Ash-ShinqitiAl‑An'am · 6:103–129

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:103–129

6:103Page 141

لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ ١٠٣

Vision perceives Him not,1 but He perceives [all] vision; and He is the Subtle,2 the Aware.3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ الآيَةَ، أشارَ في مَواضِعَ أُخَرَ إلى أنَّ نَفْيَ الإدْراكِ المَذْكُورِ هُنا لا يَقْتَضِي نَفْيَ مُطْلَقِ الرُّؤْيَةِ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، والحُسْنى الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ،

• وقَوْلِهِ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]،

يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَيْسُوا مَحْجُوبِينَ عَنْهُ، وهو كَذَلِكَ.

⁕ ⁕ ⁕

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ الآيَةَ.

هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تُوهِمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُرى بِالأبْصارِ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُرى بِالأبْصارِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، وكَقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا الحُسْنى وزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، فالحُسْنى: الجَنَّةُ، والزِّيادَةُ: النَّظَرُ إلى وجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ.

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَهم ما يَشاءُونَ فِيها ولَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥]، عَلى أحَدِ القَوْلَيْنِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى في الكُفّارِ: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (p-٢٨٠)[المطففين: ١٥]، يُفْهَمُ مِن دَلِيلِ خِطابِهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَيْسُوا مَحْجُوبِينَ عَنْ رَبِّهِمْ.

والجَوابُ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ أيْ في الدُّنْيا فَلا يُنافِي الرُّؤْيَةَ في الآخِرَةِ.

الثّانِي: أنَّهُ عامٌّ مَخْصُوصٌ بِرُؤْيَةِ المُؤْمِنِينَ لَهُ في الآخِرَةِ، وهَذا قَرِيبٌ في المَعْنى مِنَ الأوَّلِ.

الثّالِثُ: وهو الحَقُّ، أنَّ المَنفِيَّ في هَذِهِ الآيَةِ الإدْراكُ المُشْعِرُ بِالإحاطَةِ بِالكُنْهِ، أمّا مُطْلَقُ الرُّؤْيَةِ فَلا تَدُلُّ الآيَةُ عَلى نَفْيِهِ بَلْ هو ثابِتٌ بِهَذِهِ الآياتِ القُرْآنِيَّةِ والأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ واتِّفاقِ أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ عَلى ذَلِكَ.

وَحاصِلٌ هَذا الجَوابِ: أنَّ الإدْراكَ أخَصُّ مِن مُطْلَقِ الرُّؤْيَةِ لِأنَّ الإدْراكَ المُرادُ بِهِ الإحاطَةُ، والعَرَبُ تَقُولُ: رَأيْتُ الشَّيْءَ وما أدْرَكْتُهُ، فَمَعْنى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ لا تُحِيطُ بِهِ، كَما أنَّهُ تَعالى يَعْلَمُهُ الخَلْقُ ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا.

وَقَدِ اتَّفَقَ العُقَلاءُ عَلى أنَّ نَفْيَ الأخَصِّ لا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الأعَمِّ، فانْتِفاءُ الإدْراكِ لا يَلْزَمُ مِنهُ انْتِفاءُ مُطْلَقِ الرُّؤْيَةِ، مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُدْرِكُ كُنْهَهُ عَلى الحَقِيقَةِ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ.

والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ هَذا الوَجْهِ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى مَرْفُوعًا: «حِجابُهُ النُّورُ أوِ النّارُ لَوْ كَشَفَهُ لَأحْرَقَتْ سُبُحاتُ وجْهِهِ ما انْتَهى إلَيْهِ بَصَرُهُ مِن خَلْقِهِ» .

فالحَدِيثُ صَرِيحٌ في عَدَمِ الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا، ويُفْهَمُ مِنهُ عَدَمُ إمْكانِ الإحاطَةِ مُطْلَقًا.

والحاصِلُ: أنَّ رُؤْيَتَهُ تَعالى بِالأبْصارِ جائِزَةٌ عَقْلًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِأنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ يَجُوزُ أنْ يُرى عَقْلًا، ويَدُلَّ لِجَوازِها عَقْلًا قَوْلُ مُوسى: ﴿رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، لِأنَّهُ لا يَجْهَلُ الجائِزَ في حَقِّ اللَّهِ تَعالى عَقْلًا.

وَأمّا في الشَّرْعِ فَهي جائِزَةٌ وواقِعَةٌ في الآخِرَةِ مُمْتَنِعَةٌ في الدُّنْيا ومِن أصْرَحِ الأدِلَّةِ في ذَلِكَ ما رَواهُ مُسْلِمٌ وابْنُ خُزَيْمَةَ مَرْفُوعًا: «إنَّكم لَنْ تَرَوْا رَبَّكم حَتّى تَمُوتُوا» والأحادِيثُ بِرُؤْيَةِ المُؤْمِنِينَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ مُتَواتِرَةٌ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

6:104Page 141

قَدۡ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَنۡ أَبۡصَرَ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ عَمِيَ فَعَلَيۡهَاۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ ١٠٤

There has come to you enlightenment from your Lord. So whoever will see does so for [the benefit of] his soul, and whoever is blind [does harm] against it. And [say], "I am not a guardian over you."1

No commentary for this ayah

6:105Page 141

وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسۡتَ وَلِنُبَيِّنَهُۥ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ١٠٥

And thus do We diversify the verses so they [i.e., the disbelievers] will say, "You have studied,"1 and so We may make it [i.e., the Qur’ān] clear for a people who know.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي لِيَزْعُمُوا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ إنَّما تَعَلَّمَ هَذا القُرْآنَ بِالدَّرْسِ والتَّعْلِيمِ مِن غَيْرِهِ مِن أهْلِ الكِتابِ، كَما زَعَمَ كُفّارُ مَكَّةَ أنَّهُ ﷺ تَعَلَّمَ هَذا القُرْآنَ مِن جَبْرٍ ويَسارٍ، وكانا غُلامَيْنِ نَصْرانِيَّيْنِ بِمَكَّةَ، وقَدْ أوْضَحَ اللَّهُ تَعالى بُطْلانَ افْتِرائِهِمْ هَذا في آياتٍ كَثِيرَةٍ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّهم يَقُولُونَ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أعْجَمِيٌّ وهَذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ ﴿إنْ هَذا إلّا قَوْلُ البَشَرِ﴾ ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ٢٤، ٢٥، ٢٦]، ومَعْنى يُؤْثَرُ: يَرْوِيهِ مُحَمَّدٌ ﷺ عَنْ غَيْرِهِ في زَعْمِهِمُ الباطِلِ،

• وقَوْلِهِ: (p-٤٩٠)﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا إفْكٌ افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ ﴿وَقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهي تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٤، ٥، ٦]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَفِي قَوْلِهِ: دَرَسْتَ [الأنعام: ١٠٥]، ثَلاثُ قِراءاتٍ سَبْعِيّاتٍ:

قَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عُمَرَ دارَسْتَ بِألِفٍ بَعْدِ الدّالِ مَعَ إسْكانِ السِّينِ وفَتْحِ التّاءِ مِنَ المُفاعَلَةِ بِمَعْنى: دارَسْتَ أهْلَ الكِتابِ ودارَسُوكَ حَتّى حَصَّلْتَ هَذا العِلْمَ.

وَقَرَأهُ بَقِيَّةُ السَّبْعَةِ غَيْرَ ابْنِ عامِرٍ: دَرَسْتَ بِإسْقاطِ الألِفِ، مَعَ إسْكانِ السِّينِ وفَتْحِ التّاءِ أيْضًا، بِمَعْنى دَرَسْتَ هَذا عَلى أهْلِ الكِتابِ حَتّى تَعَلَّمْتَهُ مِنهم.

وَقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ: دَرَسْتَ بِفَتْحِ الدّالِ والرّاءِ والسِّينِ وإسْكانِ التّاءِ عَلى أنَّها تاءُ التَّأْنِيثِ، والفاعِلُ ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى الآياتِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآياتِ﴾ [الأنعام: ١٠٥] .

قالَ القُرْطُبِيُّ: وأحْسَنُ ما قِيلَ في قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ أنَّ المَعْنى: ولِئَلّا يَقُولُوا انْقَطَعَتْ وانْمَحَتْ، ولَيْسَ يَأْتِي مُحَمَّدٌ ﷺ بِغَيْرِها. اهـ.

وَقالَ القُرْطُبِيُّ: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾، الواوُ لِلْعَطْفِ عَلى مُضْمَرٍ، أيْ: نُصَرِّفُ الآياتِ لِتَقُومَ الحُجَّةُ ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾، وقِيلَ: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ صَرَفْناها.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: ومَعْناهُما آيِلٌ إلى شَيْءٍ واحِدٍ، ويَشْهَدُ لَهُ القُرْآنُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ دالَّةٍ عَلى أنَّهُ يُبَيِّنُ الحَقَّ واضِحًا في هَذِهِ الكِتابِ، لِيَهْدِيَ بِهِ قَوْمًا، ويَجْعَلَهُ حُجَّةً عَلى آخَرِينَ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وشِفاءٌ والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في آذانِهِمْ وقْرٌ وهو عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: ٤٤]،

• وقَوْلِهِ: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ والمُؤْمِنُونَ ولِيَقُولَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والكافِرُونَ ماذا أرادَ اللَّهُ بِهَذا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشاءُ ويَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [المدثر: ٣١]،

كَما قالَ هُنا: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ ولِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، فالأشْقِياءُ يَقُولُونَ: تَعَلَّمْتَهُ مِنَ البَشَرِ بِالدِّراسَةِ، وأهْلُ العِلْمِ والسُّعَداءُ يَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ.

6:106Page 141

ٱتَّبِعۡ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٠٦

Follow, [O Muḥammad], what has been revealed to you from your Lord - there is no deity except Him - and turn away from those who associate others with Allāh.

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ الآيَةَ.

(p-٢٨١)لا يُعارِضُ آياتِ السَّيْفِ لِأنَّها ناسِخَةٌ لَهُ.

6:107Page 141

وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكُواْۗ وَمَا جَعَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗاۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٖ ١٠٧

But if Allāh had willed, they would not have associated. And We have not appointed you over them as a guardian, nor are you a manager over them.1

No commentary for this ayah

6:108Page 141

وَلَا تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدۡوَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرۡجِعُهُمۡ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٠٨

And do not insult those they invoke other than Allāh, lest they insult Allāh in enmity without knowledge. Thus We have made pleasing to every community their deeds. Then to their Lord is their return, and He will inform them about what they used to do.

No commentary for this ayah

6:109Page 141

وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِن جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ لَّيُؤۡمِنُنَّ بِهَاۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَا يُشۡعِرُكُمۡ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠٩

And they swear by Allāh their strongest oaths that if a sign came to them, they would surely believe in it. Say, "The signs are only with [i.e., from] Allāh." And what will make you perceive that even if it [i.e., a sign] came, they would not believe.

No commentary for this ayah

6:110Page 141

وَنُقَلِّبُ أَفۡـِٔدَتَهُمۡ وَأَبۡصَٰرَهُمۡ كَمَا لَمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَنَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ١١٠

And We will turn away their hearts and their eyes just as they refused to believe in it [i.e., the revelation] the first time. And We will leave them in their transgression, wandering blindly.

No commentary for this ayah

6:111Page 142

۞ وَلَوۡ أَنَّنَا نَزَّلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَحَشَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ كُلَّ شَيۡءٖ قُبُلٗا مَّا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَجۡهَلُونَ ١١١

And even if We had sent down to them the angels [with the message] and the dead spoke to them [of it] and We gathered together every [created] thing in front of them, they would not believe unless Allāh should will. But most of them, [of that], are ignorant.

No commentary for this ayah

6:112Page 142

وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ ١١٢

And thus We have made for every prophet an enemy - devils from mankind and jinn, inspiring to one another decorative speech in delusion. But if your Lord had willed, they would not have done it, so leave them and that which they invent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلَنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ تَعالى في (p-٤٩١)هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا، وبَيَّنَ هُنا أنَّ أعْداءَ الأنْبِياءِ هم شَياطِينُ الإنْسِ والجِنِّ، وصَرَّحَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّ أعْداءَ الأنْبِياءِ مِنَ المُجْرِمِينَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان: ٣١]؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمُجْرِمِينَ شَياطِينُ الإنْسِ والجِنِّ، وذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مِنَ الإنْسِ شَياطِينَ، وصَرَّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٤]، وقَدْ جاءَ الخَبَرُ بِذَلِكَ مَرْفُوعًا مِن حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ عِنْدَ الإمامِ أحْمَدَ وغَيْرِهِ، والعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مُتَمَرِّدٍ شَيْطانًا، سَواءٌ كانَ مِنَ الجِنِّ أوْ مِنَ الإنْسِ كَما ذَكَرْنا، أوْ مِن غَيْرِهِما، وفي الحَدِيثِ: «الكَلْبُ الأسْوَدُ شَيْطانٌ»، وقَوْلُهُ: شَياطِينُ، بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: عَدُوًّا، أوْ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِـ ”جَعَلْنا“، والثّانِي: ”عَدُوًّا“، أيْ: جَعَلْنا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ عَدُوًّا.

6:113Page 142

وَلِتَصۡغَىٰٓ إِلَيۡهِ أَفۡـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَلِيَرۡضَوۡهُ وَلِيَقۡتَرِفُواْ مَا هُم مُّقۡتَرِفُونَ ١١٣

And [it is] so the hearts of those who disbelieve in the Hereafter will incline toward it [i.e., deceptive speech] and that they will be satisfied with it and that they will commit that which they are committing.

No commentary for this ayah

6:114Page 142

أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلٗاۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٞ مِّن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ١١٤

[Say], "Then is it other than Allāh I should seek as judge while it is He who has revealed to you the Book [i.e., the Qur’ān] explained in detail?" And those to whom We [previously] gave the Scripture know that it is sent down from your Lord in truth, so never be among the doubters.

No commentary for this ayah

6:115Page 142

وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدۡقٗا وَعَدۡلٗاۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١١٥

And the word of your Lord has been fulfilled in truth and in justice. None can alter His words, and He is the Hearing, the Knowing.

No commentary for this ayah

6:116Page 142

وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ١١٦

And if you obey most of those upon the earth, they will mislead you from the way of Allāh. They follow not except assumption, and they are not but misjudging.1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تُطِعْ أكْثَرَ مَن في الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ إطاعَةَ أكْثَرِ أهْلِ الأرْضِ ضَلالٌ، وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّ أكْثَرَ أهْلِ الأرْضِ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، وأنَّ ذَلِكَ واقِعٌ في الأُمَمِ الماضِيَةِ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الرعد: ١]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَما أكْثَرُ النّاسِ ولَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهم أكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ [الصافات: ٧١]،

• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً وما كانَ أكْثَرُهم مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٨]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

6:117Page 142

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦۖ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ١١٧

Indeed, your Lord is most knowing of who strays from His way, and He is most knowing of the [rightly] guided.

No commentary for this ayah

6:118Page 142

فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَٰتِهِۦ مُؤۡمِنِينَ ١١٨

So eat of that [meat] upon which the name of Allāh has been mentioned,1 if you are believers in His verses [i.e., revealed law].

No commentary for this ayah

6:119Page 143

وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تَأۡكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَيۡهِۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا لَّيُضِلُّونَ بِأَهۡوَآئِهِم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُعۡتَدِينَ ١١٩

And why should you not eat of that upon which the name of Allāh has been mentioned while He has explained in detail to you what He has forbidden you, excepting that to which you are compelled.1 And indeed do many lead [others] astray through their [own] inclinations without knowledge. Indeed, your Lord - He is most knowing of the transgressors.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ، التَّحْقِيقُ أنَّهُ فَصَّلَهُ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٤٥]، ومَعْنى الآيَةِ: أيُّ شَيْءٍ يَمْنَعُكم أنْ تَأْكُلُوا ما ذَكَّيْتُمْ، وذَكَرْتُمْ عَلَيْهِ اسْمَ اللَّهِ ؟، والحالُ أنَّ اللَّهَ فَصَّلَ لَكُمُ المُحَرَّمَ أكْلُهُ عَلَيْكم في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ١٤٥]، ولَيْسَ هَذا مِنهُ.

وَما يَزْعُمُهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ مِن أنَّهُ فَصَّلَهُ لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٣]، فَهو غَلَطٌ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ مِن سُورَةِ المائِدَةِ، وهي مِن آخِرِ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ بِالمَدِينَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكم ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [ ١١٩ ]، مِن سُورَةِ الأنْعامِ، وهي مَكِّيَّةٌ، فالحَقُّ هو ما ذَكَرْنا، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

6:120Page 143

وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَبَاطِنَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡسِبُونَ ٱلۡإِثۡمَ سَيُجۡزَوۡنَ بِمَا كَانُواْ يَقۡتَرِفُونَ ١٢٠

And leave [i.e., desist from] what is apparent of sin and what is concealed thereof. Indeed, those who earn [blame for] sin will be recompensed for that which they used to commit.

No commentary for this ayah

6:121Page 143

وَلَا تَأۡكُلُواْ مِمَّا لَمۡ يُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقٞۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ ١٢١

And do not eat of that upon which the name of Allāh has not been mentioned, for indeed, it is grave disobedience. And indeed do the devils inspire their allies [among men] to dispute with you. And if you were to obey them, indeed, you would be associators [of others with Him].1

No commentary for this ayah

6:122Page 143

أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٢

And is one who was dead and We gave him life and made for him light by which to walk among the people like one who is in darkness, never to emerge therefrom? Thus it has been made pleasing to the disbelievers that which they were doing.

No commentary for this ayah

6:123Page 143

وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجۡرِمِيهَا لِيَمۡكُرُواْ فِيهَاۖ وَمَا يَمۡكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ١٢٣

And thus We have placed within every city the greatest of its criminals to conspire therein. But they conspire not except against themselves, and they perceive [it] not.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ الآيَةَ، ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ جَعَلَ في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ المُجْرِمِينَ مِنها لِيَمْكُرُوا فِيها، (p-٤٩٢)وَلَمْ يُبَيِّنِ المُرادَ بِالأكابِرِ هُنا، ولا كَيْفِيَّةَ مَكْرِهِمْ، وبَيَّنَ جَمِيعَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ: فَبَيَّنَ أنَّ مُجْرِمِيها الأكابِرَ هم أهْلُ التَّرَفِ، والنِّعْمَةِ في الدُّنْيا، بِقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [سبإ: ٣٤]، وقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] . ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

وَبَيَّنَ أنَّ مَكْرَ الأكابِرِ المَذْكُورَ: هو أمْرُهم بِالكُفْرِ بِاللَّهِ تَعالى، وجَعْلِ الأنْدادِ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ ونَجْعَلَ لَهُ أنْدادًا﴾ [سبإ: ٣٣]، وقَوْلِهِ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبّارًا﴾ ﴿وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ الآيَةَ [نوح: ٢٢، ٢٣] .

وَأظْهَرُ أوْجُهِ الإعْرابِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ عِنْدِي اثْنانِ:

أحَدُهُما: أنَّ أكابِرَ مُضافٌ إلى مُجْرِمِيها، وهو المَفْعُولُ الأوَّلُ لِجَعَلَ الَّتِي بِمَعْنى صَيَّرَ، والمَفْعُولُ الثّانِي هو الجارُّ والمَجْرُورُ، أعْنِي في كُلِّ قَرْيَةٍ.

والثّانِي: أنَّ مُجْرِمِيها مَفْعُولٌ أوَّلُ، و أكابِرَ مَفْعُولٌ ثانٍ، أيْ: جَعَلْنا مُجْرِمِيها أكابِرَها، والأكابِرُ جَمْعُ الأكْبَرِ.

6:124Page 143

وَإِذَا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ قَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ حَتَّىٰ نُؤۡتَىٰ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِۘ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ حَيۡثُ يَجۡعَلُ رِسَالَتَهُۥۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا كَانُواْ يَمۡكُرُونَ ١٢٤

And when a sign comes to them, they say, "Never will we believe until we are given like that which was given to the messengers of Allāh." Allāh is most knowing of where [i.e., with whom] He places His message. There will afflict those who committed crimes debasement before Allāh and severe punishment for what they used to conspire.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا جاءَتْهم آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾، يَعْنُونَ أنَّهم لَنْ يُؤْمِنُوا حَتّى يَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ بِالرِّسالَةِ، كَما أتَتِ الرُّسُلَ، كَما بَيَّنَهُ تَعالى في آياتٍ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٢١]، وقَوْلِهِ: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٩٢]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

6:125Page 144

فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٢٥

So whoever Allāh wants to guide - He expands his breast to [contain] Islām; and whoever He wants to send astray1 - He makes his breast tight and constricted as though he were climbing into the sky. Thus does Allāh place defilement upon those who do not believe.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ﴾ الآيَةَ.

جاءَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، فَقِيلَ: كَيْفَ يُشْرَحُ صَدْرُهُ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ ﷺ قالَ: ”نُورٌ يُقْذَفُ فِيهِ، فَيَنْشَرِحُ لَهُ، ويَنْفَسِحُ“، قالُوا: فَهَلْ لِذَلِكَ مِن أمارَةٍ يُعْرَفُ بِها ؟ قالَ: ”الإنابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَّجافِي عَنْ دارِ الغُرُورِ، والِاسْتِعْدادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ لِقاءِ المَوْتِ“»، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] .

6:126Page 144

وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسۡتَقِيمٗاۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ ١٢٦

And this is the path of your Lord, [leading] straight. We have detailed the verses for a people who remember.

No commentary for this ayah

6:127Page 144

۞ لَهُمۡ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمۡۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢٧

For them will be the Home of Peace [i.e., Paradise] with their Lord. And He will be their protecting friend because of what they used to do.

No commentary for this ayah

6:128Page 144

وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ قَدِ ٱسۡتَكۡثَرۡتُم مِّنَ ٱلۡإِنسِۖ وَقَالَ أَوۡلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلۡإِنسِ رَبَّنَا ٱسۡتَمۡتَعَ بَعۡضُنَا بِبَعۡضٖ وَبَلَغۡنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيٓ أَجَّلۡتَ لَنَاۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثۡوَىٰكُمۡ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ١٢٨

And [mention, O Muḥammad], the Day when He will gather them together [and say], "O company of jinn, you have [misled] many of mankind." And their allies among mankind will say, "Our Lord, some of us made use of others, and we have [now] reached our term which You appointed for us." He will say, "The Fire is your residence, wherein you will abide eternally, except for what Allāh wills. Indeed, your Lord is Wise and Knowing."

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ النّارُ مَثْواكم خالِدِينَ فِيها إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ.

هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ يُفْهَمُ مِنها كَوْنُ عَذابِ أهْلِ النّارِ غَيْرَ باقٍ بَقاءً لا انْقِطاعَ لَهُ أبَدًا ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٦ - ١٠٧]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لابِثِينَ فِيها أحْقابًا﴾ [النبإ: ٢٣] .

وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ عَذابَهم لا انْقِطاعَ لَهُ كَقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [النساء: ٥٧] .

والجَوابُ عَنْ هَذا مِن أوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ مَعْناهُ إلّا مَن شاءَ اللَّهُ عَدَمَ خُلُودِهِ فِيها مِن أهْلِ الكَبائِرِ مِنَ المُوَحِّدِينَ.

وَقَدْ ثَبَتَ فى الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ أنَّ بَعْضَ أهْلِ النّارِ يَخْرُجُونَ مِنها وهم أهْلُ الكَبائِرِ مِنَ المُوَحِّدِينَ، ونَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ هَذا القَوْلَ عَنْ قَتادَةَ والضَّحّاكِ وأبِي سِنانٍ وخالِدِ بْنِ مَعْدانَ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وغايَةُ ”ما“ في هَذا القَوْلِ إطْلاقُ ”ما“ وإرادَةُ مَن ونَظِيرُهُ في القُرْآنِ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣]

الثّانِي: أنَّ المُدَّةَ الَّتِي اسْتَثْناها اللَّهُ هي المُدَّةُ الَّتِي بَيْنَ بَعْثِهِمْ مِن قُبُورِهِمْ واسْتِقْرارِهِمْ في مَصِيرِهِمْ قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ فِيهِ إجْمالٌ وقَدْ جاءَتِ الآياتُ والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مُصَرِّحَةً بِأنَّهم خالِدُونَ فِيها أبَدًا، وظاهِرُها أنَّهُ خُلُودٌ لا انْقِطاعَ لَهُ، والظُّهُورُ مِنَ المُرَجِّحاتِ فالظّاهِرُ مُقَدَّمٌ عَلى المُجْمَلِ، كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ.

وَمِنها أنْ ”إلّا“ في سُورَةِ ”هُودٍ“ بِمَعْنى: سِوى ما شاءَ اللَّهُ مِنَ الزِّيادَةِ عَلى مُدَّةِ دَوامِ السَّماواتِ والأرْضِ.

وَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ الِاسْتِثْناءَ عَلى ظاهِرِهِ وأنَّهُ يَأْتِي عَلى النّارِ زَمانٌ لَيْسَ فِيها أحَدٌ.

(p-٢٨٢)وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَيَأْتِيَنَّ عَلى جَهَنَّمَ زَمانٌ تَخْفِقُ أبْوابُها لَيْسَ فِيها أحَدٌ، وذَلِكَ بَعْدَما يَلْبَثُونَ أحْقابًا.

وَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها تَأْكُلُهم بِأمْرِ اللَّهِ.

قالَ مُقَيِّدُهُ عَفا اللَّهُ عَنْهُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي واللَّهُ أعْلَمُ، أنَّ هَذِهِ النّارَ الَّتِي لا يَبْقى فِيها أحَدٌ يَتَعَيَّنُ حَمْلُها عَلى الطَّبَقَةِ الَّتِي كانَ فِيها عُصاةُ المُسْلِمِينَ، كَما جَزَمَ بِهِ البَغَوِيُّ في تَفْسِيرِهِ، لِأنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الجَمْعُ بَيْنَ الأدِلَّةِ، وإعْمالُ الدَّلِيلَيْنِ أوْلى مِن إلْغاءِ أحَدِهِما.

وَقَدْ أطْبَقَ العُلَماءُ عَلى وُجُوبِ الجَمْعِ إذا أمْكَنَ، أمّا ما يَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ مِنَ الصَّحابَةِ، ومَن بَعْدَهم مِن أنَّ النّارَ تَفْنى ويَنْقَطِعُ العَذابُ عَنْ أهْلِها، فالآياتُ القُرْآنِيَّةُ تَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّتِهِ، وإيضاحُهُ أنَّ المَقامَ لا يَخْلُو مِن إحْدى خَمْسِ حالاتٍ بِالتَّقْسِيمِ الصَّحِيحِ، وغَيْرُها راجِعٌ إلَيْها.

الأُولى: أنْ يُقالَ بِفَناءِ النّارِ، وأنَّ اسْتِراحَتَهم مِنَ العَذابِ بِسَبَبِ فَنائِها.

الثّانِيَةُ: أنْ يُقالَ إنَّهم ماتُوا وهي باقِيَةٌ.

الثّالِثَةُ: أنْ يُقالَ إنَّهم أُخْرِجُوا مِنها وهي باقِيَةٌ.

الرّابِعَةُ: أنْ يُقالَ إنَّهم باقُونَ فِيها إلّا أنَّ العَذابَ يَخِفُّ عَلَيْهِمْ.

وَذَهابُ العَذابِ رَأْسًا واسْتِحالَتُهُ لِذا لَمْ نَذْكُرْهُما مِنَ الأقْسامِ، لِأنّا نُقِيمُ البُرْهانَ عَلى نَفْيِ تَخْفِيفِ العَذابِ، ونَفْيُ تَخْفِيفِهِ يَلْزَمُهُ نَفْيُ ذَهابِهِ واسْتِحالَتُهُ لِذا فاكْتَفَيْنا بِهِ لِدَلالَةِ نَفْيِهِ عَلى نَفْيِهِما، وكُلُّ هَذِهِ الأقْسامِ الأرْبَعَةِ يَدُلُّ القُرْآنُ عَلى بُطْلانِهِ.

أمّا فَناؤُها فَقَدْ نَصَّ تَعالى عَلى عَدَمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ [الإسراء: ٩٧] .

وَقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧]، في خُلُودِ أهْلِ الجَنَّةِ وخُلُودِ أهْلِ النّارِ وبَيَّنَ عَدَمَ الِانْقِطاعِ في خُلُودِ أهْلِ الجَنَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]، وبِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤]، وقَوْلِهِ: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ وما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ﴾ [النحل: ٩٦] .

(p-٢٨٣)وَبَيَّنَ عَدَمَ الِانْقِطاعِ في خُلُودِ أهْلِ النّارِ بِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ .

فَمَن يَقُولُ إنَّ لِلنّارِ خَبْوَةً لَيْسَ بَعْدَها زِيادَةُ سَعِيرٍ، رُدَّ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، ومَعْلُومٌ أنَّ كُلَّما تَقْتَضِي التَّكْرارَ بِتَكْرارِ الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ الآيَةَ [النساء: ٥٦] .

وَأمّا مَوْتُهم فَقَدْ نَصَّ تَعالى عَلى عَدَمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦]،

• وقَوْلِهِ: ﴿لا يَمُوتُ فِيها ولا يَحْيا﴾ [ ٢٠ ]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكانٍ وما هو بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧]،

وقَدْ بَيَّنَ ﷺ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّ المَوْتَ يُجاءُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ في صُورَةِ كَبْشٍ أمْلَجٍ فَيُذْبَحُ، وإذا ذُبِحَ المَوْتُ حَصَلَ اليَقِينُ بِأنَّهُ لا مَوْتَ، كَما قالَ ﷺ: «وَيُقالُ يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلا مَوْتَ، ويا أهْلَ النّارِ خُلُودٌ بِلا مَوْتٍ» .

وَأمّا إخْراجُهم مِنها فَنَصَّ تَعالى عَلى عَدَمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧]، وبِقَوْلِهِ: ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ [السجدة: ٢٠]، وبِقَوْلِهِ: ﴿وَما هم بِخارِجِينَ مِنها ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧] .

وَأمّا تَخْفِيفُ العَذابِ عَنْهم فَنَصَّ تَعالى عَلى عَدَمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: ١٣]،

• وقَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكم إلّا عَذابًا﴾ [ ٧٨ ]،

• وقَوْلِهِ: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [ ٤٣ ]،

• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ [الفرقان: ٦٥]،

• وقَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ [الفرقان: ٧٧]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يُخَفَّفُ عَنْهم ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ [النحل: ٨٥] .

وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧]، ولا يَخْفى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها﴾ وقَوْلَهُ: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ كِلاهُما فِعْلٌ في سِياقِ النَّفْيِ، فَحَرْفُ النَّفْيِ بِنَفْيِ المَصْدَرِ الكامِنِ في الفِعْلِ فَهو في مَعْنى لا تَخْفِيفَ لِلْعَذابِ عَنْهم، ولا تَفْتِيرَ لَهُ، والقَوْلُ بِفَنائِها يَلْزَمُهُ تَخْفِيفُ العَذابَ وتَفْتِيرُهُ المَنفِيّانِ في هَذِهِ الآياتِ بَلْ يَلْزَمُهُ ذَهابُهُما رَأْسًا، كَما أنَّهُ يَلْزَمُهُ نَفْيُ مُلازَمَةِ العَذابِ المَنصُوصِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ وإقامَتِهِ المَنصُوصِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ .

(p-٢٨٤)فَظاهِرُ هَذِهِ الآياتِ عَدَمُ فَناءِ النّارِ المُصَرَّحُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿كُلَّما خَبَتْ زِدْناهم سَعِيرًا﴾ وما احْتَجَّ بِهِ بَعْضُ العُلَماءِ مِن أنَّهُ لَوْ فُرِضَ أنَّ اللَّهَ أخْبَرَ بِعَدَمِ فَنائِها أنَّ ذَلِكَ لا يَمْنَعُ فَناءَها لِأنَّهُ وعِيدٌ، وإخْلافُ الوَعِيدِ مِنَ الحَسَنِ لا مِنَ القَبِيحِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ أنَّهُ لا يُخْلِفُ وعْدَهُ ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ لا يُخْلِفُ وعِيدَهُ، وأنَّ الشّاعِرَ قالَ:

؎وَإنِّي وإنْ أوْعَدْتُهُ أوْ وعَدْتُهُ لَمُخْلِفُ إيعادِي ومُنْجِزُ مَوْعِدِي

فالظّاهِرُ عَدَمُ صِحَّتِهِ لِأمْرَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ يَلْزَمُهُ جَوازُ ألّا يَدْخُلَ النّارَ كافِرٌ، لِأنَّ الخَبَرَ بِذَلِكَ وعِيدٌ، وإخْلافُهُ عَلى هَذا القَوْلِ لا بَأْسَ بِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى صَرَّحَ بِحَقِّ وعِيدِهِ عَلى مَن كَذَّبَ رُسُلَهُ حَيْثُ قالَ: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾ [ق: ١٤] .

وَقَدْ تَقَرَّرَ في مَسْلَكِ النَّصِّ مِن مَسالِكِ العِلَّةِ أنَّ الفاءَ مِن حُرُوفِ التَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِمْ: سَها فَسَجَدَ، أيْ سَجَدَ لِعِلَّةِ سَهْوِهِ، وسَرَقَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ أيْ لِعِلَّةِ سَرِقَتِهِ، فَقَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وعِيدِ﴾ أيْ وجَبَ وُقُوعُ الوَعِيدِ عَلَيْهِمْ لِعِلَّةِ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ كُلٌّ إلّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ [ص: ١٤] .

وَمِنَ الأدِلَّةِ الصَّرِيحَةِ في ذَلِكَ تَصْرِيحُهُ تَعالى بِأنَّ قَوْلَهُ لا يُبَدَّلُ فِيما أوْعَدَ بِهِ أهْلَ النّارِ حَيْثُ قالَ \ ٤٧ ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ ﴿ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ وما أنا بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٨ - ٢٩] .

وَيُسْتَأْنَسُ لِذَلِكَ بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ﴿إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [لقمان: ٣٣]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ﴾ [الطور: ٧]، فالظّاهِرُ أنَّ الوَعِيدَ الَّذِي يَجُوزُ إخْلافُهُ وعِيدُ عُصاةِ المُؤْمِنِينَ لِأنَّ اللَّهَ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] .

فَإذا تَبَيَّنَ بِهَذِهِ النُّصُوصِ بُطْلانُ جَمِيعِ هَذِهِ الأقْسامِ تَعَيَّنَ القِسْمُ الخامِسُ الَّذِي هو خُلُودُهم فِيها أبَدًا بِلا انْقِطاعٍ ولا تَخْفِيفٍ بِالتَّقْسِيمِ والسَّبْرِ الصَّحِيحِ.

وَلا غَرابَةَ في ذَلِكَ لِأنَّهُ خُبْثُهُمُ الطَّبِيعِيُّ دائِمٌ لا يَزُولُ، فَكانَ جَزاؤُهم دائِمًا لا يَزُولُ (p-٢٨٥)والدَّلِيلُ عَلى أنَّ خُبْثَهم لا يَزُولُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأسْمَعَهُمْ﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٢٣] .

فَقَوْلُهُ: خَيْرًا نَكِرَةٌ في سِياقِ الشَّرْطِ فَهي تَعُمُّ، فَلَوْ كانَ فِيهِمْ خَيْرٌ ما في وقْتٍ ما لَعَلِمَهُ اللَّهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وُعَوْدُهم بَعْدَ مُعايَنَةِ العَذابِ، لا يُسْتَغْرَبُ بَعْدَهُ عَوْدُهم بَعْدَ مُباشَرَةِ العَذابِ لِأنَّ رُؤْيَةَ العَذابِ عِيانًا كالوُقُوعِ فِيهِ لا سِيَّما وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، وقالَ: ﴿أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنا﴾ الآيَةَ [مريم: ٣٨] .

وَعَذابُ الكُفّارِ لِلْإهانَةِ والِانْتِقامِ لا لِلتَّطْهِيرِ والتَّمْحِيصِ، كَما أشارَ لَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٧٤]، وبِقَوْلِهِ: ﴿وَلَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: ١٧٨]، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

6:129Page 144

وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعۡضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعۡضَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٢٩

And thus will We make some of the wrongdoers allies of others for what they used to earn.1

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском