Ash-ShinqitiAl‑An'am · 6:1–35

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

الأنعام

Al-An'am

The Cattle · Meccan · 165 ayahs

6:1Page 128

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ ١

[All] praise is [due] to Allāh, who created the heavens and the earth and made the darkness and the light. Then those who disbelieve equate [others] with their Lord.

(p-٤٦٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الأنْعامِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، وجْهانِ لِلْعُلَماءِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ مِنَ العُدُولِ عَنِ الشَّيْءِ بِمَعْنى الِانْحِرافِ، والمَيْلِ عَنْهُ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: بِرَبِّهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: كَفَرُوا، وعَلَيْهِ فالمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَمِيلُونَ ويَنْحَرِفُونَ عَنْ طَرِيقِ الحَقِّ إلى الكُفْرِ والضَّلالِ، وقِيلَ عَلى هَذا الوَجْهِ: إنَّ ”الباءَ“ بِمَعْنى ”عَنْ“ أيْ: يَعْدِلُونَ عَنْ رَبِّهِمْ، فَلا يَتَوَجَّهُونَ إلَيْهِ بِطاعَةٍ، ولا إيمانٍ.

والثّانِي: أنْ ”الباءَ“ مُتَعَلِّقَةٌ بِيَعْدِلُونَ، ومَعْنى يَعْدِلُونَ يَجْعَلُونَ لَهُ نَظِيرًا في العِبادَةِ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: عَدَلْتُ فُلانًا بِفُلانٍ إذا جَعَلْتُهُ لَهُ نَظِيرًا وعَدِيلًا، ومِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: [ الوافِرُ ]

؎أثَعْلَبَةَ الفَوارِسِ أمْ رِياحًا عَدَلْتَ بِهِمْ طُهَيَّةَ والخِشابا

يَعْنِي أجَعَلْتَ طُهَيَّةَ والخِشابَ نُظَراءَ وأمْثالًا لِبَنِي ثَعْلَبَةَ وبَنِي رِياحٍ، وهَذا الوَجْهُ الأخِيرُ يَدُلُّ لَهُ القُرْآنُ،

• كَقَوْلِهِ تَعالى، عَنِ الكُفّارِ الَّذِينَ عَدَلُوا بِهِ غَيْرَهُ: ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨]،

• وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وأشارَ تَعالى في آياتٍ كَثِيرَةٍ إلى أنَّ الكُفّارَ ساوَوْا بَيْنَ المَخْلُوقِ والخالِقِ، قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَعالى،

• كَقَوْلِهِ: ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وهو الواحِدُ القَهّارُ﴾ [الرعد: ١٦]،

• وقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿ضَرَبَ لَكم مَثَلًا مِن أنْفُسِكم هَلْ لَكم مِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن شُرَكاءَ في ما رَزَقْناكم فَأنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ الآيَةَ [الروم: ٢٨]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وعِدْلُ الشَّيْءِ في اللُّغَةِ مِثْلُهُ ونَظِيرُهُ، قالَ بَعْضُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ: إذا كانَ مِن جِنْسِهِ، فَهو عِدْلٌ بِكَسْرِ العَيْنِ، وإذا كانَ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، فَهو عَدْلٌ بِفَتْحِ العَيْنِ، ومِنَ الأوَّلِ قَوْلُ مُهَلْهِلٍ: [ الوافِرُ ](p-٤٧٠)

؎عَلى أنْ لَيْسَ عِدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا بَرَزَتْ مُخَبَّأةُ الخُدُورِ

؎عَلى أنْ لَيْسَ عِدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ إذا اضْطَرَبَ العِضاهُ مِنَ الدَّبُورِ

؎عَلى أنْ لَيْسَ عِدْلًا مِن كُلَيْبٍ ∗∗∗ غَداةَ بَلابِلِ الأمْرِ الكَبِيرِ

يَعْنِي أنَّ القَتْلى الَّذِينَ قَتَلَهم مِن بَكْرِ بْنِ وائِلٍ بِأخِيهِ كُلَيْبٍ الَّذِي قَتَلَهُ جَسّاسُ بْنُ مُرَّةَ البَكْرِيِّ لا يُكافِئُونَهُ، ولا يُعادِلُونَهُ في الشَّرَفِ.

وَمِنَ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ [المائدة: ٩٥]؛ لِأنَّ المُرادَ نَظِيرُ الإطْعامِ مِنَ الصِّيامِ، ولَيْسَ مِن جِنْسِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ [الأنعام: ٧٠]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ﴾ [البقرة: ١٢٣]، والعَدْلُ: الفِداءُ، لِأنَّهُ كَأنَّهُ قِيمَةٌ مُعادَلَةٌ لِلْفِدى تُؤْخَذُ بَدَلَهُ، قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكُمْ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٣]، في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ لِلْعُلَماءِ مِنَ التَّفْسِيرِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنها لَهُ مِصْداقٌ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى:

الأوَّلُ: أنَّ المَعْنى ﴿وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾، أيْ: وهو الإلَهُ المَعْبُودُ في السَّماواتِ والأرْضِ؛ لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا هو المَعْبُودُ وحْدَهُ بِحَقٍّ في الأرْضِ والسَّماءِ، وعَلى هَذا فَجُمْلَةُ يَعْلَمُ حالٌ، أوْ خَبَرٌ، وهَذا المَعْنى يُبَيِّنُهُ ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤]، أيْ: وهو المَعْبُودُ في السَّماءِ والأرْضِ بِحَقٍّ، ولا عِبْرَةَ بِعِبادَةِ الكافِرِينَ غَيْرَهُ؛ لِأنَّها وبالٌ عَلَيْهِمْ يَخْلُدُونَ بِها في النّارِ الخُلُودَ الأبَدِيَّ، ومَعْبُوداتُهم لَيْسَتْ شُرَكاءَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، ﴿إنْ هي إلّا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ﴾ [النجم: ٢٣]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إنْ يَتَّبِعُونَ إلّا الظَّنَّ وإنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ [يونس: ٦٦] .

وَهَذا القَوْلُ في الآيَةِ أظْهَرُ الأقْوالِ، واخْتارَهُ القُرْطُبِيُّ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٣]، يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾، أيْ: وهو اللَّهُ يَعْلَمُ سِرَّكم في السَّماواتِ وفي الأرْضِ؛ ويُبَيِّنُ هَذا القَوْلَ ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٦] .

قالَ النَّحّاسُ: وهَذا القَوْلُ مِن أحْسَنِ ما قِيلَ في الآيَةِ، نَقَلَهُ عَنْهُ القُرْطُبِيُّ.

(p-٤٧١)الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ، أنَّ الوَقْفَ تامٌّ عَلى قَوْلِهِ في: السَّماواتِ، وقَوْلُهُ: وفي الأرْضِ يَتَعَلَّقُ بِما بَعْدَهُ، أيْ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم في الأرْضِ، ومَعْنى هَذا القَوْلِ: أنَّهُ جَلَّ وعَلا مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ فَوْقَ جَمِيعِ خَلْقِهِ، مَعَ أنَّهُ يَعْلَمُ سِرَّ أهْلِ الأرْضِ وجَهْرَهم، لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ.

وَيُبَيِّنُ هَذا القَوْلَ، ويَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإذا هي تَمُورُ﴾ ﴿أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا﴾ الآيَةَ [الملك: ١٦، ١٧]، وقَوْلُهُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥]، مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقَوْلُهُ: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٧]، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَحْقِيقُ هَذا المَقامِ بِإيضاحٍ في سُورَةِ ”الأعْرافِ“، واعْلَمْ أنَّ ما يَزْعُمُهُ الجَهْمِيَّةُ مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى في كُلِّ مَكانٍ، مُسْتَدِلِّينَ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّهُ في الأرْضِ، ضَلالٌ مُبِينٌ، وجَهْلٌ بِاللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّ جَمِيعَ الأمْكِنَةِ المَوْجُودَةِ أحْقَرُ وأصْغَرُ مِن أنْ يَحِلَّ في شَيْءٍ مِنها رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ، الَّذِي هو أعْظَمُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وأعْلى مِن كُلِّ شَيْءٍ، مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، ولا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ، فالسَّماواتُ والأرْضُ في يَدِهِ - جَلَّ وعَلا - أصْغَرُ مِن حَبَّةِ خَرْدَلٍ في يَدِ أحَدِنا، ولَهُ المَثَلُ الأعْلى، فَلَوْ كانَتْ حَبَّةُ خَرْدَلٍ في يَدِ رَجُلٍ فَهَلْ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ حالٌ فِيها، أوْ في كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزائِها، لا وكَلّا، هي أصْغَرُ وأحْقَرُ مِن ذَلِكَ، فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاعْلَمْ أنَّ رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وأعْظَمُ مَن كُلِّ شَيْءٍ، مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، ولا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ، ولا يَكُونُ فَوْقَهُ شَيْءٌ:﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ ولا أصْغَرُ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرُ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٣]، سُبْحانَهُ وتَعالى عُلُوًّا كَبِيرًا لا نُحْصِي ثَناءً عَلَيْهِ، هو كَما أثْنى عَلى نَفْسِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما بَيْنَ أيْدِيهِمْ وما خَلْفَهم ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠] .

6:2Page 128

هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٖ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلٗاۖ وَأَجَلٞ مُّسَمًّى عِندَهُۥۖ ثُمَّ أَنتُمۡ تَمۡتَرُونَ ٢

It is He who created you from clay and then decreed a term1 and a specified time [known] to Him;2 then [still] you are in dispute.

No commentary for this ayah

6:3Page 128

وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ يَعۡلَمُ سِرَّكُمۡ وَجَهۡرَكُمۡ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُونَ ٣

And He is Allāh, [the only deity] in the heavens and the earth. He knows your secret and what you make public, and He knows that which you earn.

No commentary for this ayah

6:4Page 128

وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٤

And no sign comes to them from the signs of their Lord except that they turn away therefrom.

No commentary for this ayah

6:5Page 128

فَقَدۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَسَوۡفَ يَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٥

For they had denied the truth when it came to them, but there is going to reach them the news of what they used to ridicule.1

No commentary for this ayah

6:6Page 128

أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ ٦

Have they not seen how many generations We destroyed before them which We had established upon the earth as We have not established you? And We sent [rain from] the sky upon them in showers and made rivers flow beneath them; then We destroyed them for their sins and brought forth after them a generation of others.

No commentary for this ayah

6:7Page 128

وَلَوۡ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ كِتَٰبٗا فِي قِرۡطَاسٖ فَلَمَسُوهُ بِأَيۡدِيهِمۡ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٧

And even if We had sent down to you, [O Muḥammad], a written scripture on a page and they touched it with their hands, the disbelievers would say, "This is not but obvious magic."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتابًا في قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ لَوْ نَزَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كِتابًا مَكْتُوبًا في قِرْطاسٍ، أيْ صَحِيفَةٍ، إجابَةً لِما اقْتَرَحُوهُ، كَما قالَ تَعالى عَنْهم: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٩٣]، فَعايَنُوا ذَلِكَ الكِتابَ المُنَزَّلَ، ولَمَسَتْهُ أيْدِيهِمْ، لَعانَدُوا، وادَّعَوْا أنَّ ذَلِكَ مِن أجْلِ أنَّهُ سَحَرَهم، وهَذا العِنادُ واللَّجاجُ العَظِيمُ والمُكابِرَةُ الَّذِي هو شَأْنُ الكُفّارِ بَيَّنَهُ تَعالى في آياتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ: (p-٤٧٢)﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ بابًا مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ ﴿لَقالُوا إنَّما سُكِّرَتْ أبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٤، ١٥] .

• وَقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّماءِ ساقِطًا يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور: ٤٤]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنَّنا نَزَّلْنا إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ المَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١]،

• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ﴿وَلَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ الآيَةَ [يونس: ٩٦، ٩٧]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ [الأعراف: ١٤٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، وذَكَرَ تَعالى نَحْوَ هَذا العِنادِ واللَّجاجِ عَنْ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢] .

6:8Page 128

وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ مَلَكٞۖ وَلَوۡ أَنزَلۡنَا مَلَكٗا لَّقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ ٨

And they say, "Why was there not sent down to him an angel?"1 But if We had sent down an angel, the matter would have been decided;2 then they would not be reprieved.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلُ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا ماذا يُرِيدُونَ بِإنْزالِ المَلَكِ المُقْتَرَحِ، ولَكِنَّهُ بَيِّنٌ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهم يُرِيدُونَ بِإنْزالِ المَلَكِ أنْ يَكُونَ نَذِيرًا آخَرَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٧] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ أنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾، يَعْنِي: أنَّهُ لَوْ نَزَّلَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةَ وهم عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، لَجاءَهم مِنَ اللَّهِ العَذابُ، مِن غَيْرِ إمْهالٍ ولا إنْظارٍ، لِأنَّهُ حَكَمَ بِأنَّ المَلائِكَةَ لا تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ إلّا بِذَلِكَ، كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿ما نُنَزِّلُ المَلائِكَةَ إلّا بِالحَقِّ وما كانُوا إذًا مُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨]، وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٢٢] .

6:9Page 129

وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ مَلَكٗا لَّجَعَلۡنَٰهُ رَجُلٗا وَلَلَبَسۡنَا عَلَيۡهِم مَّا يَلۡبِسُونَ ٩

And if We had made him [i.e., the messenger] an angel, We would have made him [appear as] a man, and We would have covered them with that in which they cover themselves [i.e., confusion and doubt].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ولَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾، أيْ: لَوْ بَعَثْنا إلى البَشَرِ رَسُولًا مَلَكِيًّا، لَكانَ عَلى هَيْئَةِ الرَّجُلِ؛ لِتُمْكِنَهم مُخاطَبَتُهُ، والِانْتِفاعُ بِالأخْذِ عَنْهُ؛ لِأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ إلى المَلائِكَةِ مِن شِدَّةِ النُّورِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لالتَبَسَ عَلَيْهِمُ الأمْرُ كَما هم يَلْبِسُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ في قَبُولِ رِسالَةِ الرَّسُولِ البَشَرِيِّ.

وَهَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّسُولَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِن نَوْعِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ، كَما أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥] .

6:10Page 129

وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ١٠

And already were messengers ridiculed before you, but those who mocked them were enveloped by that which they used to ridicule.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (p-٤٧٣)ذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الكُفّارَ اسْتَهْزَءُوا بِرُسُلٍ قَبْلَ نَبِيِّنا ﷺ وأنَّهم حاقَ بِهِمُ العَذابُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، ولَمْ يُفَصِّلْ هُنا كَيْفِيَّةَ اسْتِهْزائِهِمْ، ولا كَيْفِيَّةَ العَذابِ الَّذِي أُهْلِكُوا بِهِ، ولَكِنَّهُ فَصَّلَ كَثِيرًا مِن ذَلِكَ مِن مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، في ذِكْرِ نُوحٍ وقَوْمِهِ، وهُودٍ وقَوْمِهِ، وصالِحٍ وقَوْمِهِ، ولُوطٍ وقَوْمِهِ، وشُعَيْبٍ وقَوْمِهِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

فَمِنَ اسْتِهْزائِهِمْ بِنُوحٍ قَوْلُهم لَهُ: ”بَعْدَ أنْ كُنْتَ نَبِيًّا صِرْتَ نَجّارًا“، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى عَنْ نُوحٍ: ﴿إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨]، وذَكَرَ ما حاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهم ظالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١٤]، وأمْثالَها مِنَ الآياتِ.

وَمِنَ اسْتِهْزائِهِمْ بِهُودٍ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْهم مِن قَوْلِهِمْ: ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤]، وقَوْلِهِ عَنْهم أيْضًا: ﴿قالُوا ياهُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ الآيَةَ [هود: ٥٣]، وذَكَرَ ما حاقَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ في قَوْلِهِ: ﴿أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ الآيَةَ [الذاريات: ٤١]، وأمْثالَها مِنَ الآياتِ.

وَمِنَ اسْتِهْزائِهِمْ بِصالِحٍ قَوْلُهم فِيما ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهم: ﴿ياصالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٧٧]، وقَوْلُهم: ﴿ياصالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا﴾ الآيَةَ [هود: ٦٢]، وذَكَرَ ما حاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [هود: ٩٤]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ.

وَمِنَ اسْتِهْزائِهِمْ بِلُوطٍ قَوْلُهم فِيما حَكى اللَّهُ عَنْهم: ﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إلّا أنْ قالُوا أخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِن قَرْيَتِكُمْ﴾ الآيَةَ [النمل: ٥٦]، وقَوْلُهم لَهُ أيْضًا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ المُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٧]، وذَكَرَ ما حاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤]، ونَحْوِها مِنَ الآياتِ.

وَمِنَ اسْتِهْزائِهِمْ بِشُعَيْبٍ قَوْلُهم فِيما حَكى اللَّهُ عَنْهم: ﴿قالُوا ياشُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١]، وذَكَرَ ما حاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَهم عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] ونَحْوِها مِنَ الآياتِ.

6:11Page 129

قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ ٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ١١

Say, "Travel through the land; then observe how was the end of the deniers."

No commentary for this ayah

6:12Page 129

قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل لِّلَّهِۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٢

Say, "To whom belongs whatever is in the heavens and earth?" Say, "To Allāh." He has decreed upon Himself mercy. He will surely assemble you for the Day of Resurrection, about which there is no doubt. Those who will lose themselves [that Day] do not believe.

No commentary for this ayah

6:13Page 129

۞ وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِي ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٣

And to Him belongs that which reposes by night and by day, and He is the Hearing, the Knowing.

No commentary for this ayah

6:14Page 129

قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّٗا فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَهُوَ يُطۡعِمُ وَلَا يُطۡعَمُۗ قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَسۡلَمَۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٤

Say, "Is it other than Allāh I should take as a protector, Creator of the heavens and earth, while it is He who feeds and is not fed?" Say, [O Muḥammad], "Indeed, I have been commanded to be the first [among you] who submit [to Allāh] and [was commanded], 'Do not ever be of the polytheists.'"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهو يُطْعِمُ ولا يُطْعَمُ﴾، يَعْنِي: أنَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَرْزُقُ الخَلائِقَ، وهو الغَنِيُّ المُطْلَقُ فَلَيْسَ بِمُحْتاجٍ إلى رِزْقٍ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى هَذا بِقَوْلِهِ: (p-٤٧٤)﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ﴿ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ وما أُرِيدُ أنْ يُطْعِمُونِ﴾ ﴿إنَّ اللَّهَ هو الرَّزّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦، ٥٧، ٥٨]، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ عَلى أنَّ الفِعْلَيْنِ مِنَ الإطْعامِ، والأوَّلُ مَبْنِيٌّ لِلْفاعِلِ، والثّانِي مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، كَما بَيَّنّاهُ، وأوْضَحَتْهُ الآيَةُ الأُخْرى، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والأعْمَشُ الفِعْلَ الأوَّلَ كَقِراءَةِ الجُمْهُورِ، والثّانِي بِفَتْحِ الياءِ والعَيْنِ، مُضارِعُ طَعِمَ الثُّلاثِيِّ بِكَسْرِ العَيْنِ في الماضِي، أيْ أنَّهُ يَرْزُقُ عِبادَهُ ويُطْعِمُهم، وهو جَلَّ وعَلا لا يَأْكُلُ؛ لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى ما يَحْتاجُ إلَيْهِ المَخْلُوقُ مِنَ الغَداءِ؛ لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا الغَنِيُّ لِذاتِهِ، الغَنِيُّ المُطْلَقُ، سُبْحانَهُ وتَعالى عُلُوًّا كَبِيرًا، ﴿ياأيُّها النّاسُ أنْتُمُ الفُقَراءُ إلى اللَّهِ واللَّهُ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] .

والقِراءَةُ الَّتِي ذَكَرْنا عَنْ سَعِيدٍ، ومُجاهِدٍ، والأعْمَشِ مُوافِقَةٌ لِأحَدِ الأقْوالِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢]، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: الصَّمَدُ السَّيِّدُ، الَّذِي يُلْجَأُ إلَيْهِ عِنْدَ الشَّدائِدِ والحَوائِجِ، وقالَ بَعْضُهم: هو السَّيِّدُ الَّذِي تَكامَلَ سُؤْدُدُهُ، وشَرَفُهُ، وعَظَمَتُهُ، وعِلْمُهُ، وحِكْمَتُهُ، وقالَ بَعْضُهم: الصَّمَدُ هو الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ؛ وعَلَيْهِ، فَما بَعْدَهُ تَفْسِيرٌ لَهُ، وقالَ بَعْضُهم: هو الباقِي بَعْدَ فَناءِ خَلْقِهِ، وقالَ بَعْضُهم: الصَّمَدُ هو الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ، ولا يَأْكُلُ الطَّعامَ، وهو مَحِلُّ الشّاهِدِ، ومِمَّنْ قالَ بِهَذا القَوْلِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، ومُجاهِدٌ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، وعِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، كَما نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما.

قالَ مُقَيِّدُهُ - عَفا اللَّهُ عَنْهُ: مِنَ المَعْرُوفِ في كَلامِ العَرَبِ إطْلاقُ الصَّمَدِ عَلى السَّيِّدِ العَظِيمِ، وعَلى الشَّيْءِ المُصْمَتِ الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ، فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُ الزِّبْرِقانِ: [ البَسِيطُ ]

؎سِيرُوا جَمِيعًا بِنِصْفِ اللَّيْلِ واعْتَمِدُوا ولا رَهِينَةَ إلّا سَيِّدٌ صَمَدُ

وَقَوْلُ الآخَرِ: [ البَسِيطُ ]

؎عَلَوْتُهُ بِحُسامٍ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ ∗∗∗ خُذْها حُذَيْفُ فَأنْتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ

وَقَوْلُ الآخَرِ: [ الطَّوِيلُ ]

؎ألا بَكَّرَ النّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أسَدِ ∗∗∗ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وبِالسَّيِّدِ الصَّمَدِ

وَمِنَ الثّانِي قَوْلُ الشّاعِرِ: [ الطَّوِيلُ ](p-٤٧٥)

؎شِهابُ حُرُوبٍ لا تَزالُ جِيادُهُ ∗∗∗ عَوابِسَ يَعْلِكْنَ الشَّكِيمَ المُصَمَّدا

فَإذا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فاللَّهُ تَعالى هو السَّيِّدُ الَّذِي هو وحْدَهُ المَلْجَأُ عِنْدَ الشَّدائِدِ والحاجاتِ، وهو الَّذِي تَنَزَّهَ وتَقَدَّسَ وتَعالى عَنْ صِفاتِ المَخْلُوقِينَ، كَأكْلِ الطَّعامِ ونَحْوِهِ، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنِّي أُمِرْتُ أنْ أكُونَ أوَّلَ مَن أسْلَمَ﴾ الآيَةَ، يَعْنِي أوَّلَ مَن أسْلَمَ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي أُرْسِلْتُ إلَيْها، ولَيْسَ المُرادُ أوَّلَ مَن أسْلَمَ مِن جَمِيعِ النّاسِ، كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِآياتٍ كَثِيرَةٍ تَدُلُّ عَلى وُجُودِ المُسْلِمِينَ قَبْلَ وُجُودِهِ ﷺ ووُجُودِ أُمَّتِهِ،

• كَقَوْلِهِ عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]،

• وقَوْلِهِ عَنْ يُوسُفَ: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ [يوسف: ١٠١]،

• وقَوْلِهِ: ﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤]،

• وقَوْلِهِ عَنْ لُوطٍ وأهْلِهِ: ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦]،

إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

6:15Page 129

قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٥

Say, "Indeed I fear, if I should disobey my Lord, the punishment of a tremendous Day."

No commentary for this ayah

6:16Page 129

مَّن يُصۡرَفۡ عَنۡهُ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمَهُۥۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡمُبِينُ ١٦

He from whom it is averted that Day - [Allāh] has granted him mercy. And that is the clear attainment.

No commentary for this ayah

6:17Page 129

وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يَمۡسَسۡكَ بِخَيۡرٖ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ١٧

And if Allāh should touch you with adversity, there is no remover of it except Him. And if He touches you with good - then He is over all things competent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إلّا هو وإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، أشارَ تَعالى بِقَوْلِهِ هُنا: ﴿فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧]، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾، إلى أنَّ فَضْلَهُ وعَطاءَهُ الجَزِيلَ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى رَدِّهِ، عَمَّنْ أرادَهُ لَهُ تَعالى، كَما صَرَّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشاءُ﴾ الآيَةَ [يونس: ١٠٧] .

6:18Page 129

وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ١٨

And He is the subjugator over His servants. And He is the Wise,1 the Aware.2

No commentary for this ayah

6:19Page 130

قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِيدُۢ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ أَئِنَّكُمۡ لَتَشۡهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخۡرَىٰۚ قُل لَّآ أَشۡهَدُۚ قُلۡ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَإِنَّنِي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ ١٩

Say, "What thing is greatest in testimony?" Say, "Allāh is witness between me and you. And this Qur’ān was revealed to me that I may warn you thereby and whomever it reaches.1 Do you [truly] testify that with Allāh there are other deities?" Say, "I will not testify [with you]." Say, "Indeed, He is but one God, and indeed, I am free of what you associate [with Him]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأُوحِيَ إلَيَّ هَذا القُرْآنُ لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾، صَرَّحَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِأنَّهُ ﷺ مُنْذِرٌ لِكُلِّ مَن بَلَغَهُ هَذا القُرْآنُ العَظِيمُ كائِنًا مَن كانَ، ويُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ الإنْذارَ بِهِ عامٌّ لِكُلِّ مَن بَلَغَهُ، وأنَّ كُلَّ مَن بَلَغَهُ ولَمْ يُؤْمِن بِهِ فَهو في النّارِ، وهو كَذَلِكَ.

أمّا عُمُومُ إنْذارِهِ لِكُلِّ مَن بَلَغَهُ، فَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ أُخَرُ أيْضًا

• كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]،

• وقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سبإ: ٢٨]،

• وقَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] .

وَأمّا دُخُولُ مَن لَمْ يُؤْمِن بِهِ النّارَ، فَقَدْ صَرَّحَ بِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [هود: ١٧] .

(p-٤٧٦)وَأمّا مِن لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ الرَّسُولِ ﷺ فَلَهُ حُكْمُ أهْلِ الفَتْرَةِ الَّذِينَ لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

6:20Page 130

ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمُۘ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٢٠

Those to whom We have given the Scripture recognize it1 as they recognize their [own] sons. Those who will lose themselves [in the Hereafter] do not believe.

No commentary for this ayah

6:21Page 130

وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢١

And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie or denies His verses? Indeed, the wrongdoers will not succeed.

No commentary for this ayah

6:22Page 130

وَيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَيۡنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٢٢

And [mention, O Muḥammad], the Day We will gather them all together; then We will say to those who associated others with Allāh, "Where are your 'partners' that you used to claim [with Him]?"

No commentary for this ayah

6:23Page 130

ثُمَّ لَمۡ تَكُن فِتۡنَتُهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشۡرِكِينَ ٢٣

Then there will be no [excuse upon] examination except they will say, "By Allāh, our Lord, we were not those who associated."

No commentary for this ayah

6:24Page 130

ٱنظُرۡ كَيۡفَ كَذَبُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡۚ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٤

See how they will lie about themselves. And lost from them will be what they used to invent.

No commentary for this ayah

6:25Page 130

وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَۖ وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٥

And among them are those who listen to you,1 but We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And if they should see every sign, they will not believe in it. Even when they come to you arguing with you, those who disbelieve say, "This is not but legends of the former peoples."

No commentary for this ayah

6:26Page 130

وَهُمۡ يَنۡهَوۡنَ عَنۡهُ وَيَنۡـَٔوۡنَ عَنۡهُۖ وَإِن يُهۡلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٢٦

And they prevent [others] from him and are [themselves] remote from him. And they do not destroy except themselves, but they perceive [it] not.

No commentary for this ayah

6:27Page 130

وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يَٰلَيۡتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٧

If you could but see when they are made to stand before the Fire and will say, "Oh, would that we could be returned [to life on earth] and not deny the signs of our Lord and be among the believers."

No commentary for this ayah

6:28Page 131

بَلۡ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخۡفُونَ مِن قَبۡلُۖ وَلَوۡ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٢٨

But what they concealed before has [now] appeared to them. And even if they were returned, they would return to that which they were forbidden; and indeed, they are liars.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾، هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ - جَلَّ وعَلا - الَّذِي أحاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ مَوْجُودٍ ومَعْدُومٍ، يَعْلَمُ المَعْدُومَ الَّذِي سَبَقَ في الأزَلِ أنَّهُ لا يَكُونُ لَوْ وُجِدَ كَيْفَ يَكُونُ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ رَدَّ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ إلى الدُّنْيا مَرَّةً أُخْرى لا يَكُونُ، ويَعْلَمُ هَذا الرَّدَّ الَّذِي لا يَكُونُ لَوْ وقَعَ كَيْفَ يَكُونُ، كَما صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وهَذا المَعْنى جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في آياتٍ أُخَرَ.

فَمِن ذَلِكَ أنَّهُ تَعالى سَبَقَ في عِلْمِهِ أنَّ المُنافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، لا يَخْرُجُونَ إلَيْها مَعَهُ ﷺ واللَّهُ ثَبَّطَهم عَنْها لِحِكْمَةٍ، كَما صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٤٦]، وهو يَعْلَمُ هَذا الخُرُوجَ الَّذِي لا يَكُونُ لَوْ وقَعَ كَيْفَ يَكُونُ، كَما صَرَّحَ بِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ الآيَةَ [التوبة: ٤٧]، ومِنَ الآياتِ الدّالَّةِ عَلى المَعْنى المَذْكُورِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْناهم وكَشَفْنا ما بِهِمْ مِن ضُرٍّ لَلَجُّوا في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٥]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.

6:29Page 131

وَقَالُوٓاْ إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ ٢٩

And they say, "There is none but our worldly life, and we will not be resurrected."

No commentary for this ayah

6:30Page 131

وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ قَالَ أَلَيۡسَ هَٰذَا بِٱلۡحَقِّۚ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَاۚ قَالَ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٠

If you could but see when they will be made to stand before their Lord. He will say, "Is this not the truth?" They will say, "Yes, by our Lord." He will [then] say, "So taste the punishment for what you used to deny."

No commentary for this ayah

6:31Page 131

قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةٗ قَالُواْ يَٰحَسۡرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطۡنَا فِيهَا وَهُمۡ يَحۡمِلُونَ أَوۡزَارَهُمۡ عَلَىٰ ظُهُورِهِمۡۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٣١

Those will have lost who deny the meeting with Allāh, until when the Hour [of resurrection] comes upon them unexpectedly, they will say, "Oh, [how great is] our regret over what we neglected concerning it [i.e., the Hour]," while they bear their burdens [i.e., sins] on their backs. Unquestionably, evil is that which they bear.

No commentary for this ayah

6:32Page 131

وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَعِبٞ وَلَهۡوٞۖ وَلَلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٣٢

And the worldly life is not but amusement and diversion; but the home of the Hereafter is best for those who fear Allāh, so will you not reason?

No commentary for this ayah

6:33Page 131

قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ ٣٣

We know that you, [O Muḥammad], are saddened by what they say. And indeed, they do not call you untruthful, but it is the verses of Allāh that the wrongdoers reject.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ الآيَةَ، صَرَّحَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: بِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ رَسُولَهُ ﷺ يَحْزُنُهُ ما يَقُولُهُ الكُفّارُ مِن تَكْذِيبِهِ ﷺ وقَدْ نَهاهُ تَعالى عَنْ هَذا الحُزْنِ المُفْرِطِ في مَواضِعَ أُخَرَ،

• كَقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ الآيَةَ [فاطر: ٨]،

• وقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٦٨]،

• وقَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦]،

• وقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣]،

والباخِعُ: هو المُهْلِكُ نَفْسَهُ، ومِنهُ قَوْلُ غَيْلانَ بْنِ عُقْبَةَ: [ الطَّوِيلُ ]

؎ألا أيُّهَذا الباخِعُ الوَجْدُ نَفْسَهُ لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ المَقادِرُ

وَقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ﴾، في الآيَتَيْنِ يُرادُ بِهِ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ، ونَظِيرُهُ: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢]، أيْ لا تُهْلِكْ نَفْسَكَ حَزَنًا عَلَيْهِمْ في الأوَّلِ، ولا تَتْرُكْ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ في الثّانِي.

6:34Page 131

وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ وَلَقَدۡ جَآءَكَ مِن نَّبَإِيْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٣٤

And certainly were messengers denied before you, but they were patient over the denial, and they were harmed until Our victory came to them. And none can alter the words [i.e., decrees] of Allāh. And there has certainly come to you some information about the [previous] messengers.

No commentary for this ayah

6:35Page 131

وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكَ إِعۡرَاضُهُمۡ فَإِنِ ٱسۡتَطَعۡتَ أَن تَبۡتَغِيَ نَفَقٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ سُلَّمٗا فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأۡتِيَهُم بِـَٔايَةٖۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمۡ عَلَى ٱلۡهُدَىٰۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٣٥

And if their evasion is difficult for you, then if you are able to seek a tunnel into the earth or a stairway into the sky to bring them a sign, [then do so]. But if Allāh had willed, He would have united them upon guidance. So never be of the ignorant.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском