْدَ مَعْرِفَةٍ، فَكانُوا يَعْرِفُونَهُ ﷺ ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وقَدْ سُمِّيَ لَهم فِيما أنْزَلَ كَما قالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] فَلَمْ يَنْفَعْهم بَيانٌ، ولَكِنَّهُ الحَسَدُ والجُحُودُ كَما بَيَّنَ تَعالى أمْرَهم بِقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦٩]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿ياأهْلَ الكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الحَقَّ بِالباطِلِ وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١] .

فَقَدْ كانُوا جَبْهَةَ تَضْلِيلٍ لِلْناسِ، وتَحْرِيفٍ لِلْكِتابِ، وتَلْبِيسٍ لِلْحَقِّ بِالباطِلِ، كُلُّ ذَلِكَ عَنْ قَصْدٍ وعِلْمٍ، بِدافِعِ الحَسَدِ ومُناصَبَةِ العَداءِ وخَصْمٌ هَذا حالُهُ فَلا دَواءَ لَهُ؛ لِأنَّ المُدَلِّسَ لا يُؤْمَنُ جانِبُهُ، والمُضَلِّلَ لا يُصَدَّقُ، والحاسِدَ لا يَشْفِيهِ إلّا زَوالُ النِّعْمَةِ عَنِ المَحْسُودِ، ومِن جانِبٍ آخَرَ فَقَدْ قَطَعَ اللَّهُ الطَّمَعَ عَنْ إيمانِهِمْ ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]، كَما أيْأسَ مِن إيمانِهِمْ بَعْدَ إقْرارِهِمْ عَلى أنْفُسِهِمْ بِتَغَلُّفِ قُلُوبِهِمْ عَنْ سَماعِ الحَقِّ ورُؤْيَةِ النُّورِ: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ﴾ (p-٢٥)[البقرة: ٨٨] .

وَكُلُّ هَذِهِ الصِّفاتِ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً في كُلِّ مَن شاقَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن غَيْرِ اليَهُودِ، وقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِأنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا هَذا الحُكْمَ لِلْأسْبابِ الَّتِي اخْتَصُّوا بِها دُونَ غَيْرِهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكم ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكم ثُمَّ أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكم وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهم وهو مُحَرَّمٌ عَلَيْكم إخْراجُهم أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٤ - ٨٥] .

فَكُلُّ ذَلِكَ مِن نَقْضِ المِيثاقِ، والغَدْرِ في الصُّلْحِ، وسَفْكِ الدِّماءِ، والتَّظاهُرِ بِالإثْمِ والعُدْوانِ، والإيمانِ بِبَعْضِ الكِتابِ والكُفْرِ بِبَعْضِهِ، كانَ خاصًّا بِاليَهُودِ، فَكانَتِ العِلَّةُ مُرَكَّبَةً مِنَ المُشاقَّةِ، ومِن هَذِهِ الصِّفاتِ الَّتِي اخْتَصُّوا بِها، وكانَ الحُكْمُ صَرِيحًا هُنا بِقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ﴾ [البقرة: ٨٥]، وكانَ خِزْيُهم في الدُّنْيا هو ما وقَعَ بِهِمْ مِن إخْراجٍ، وتَخْرِيبٍ، وتَقْتِيلٍ.

وَإنَّ مَن كانَتْ هَذِهِ حالُهُ كَما تَقَدَّمَ، لَمْ يَكُنْ لَهُمُ الِاسْتِئْصالُ الكُلِّيُّ بِإخْراجِهِمْ أوْ تَقْتِيلِهِمْ، فَلَمْ يَعُدْ يَصْلُحُ فِيهِمُ اسْتِصْلاحٌ ولا يُتَوَقَّعُ مِنهم صَلاحٌ، ويَكْفِي شاهِدًا عَلى ذَلِكَ أنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ لَمْ يَتَّعِظُوا، ولَمْ يَسْتَفِيدُوا، ولَمْ يَعْتَبِرُوا كَما أمَرَهُمُ اللَّهُ: ﴿فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢] .

ما اتَّعَظَ بَنُو قُرَيْظَةَ بِما وقَعَ بِإخْوانِهِمْ بَنِي النَّضِيرِ، فَلَجَئُوا بَعْدَ عامٍ واحِدٍ إلى ما وقَعَ فِيهِ بَنُو النَّضِيرِ مِن غَدْرٍ وخِيانَةٍ، فَكانَ اخْتِصاصُ اليَهُودِ بِالحُكْمِ لِتِلْكَ العِلَّةِ المُشْتَرَكَةِ؛ لِأنَّهم وإنْ شارَكَهم غَيْرُهم في المُشاقَّةِ فَلَمْ يُشارِكْهم غَيْرُهم في الجانِبِ الآخَرِ مِمّا قَدَّمْنا مِن دَوافِعِ المُشاقَّةِ.

وَلِلدَّوافِعِ تَأْثِيرٌ في الحُكْمِ، كَما في قِصَّةِ آدَمَ وإبْلِيسَ، فَقَدِ اشْتَرَكَ آدَمُ وإبْلِيسُ في عُمُومِ عِلَّةِ العِصْيانِ، إذْ نُهِيَ آدَمُ عَنْ قُرْبانِ الشَّجَرَةِ، وأُمِرَ إبْلِيسُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ مَعَ المَلائِكَةِ، فَأكَلَ آدَمُ مِمّا نُهِيَ عَنْهُ، وامْتَنَعَ إبْلِيسُ عَمّا أُمِرَ بِهِ فاشْتَرَكا في العِصْيانِ كَما قالَ تَعالى عَنْ آدَمَ: ﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ [طه: ١٢١]، وقالَ عَنْ إبْلِيسَ: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، ولَكِنَّ السَّبَبَ كانَ مُخْتَلِفًا، فَآدَمُ نَسِيَ ووَقَعَ تَحْتَ وسْوَسَةِ (p-٢٦)الشَّيْطانِ فَخُدِعَ بِقَسَمِ إبْلِيسَ بِاللَّهِ تَعالى: ﴿وَقاسَمَهُما إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]، وكانَتْ مَعْصِيَةٌ عَنْ إغْواءٍ ووَسْوَسَةٍ: ﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ [البقرة: ٣٦] .

أمّا إبْلِيسُ، فَكانَ عِصْيانُهُ عَنْ سَبْقِ إصْرارٍ، وعَنْ حَسَدٍ واسْتِكْبارٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلّا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]، ولَمّا خاطَبَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ ياإبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ [ص: ٧٥]، قالَ في إصْرارِهِ وحَسَدِهِ وتَكَبُّرِهِ: ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧٦] .

فاخْتَلَفَتِ الدَّوافِعُ وكانَ لَدى إبْلِيسَ ما لَيْسَ لَدى آدَمَ في سَبَبِ العِصْيانِ وبِالتّالِي اخْتَلَفَتِ النَّتائِجُ، فَكانَتِ النَّتِيجَةُ مُخْتَلِفَةً تَمامًا. أمّا آدَمُ فَحِينَ عاتَبَهُ عَلى أكْلِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَناداهُما رَبُّهُما ألَمْ أنْهَكُما عَنْ تِلْكُما الشَّجَرَةِ وأقُلْ لَكُما إنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢] رَجَعا حالًا، واعْتَرَفا بِذَنْبِهِما قائِلِينَ: ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وكانَتِ العُقُوبَةُ لَهُما قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قالَ اهْبِطُوا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] .

فَكانَ هُبُوطُ آدَمَ مُؤَقَّتًا، ولَحِقَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]، فَأدْرَكَتْهُ هِدايَةُ اللَّهِ، ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وهَدى: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِن رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧] .

أمّا نَتِيجَةُ إبْلِيسَ فَلَمّا عاتَبَهُ تَعالى في مَعْصِيَتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ ياإبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أأسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ﴾ [ص: ٧٥]، كانَ جَوابُهُ اسْتِعْلاءً، وتَعاظُمًا، عَلى النَّقِيضِ مِمّا كانَ في جَوابِ آدَمَ إذْ قالَ: ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧٦]، فَكانَ جَوابُهُ كَذَلِكَ عَكْسَ ما كانَ جَوابًا عَلى آدَمَ: ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ وإنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص: ٧٧ - ٧٨] .

وَلَقَدْ قالُوا: إنَّ الَّذِي جَرَّ عَلى إبْلِيسَ هَذا كُلَّهُ هو الحَسَدُ، حَسَدَ آدَمَ عَلى ما أكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ فاحْتَقَرَهُ، وتَكَبَّرَ عَلَيْهِ، فَوَقَعَ في العِصْيانِ، وكانَتْ نَتِيجَتُهُ الطَّرْدَ.

(p-٢٧)وَهَكَذا اليَهُودُ: إنَّ داءَهُمُ الدَّفِينَ هو الحَسَدُ، والعُجْبُ بِالنَّفْسِ، فَجَرَّهم إلى الكُفْرِ، ووَقَعُوا في الخِيانَةِ، وكانَتِ النَّتِيجَةُ القَتْلَ، والطَّرْدَ.

وَقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنَّ مُشاقَّةَ اليَهُودِ هَذِهِ هي مِنَ الإفْسادِ في الأرْضِ الَّذِي نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ، وعاقَبَهم عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، وتَهَدَّدَهم إنْ هم عادُوا لِلثّالِثَةِ عادَ لِلِانْتِقامِ مِنهم، وهاهم قَدْ عادُوا، وشاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ.

قالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في سُورَةِ ”الإسْراءِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ٨]، لَمّا بَيَّنَ تَعالى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قُضِيَ إلَيْهِمْ في الكِتابِ أنَّهم يُفْسِدُونَ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ - وبَيَّنَ نَتائِجَ هاتَيْنِ المَرَّتَيْنِ - بَيَّنَ تَعالى أيْضًا: أنَّهم إنْ عادُوا لِلْإفْسادِ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ، فَإنَّهُ جَلَّ وعَلا يَعُودُ لِلِانْتِقامِ مِنهم بِتَسْلِيطِ أعْدائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾، ولَمْ يُبَيِّنْ هُنا هَلْ عادُوا لِلْإفْسادِ في المَرَّةِ الثّالِثَةِ أمْ لا ؟ .

وَلَكِنَّهُ أشارَ في آياتٍ أُخَرَ إلى أنَّهم عادُوا لِلْإفْسادِ بِتَكْذِيبِ الرَّسُولِ ﷺ وكَتْمِ صِفاتِهِ، ونَقَضِ عُهُودِهِ، ومُظاهَرَةِ عَدُّوهِ عَلَيْهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن أفْعالِهِمِ القَبِيحَةِ، فَعادَ اللَّهُ - جَلَّ وعَلا - لِلِانْتِقامِ مِنهم تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ نَبِيَّهُ ﷺ والمُسْلِمِينَ، وجَرى عَلى بَنِي قُرَيْظَةَ، وبَنِي النَّضِيرِ، وبَنِي قَيْنُقاعَ وخَيْبَرَ، ما جَرى مِنَ القَتْلِ والسَّلْبِ والإجْلاءِ، وضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلى مَن بَقِيَ مِنهم، وضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ.

وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهم عادُوا لِلْإفْسادِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم أنْ يَكْفُرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ ولِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ٨٩ - ٩٠]، وقَوْلُهُ: ﴿الفاسِقُونَ أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٠٠]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ﴾ [المائدة: ١٣] ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَمِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ تَعالى عادَ إلى الِانْتِقامِ مِنهم قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ مِن دِيارِهِمْ لِأوَّلِ الحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أنْ يَخْرُجُوا وظَنُّوا أنَّهم مانِعَتُهم حُصُونُهم مِنَ اللَّهِ فَأتاهُمُ اللَّهُ مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهم بِأيْدِيهِمْ وأيْدِي المُؤْمِنِينَ فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ ﴿وَلَوْلا أنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهم في الدُّنْيا ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ومَن يُشاقِّ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ (p-٢٨)[الحشر: ٢ - ٤]، وقَوْلُهُ: ﴿وَأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ ﴿وَأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهُمْ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٢٦ - ٢٧] ا هـ مِنهُ.

فَهَذا مِنهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بَيانٌ ودَلِيلٌ إلى مُغايَرَةِ المُشاقَّةِ الواقِعَةِ مِنَ اليَهُودِ لِلْمُشاقَّةِ الواقِعَةِ مِن غَيْرِهِمْ، فَكانَ تَخَلُّفُ الحُكْمِ عَمَّنْ شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ مِن غَيْرِ اليَهُودِ؛ لِتَخَلُّفِ بَعْضِ العِلَّةِ في الحُكْمِ كَما قَدَّمْنا، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

59:5Page 546

مَا قَطَعۡتُم مِّن لِّينَةٍ أَوۡ تَرَكۡتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰٓ أُصُولِهَا فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِيُخۡزِيَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٥

Whatever you have cut down of [their] palm trees or left standing on their trunks - it was by permission of Allāh and so He would disgrace the defiantly disobedient.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ .

اللِينَةُ هُنا، قِيلَ: اسْمٌ عامٌّ لِلنَّخْلِ، وهَذا اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ.

وَقِيلَ: نَوْعٌ خاصٌّ مِنهُ، وهو ما عَدا البَرْنِيَّ والعَجْوَةَ فَقَطْ.

وَنَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ أهْلِ البَصْرَةِ يَقُولُ: اللِّينَةُ مِنَ اللَّوْنِ، وقالَ: وإنَّما سُمِّيَتْ لِينَةً؛ لِأنَّها فِعْلَةٌ مِن فَعَلَ وهو اللَّوْنُ، وهو ضَرْبٌ مِنَ النَّخْلِ، ولَكِنْ لَمّا انْكَسَرَ ما قَبْلَها انْقَلَبَتْ إلى ياءٍ إلَخْ، وهَذا الأخِيرُ قَرِيبٌ مِمّا عَلَيْهِ أهْلُ المَدِينَةِ اليَوْمَ، حَيْثُ يُطْلِقُونَ كَلِمَةَ: لُونَةٍ عَلى ما لا يَعْرِفُونَ لَهُ اسْمًا خاصًّا، ولَعَلَّ كَلِمَةَ لُونَةٍ مُحَرَّفَةٌ عَنْ كَلِمَةِ لِينَةٍ، ويُوجَدُ عِنْدَ أهْلِ المَدِينَةِ مِن أنْواعِ النَّخِيلِ ما يَقْرُبُ مِن سَبْعِينَ نَوْعًا.

وَقِيلَ: إنَّ اللِينَةَ كُلُّ شَجَرَةٍ لِلُيُونَتِها بِالحَياةِ.

وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في تَقْطِيعِ وتَحْرِيقِ بَعْضِ النَّخِيلِ لِبَنِي النَّضِيرِ عِنْدَ حِصارِهِمْ وقَطَعَ مِنَ البُسْتانِ المَعْرُوفِ بِالبُوَيْرَةِ، كَما رَوى ابْنُ كَثِيرٍ عَنْ صاحِبَيِ الصَّحِيحَيْنِ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، وقَطَعَ، وهي البُوَيْرَةُ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِن لِينَةٍ أوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ» .

وَقالَ حَسّانٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

؎وَهانَ عَلى سَراةِ بَنِي لُؤَيٍّ حَرِيقٌ بِالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ

والبُوَيْرَةُ مَعْرُوفَةٌ اليَوْمَ، وهي بُسْتانٌ يَقَعُ في الجَنُوبِ الغَرْبِيِّ مِن مَسْجِدِ قُباءٍ.

(p-٢٩)وَقِيلَ في سَبَبِ نُزُولِها: إنَّ اليَهُودَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ إنَّكَ تَنْهى عَنِ الفَسادِ، فَما بالُكَ تَأْمُرُ بِقَطْعِ الأشْجارِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ.

وَقِيلَ: إنَّ المُسْلِمِينَ نَهى بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ قَطْعِ النَّخِيلِ، وقالُوا: إنَّما هو مَغانِمُ المُسْلِمِينَ فَنَزَلَ القُرْآنُ بِتَصْدِيقِ مَن نَهى عَنْ قَطْعِهِ، وتَحْلِيلِ مَن قَطَعَ مِنَ الإثْمِ، وأنَّ قَطْعَ ما قُطِعَ وتَرْكَ ما تُرِكَ: ﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ ولِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ .

وَعَلى هَذِهِ الأقْوالِ قالَ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ أيْ: الإذْنُ القَدَرِيُّ والمَشِيئَةُ الإلَهِيَّةُ، أيْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦]، وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] .

والَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنَّ الإذْنَ المَذْكُورَ في الآيَةِ هو إذْنٌ شَرْعِيٌّ، وهو ما يُؤْخَذُ مِن عُمُومِ الإذْنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا وإنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]؛ لِأنَّ الإذْنَ بِالقِتالِ إذْنٌ بِكُلِّ ما يَتَطَلَّبُهُ بِناءً عَلى قاعِدَةِ: الأمْرُ بِالشَّيْءِ أمْرٌ بِهِ وبِما لا يَتِمُّ إلّا بِهِ.

والحِصارُ نَوْعٌ مِنَ القِتالِ، ولَعَلَّ مِن مَصْلَحَةِ الحِصارِ قَطْعَ بَعْضِ النَّخِيلِ لِتَمامِ الرُّؤْيَةِ، أوْ لِإحْكامِ الحِصارِ، أوْ لِإذْلالِ وإرْهابِ العَدُوِّ في حِصارِهِ وإشْعارِهِ بِعَجْزِهِ عَنْ حِمايَةِ أمْوالِهِ، ومُمْتَلَكاتِهِ، وقَدْ يَكُونُ فِيهِ إثارَةٌ لَهُ؛ لِيَنْدَفِعَ في حَمِيَّةٍ لِلدِّفاعِ عَنْ مُمْتَلَكاتِهِ وأمْوالِهِ، فَيَنْكَشِفَ عَنْ حُصُونِهِ ويَسْهُلَ القَضاءُ عَلَيْهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأغْراضِ الحَرْبِيَّةِ، والَّتِي أشارَ اللَّهُ تَعالى إلَيْها في قَوْلِهِ: ﴿وَلِيُخْزِيَ الفاسِقِينَ﴾ أيْ: بِعَجْزِهِمْ وإذْلالِهِمْ وحَسْرَتِهِمْ، وهم يَرَوْنَ نَخِيلَهم يُقْطَعُ، ويُحْرَقُ فَلا يَمْلِكُونَ لَهُ دَفْعًا.

وَعَلى كُلٍّ فالَّذِي أذِنَ بِالقِتالِ وهو سَفْكُ الدِّماءِ، وإزْهاقُ الأنْفُسِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن سَبْيٍ وغَنائِمَ لا يَمْنَعُ في مِثْلِ قَطْعِ النَّخِيلِ إنْ لَزِمَ الأمْرُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ ما أذِنَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبِإذْنِ اللَّهِ أذِنَ.

وَبِهَذا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إذا حاصَرَ المُسْلِمُونَ عَدُوًّا، ورَأوْا أنَّ مِن مَصْلَحَتِهِمْ أوْ مِن مَذَلَّةِ العَدُوِّ إتْلافَ مُنْشَآتِهِ وأمْوالِهِ، فَلا مانِعَ مِن ذَلِكَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وَغايَةُ ما فِيهِ، أنَّهُ إتْلافُ بَعْضِ المالِ لِلتَّغَلُّبِ عَلى العَدُوِّ وأخْذِ جَمِيعِ مالِهِ، وهَذا لَهُ (p-٣٠)نَظِيرٌ في الشَّرْعِ، كَعَمَلِ الخِضْرِ في سَفِينَةِ المَساكِينَ لَمّا خَرَقَها، أيْ أعابَها بِإتْلافِ بَعْضِها؛ لِيَسْتَخْلِصَها مِنِ اغْتِصابِ المَلِكِ إيّاها، وقالَ: ﴿وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] .

وَقَدْ جاءَ اعْتِراضُ المُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ في قِتالِهِمْ في الأشْهُرِ الحُرُمِ، كَما اعْتَرَضَ اليَهُودُ عَلى المُسْلِمِينَ في قَطْعِ النَّخِيلِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ والفِتْنَةُ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧] .

فَقَدْ تَعاظَمَ المُشْرِكُونَ قَتْلَ المُسْلِمِينَ لِبَعْضِ المُشْرِكِينَ في وقْعَةِ نَخْلَةٍ، ولَمْ يَتَحَقَّقُوا دُخُولَ الشَّهْرِ الحَرامِ، واتَّهَمُوهم بِاعْتِداءٍ عَلى حُرْمَةِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، فَأجابَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِمُوجِبِ ما قالُوا بِأنَّ القِتالَ في الشَّهْرِ الحَرامِ كَبِيرٌ، ولَكِنْ ما ارْتَكَبَهُ المُشْرِكُونَ مِن صَدٍّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٍ بِاللَّهِ، وصَدٍّ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وإخْراجِ أهْلِهِ مِنهُ وهُمُ المُسْلِمُونَ أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ، والفِتْنَةُ عَنِ الدِّينِ أكْبَرُ مِنَ القَتْلِ، أيْ: الَّذِي اسْتَنْكَرُوهُ مِنَ المُسْلِمِينَ.

وَهَكَذا هُنا لَئِنْ تَعاظَمَ اليَهُودُ عَلى المُسْلِمِينَ قَطْعَ بَعْضِ النَّخِيلِ، وعابُوا عَلى المُسْلِمِينَ إيقاعَ الفَسادِ بِإتْلافِ بَعْضِ المالِ فَكَيْفَ بِهِمْ بِغَدْرِهِمْ وخِيانَتِهِمْ نَقْضِهِمِ العُهُودَ، وتَمالُئِهِمْ عَلى قَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ وقَدْ سَجَّلَ هَذا المَعْنى كَعْبُ بْنُ مالِكٍ يَذْكُرُ إجْلاءَ بَنِي النَّضِيرِ، وقَتْلَ ابْنِ الأشْرَفِ:

؎لَقَدْ خَزِيَتْ بِغَدْرَتِها الحُبُورُ ∗∗∗ كَذاكَ الدَّهْرُ ذُو صَرْفٍ يَدُورُ

؎وَذَلِكَ أنَّهم كَفَرُوا بِرَبٍّ ∗∗∗ عَظِيمٍ أمْرُهُ أمْرٌ كَبِيرٌ

؎وَقَدْ أُوتُوا مَعًا فَهْمًا وعِلْمًا ∗∗∗ وجاءَهُمُ مِنَ اللَّهِ النَّذِيرُ

إلى أنْ قالَ:

؎فَلَمّا أُشْرِبُوا غَدْرًا وكُفْرًا ∗∗∗ وحادَ بِهِمْ عَنِ الحَقِّ النُّفُورُ

؎أرى اللَّهُ النَّبِيَّ بِرَأْيِ صِدْقٍ ∗∗∗ وكانَ اللَّهُ يَحْكُمُ لا يَجُورُ

؎فَأيَّدَهُ وسَلَّطَهُ عَلَيْهِمُ ∗∗∗ وكانَ نَصِيرَهُ نِعْمَ النَّصِيرُ

فَقَدْ أشارَ إلى أنَّ خِزْيَ بَنِي النَّضِيرِ بِسَبَبِ غَدْرِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ، فَكانَ الإذْنُ في قَطْعِ النَّخِيلِ هو إذْنٌ شَرْعِيٌّ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ عَنْهُ هو عَمَلٌ تَشْرِيعِيٌّ إذا ما دَعَتِ الحاجَةُ، لِمِثْلِ ما دَعَتِ الحاجَّةُ هَنا إلَيْهِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

59:6Page 546

وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡهُمۡ فَمَآ أَوۡجَفۡتُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ خَيۡلٖ وَلَا رِكَابٖ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُۥ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٦

And what Allāh restored [of property] to His Messenger from them - you did not spur for it [in an expedition] any horses or camels,1 but Allāh gives His messengers power over whom He wills, and Allāh is over all things competent.

(p-٣١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ﴾ .

الضَّمِيرُ في (مِنهم) هُنا عائِدٌ عَلى بَنِي النَّضِيرِ.

والفَيْءُ: الغَنِيمَةُ بِدُونِ قِتالٍ، وقَدْ جَعَلَهُ تَعالى هُنا عَلى رَسُولِهِ خاصَّةً.

وَقالَ: ﴿فَما أوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِن خَيْلٍ ولا رِكابٍ ولَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ [الحشر: ٦] أيْ: لَمّا كانَ إخْراجُ اليَهُودِ مَرَدَّهُ إلى اللَّهِ تَعالى بِما قَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وبِما سَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَهُ ﷺ فَكانَ هَذا الفَيْءُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُشارِكْهُ فِيهِ غَيْرُهُ.

وَقَدْ جاءَ مِصْداقُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الَّذِي ساقَهُ الشَّيْخُ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ عِنْدَ آخَرِ كَلامِهِ عَلى مَباحِثِ ”الأنْفالِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ: المَسْألَةُ التّاسِعَةُ: اعْلَمْ «أنَّهُ ﷺ كانَ يَأْخُذُ نَفَقَةَ سَنَتِهِ مِن فَيْءِ بَنِي النَّضِيرِ لا مِنَ المَغانِمِ،» وساقَ حَدِيثَ أنَسِ بْنِ أوْسٍ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في قِصَّةِ مُطالَبَةِ عَلِيٍّ والعَبّاسِ مِيراثَهُما مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنَّهُ قالَ لَهُما: إنَّ اللَّهَ كانَ خَصَّ رَسُولَهُ ﷺ في هَذا بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أحَدًا غَيْرَهُ، فَقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنهم فَما أوْجَفْتُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦]، فَكانَتْ خالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ واللَّهِ ما احْتازَها دُونَكم ولا اسْتَأْثَرَ بِها عَلَيْكم، لَقَدْ أعْطاكُمُوهُ وبَثَّها فِيكم، حَتّى بَقِيَ مِنها هَذا المالُ، فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يُنْفِقُ عَلى أهْلِهِ مِن هَذا المالِ نَفَقَةَ سَنَتِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ ما بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ ما لِلَّهِ إلَخْ. ا هـ.

وَكانَتْ هَذِهِ خاصَّةً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَكِنْ جاءَ بَعْدَها ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أهْلِ القُرى﴾ أيْ: عُمُومًا ﴿فَلِلَّهِ ولِلرَّسُولِ ولِذِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧] .

وَهَذِهِ الآيَةُ لِعُمُومِها مَصْدَرًا ومَصْرِفًا، فَقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلى أحْكامٍ ومَباحِثَ عَدِيدَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ لِفَضِيلَةِ الشَّيْخِ تَغَمَّدَهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ الكَلامُ عَلى كُلِّ ما فِيها عِنْدَ أوَّلِ سُورَةِ الأنْفالِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ [الأنفال: ١]، فاسْتَوْفى واسْتَقْصى وفَصَّلَ وبَيَّنَ مَصادِرَ ومَصارِفَ الفَيْءِ والغَنِيمَةِ والنَّفْلِ، وما فُتِحَ مِنَ البِلادِ صُلْحًا أوْ عَنْوَةً، ومَسائِلَ عَدِيدَةً مِمّا لا مَزِيدَ عَلَيْهِ، ولا غِنى عَنْهُ، والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском