Ash-ShinqitiAl‑An'am · 6:145

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:145, continued

فالجَوابُ: أنَّ ما ثَبَتَ بِنَصٍّ أنَّهُ خَبِيثٌ كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى تَحْرِيمِهِ، وما أخْرَجَهُ دَلِيلٌ يُخْرِجُ، ويَبْقى النَّصُّ حُجَّةً فِيما لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى إخْراجِهِ، كَما هو الحُكْمُ في جُلِّ عُمُوماتِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، يَخْرُجُ مِنها بَعْضُ الأفْرادِ بِمُخَصِّصٍ، وتَبْقى حُجَّةً في الباقِي، وهَذا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، وإلَيْهِ أشارَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“ بِقَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ]

وَهْوَ حُجَّةٌ لَدى الأكْثَرِ إنْ مُخَصِّصٌ لَهُ مُعَيِّنًا يَبِنْ

فَإنْ قِيلَ: تَحْرِيمُ الخَبائِثِ لِعِلَّةِ الخُبْثِ، وإذا وُجِدَ خَبِيثٌ غَيْرُ مُحَرَّمٍ كانَ ذَلِكَ نَقْضًا في العِلَّةِ لا تَخْصِيصًا لَها.

فالجَوابُ: أنَّ أكْثَرَ العُلَماءِ عَلى أنَّ النَّقْضَ تَخْصِيصٌ لِلْعِلَّةِ، لا إبْطالٌ لَها، قالَ في ”مَراقِي السُّعُودِ“: [ الرَّجَزُ ]

مِنها وُجُودُ الوَصْفِ دُونَ الحُكْمِ سَمّاهُ بِالنَّقْضِ وُعاةُ العِلْمِ والأكْثَرُونَ عِنْدَهم لا يَقْدَحُ بَلْ هو تَخْصِيصٌ وذا مُصَحَّحُ

إلَخْ. . . . كَما حَرَّرْناهُ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.

وَمِنَ الأدِلَّةِ عَلى تَحْرِيمِ الكَلْبِ: ما ثَبَتَ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ مِنَ الأحادِيثِ الصَّرِيحَةِ في تَحْرِيمِ اقْتِنائِهِ، وأنَّ اقْتِناءَهُ يَنْقُصُ أجْرَ مُقْتَنِيهِ كُلَّ يَوْمٍ، فَلَوْ كانَ أكْلُهُ مُباحًا، لَكانَ اقْتِناؤُهُ (p-٥٣٠)مُباحًا.

وَإنَّما رَخَّصَ ﷺ في كَلْبِ الصَّيْدِ، والزَّرْعِ، والماشِيَةِ؛ لِلضَّرُورَةِ، فَمِن ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا، إلّا كَلْبَ صَيْدٍ، أوْ زَرْعٍ، أوْ ماشِيَةٍ انْتَقَصَ مِن أجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيراطٌ»، ومِنهُ أيْضًا ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ في ”صَحِيحَيْهِما“ مِن حَدِيثِ سُفْيانَ بْنِ أبِي زُهَيْرٍ الشَّنائِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنِ اقْتَنى كَلْبًا لا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا، ولا ضَرْعًا نَقَصَ مِن عَمِلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيراطٌ»، ورَواهُ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ بِثَلاثِ طُرُقٍ بِلَفْظِ: «نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِن عَمَلِهِ قِيراطانِ»، وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِن طُرُقٍ في بَعْضِها قِيراطٌ، وفي بَعْضِها قِيراطانِ.

والأحادِيثُ في البابِ كَثِيرَةٌ، وهَذا أوْضَحُ دَلِيلٍ عَلى أنَّ الكَلْبَ لا يَجُوزُ أكْلُهُ، إذْ لَوْ جازَ أكْلُهُ لَجازَ اقْتِناؤُهُ لِلْأكْلِ، وهو ظاهِرٌ، ومِن ذَلِكَ ما ثَبَتَ في ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“ مِن حَدِيثِ جابِرٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغَفَّلِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: مِن أنَّهُ ﷺ أمَرَ بِقَتْلِ الكِلابِ، ولَوْ كانَتْ مُباحَةَ الأكْلِ لَما أمَرَ بِقَتْلِها، ولَمْ يُرَخِّصْ ﷺ فِيها إلّا لِضَرُورَةِ الصَّيْدِ، أوِ الزَّرْعِ، أوِ الماشِيَةِ.

وَإذا عَرَفْتَ أنَّ في كَلْبِ الصَّيْدِ، وما ذُكِرَ مَعَهُ، بَعْضَ المَنافِعِ المُباحَةِ، كالِانْتِفاعِ بِصَيْدِهِ، أوْ حِراسَتِهِ الماشِيَةَ، أوِ الزَّرْعِ، فاعْلَمْ أنَّ العُلَماءَ اخْتَلَفُوا في بَيْعِهِ.

فَمِنهم مَن قالَ: بَيْعُهُ تابِعٌ لِلَحْمِهِ، ولَحْمُهُ حَرامٌ؛ فَبَيْعُهُ حَرامٌ، وهَذا هو أظْهَرُ الأقْوالِ دَلِيلًا؛ لِما قَدَّمْنا مِن أنَّ ثَمَنَ الكَلْبِ خَبِيثٌ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنْهُ، مَقْرُونًا بِحُلْوانِ الكاهِنِ، ومَهْرِ البَغِيِّ، وهو نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ في مَنعِ بَيْعِهِ.

وَيُؤَيِّدُهُ ما رَواهُ أبُو داوُدَ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - مَرْفُوعًا، قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ ”، وقالَ:“ إنْ جاءَ يَطْلُبُ ثَمَنَ الكَلْبِ، فامْلَأْ كَفَّهُ تُرابًا» .

قالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“، وابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“: إسْنادُهُ صَحِيحٌ، ورَوى أبُو داوُدَ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «لا يَحِلُّ ثَمَنُ الكَلْبِ، ولا حُلْوانُ الكاهِنِ، ولا مَهْرُ البَغِيِّ»، قالَ ابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“: إسْنادُهُ حَسَنٌ، وقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: إسْنادُهُ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

(p-٥٣١)وَإذا حَقَّقْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ القَوْلَ بِمَنعِ بَيْعِ الكَلْبِ الَّذِي ذَكَرْنا أنَّهُ هو الحَقُّ، عامٌّ في المَأْذُونِ في اتِّخاذِهِ وغَيْرِهِ؛ لِعُمُومِ الأدِلَّةِ، ومِمَّنْ قالَ بِذَلِكَ: أبُو هُرَيْرَةَ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، ورَبِيعَةُ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، والشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وداوُدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وغَيْرُهم، وهو المَشْهُورُ الصَّحِيحُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ، خِلافًا لِما ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ في ”المُفْهِمِ“: مِن أنَّ مَشْهُورَ مَذْهَبِهِ الكَراهَةُ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ أيْضًا جَوازُ بَيْعِ كَلْبِ الصَّيْدِ ونَحْوِهِ، دُونَ الَّذِي لَمْ يُؤْذَنُ في اتِّخاذِهِ، وهو قَوْلُ سَحْنُونٍ؛ لِأنَّهُ قالَ: أبِيعُ كَلْبَ الصَّيْدِ وأحُجُّ بِثَمَنِهِ.

وَأجازَ بَيْعَهُ أبُو حَنِيفَةَ مُطْلَقًا إنْ كانَتْ فِيهِ مَنفَعَةٌ مِن صَيْدٍ، أوْ حِراسَةٍ لِماشِيَةٍ مَثَلًا، وحَكى نَحْوَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ جابِرٍ، وعَطاءٍ، والنَّخَعِيِّ، قالَهُ النَّوَوِيُّ.

وَإنْ قُتِلَ الكَلْبُ الماذُونُ فِيهِ كَكَلْبِ الصَّيْدِ، فَفِيهِ القِيمَةُ عِنْدَ مالِكٍ، ولا شَيْءَ فِيهِ عِنْدَ أحْمَدَ، والشّافِعِيِّ، وأوْجَبَها فِيهِ أبُو حَنِيفَةَ مُطْلَقًا إنْ كانَتْ فِيهِ مَنفَعَةٌ.

وَحُجَّةُ مَن قالَ: لا قِيمَةَ فِيهِ، أنَّ القِيمَةَ ثَمَنٌ، والنَّصُّ الصَّحِيحُ نَهى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وجاءَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ طالِبَهُ تُمْلَأُ كَفُّهُ تُرابًا، وذَلِكَ أبْلَغُ عِبارَةٍ في المَنعِ مِنهُ.

واحْتَجَّ مَن أوْجَبَها بِأنَّهُ فَوَّتَ مَنفَعَةً جائِزَةً فَعَلَيْهِ غُرْمُها.

واحْتَجَّ مَن أجازَ بَيْعَ الكَلْبِ، وألْزَمَ قِيمَتَهُ إنْ قُتِلَ، بِما رُوِيَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ: «نَهى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ إلّا كَلْبَ صَيْدٍ»، وعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّهُ غَرَّمَ رَجُلًا عَنْ كَلْبٍ قَتَلَهُ عِشْرِينَ بَعِيرًا، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ: أنَّهُ قَضى في كَلْبِ صَيْدٍ قَتَلَهُ رَجُلٌ بِأرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وقَضى في كَلْبِ ماشِيَةٍ بِكَبْشٍ.

واحْتَجُّوا أيْضًا بِأنَّ الكَلْبَ المَأْذُونَ فِيهِ تَجُوزُ الوَصِيَّةُ بِهِ، والِانْتِفاعُ بِهِ، فَأشْبَهَ الحِمارَ.

وَأجابَ الجُمْهُورُ بِأنَّ الأحادِيثَ والآثارَ المَرْوِيَّةَ في جَوازِ بَيْعِ كَلْبِ الصَّيْدِ ولُزُومِ قِيمَتِهِ كُلُّها ضَعِيفَةٌ.

قالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ ما نَصُّهُ: ”وَأمّا الجَوابُ عَمّا احْتَجُّوا بِهِ مِنَ الأحادِيثِ والآثارِ فَكُلُّها ضَعِيفَةٌ بِاتِّفاقِ المُحَدِّثِينَ“، وهَكَذا أوْضَحَ التِّرْمِذِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ ضَعْفَها، والِاحْتِجاجُ بِجَوازِ الوَصِيَّةِ بِهِ وشَبَهِهِ بِالحِمارِ مَرْدُودٌ بِالنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ، المُصَرِّحَةِ بِعَدَمِ حِلْيَةِ ثَمَنِهِ، وما ذَكَرَهُ ابْنُ عاصِمٍ المالِكِيُّ في ”تُحْفَتِهِ“ مِن قَوْلِهِ: [ الرَّجَزُ ]

واتَّفَقُوا أنَّ كِلابَ البادِيَهْ يَجُوزُ بَيْعُها كَكَلْبِ الماشِيَهْ

(p-٥٣٢)فَقَدْ رَدَّهُ عَلَيْهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عُلَماءُ المالِكِيَّةِ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّهُ قَوْلُ سَحْنُونٍ.

واعْلَمْ أنَّ ما رُوِيَ عَنْ جابِرٍ، وابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا مِمّا يَدُلُّ عَلى جَوازِ بَيْعِ كَلْبِ الصَّيْدِ كُلُّهُ ضَعِيفٌ، كَما بَيَّنَ تَضْعِيفَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”فَتْحِ البارِي“ في بابِ ”ثَمَنِ الكَلْبِ“ .

قالَ القُرْطُبِيُّ: وقَدْ زَعَمَ ناسٌ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ في العَرَبِ مَن يَأْكُلُ لَحْمَ الكَلْبِ إلّا قَوْمٌ مِن فَقْعَسَ.

* *

وَمِن ذَلِكَ القِرْدُ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أكْلُهُ، قالَ القُرْطُبِيُّ في ”تَفْسِيرِهِ“: قالَ أبُو عُمَرَ، يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ البَرِّ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ أكْلُ القِرْدِ؛ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ أكْلِهِ، ولا يَجُوزُ بَيْعُهُ؛ لِأنَّهُ لا مَنفَعَةَ فِيهِ.

قالَ: وما عَلِمْتُ أحَدًا رَخَّصَ في أكْلِهِ إلّا ما ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أيُّوبَ: سُئِلَ مُجاهِدٌ عَنْ أكْلِ القِرْدِ، فَقالَ: لَيْسَ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ، قُلْتُ: ذَكَرَ ابْنُ المُنْذِرِ أنَّهُ قالَ: رُوِّينا عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ القِرْدِ يُقْتَلُ في الحَرَمِ، قالَ: يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ، قالَ: فَعَلى مَذْهَبِ عَطاءٍ يَجُوزُ أكْلُ لَحْمِهِ؛ لِأنَّ الجَزاءَ لا يَجِبُ عَلى مَن قَتَلَ غَيْرَ الصَّيْدِ، وفي ”بَحْرِ المَذْهَبِ“ لِلرُّويانِيِّ عَلى مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ.

وَقالَ الشّافِعِيُّ: يَجُوزُ بَيْعُ القِرْدِ؛ لِأنَّهُ يُعَلَّمُ ويُنْتَفَعُ بِهِ لِحِفْظِ المَتاعِ. اهـ.

وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: القِرْدُ حَرامٌ عِنْدِنا، وبِهِ قالَ عَطاءٌ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، ومَكْحُولٌ، والحَسَنُ، وابْنُ حَبِيبٍ المالِكِيُّ.

وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: لا أعْلَمُ بَيْنَ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ خِلافًا أنَّ القِرْدَ لا يُؤْكَلُ، ولا يَجُوزُ بَيْعُهُ، ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ: «نَهى عَنْ لَحْمِ القِرْدِ»، ولِأنَّهُ سَبُعٌ، فَيَدْخُلُ في عُمُومِ الخَبَرِ، ولِأنَّهُ مَسْخٌ أيْضًا فَيَكُونُ مِنَ الخَبائِثِ المُحَرَّمَةِ.

وَقَدْ قَدَّمْنا جَزْمَ ابْنِ حَبِيبٍ، وابْنِ عَبْدِ البَرِّ مِنَ المالِكِيَّةِ: بِأنَّهُ حَرامٌ، وقالَ الباجِيُّ: الأظْهَرُ عِنْدِي مِن مَذْهَبِ مالِكٍ وأصْحابِهِ: أنَّهُ لَيْسَ بِحَرامٍ.

وَمِن ذَلِكَ الفِيلُ: فالظّاهِرُ فِيهِ أنَّهُ مِن ذَواتِ النّابِ مِنَ السِّباعِ، وقَدْ قَدَّمْنا أنَّ التَّحْقِيقَ فِيها التَّحْرِيمُ؛ لِثُبُوتِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو مَذْهَبُ الجُمْهُورِ.

وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ مِنَ المالِكِيَّةِ: ابْنُ عَبْدِ البَرِّ، والقُرْطُبِيُّ.

(p-٥٣٣)وَقالَ بَعْضُ المالِكِيَّةِ كَراهَتُهُ أخَفُّ مِن كَراهَةِ السَّبُعِ، وأباحَهُ أشْهَبُ، وعَنْ مالِكٍ في ”المُدَوَّنَةِ“: كَراهَةُ الِانْتِفاعِ بِالعاجِ، وهو سِنُّ الفِيلِ.

وَقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: والفِيلُ مُحَرَّمٌ، قالَ أحْمَدُ: لَيْسَ هو مِن أطْعِمَةِ المُسْلِمِينَ، وقالَ الحَسَنُ: هو مَسْخٌ، وكَرِهَهُ أبُو حَنِيفَةَ، والشّافِعِيُّ، ورَخَّصَ في أكْلِهِ الشَّعْبِيُّ، ولَنا نَهْيُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ، وهو مِن أعْظَمِها نابًا؛ ولِأنَّهُ مُسْتَخْبَثٌ فَيَدْخُلُ في عُمُومِ الآيَةِ المُحَرِّمَةِ لِلْخَبائِثِ. اهـ.

وَقالَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“: الفِيلُ حَرامٌ عِنْدِنا، وعِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ، والكُوفِيِّينَ، والحَسَنِ، وأباحَهُ الشَّعْبِيُّ، وابْنُ شِهابٍ، ومالِكٌ في رِوايَةٍ.

وَحُجَّةُ الأوَّلِينَ أنَّهُ ذُو نابٍ. اهـ.

وَمِن ذَلِكَ الهِرُّ، والثَّعْلَبُ، والدُّبُّ: فَهي عِنْدَ مالِكٍ مِن ذَواتِ النّابِ مِنَ السِّباعِ، وعَنْهُ رِوايَةٌ أُخْرى أنَّها مَكْرُوهَةٌ كَراهَةَ تَنْزِيهٍ، ولا تَحْرِيمَ فِيها قَوْلًا واحِدًا، والهِرُّ الأهْلِيُّ والوَحْشِيُّ عِنْدَهُ سَواءٌ.

وَفَرَّقَ بَيْنَهُما غَيْرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ كالشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، وأبِي حَنِيفَةَ: فَمَنَعُوا الأهْلِيَّ.

قالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: فَأمّا الأهْلِيُّ فَمُحَرَّمٌ في قَوْلِ إمامِنا ومالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، والشّافِعِيِّ.

وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ: أنَّهُ «نَهى عَنْ أكْلِ الهِرِّ»، وقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ أيْضًا: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في الثَّعْلَبِ، فَأكْثَرُ الرِّواياتِ عَنْ أحْمَدَ تَحْرِيمُهُ، وهَذا قَوْلُ أبِي هُرَيْرَةَ، ومالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ؛ لِأنَّهُ سَبُعٌ؛ فَيَدْخُلُ في عُمُومِ النَّهْيِ، ونُقِلَ عَنْ أحْمَدَ إباحَتُهُ، واخْتارَهُ الشَّرِيفُ أبُو جَعْفَرٍ، ورَخَّصَ فِيهِ عَطاءٌ، وطاوُسٌ، وقَتادَةُ، واللَّيْثُ، وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، والشّافِعِيُّ؛ لِأنَّهُ يُفْدى في الإحْرامِ والحَرَمِ، إلى أنْ قالَ: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْ أحْمَدَ في سِنَّوْرِ البَرِّ، والقَوْلُ فِيهِ كالقَوْلِ في الثَّعْلَبِ.

وَحَكى النَّوَوِيُّ اتِّفاقَ الشّافِعِيَّةِ عَلى إباحَةِ الثَّعْلَبِ، وقالَ صاحِبُ ”المُهَذَّبِ“: وفي سِنَّوْرِ الوَحْشِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: لا يَحِلُّ؛ لِأنَّهُ يُصْطادُ بِنابِهِ فَلَمْ يَحِلَّ، كالأسَدِ والفَهْدِ.

والثّانِي: يَحِلُّ؛ لِأنَّهُ حَيَوانٌ يَتَنَوَّعُ إلى حَيَوانٍ وحْشِيٍّ وأهْلِيٍّ، فَيَحْرُمُ الأهْلِيُّ مِنهُ، (p-٥٣٤)وَيَحِلُّ الوَحْشِيُّ كالحِمارِ.

وَأمّا الدُّبُّ: فَهو سَبُعٌ ذُو نابٍ عِنْدَ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ، وأصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ، وقالَ أحْمَدُ: إنْ كانَ الدُّبُّ ذا نابٍ مُنِعَ أكْلُهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذا نابٍ فَلا بَأْسَ بِأكْلِهِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في جَوازِ أكْلِ الضَّبُعِ: وهو عِنْدَ مالِكٍ كالثَّعْلَبِ، وقَدْ قَدَّمْنا عَنْهُ أنَّهُ سَبُعٌ في رِوايَةٍ، وفي أُخْرى أنَّهُ مَكْرُوهٌ، ولا قَوْلَ فِيهِ بِالتَّحْرِيمِ، والأحادِيثُ الَّتِي قَدَّمْناها في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ بِأنَّ الضَّبُعَ صَيْدٌ تَدُلُّ عَلى إباحَةِ أكْلِها، ورُوِيَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ: أنَّهُ كانَ يَأْكُلُ الضِّباعَ، قالَهُ القُرْطُبِيُّ، ورَخَّصَ في أكْلِها الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ، وقالَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ الكُبْرى“: قالَ الشّافِعِيُّ: وما يُباعُ لَحْمُ الضِّباعِ بِمَكَّةَ إلّا بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةَ.

وَحُجَّةُ مالِكٍ في مَشْهُورِ مَذْهَبِهِ: أنَّ الضَّبُعَ مِن جُمْلَةِ السِّباعِ؛ فَيَدْخُلُ في عُمُومِ النَّهْيِ عَنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ، ولَمْ يَخُصَّ سَبُعًا مِنها عَنْ سَبُعٍ، قالَ القُرْطُبِيُّ: ولَيْسَ حَدِيثُ الضَّبُعِ الَّذِي خَرَّجَهُ النَّسائِيُّ في إباحَةِ أكْلِها مِمّا يُعارَضُ بِهِ حَدِيثُ النَّهْيِ؛ لِأنَّهُ حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي عَمّارٍ، ولَيْسَ مَشْهُورًا بِنَقْلِ العِلْمِ، ولا مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ إذا خالَفَهُ مَن هو أثْبَتُ مِنهُ، قالَ أبُو عُمَرَ: وقَدْ رُوِيَ النَّهْيُ عَنْ أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ مِن طُرُقٍ مُتَواتِرَةٍ، رَوى ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ الأئِمَّةِ الثِّقاتِ الأثْباتِ، ومُحالٌ أنْ يُعارِضُوا بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ أبِي عَمّارٍ. اهـ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: لِلْمُخالِفِ أنْ يَقُولَ أحادِيثُ النَّهْيِ عامَّةٌ في كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ، ودَلِيلُ إباحَةِ الضَّبُعِ خاصٌّ، ولا يَتَعارَضُ عامٌّ وخاصٌّ؛ لِأنَّ الخاصَّ يَقْضِي عَلى العامِ، فَيُخَصَّصُ عُمُومُهُ بِهِ كَما هو مُقَرَّرٌ في الأُصُولِ.

وَمِن ذَلِكَ القُنْفُذُ: فَقَدْ قالَ بَعْضُ العُلَماءِ بِتَحْرِيمِهِ، وهو مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وأجازَ أكْلَهُ الجُمْهُورُ، مِنهم مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، واللَّيْثُ، وأبُو ثَوْرٍ، وغَيْرُهم.

واحْتَجَّ مَن مَنَعَهُ بِما رَواهُ أبُو داوُدَ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: «ذُكِرَ القُنْفُذُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”هو خَبِيثٌ مِنَ الخَبائِثِ»“ .

واحْتَجَّ مَن أباحَهُ، وهُمُ الجُمْهُورُ، بِأنَّ الحَدِيثَ لَمْ يَثْبُتْ، ولا تَحْرِيمَ إلّا بِدَلِيلٍ. قالَ البَيْهَقِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرى، بَعْدَ أنْ ساقَ حَدِيثَ أبِي هُرَيْرَةِ المَذْكُورَ في خَبَثِ القُنْفُذِ: هَذا حَدِيثٌ لَمْ يُرْوَ إلّا بِهَذا الإسْنادِ، وهو إسْنادٌ فِيهِ ضَعْفٌ.

وَمِمَّنْ كَرِهَ أكْلَ القُنْفُذِ: أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ. قالَهُ القُرْطُبِيُّ وغَيْرُهُ.

* *

(p-٥٣٥)وَمِن ذَلِكَ حَشَراتُ الأرْضِ: كالفَأْرَةِ، والحَيّاتِ، والأفاعِي، والعَقارِبِ، والخُنْفُساءِ، والعَظايَةِ، والضَّفادِعِ، والجِرْذانِ، والوَزَغِ، والصَّراصِيرِ، والعَناكِبِ، وِسامِّ أبْرَصَ، والجِعْلانِ، وبَناتِ ورْدانِ، والدِّيدانِ، وحِمارِ قَبّانَ، ونَحْوِ ذَلِكَ.

فَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى تَحْرِيمِ أكْلِ هَذِهِ الأشْياءِ؛ لِأنَّها مُسْتَخْبَثَةٌ طَبْعًا، واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ .

وَمِمَّنْ قالَ بِذَلِكَ: الشّافِعِيُّ، وأبُو حَنِيفَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ شِهابٍ، وعُرْوَةُ، وغَيْرُهم - رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى.

وَرَخَّصَ في أكْلِ ذَلِكَ: مالِكٌ، واشْتَرَطَ في جَوازِ أكْلِ الحَيّاتِ أنْ يُؤْمَنَ سُمُّها.

وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ التَّرْخِيصُ في أكْلِ الحَشَراتِ: الأوْزاعِيُّ، وابْنُ أبِي لَيْلى، واحْتَجُّوا بِما رَواهُ أبُو داوُدَ، والبَيْهَقِيُّ، مِن حَدِيثِ مِلْقامِ بْنِ تَلِبٍّ، عَنْ أبِيهِ تَلِبِّ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ التَّمِيمِيِّ العَنْبَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: صَحِبْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمْ أسْمَعْ لِحَشَرَةِ الأرْضِ تَحْرِيمًا.

واحْتَجُّوا أيْضًا بِأنَّ اللَّهَ حَرَّمَ أشْياءَ، وأباحَ أشْياءَ، فَما حَرَّمَ فَهو حَرامٌ، وما أباحَ فَهو مُباحٌ، وما سَكَتَ عَنْهُ فَهو عَفْوٌ.

وَقالَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - في الفَأْرَةِ: ما هي بِحَرامٍ، وقَرَأتْ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآيَةَ.

وَيُجابُ عَنْ هَذا بِأنَّ مِلْقامَ بْنَ تَلِبٍّ مَسْتُورٌ لا يُعْرَفُ حالُهُ، وبِأنَّ قَوْلَ أبِيهِ تَلِبِّ بْنِ ثَعْلَبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمْ أسْمَعْ لِحَشَرَةِ الأرْضِ تَحْرِيمًا لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ تَحْرِيمِها، كَما قالَهُ الخَطّابِيُّ، والبَيْهَقِيُّ؛ لِأنَّ عَدَمَ سَماعِ صَحابِيٍّ لِشَيْءٍ لا يَقْتَضِي انْتِفاءَهُ كَما هو مَعْلُومٌ، وبِأنَّهُ تَعالى لَمْ يَسْكُتْ عَنْ هَذا؛ لِأنَّهُ حَرَّمَ الخَبائِثَ، وهَذِهِ خَبائِثُ، لا يَكادُ طَبْعٌ سَلِيمٌ يَسْتَسِيغُها، فَضْلًا عَنْ أنَّ يَسْتَطِيبَها، والَّذِينَ يَأْكُلُونَ مِثْلَ هَذِهِ الحَشَراتِ مِنَ العَرَبِ، إنَّما يَدْعُوهم لِذَلِكَ شِدَّةُ الجُوعِ، كَما قالَ أحَدُ شُعَرائِهِمْ: [ الطَّوِيلُ ]

؎أكَلْنا الرُّبى يا أُمَّ عَمْرٍو ومَن يَكُنْ غَرِيبًا لَدَيْكم يَأْكُلُ الحَشَراتِ

والرُّبى جُمَعُ رُبْيَةَ، وهي الفَأْرَةُ، قالَهُ القُرْطُبِيُّ، وفي ”اللِّسانِ“ أنَّها دُوَيْبَّةٌ بَيْنَ الفَأْرَةِ وأُمِّ حُبَيْنٍ، ولِتِلْكَ الحاجَةِ الشَّدِيدَةِ لَمّا سُئِلَ بَعْضُ العَرَبِ عَمّا يَأْكُلُونَ، قالَ: كُلُّ ما دَبَّ (p-٥٣٦)وَدَرَجَ، إلّا أُمَّ حُبَيْنٍ، فَقالَ: لِتَهْنِ أمَّ حُبَيْنٍ العافِيَةُ.

وَقَدْ ثَبَتَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أباحَ قَتْلَ الفَأْرَةِ، وما ذُكِرَ مَعَها مِنَ الفَواسِقِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى عَدَمِ إباحَتِها.

واعْلَمْ أنَّ ما ذَكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، كالشّافِعِيِّ، مِن أنَّ كُلَّ ما يَسْتَخْبِثُهُ الطَّبْعُ السَّلِيمُ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ نَزَلَ القُرْآنُ عَلَيْهِمْ في غَيْرِ حالِ ضَرُورَةِ الجُوعِ حَرامٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ الآيَةَ، اسْتِدْلالٌ ظاهِرٌ، لا وجْهَ لِما رَدَّهُ بِهِ أهْلُ الظّاهِرِ مِن أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ لا يُمْكِنُ أنْ يُناطَ بِهِ حُكْمٌ؛ لِأنَّهُ لا يَنْضَبِطُ؛ لِأنَّ مَعْنى الخُبْثِ مَعْرُوفٌ عِنْدَهم، فَما اتَّصَفَ بِهِ فَهو حَرامٌ، لِلْآيَةِ.

وَلا يَقْدَحُ في ذَلِكَ النَّصُّ عَلى إباحَةِ بَعْضِ المُسْتَخْبَثاتِ، كالثُّومِ؛ لِأنَّ ما أخْرَجَهُ الدَّلِيلُ يُخَصَّصُ بِهِ عُمُومُ النَّصِّ، ويَبْقى حُجَّةً فِيما لَمْ يُخْرِجْهُ دَلِيلٌ، كَما قَدَّمْنا.

وَيَدْخُلُ فِيهِ أيْضًا كُلُّ ما نَصَّ الشَّرْعُ عَلى أنَّهُ خَبِيثٌ، إلّا لِدَلِيلٍ يَدُلُّ عَلى إباحَتِهِ، مَعَ إطْلاقِ اسْمِ الخُبْثِ عَلَيْهِ.

واسْتَثْنى بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ مِن حَشَراتِ الأرْضِ الوَزَغَ، فَقَدِ ادَّعى بَعْضُهُمُ الإجْماعَ عَلى تَحْرِيمِهِ، كَما ذَكَرَهُ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“ عَنِ ابْنِ عَبْدِ البَرِّ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: ويَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ أُمِّ شَرِيكٍ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ: أنَّهُ ﷺ أمَرَ بِقَتْلِ الأوْزاغِ، وكَذَلِكَ رَوى الشَّيْخانِ أيْضًا عَنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَوْصُولًا عِنْدَ مُسْلِمٍ، ومُحْتَمَلًا لِلْإرْسالِ عِنْدَ البُخارِيِّ، فَإنَّ قَوْلَهُ: وزَعَمَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ أنَّهُ أمَرَ بِقَتْلِهِ، مُحْتَمِلٌ لِأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ عائِشَةَ، ومُحْتَمِلٌ لِأنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ عُرْوَةَ؛ وعَلَيْهِما فالحَدِيثُ مُتَّصِلٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ الزُّهْرِيِّ؛ فَيَكُونُ مُنْقَطِعًا، واخْتارَهُ ابْنُ حَجَرٍ في ”الفَتْحِ“، وقالَ: كَأنَّ الزُّهْرِيَّ وصَلَهُ لِمَعْمَرٍ، وأرْسَلَهُ لِيُونُسَ. اهـ، ومِن طَرِيقِ يُونُسَ رَواهُ البُخارِيُّ، ومِن طَرِيقِ مَعْمَرٍ رَواهُ مُسْلِمٌ، ورَوى مُسْلِمٌ في ”صَحِيحِهِ“ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: التَّرْغِيبُ في قَتْلِ الوَزَغِ، وكُلُّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى تَحْرِيمِهِ.

* *

واخْتَلَفَ العُلَماءُ أيْضًا في ابْنِ آوى، وابْنِ عُرْسٍ، فَقالَ بَعْضُ العُلَماءِ بِتَحْرِيمِ أكْلِهِما، وهو مَذْهَبُ الإمامِ أحْمَدَ، وأبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُما اللَّهُ تَعالى - قالَ في ”المُغْنِي“: سُئِلَ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ آوى، وابْنِ عُرْسٍ، فَقالَ: كُلُّ شَيْءٍ يَنْهَشُ بِأنْيابِهِ مِنَ السِّباعِ، وبِهَذا قالَ (p-٥٣٧)أبُو حَنِيفَةَ، وأصْحابُهُ. اهـ.

وَمَذْهَبُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الفَرْقُ بَيْنَهُما، فابْنُ عُرْسٍ حَلالٌ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ بِلا خِلافٍ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لَهُ نابٌ قَوِيٌّ، فَهو كالضَّبِّ، واخْتَلَفَ الشّافِعِيَّةُ في ابْنِ آوى.

فَقالَ بَعْضُهم: يَحِلُّ أكْلُهُ؛ لِأنَّهُ لا يَتَقَوّى بِنابِهِ فَهو كالأرْنَبِ.

والثّانِي: لا يَحِلُّ؛ لِأنَّهُ مُسْتَخْبَثٌ كَرِيهُ الرّائِحَةِ، ولِأنَّهُ مِن جِنْسِ الكِلابِ، قالَهُ النَّوَوِيُّ، والظّاهِرُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ كَراهَتُهُما.

وَأمّا الوَبَرُ، واليَرْبُوعُ، فَأكْلُهُما جائِزٌ عِنْدَ مالِكٍ وأصْحابِهِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وعَلَيْهِ عامَّةُ أصْحابِهِ، إلّا أنَّ في الوَبَرِ وجْهًا عِنْدَهم بِالتَّحْرِيمِ.

وَقَدْ قَدَّمْنا أنَّ عُمَرَ أوْجَبَ في اليَرْبُوعِ جَفْرَةً، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ صَيْدٌ، ومَشْهُورُ مَذْهَبِ الإمامِ أحْمَدَ أيْضًا جَوازُ أكْلِ اليَرْبُوعِ، والوَبَرِ.

وَمِمَّنْ قالَ بِإباحَةِ الوَبَرِ: عَطاءٌ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو يُوسُفَ.

وَمِمَّنْ قالَ بِإباحَةِ اليَرْبُوعِ أيْضًا: عُرْوَةُ، وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، كَما نَقَلَهُ عَنْهم صاحِبُ ”المُغْنِي“ .

وَقالَ القاضِي مِنَ الحَنابِلَةِ بِتَحْرِيمِ الوَبَرِ، قالَ في ”المُغْنِي“: وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ، إلّا أبا يُوسُفَ، وقالَ أيْضًا: إنَّ أبا حَنِيفَةَ قالَ في اليَرْبُوعِ أيْضًا: هو حَرامٌ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أحْمَدَ أيْضًا، وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ، والحَكَمِ، وحَمّادٍ؛ لِأنَّهُ يُشْبِهُ الفَأْرَ، ونَقَلَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ عَنْ صاحِبِ ”البَيانِ“ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ تَحْرِيمَ الوَبَرِ، واليَرْبُوعِ، والضَّبِّ، والقُنْفُذِ، وابْنِ عُرْسٍ.

وَمِمَّنْ قالَ بِإباحَةِ الخُلْدِ والضُّرْبُوبِ: مالِكٌ وأصْحابُهُ.

وَأمّا الأرْنَبُ: فالتَّحْقِيقُ أنَّ أكْلَها مُباحٌ؛ لِما ثَبَتَ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ - ﷺ: ”أُهْدِيَ لَهُ عُضْوٌ مِن أرْنَبٍ فَقَبِلَهُ“، وفي بَعْضِ الرِّواياتِ ”فَأكَلَ مِنهُ“، وقالَ ابْنُ قُدامَةَ في ”المُغْنِي“: أكَلَ الأرْنَبَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، ورَخَّصَ فِيها أبُو سَعِيدٍ، وعَطاءٌ، وابْنُ المُسَيَّبِ، واللَّيْثُ، ومالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وأبُو ثَوْرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، ولا نَعْلَمُ أحَدًا قائِلًا بِتَحْرِيمِها، إلّا شَيْئًا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ. اهـ.

(p-٥٣٨)وَأمّا الضَّبُّ: فالتَّحْقِيقُ أيْضًا جَوازُ أكْلِهِ؛ لِما ثَبَتَ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ ﷺ قالَ: «كُلُوا أوْ أطْعِمُوا فَإنَّهُ حَلالٌ»، وقالَ: «لا بَأْسَ بِهِ، ولَكِنَّهُ لَيْسَ مِن طَعامِي»، يَعْنِي الضَّبَّ، ولِما ثَبَتَ أيْضًا في ”الصَّحِيحَيْنِ“ مِن حَدِيثِ خالِدٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أنَّهُ أكَلَ ضَبًّا في بَيْتِ مَيْمُونَةَ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ إلَيْهِ»، وقَدْ قَدَّمْنا قَوْلَ صاحِبِ ”البَيانِ“ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ بِتَحْرِيمِ الضَّبِّ.

وَنُقِلَ في ”المُغْنِي“ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أيْضًا، والثَّوْرِيِّ تَحْرِيمَ الضَّبِّ، ونُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ النَّهْيُ عَنْهُ، ولَمْ نَعْلَمْ لِتَحْرِيمِهِ مُسْتَنَدًا، إلّا ما رَواهُ مُسْلِمٌ في ”الصَّحِيحِ“ مِن حَدِيثِ جابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ: «أُتِيَ بِضَبٍّ، فَأبى أنْ يَأْكُلَهُ» قالَ: «إنِّي لا أدْرِي لَعَلَّهُ مِنَ القُرُونِ الأُولى الَّتِي مُسِخَتْ»، وأخْرَجَ مُسْلِمٌ نَحْوَهُ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا، فَكَأنَّهُ في هَذا الحَدِيثِ عَلَّلَ الِامْتِناعَ مِنهُ بِاحْتِمالِ المَسْخِ، أوْ لِأنَّهُ يُنْهَشُ، فَأشْبَهَ ابْنَ عُرْسٍ، ولَكِنَّ هَذا لا يُعارِضُ الأدِلَّةَ الصَّحِيحَةَ الصَّرِيحَةَ الَّتِي قَدَّمْناها بِإباحَةِ أكْلِهِ، وكانَ بَعْضُ العَرَبِ يَزْعُمُونَ أنَّ الضَّبَّ مِنَ الأُمَمِ الَّتِي مُسِخَتْ، كَما يَدُلُّ لَهُ قَوْلُ الرّاجِزِ: [ الرَّجَزُ ]

؎قالَتْ وكُنْتُ رَجُلًا فَطِينا هَذا لَعَمْرُ اللَّهِ إسْرائِينا

فَإنَّ هَذِهِ المَرْأةَ العَرَبِيَّةَ أقْسَمَتْ عَلى أنَّ الضَّبَّ إسْرائِيلِيٌّ مُسِخَ.

* *

وَأمّا الجَرادُ: فَلا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ في جَوازِ أكْلِهِ، وقَدْ ثَبَتَ في ”الصَّحِيحَيْنِ“ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى، أنَّهُ قالَ: «غَزْونا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَبْعَ غَزَواتٍ نَأْكُلُ الجَرادَ» . اهـ.

وَمَيْتَةُ الجَرادِ مِن غَيْرِ ذَكاةٍ حَلّالٌ عِنْدَ جَماهِيرِ العُلَماءِ؛ لِحَدِيثِ «أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ» الحَدِيثَ.

وَخالَفَ مالِكٌ الجُمْهُورَ، فاشْتَرَطَ في جَوازِ أكْلِهِ ذَكاتَهُ، وذَكاتُهُ عِنْدَهُ ما يَمُوتُ بِهِ بِقَصْدِ الذَّكاةِ، وهو مَعْنى قَوْلِ خَلِيلِ بْنِ إسْحاقَ المالِكِيِّ في ”مُخْتَصَرِهِ“: وافْتَقَرَ نَحْوُ الجَرادِ لَها بِما يَمُوتُ بِهِ، ولَوْ لَمْ يُعَجَّلْ كَقَطْعِ جَناحٍ.

واحْتَجَّ لَهُ المالِكِيَّةُ بِعَدَمِ ثُبُوتِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ المَذْكُورِ: «أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ»، الحَدِيثَ؛ لِأنَّ طُرُقَهُ لا تَخْلُو مِن ضَعْفٍ في الإسْنادِ، أوْ وقْفٍ، والأصْلُ الِاحْتِياجُ إلى الذَّكاةِ؛ لِعُمُومِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ سُورَةِ المائِدَةِ ما نَصُّهُ: " وقَدْ قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشّافِعِيُّ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ (p-٥٣٩)أسْلَمَ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: «أُحِلَّ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ، فَأمّا المَيْتَتانِ: فالسَّمَكُ والجَرادُ، وأمّا الدَّمانِ: فالكَبِدُ والطُّحالُ»، وكَذا رَواهُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وابْنُ ماجَهْ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، وهو ضَعِيفٌ.

قالَ الحافِظُ البَيْهَقِيُّ: ورَواهُ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي إدْرِيسَ عَنْ أُسامَةَ، وعَبْدِ اللَّهِ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، قُلْتُ: وثَلاثَتُهم كُلُّهم ضُعَفاءُ، ولَكِنَّ بَعْضَهم أصْلَحُ مِن بَعْضٍ، وقَدْ رَواهُ سُلَيْمانُ بْنُ بِلالٍ أحَدُ الأثْباتِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَوَقَفَهُ بَعْضُهم عَلَيْهِ. قالَ الحافِظُ أبُو زُرْعَةَ الرّازِيُّ: وهو أصَحُّ. اهـ مِنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وهو دَلِيلٌ لِما قالَهُ المالِكِيَّةُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: لَكِنْ لِلْمُخالِفِ أنْ يَقُولَ: إنَّ الرِّوايَةَ المَوْقُوفَةَ عَلى ابْنِ عُمَرَ مِن طَرِيقِ سُلَيْمانَ بْنِ بِلالٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْهُ صَحِيحَةٌ، ولَها حُكْمُ الرَّفْعِ؛ لِأنَّ قَوْلَ الصَّحابِيِّ: أُحِلَّ لَنا، أوْ حُرِّمَ عَلَيْنا، لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ؛ لِأنَّهُ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهم لا يَحِلُّ لَهم، ولا يُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ، إلّا النَّبِيُّ ﷺ كَما تَقَرَّرَ في عُلُومِ الحَدِيثِ، وأشارَ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“ إلى أنَّ الرِّوايَةَ الصَّحِيحَةَ المَوْقُوفَةَ عَلى ابْنِ عُمَرَ لَها حُكْمُ الرَّفْعِ، كَما ذَكَرْنا وهو واضِحٌ، وهو دَلِيلٌ لا لَبْسَ فِيهِ عَلى إباحَةِ مَيْتَةِ الجَرادِ مِن غَيْرِ ذَكاةٍ.

والمالِكِيَّةُ قالُوا: لَمْ يَصِحَّ الحَدِيثُ مَرْفُوعًا، ومَيْتَةُ الجَرادِ داخِلَةٌ في عُمُومِ قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٣]، وافْتِقارُ الجَرادِ إلى الذَّكاةِ بِما يَمُوتُ بِهِ، كَقَطْعِ رَأْسِهِ بِنِيَّةِ الذَّكاةِ، أوْ صَلْقِهِ، أوْ قَلْيِهِ.

كَذَلِكَ رِوايَةٌ أيْضًا عَنِ الإمامِ أحْمَدَ، نَقَلَها عَنْهُ النَّوَوِيُّ في ”شَرْحِ مُسْلِمٍ“ و ”شَرْحِ المُهَذَّبِ“، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

* *

وَأمّا الطَّيْرُ: فَجَمِيعُ أنْواعِهِ مُباحَةُ الأكْلِ إلّا أشْياءَ مِنها، اخْتَلَفَ فِيها العُلَماءُ.

فَمِن ذَلِكَ كُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ يَتَقَوّى بِهِ ويَصْطادُ: كالصَّقْرِ، والشّاهِينِ، والبازِي، والعُقابِ، والباشِقِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.

وَجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى تَحْرِيمِ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ كَما قَدَّمْنا، ودَلِيلُهم ثُبُوتُ النَّهْيِ عَنْهُ في ”صَحِيحِ مُسْلِمٍ“، وغَيْرِهِ، وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ، وأحْمَدَ، وأبِي حَنِيفَةَ.

وَمَذْهَبُ مالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ: إباحَةُ أكْلِ ذِي المِخْلَبِ مِنَ الطَّيْرِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: (p-٥٤٠)﴿قُلْ لا أجِدُ﴾ الآيَةَ؛ ولِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ نَصٌّ صَرِيحٌ في التَّحْرِيمِ.

وَمِمَّنْ قالَ كَقَوْلِ مالِكٍ: اللَّيْثُ، والأوْزاعِيُّ، ويَحْيى بْنُ سَعِيدٍ، وقالَ مالِكٌ: لَمْ أرَ أحَدًا مِن أهْلِ العِلْمِ يَكْرَهُ سِباعَ الطَّيْرِ، وقالَ ابْنُ القاسِمِ: لَمْ يَكْرَهْ مالِكٌ أكْلَ شَيْءٍ مِنَ الطَّيْرِ كُلِّهِ؛ الرَّخَمِ، والعِقْبانِ، والنُّسُورِ، والحِدَأةِ، والغِرْبانِ، وجَمِيعِ سِباعِ الطَّيْرِ، وغَيْرِ سِباعِها، ما أكَلَ الجِيَفَ مِنها، وما لَمْ يَأْكُلْها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском