Ash-ShinqitiAl‑Mumtahanah · 60:10–13

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Mumtahanah 60:10–13

60:10Page 550

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ مُهَٰجِرَٰتٖ فَٱمۡتَحِنُوهُنَّۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِهِنَّۖ فَإِنۡ عَلِمۡتُمُوهُنَّ مُؤۡمِنَٰتٖ فَلَا تَرۡجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلۡكُفَّارِۖ لَا هُنَّ حِلّٞ لَّهُمۡ وَلَا هُمۡ يَحِلُّونَ لَهُنَّۖ وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّۚ وَلَا تُمۡسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلۡكَوَافِرِ وَسۡـَٔلُواْ مَآ أَنفَقۡتُمۡ وَلۡيَسۡـَٔلُواْ مَآ أَنفَقُواْۚ ذَٰلِكُمۡ حُكۡمُ ٱللَّهِ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡۖ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ١٠

O you who have believed, when the believing women come to you as emigrants, examine [i.e., test] them. Allāh is most knowing as to their faith. And if you know them to be believers, then do not return them to the disbelievers; they are not lawful [wives] for them, nor are they lawful [husbands] for them. But give them [i.e., the disbelievers] what they have spent.1 And there is no blame upon you if you marry them when you have given them their due compensation [i.e., mahr]. And hold not to marriage bonds with disbelieving women, but ask for what you have spent and let them [i.e., the disbelievers] ask for what they have spent.2 That is the judgement of Allāh; He judges between you. And Allāh is Knowing and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ وآتُوهم ما أنْفَقُوا ولا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ واسْألُوا ما أنْفَقْتُمْ ولْيَسْألُوا ما أنْفَقُوا ذَلِكم حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا جاءَكُمُ المُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ﴾، نَصَّ عَلى امْتِحانِ المُؤْمِناتِ المُهاجِراتِ، وكانَ ﷺ يَمْتَحِنُهُنَّ ما خَرَجَتْ كُرْهًا لِزَوْجٍ، أوْ فِرارًا لِسَبَبٍ ونَحْوَ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وغَيْرُهُ.

وَقِيلَ: كانَ امْتِحانُهُنَّ بِالبَيْعَةِ الآتِيَةِ: ﴿لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ولا يَسْرِقْنَ﴾ [الممتحنة: ١٢] الآيَةَ، ومَفْهُومُهُ أنَّ الرِّجالَ المُهاجِرِينَ لا يُمْتَحَنُونَ.

وَفِعْلًا لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَمْتَحِنُ مَن هاجَرَ إلَيْهِ والسَّبَبُ في امْتِحانِهِنَّ دُونَ الرِّجالِ، هو ما أشارَتْ إلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ﴾، كَأنَّ الهِجْرَةَ وحْدَها لا تَكْفِي في حَقِّهِنَّ بِخِلافِ الرِّجالِ، فَقَدْ شَهِدَ اللَّهُ لَهم بِصِدْقِ إيمانِهِمْ بِالهِجْرَةِ في قَوْلِهِ ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وأمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا ويَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]، وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ إذا خَرَجَ مُهاجِرًا يَعْلَمُ أنَّ عَلَيْهِ تَبِعَةَ الجِهادِ والنُّصْرَةِ فَلا يُهاجِرُ إلّا وهو صادِقُ الإيمانِ فَلا يَحْتاجُ إلى امْتِحانٍ، ولا يَرُدُّ عَلَيْهِ مُهاجِرُ أُمِّ قَيْسٍ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ جانِبِيٌّ، ولا يَمْنَعُ مِنَ المُهِمَّةِ الأساسِيَّةِ لِلْهِجْرَةِ المُنَوِّهِ عَنْهُ في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي﴾ [الممتحنة: ١] الآيَةَ، بِخِلافِ النِّساءِ فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جِهادٌ ولا يَلْزَمُهُنَّ بِالهِجْرَةِ أيَّةُ تَبَعِيَّةٍ، فَأيُّ سَبَبٍ يُواجِهُهُنَّ في حَياتِهِنَّ سَواءٌ كانَ بِسَبَبِ الزَّوْجِ أوْ غَيْرِهِ، فَإنَّهُنَّ يَخْرُجْنَ بِاسْمِ الهِجْرَةِ فَكانَ ذَلِكَ مُوجِبًا (p-٩٨)لِلتَّوَثُّقِ مِن هِجْرَتِهِنَّ بِامْتِحانِهِنَّ لِيُعْلَمَ إيمانُهُنَّ، ويُرَشِّحُ لِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِهِنَّ﴾، وفي حَقِّ الرِّجالِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ [الحشر: ٨]، وكَذَلِكَ مِن جانِبٍ آخَرَ، وهو أنَّ هِجْرَةَ المُؤْمِناتِ يَتَعَلَّقُ عَلَيْها حَقٌّ مَعَ طَرَفٍ آخَرَ، وهو الزَّوْجُ فَيَفْسَخُ نِكاحَها مِنهُ، ويُعَوَّضُ هو عَمّا أنْفَقَ عَلَيْها، وإسْقاطُ حَقِّهِ في النِّكاحِ وإيجابُ حَقِّهِ في العِوَضِ قَضايا حُقُوقِيَّةٌ، تَتَطَلَّبُ إثْباتًا بِخِلافِ هِجْرَةِ الرِّجالِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾، مَعْلُومٌ أنَّ المُؤْمِناتِ المُهاجِراتِ بَعْدَ الِامْتِحانِ والعِلْمِ بِأنَّهُنَّ مُؤْمِناتٌ لا يَنْبَغِي إرْجاعُهُنَّ إلى الكُفّارِ؛ لِأنَّهم يُؤْذُونَهُنَّ إنْ رَجَعْنَ إلَيْهِمْ، فَلِأيِّ شَيْءٍ يَأْتِي النَّصُّ عَلَيْهِ ؟

قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُخَصِّصَةٌ لِما جاءَ في مُعاهَدَةِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، والَّتِي كانَ فِيها مَن جاءَ مِنَ الكُفّارِ مُسْلِمًا إلى المُسْلِمِينَ رَدُّوهُ عَلى المُشْرِكِينَ، ومَن جاءَ مِنَ المُسْلِمِينَ كافِرًا لِلْمُشْرِكِينَ لا يَرُدُّونَهُ عَلى المُسْلِمِينَ فَأُخْرِجَتِ النِّساءُ مِنَ المُعاهَدَةِ وأبْقَتِ الرِّجالَ مِن بابِ تَخْصِيصِ العُمُومِ، وتَخْصِيصُ السُّنَةِ بِالقُرْآنِ، وتَخْصِيصُ القُرْآنِ بِالسُّنَةِ مَعْلُومٌ، وقَدْ بَيَّنَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - في مُذَكِّرَةِ الأُصُولِ، وذَكَرَ القاعِدَةَ مِن مَراقِي السُّعُودِ بِقَوْلِهِ:

؎وَخُصِّصَ الكِتابُ والحَدِيثُ بِهِ أوْ بِالحَدِيثِ مُطْلَقًا فَلْتَنْتَبِهْ

وَمِمّا ذَكَرَهُ لِأمْثِلَةِ تَخْصِيصِ السُّنَةِ بِالكِتابِ قَوْلُهُ ﷺ: «”ما أُبِينَ مِن حَيٍّ فَهو مَيِّتٌ“،» أيْ: مُحَرَّمٌ، جاءَ تَخْصِيصُ هَذا العُمُومِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن أصْوافِها وأوْبارِها﴾ [النحل: ٨٠] أيْ: لَيْسَ مُحَرَّمًا.

وَمِن أمْثِلَةِ تَخْصِيصِ الكِتابِ بِالسُّنَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] جاءَ تَخْصِيصُ هَذا العُمُومِ بِقَوْلِهِ ﷺ: «”أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ، ودَمانِ، أمّا المَيْتَتانِ: فالجَرادُ والحُوتُ»“ الحَدِيثَ قالَ القُرْطُبِيُّ: جاءَتْ سُبَيْعَةُ بِنْتُ الحارِثِ الأسْلَمِيَّةُ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الكِتابِ والنَّبِيُّ ﷺ بِالحُدَيْبِيَةِ بَعْدُ، فَأقْبَلَ زَوْجُها وكانَ كافِرًا، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ ارْدُدْ عَلَيَّ امْرَأتِي فَإنَّكَ شَرَطْتَ ذَلِكَ، وهَذِهِ طِينَةُ الكِتابِ لَمْ تَجِفَّ بَعْدُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: إنَّها لَيْسَتْ مُخَصِّصَةً لِلْمُعاهَدَةِ؛ لِأنَّ النِّساءَ لَمْ يَدْخُلْنَ فِيها ابْتِداءً، وإنَّما كانَتْ في حَقِّ الرِّجالِ فَقَطْ.

(p-٩٩)وَذَكَرَ القُرْطُبِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ أنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ جاءَتْ فارَّةً مِن زَوْجِها عَمْرِو بْنِ العاصِ ومَعَها أخَواها عُمارَةُ والوَلِيدُ، فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أخَوَيْها وحَبَسَها، فَقالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: رُدَّها عَلَيْنا لِلشَّرْطِ، فَقالَ ﷺ: «”كانَ الشَّرْطُ في الرِّجالِ لا في النِّساءِ»“، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، والَّذِي يَظْهَرُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّها مُخَصِّصَةٌ لِمُعاهَدَةِ الهُدْنَةِ، وهي مِن أحْسَنِ الأمْثِلَةِ لِتَخْصِيصِ السُّنَةِ بِالقُرْآنِ، كَما قالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.

وَقَدْ رُوِيَ أنَّها مُخَصِّصَةٌ عَنْ عُرْوَةَ، والضَّحّاكِ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ، والزُّهْرِيِّ، ومُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ والسُّدِّيِّ.

وَيَدُلُّ عَلى أنَّها مُخَصِّصَةٌ أمْرانِ مَذْكُورانِ في الآيَةِ:

الأوَّلُ مِنهُما: أنَّها أحْدَثَتْ حُكْمًا جَدِيدًا في حَقِّهِنَّ وهو عَدَمُ الحِلِّيَةِ بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ أزْواجِهِنَّ، فَلا مَحَلَّ لِإرْجاعِهِنَّ، ولا يُمْكِنُ تَنْفِيذُ مُعاهَدَةِ الهُدْنَةِ مَعَ هَذا الحُكْمِ فَخَرَجْنَ مِنها وبَقِيَ الرِّجالُ.

والثّانِي مِنهُما: أنَّها جَعَلَتْ لِلْأزْواجِ حَقَّ المُعاوَضَةِ عَلى ما أنْفَقُوا عَلَيْهِنَّ، ولَوْ لَمْ يَكُنَّ داخِلاتٍ أوَّلًا لَما كانَ طَلَبُ المُعاوَضَةِ مُلْزِمًا، ولَكِنَّهُ صارَ مُلْزِمًا، ومُوجِبُ إلْزامِهِ أنَّهم كانُوا يَمْلِكُونَ مَنعَهُنَّ مِنَ الخُرُوجِ بِمُقْتَضى المُعاهَدَةِ المَذْكُورَةِ، فَإذا خَرَجْنَ بِغَيْرِ إذْنِ الأزْواجِ كُنَّ كَمَن نَقَضَ العَهْدَ فَلَزِمَهُنَّ العِوَضُ المَذْكُورُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، فِيها تَحْرِيمُ المُؤْمِناتِ عَلى الكافِرِينَ، والظّاهِرُ أنَّ التَّحْرِيمَ بِالهِجْرَةِ لا بِالإسْلامِ قَبْلَها، واتَّفَقَ الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ إذا أسْلَمَ وهاجَرَ أحَدُ الزَّوْجَيْنِ بَقِيَتِ العِصْمَةُ إلى نِهايَةِ العُدَّةِ، فَإنْ هاجَرَ الطَّرَفُ الآخَرُ فِيها، فَهُما عَلى نِكاحِهِما الأوَّلِ.

وَهُنا مَبْحَثُ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ زَوْجِها أبِي العاصِ بْنِ الرَّبِيعِ.

وَقَدْ كَثُرَ الخِلافُ في أمْرِ رَدِّها إلَيْهِ هَلْ كانَ بِالعَقْدِ الأوَّلِ، أوْ جَدَّدَ لَها ﷺ عَقْدًا جَدِيدًا، ومِن أسْبابِ كَثْرَةِ الخِلافِ الرَّبْطُ بَيْنَ تارِيخِ إسْلامِها وتارِيخِ إسْلامِهِ، وبَيْنَهُما سِتُّ سَنَواتٍ وهَذا خَطَأٌ؛ لِأنَّ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ لَمْ يَقَعْ تَحْرِيمٌ بَيْنَ مُسْلِمَةٍ وكافِرٍ، ونُزُولُها بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ وإسْلامُها كانَ سَنَةَ ثَمانٍ، فَيُحْمَلُ عَلى عَدَمِ انْقِضاءِ عِدَّتِها، وهَذا يُوافِقُ عَلى ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ، ونَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ قَوْلًا، وهو أنَّ المُسْلِمَةَ كانَتْ بِالخِيارِ إنْ شاءَتْ فَسَخَتْ نِكاحَها (p-١٠٠)وَتَزَوَّجَتْ بَعْدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها، وإنْ شاءَتِ انْتَظَرَتْ. ا هـ.

وَهَذا القَوْلُ لَهُ وجْهٌ؛ لِأنَّهُ بِإسْلامِها لَمْ يَكُنْ كُفْأً لَها وإذا انْتَفَتِ الكَفاءَةُ أُعْطِيَتِ الزَّوْجَةُ الخِيارَ، كَقِصَّةِ بَرِيرَةَ لَمّا عُتِقَتْ وكانَ زَوْجُها مَمْلُوكًا، ولا يَرُدُّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهم ولا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ في حالَةِ كُفْرِ الزَّوْجِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتُوهم ما أنْفَقُوا﴾، يَدُلُّ عَلى أنَّ الفُرْقَةَ إذا جاءَتْ بِسَبَبٍ مِن جِهَةِ الزَّوْجَةِ أنَّ عَلَيْها رَدَّ ما أنْفَقَ الزَّوْجُ عَلَيْها، وكَوْنُهُ الصَّداقَ أوْ أكْثَرَ قَدْ بَحَثَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - في مَبْحَثِ الخُلْعِ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ .

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوافِرِ﴾، أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِفَكِّ عِصْمَةِ زَوْجاتِهِمِ الكَوافِرِ، فَطَلَّقَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَوْمَئِذٍ زَوْجَتَيْنِ، وطَلَّقَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ زَوْجَتَهُ أرْوى بِنْتَ رَبِيعَةَ، وعِصَمُ الكَوافِرِ عامٌّ في كُلِّ كافِرَةٍ، فَيَشْمَلُ الكِتابِيّاتِ لِكُفْرِهِنَّ بِاعْتِقادِ الوَلَدِ لِلَّهِ، كَما حَقَّقَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - ولَكِنَّ هَذا العُمُومَ قَدْ خُصِّصَ بِإباحَةِ الكِتابِيّاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [المائدة: ٥] أيْ: الحَرائِرُ، وبَقِيَتِ الحُرْمَةُ بَيْنَ المُسْلِمِ والمُشْرِكَةِ بِالعَقْدِ عَلى التَّأْبِيدِ.

وَمَفْهُومُ العِصْمَةِ لا يَمْنَعُ الإمْساكَ بِمِلْكِ اليَمِينِ، فَيَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ الِاسْتِمْتاعُ بِالمُشْرِكَةِ بِمِلْكِ اليَمِينِ، وعَلَيْهِ تَكُونُ حُرْمَةُ المُسْلِمَةِ عَلى الكافِرِ مُطْلَقًا مُشْرِكًا كانَ أوْ كِتابِيًّا عَلى التَّأْبِيدِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾، أيْ: في الحاضِرِ، ﴿وَلا هم يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، أيْ: في المُسْتَقْبَلِ، وقَدْ فَصَّلَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - مَسْألَةَ المُحَرَّماتِ مِنَ النِّكاحِ فِيما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٥] .

تَنْبِيهٌ

هُنا سُؤالٌ، وهو: إذا كانَ الكُفْرُ هو سَبَبَ فَكِّ عِصْمَةِ الكافِرَةِ مِنَ المُسْلِمِ، وتَحْرِيمِ المُسْلِمَةِ عَلى الكافِرِ فَلِماذا حَلَّتِ الكافِرَةُ مِن أهْلِ الكِتابِ لِلْمُسْلِمِ، ولَمْ تَحِلَّ المُسْلِمَةُ لِلْكافِرِ مِن أهْلِ الكِتابِ ؟ والجَوابُ مِن جانِبَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ الإسْلامَ يَعْلُو ولا يُعْلى عَلَيْهِ والقَوامَةُ في الزَّواجِ لِلزَّوْجِ قَطْعًا لِجانِبِ الرُّجُولَةِ، وإنْ تَعادَلا في الحِلِّيَةِ بِالعَقْدِ؛ لِأنَّ التَّعادُلَ لا يُلْغِي الفَوارِقَ كَما في مِلْكِ اليَمِينِ، (p-١٠١)فَإذا امْتَلَكَ رَجُلٌ امْرَأةً حَلَّ لَهُ أنْ يَسْتَمْتِعَ مِنها بِمِلْكِ اليَمِينِ، والمَرْأةُ إذا امْتَلَكَتْ عَبْدًا لا يَحِلُّ لَها أنْ تَسْتَمْتِعَ مِنهُ بِمِلْكِ اليَمِينِ، ولِقَوامَةِ الرَّجُلِ عَلى المَرْأةِ وعَلى أوْلادِها وهو كافِرٌ لا يَسْلَمُ لَها دِينُها، ولا لِأوْلادِها.

والجانِبُ الثّانِي: شُمُولُ الإسْلامِ وقُصُورُ غَيْرِهِ، ويَنْبَنِي عَلَيْهِ أمْرٌ اجْتِماعِيٌّ لَهُ مَساسٌ بِكِيانِ الأُسْرَةِ وحُسْنِ العِشْرَةِ، وذَلِكَ أنَّ المُسْلِمَ إذا تَزَوَّجَ كِتابِيَّةً، فَهو يُؤْمِنُ بِكِتابِها وبِرَسُولِها، فَسَيَكُونُ مَعَها عَلى مَبْدَأِ مَن يَحْتَرِمُ دِينَها لِإيمانِهِ بِهِ في الجُمْلَةِ، فَسَيَكُونُ هُناكَ مَجالٌ لِلتَّفاهُمِ، وقَدْ يَحْصُلُ التَّوَصُّلُ إلى إسْلامِها بِمُوجِبِ كِتابِها، أمّا الكِتابِيُّ إذا تَزَوَّجَ مُسْلِمَةً، فَهو لا يُؤْمِنُ بِدِينِها، فَلا تَجِدُ مِنهُ احْتِرامًا لِمَبْدَئِها ودِينِها، ولا مَجالَ لِلْمُفاهَمَةِ مَعَهُ في أمْرٍ لا يُؤْمِنُ بِهِ كُلِّيَّةً، وبِالتّالِي فَلا مَجالَ لِلتَّفاهُمِ ولا لِلْوِئامِ، وإذًا فَلا جَدْوى مِن هَذا الزَّواجِ بِالكُلِّيَّةِ، فَمَنَعَ مِنهُ ابْتِداءً.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، يَعْنِي صَداقَهُنَّ.

وَيَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ أنَّ النِّكاحَ بِدُونِ الأُجُورِ فِيهِ جُناحٌ، وقَدْ جاءَ النَّصُّ بِهَذا المَفْهُومِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، فَهِبَةُ المَرْأةِ نَفْسَها بِدُونِ صَداقٍ خاصٌّ بِهِ ﷺ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾، لا يُحِلُّهُ لِغَيْرِهِ ﷺ وقَوْلُهُ: ﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، ظاهِرٌ في أنَّ النِّكاحَ لا يَصِحُّ إلّا بِإتْيانِ الأُجُورِ.

وَقَدْ جاءَ ما يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ العَقْدِ بِدُونِ إتْيانِ الصَّداقِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا جُناحَ عَلَيْكم إنْ طَلَّقْتُمُ النِّساءَ ما لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ومَتِّعُوهُنَّ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٣٦] .

وَقَدْ ذَكَرَ الفُقَهاءُ حُكْمَ المُفَوَّضَةِ، أنَّهُ إنْ دَخَلَ بِها فَلَهُ صَداقُ المِثْلِ، ويَدُلُّ لِإطْلاقِ الأُجُورِ عَلى الصَّداقِ قَوْلُهُ تَعالى في نِكاحِ الإماءِ لِمَن لَمْ يَسْتَطِعْ طَوْلًا لِلْحَرائِرِ: ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾، إلى قَوْلِهِ ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٥] وفي نِكاحِ أهْلِ الكِتابِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٥]، وقَوْلُهُ تَعالى (p-١٠٢)لِلرَّسُولِ ﷺ: ﴿إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ اللّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، وبِهَذا كُلِّهِ يُرَدُّ عَلى مَنِ اسْتَدَلَّ بِلَفْظِ الأُجُورِ عَلى نِكاحِ المُتْعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] وتَقَدَّمَ مَبْحَثُ المُتْعَةِ مُوجَزًا لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ﴾ .

60:11Page 550

وَإِن فَاتَكُمۡ شَيۡءٞ مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ إِلَى ٱلۡكُفَّارِ فَعَاقَبۡتُمۡ فَـَٔاتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتۡ أَزۡوَٰجُهُم مِّثۡلَ مَآ أَنفَقُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ ١١

And if you have lost any of your wives to the disbelievers and you subsequently obtain [something],1 then give those whose wives have gone the equivalent of what they had spent. And fear Allāh, in whom you are believers.

No commentary for this ayah

60:12Page 551

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ يُبَايِعۡنَكَ عَلَىٰٓ أَن لَّا يُشۡرِكۡنَ بِٱللَّهِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡرِقۡنَ وَلَا يَزۡنِينَ وَلَا يَقۡتُلۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ وَلَا يَأۡتِينَ بِبُهۡتَٰنٖ يَفۡتَرِينَهُۥ بَيۡنَ أَيۡدِيهِنَّ وَأَرۡجُلِهِنَّ وَلَا يَعۡصِينَكَ فِي مَعۡرُوفٖ فَبَايِعۡهُنَّ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُنَّ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٢

O Prophet, when the believing women come to you pledging to you that they will not associate anything with Allāh, nor will they steal, nor will they commit unlawful sexual intercourse, nor will they kill their children, nor will they bring forth a slander they have invented between their arms and legs,1 nor will they disobey you in what is right - then accept their pledge and ask forgiveness for them of Allāh. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ في مَعْرُوفٍ﴾ .

القَيْدُ بِالمَعْرُوفِ هُنا لِلْبَيانِ ولا مَفْهُومَ لَهُ؛ لِأنَّ كُلَّ ما يَأْمُرُ بِهِ ﷺ مَعْرُوفٌ، وفِيهِ حَياتُهُنَّ، وقَدْ بَيَّنَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا دَعاكم لِما يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧]، ولَكِنْ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ مَن كانَ في مَوْضِعِ الأمْرِ مِن بَعْدِهِ لا طاعَةَ لَهُ إلّا في المَعْرُوفِ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

60:13Page 551

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَوَلَّوۡاْ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ قَدۡ يَئِسُواْ مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِ كَمَا يَئِسَ ٱلۡكُفَّارُ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡقُبُورِ ١٣

O you who have believed, do not make allies of a people with whom Allāh has become angry. They have despaired of [reward in] the Hereafter just as the disbelievers have despaired of [meeting] the companions [i.e., inhabitants] of the graves.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَما يَئِسَ الكُفّارُ مِن أصْحابِ القُبُورِ﴾ [الممتحنة: ١٣] .

يَرى المُفَسِّرُونَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في خِتامِ هَذِهِ السُّورَةِ كالآيَةِ الأُولى في أوَّلِها، وهَذا ما يُسَمّى عَوْدًا عَلى بَدْءٍ.

قالَ أبُو حَيّانَ: لَمّا افْتَتَحَ هَذِهِ السُّورَةَ بِالنَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِ الكَفّارِ أوْلِياءَ خَتَمَها بِمِثْلِ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِتَرْكِ مُوالاتِهِمْ، وتَنْفِيرًا لِلْمُسْلِمِينَ عَنْ تَوَلِّيهِمْ وإلْقاءِ المَوَدَّةِ إلَيْهِمْ.

وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَنْهى تَبارَكَ وتَعالى عَنْ مُوالاةِ الكافِرِينَ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، كَما نَهى عَنْها في أوَّلِها، والَّذِي يَظْهَرُ لِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، أنَّها لَمْ تَكُنْ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ لِلنَّهْيِ المُتَقَدِّمِ، ولَكِنَّها تَتَضَمَّنُ مَعْنًى جَدِيدًا، وذَلِكَ لِلْآتِي:

أوَّلًا: أنَّها نَصٌّ في قَوْمٍ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وعَلى أنَّها لِلتَّأْكِيدِ حَمَلَها البَعْضُ عَلى العُمُومِ؛ لِأنَّ كُلَّ كافِرٍ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ، وحَمَلَها البَعْضُ عَلى خُصُوصِ اليَهُودِ؛ لِأنَّهُ وصْفٌ صارَ عُرْفًا لَهم، هو قَوْلُ الحَسَنِ وابْنِ زَيْدٍ، قالَهُ أبُو حَيّانَ، ومِمّا تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - في مُقَدِّمَةِ الأضْواءِ، أنَّهُ إذا اخْتَلَفَ في تَفْسِيرِ آيَةٍ، وكانَ أكْثَرُ اسْتِعْمالِ القُرْآنِ لِأحَدِ المَعْنَيَيْنِ كانَ مُرَجَّحًا عَلى الآخَرِ، وهو مُحَقَّقٌ هُنا، كَما قالَ الحَسَنُ، أصْبَحَ عُرْفًا عَلَيْهِمْ، وقَدْ خَصَّهم تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ (p-١٠٣)[المائدة: ٦٠]، وقَوْلِهِ فِيهِمْ: ﴿فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠]، وقَدْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّصارى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ولا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، ولَوْ قِيلَ: إنَّها في اليَهُودِ والمُنافِقِينَ، لَما كانَ بَعِيدًا؛ لِأنَّهُ تَعالى نَصَّ عَلى غَضَبِهِ عَلى المُنافِقِينَ في هَذا الخُصُوصِ في سُورَةِ المُجادِلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هم مِنكم ولا مِنهم ويَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ وهم يَعْلَمُونَ﴾ ٣٠ [المجادلة: ١٤]، وعَلى هَذا فَتَكُونُ خاصَّةً في اليَهُودِ والمُنافِقِينَ، والغَرَضُ مِن تَخْصِيصِها بِهِما وعَوْدَةِ ذَكَرِهِما بَعْدَ العُمُومِ المُتَقَدِّمِ في عَدُوِّي وعَدُوَّكم، كَما أسْلَفْنا هو واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، لَمّا نَهى أوَّلًا عَنْ مُوالاةِ الأعْداءِ، وأمَرَ بِتَقْطِيعِ الأواصِرِ بَيْنَ ذَوِي الأرْحامِ، جاءَ بَعْدَها ما يُشِيعُ الأمَلَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَجْعَلَ بَيْنَكم وبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنهم مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة: ٧]، وعادَيْتُمْ عامَّةٌ باقِيَةٌ عَلى عُمُومِها، ولَكِنَّ اليَهُودَ، والمُنافِقِينَ لَمْ يَدْخُلُوا في مَدْلُولٍ عَسى تِلْكَ، فَنَبَّهَ تَعالى عَلَيْهِمْ بِخُصُوصِهِمْ لِئَلّا يَطْمَعَ المُؤْمِنُونَ أوْ يَنْتَظِرُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، فَأيْأسَهم مِن مُوالاتِهِمْ ومَوَدَّتِهِمْ، كَيَأْسِ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ في الآخِرَةِ، أيْ: بِعَدَمِ الإيمانِ الَّذِي هو رابِطَةُ الرَّجاءِ المُتَقَدِّمِ في عَسى، وفِعْلًا كانَ كَما أخْبَرَ اللَّهُ، فَقَدْ جَعَلَ المَوَدَّةَ مِن بَعْضِ المُشْرِكِينَ ولَمْ يَجْعَلْها مِن بَعْضِ المُنافِقِينَ ولا اليَهُودِ، فَهي إذًا مُؤَسِّسَةٌ لِمَعْنًى جَدِيدٍ، ولَيْسَتْ مُؤَكِّدَةً لِما تَقَدَّمَ، والعَلَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском