Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
الممتحنة
Al-Mumtahanah
She that is to be examined · Medinan · 13 ayahs
60:1Page 549
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡ أَن تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ إِن كُنتُمۡ خَرَجۡتُمۡ جِهَٰدٗا فِي سَبِيلِي وَٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِيۚ تُسِرُّونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَآ أَخۡفَيۡتُمۡ وَمَآ أَعۡلَنتُمۡۚ وَمَن يَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ١
O you who have believed, do not take My enemies and your enemies as allies,1 extending to them affection while they have disbelieved in what came to you of the truth, having driven out the Prophet and yourselves [only] because you believe in Allāh, your Lord. If you have come out for jihād [i.e., fighting or striving] in My cause and seeking means to My approval, [take them not as friends]. You confide to them affection [i.e., instruction], but I am most knowing of what you have concealed and what you have declared. And whoever does it among you has certainly strayed from the soundness of the way.
(p-٧٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُمْتَحَنَةِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإيّاكُمْ﴾ .
نَهى تَعالى المُؤْمِنِينَ عَنِ اتِّخاذِ العَدُوِّ المُشْرِكِ أوْلِياءَ، ولَفْظُ العَدُوِّ مُفْرَدٌ، ويُطْلَقُ عَلى الفَرْدِ والجَماعَةِ.
وَمِن إطْلاقِهِ عَلى الفَرْدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْنا ياآدَمُ إنَّ هَذا عَدُوٌّ لَكَ ولِزَوْجِكَ﴾ [طه: ١١٧] يَعْنِي بِالعَدُوِّ إبْلِيسَ.
وَمِن إطْلاقِهِ عَلى الجَمْعِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ مِن دُونِي وهم لَكم عَدُوٌّ﴾ [الكهف: ٥٠]، والمُرادُ هُنا الجَمْعُ لِما في السِّياقِ مِنَ القَرائِنِ مِنها قَوْلُهُ (أوْلِياءَ) بِالجَمْعِ، ومِنها: ﴿تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ﴾، وهو ضَمِيرُ جَمْعٍ، ومِنها: وقَدْ كَفَرُوا بِواوِ الجَمْعِ، ومِنها يُخْرِجُونَ أيْضًا بِالجَمْعِ، وقَوْلُهُ بَعْدَها: ﴿إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً ويَبْسُطُوا﴾ [الممتحنة: ٢] وكُلُّها بِضَمائِرِ الجَمْعِ.
أمّا العَدُوُّ المُرادُ هُنا فَقَدْ عَمَّ وخَصَّ في وصْفِهِ فَوَصَفَهُ أوَّلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ﴾، وخَصَّ بِوَصْفِهِ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ، والوَصْفُ بِالكُفْرِ يَشْمَلُ الجَمِيعَ، فَيَكُونُ ذِكْرُهُما مَعًا لِلتَّأْكِيدِ والِاهْتِمامِ بِالخاصِّ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٨] فَفي ذِكْرِ الخاصِّ هُنا وهو وصْفُ العَدُوِّ بِإخْراجِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ لِلتَّهْيِيجِ عَلى مَن أخْرَجُوهم مِن دِيارِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿وَأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] .
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى المُرادَ بِالَّذِينِ أخْرَجُوا الرَّسُولَ والمُؤْمِنِينَ في عِدَّةِ مَواضِعَ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣] أيْ: مَكَّةَ، ومِنها قَوْلُهُ: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ﴾ (p-٨٠)[التوبة: ٤٠] الآيَةَ.
فَعَلَيْهِ يَكُونُ المُرادُ بِعَدُوِّي وعَدُوِّكم هُنا خُصُوصَ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ.
وَقَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، وقِصَّةِ الرِّسالَةِ مَعَ الظَّعِينَةِ لِأهْلِ مَكَّةَ قَبْلَ الفَتْحِ بِإخْبارِهِمْ بِتَجَهُّزِ المُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ مِمّا يُؤَيِّدُ المُرادَ بِالعَدُوِّ هُنا، ولَكِنْ، وإنْ كانَتْ بِصُورَةِ السَّبَبِ قَطْعِيَّةَ الدُّخُولِ إلّا أنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ لا يُهْمَلُ، فَقَوْلُهُ: ﴿عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ﴾ يَشْمَلُ كُلَّ مَن كَفَرَ بِما جاءَنا مِنَ الحَقِّ كاليَهُودِ، والنَّصارى، والمُنافِقِينَ، ومَن تَجَدَّدَ مِنَ الطَّوائِفِ الحَدِيثَةِ.
وَقَدْ جاءَ النَّصُّ عَلى كُلِّ طائِفَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ، فَفي سُورَةِ المُجادِلَةِ عَنِ المُنافِقِينَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هم مِنكم ولا مِنهُمْ﴾ [المجادلة: ١٤] .
وَتَكَلَّمَ عَلَيْها الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - .
وَعَنِ اليَهُودِ في سُورَةِ ”الحَشْرِ“ كَما تَقَدَّمَ، وعَنِ اليَهُودِ والنَّصارى مَعًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ [المائدة: ٥١] .
وَمِنَ الطَّوائِفِ المُحْدَثَةِ كُلُّ مَن كَفَرَ بِما جاءَنا مِنَ الحَقِّ مِن شُيُوعِيَّةٍ وغَيْرِهِمْ، وكالهِنْدُوكِيَّةِ، والبُوذِيَّةِ وغَيْرِهِمْ، ومِمّا يَتْبَعُ هَذا العُمُومَ ما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم والكُفّارَ أوْلِياءَ واتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٧ - ٥٨] .
فَكُلُّ مَن هَزِئَ بِشَيْءٍ مِنَ الدِّينِ أوِ اتَّخَذَهُ لَعِبًا ولَهْوًا فَإنَّهُ يُخْشى عَلَيْهِ مِن تَناوُلِ هَذِهِ الآيَةِ إيّاهُ.
تَنْبِيهٌ
ذِكْرُ المُقابَلَةِ هُنا بَيْنَ ﴿عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ فِيهِ إبْرازُ صُورَةِ الحالِ وتَقْبِيحُ الفِعْلِ؛ لِأنَّ العَداوَةَ تَتَنافى مَعَ المُوالاةِ والمُسارَّةِ لِلْعَدُوِّ بِالمَوَدَّةِ، وقَدْ ناقَشَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ قَضِيَّةَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ في تَقْدِيمِ عَدُوِّي أوَّلًا، وعَطْفِ عَدُوِّكم عَلَيْهِ، فَقالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: التَّقْدِيمُ لِأنَّ عَداوَةَ العَبْدِ لِلَّهِ بِدُونِ عِلَّةٍ، وعَداوَةَ العَبْدِ لِلْعَبْدِ لِعِلَّةٍ، وما كانَ بِدُونِ عِلَّةٍ فَهو مُقَدَّمٌ عَلى (p-٨١)ما كانَ بِعِلَّةٍ. ا هـ.
والَّذِي يَظْهَرُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّ التَّقْدِيمَ لِغَرَضٍ شَرْعِيٍّ، وبَلاغِيٍّ، وهو أنَّ عَداوَةَ العَبْدِ لِلَّهِ هي الأصْلُ، وهي أشَدُّ قُبْحًا، فَلِذا قُدِّمَتْ، وقُبْحُها في أنَّهم عَبَدُوا غَيْرَ خالِقِهِمْ، وشَكَرُوا غَيْرَ رازِقِهِمْ، وكَذَّبُوا رُسُلَ رَبِّهِمْ وآذَوْهم.
وَقَدْ جاءَ في الأحادِيثِ القُدْسِيَّةِ ما يُسْتَأْنَسُ بِهِ في ذَلِكَ فِيما رَواهُ البَيْهَقِيُّ والحاكِمُ عَنْ مُعاذٍ، والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ ما نَصُّهُ: «إنِّي والجِنُّ والإنْسُ في نَبَأٍ عَظِيمٍ أخْلُقُ ويُعْبُدُ غَيْرِي، وأرْزُقُ ويُشْكَرُ غَيْرِي» وفِيهِ «خَيْرِي إلى العِبادِ نازِلٌ، وشَرُّهم إلَيَّ صاعِدٌ أتَحَبَّبُ إلَيْهِمْ بِالنِّعَمِ ويَتَبَغَّضُونَ إلَيَّ بِالمَعاصِي» كَما أنَّ تَقْدِيمَهُ يُؤَكِّدُ بِأنَّهُ هو السَّبَبُ في العَداوَةِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ، وما كانَ سَبَبًا فَحَقُّهُ التَّقْدِيمُ.
وَيَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا مِن أنَّهُ الأصْلُ، أنَّ الكَفّارَ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وانْتَفَتْ عَداوَتُهم لِلَّهِ لَأصْبَحُوا إخْوانًا لِلْمُؤْمِنِينَ، وانْتَفَتِ العَداوَةُ بَيْنَهُما، وكَذا كَوْنُهُ مُغَيًّا بِغايَةٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٩]، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى في قَوْمِ إبْراهِيمَ: ﴿وَبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] فَإذا هاجَرَ المُشْرِكُونَ وآمَنَ الكافِرُونَ، انْتَفَتِ العَداوَةُ وجاءَتِ المُوالاةُ.
وَمِمّا قَدَّمْنا مِن أنَّ سَبَبَ النَّهْيِ عَنْ مُوالاةِ الأعْداءِ، هو الكُفْرُ يُعْلَمُ أنَّهُ إذا وُجِدَتْ عَداوَةٌ لا لِسَبَبِ الكُفْرِ فَلا يُنْهى عَنْ تِلْكَ المُوالاةِ؛ لِتَخَلُّفِ العِلَّةِ الأساسِيَّةِ، كَما جاءَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤] .
فَلَمّا تَخَلَّفَ السَّبَبُ الأساسِيُّ في النَّهْيِ عَنْ مُوالاةِ العَدُوِّ الَّذِي هو الكُفْرُ، جاءَ الحَثُّ عَلى العَفْوِ والصَّفْحِ والغُفْرانِ؛ لِأنَّ هَذِهِ العَداوَةَ لِسَبَبٍ آخَرَ هو ما بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، فَكانَ مُقْتَضاها فَقَطِ الحَذَرُ مِن أنْ يَفْتِنُوهُ، وكانَ مُقْتَضى الزَّوْجِيَّةِ حُسْنَ العِشْرَةِ، كَما هو مَعْلُومٌ. وسَيَأْتِي زِيادَةُ إيضاحٍ لِهَذِهِ المَسْألَةِ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وَقَدْ نَصَّ صَراحَةً عَلى عَدَمِ النَّهْيِ المَذْكُورِ في خُصُوصِ مَن لَمْ يُعادُوهم في الدِّينِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ (p-٨٢)الآيَةَ [الممتحنة: ٨] .
وَلِلْمُوالاةِ أحْكامٌ عامَّةٌ وخاصَّةٌ، وقَدْ بَحَثَها الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - في عِدَّةِ مَواضِعَ مِنَ الأضْواءِ:
مِنها في الجُزْءِ الثّانِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]، وقَدْ أطالَ البَحْثَ فِيها.
وَمِنها في الجُزْءِ الثّالِثِ عُرِضَ ضِمْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، وبَيْنَ رَوابِطِ العالَمِ الإسْلامِيِّ بِتَوَسُّعٍ.
وَمِنها في الجُزْءِ الرّابِعِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَتَتَّخِذُونَهُ وذُرِّيَّتَهُ أوْلِياءَ﴾ [الكهف: ٥٠] الآيَةَ.
وَمِنها في مَخْطُوطِ السّابِعِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ هي أشَدُّ قُوَّةً مِن قَرْيَتِكَ الَّتِي أخْرَجَتْكَ أهْلَكْناهُمْ﴾ [محمد: ٢٦]، وأحالَ فِيها عَلى آيَةِ ”المُمْتَحَنَةِ“ هَذِهِ.
وَمِنها أيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكم في بَعْضِ الأمْرِ﴾ [محمد: ٢٦]، وأحالَ عِنْدَها عَلى مَواضِعَ مُتَقَدِّمَةٍ مِن سُورَةِ ”الشُّورى“ ”وَبَنِي إسْرائِيلَ“ .
وَمِنها في سُورَةِ ”المُجادِلَةِ“ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المجادلة: ١٤] .
وَفِيما كَتَبَهُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - بَيانٌ لِكُلِّ جَوانِبِ أحْكامِ هَذِهِ الآيَةِ، غَيْرَ أنِّي لَمْ أجِدْهُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - تَعَرَّضَ لِما في هَذِهِ السُّورَةِ مِن خُصُوصِ التَّخْصِيصِ لِلْآيَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ الآيَةَ [الممتحنة: ٨] .
وَلَمْ أسْمَعْ مِنهُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - فِيها شَيْئًا مَعَ أنَّها نَصٌّ في تَخْصِيصِ العُمُومِ مِن هَذِهِ الآيَةِ، وسَيَأْتِي لَها بَيانٌ لِذَلِكَ عِنْدَها إنْ شاءَ اللَّهُ.
تَنْبِيهٌ
رَدُّ أهْلِ السُّنَّةِ بِهَذِهِ الآيَةِ وأمْثالِها عَلى المُعْتَزِلَةِ قَوْلَهم: إنَّ المَعْصِيَةَ تُنافِي الإيمانَ؛ (p-٨٣)لِأنَّ اللَّهَ ناداهم بِوَصْفِ الإيمانِ مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾، فَلَمْ يُخْرِجْهم بِضَلالِهِمْ عَنْ عُمُومِ إيمانِهِمْ، ويَشْهَدُ لِهَذا أنَّ الضَّلالَ هُنا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ لا مُطْلَقَ السَّبِيلِ.
60:2Page 549
إِن يَثۡقَفُوكُمۡ يَكُونُواْ لَكُمۡ أَعۡدَآءٗ وَيَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ وَأَلۡسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ ٢
If they gain dominance over you, they would be [i.e., behave] to you as enemies and extend against you their hands and their tongues with evil, and they wish you would disbelieve.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً ويَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم وألْسِنَتَهم بِالسُّوءِ ووَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ .
(يَثْقَفُوكم) أيْ: يُدْرِكُوكم، وأصْلُ الثَّقْفِ الحِذْقُ في إدْراكِ الشَّيْءِ وفِعْلِهِ، والرُّمْحُ المُثَقَّفُ المُقَوَّمُ.
قالَ الرّاغِبُ: ثُمَّ يُتَجَوَّزُ بِهِ فَيُسْتَعْمَلُ في الإدْراكِ وإنْ لَمْ تَكُنْ مَعَهُ ثَقافَةٌ، قالَ تَعالى: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، وقالَ: ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ﴾ [الأنفال: ٥٧] ا هـ.
فَهَذِهِ نُصُوصُ القُرْآنِ في أنَّ الثَّقافَةَ بِمَعْنى الإدْراكِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَثْقَفُوكم يَكُونُوا لَكم أعْداءً﴾ الآيَةَ، نَصَّ عَلى أنَّ العَداوَةَ وبَسْطَ اليَدِ واللِّسانِ بِالسُّوءِ يَكُونُ بَعْدَ أنْ يَثْقَفُوهم مَعَ أنَّ العَداءَ سابِقٌ بِإخْراجِهِمْ إيّاهم مِن دِيارِهِمْ، فَيَكُونُ هَذا مِن بابِ التَّهْيِيجِ وشِدَّةِ التَّحْذِيرِ، وأنَّ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ الشَّرْطِ هو بَسْطُ الأيْدِي بِالسُّوءِ؛ لِأنَّهُمُ الآنَ لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ الهِجْرَةِ، ومِن أدِلَّةِ القُرْآنِ عَلى وُجُودِ العَداوَةِ بِالفِعْلِ لَدى عُمُومٍ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكم لا يَأْلُونَكم خَبالًا ودُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨] فَقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِكُمْ﴾ يَشْمَلُ المُشْرِكِينَ، والمُنافِقِينَ، وأهْلَ الكِتابِ، وقَوْلُهُ: ﴿وَدُّوا ما عَنِتُّمْ﴾، أيْ: في الحاضِرِ، وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ بَدَتِ البَغْضاءُ مِن أفْواهِهِمْ وما تُخْفِي صُدُورُهم أكْبَرُ﴾ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلى الشَّرْطِ المَذْكُورِ في إنْ يَثْقَفُوكم، فَهم أعْداءٌ، وقَدْ بَدَتْ مِنهُمُ البَغْضاءُ قَوْلًا وفِعْلًا.
وَعَلى هَذا تَكُونُ الآيَةُ إعْلانَ المُقاطَعَةِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ، ومَن دُونَهم وقَوْلُهُ: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾، قَدْ بَيَّنَ تَعالى سَبَبَ ذَلِكَ بِأنَّهُ الحَسَدُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩] .
وَقالَ تَعالى: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: (p-٨٤)﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ [النساء: ٨٨ - ٨٩] .
60:3Page 549
لَن تَنفَعَكُمۡ أَرۡحَامُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡۚ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَفۡصِلُ بَيۡنَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ٣
Never will your relatives or your children benefit you; the Day of Resurrection He will judge between you. And Allāh, of what you do, is Seeing.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أوْلادُكم يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ .
الأرْحامُ تُسْتَعْمَلُ في القُرْآنِ لِعُمُومِ القَرابَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ أيْ: بِتَقَطُّعِ الأنْسابِ بَيْنَهم، كَما بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا نُفِخَ في الصُّورِ فَلا أنْسابَ بَيْنَهم يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١] .
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى نَتِيجَةَ هَذا الفَصْلِ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ﴾ ﴿وَأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ ﴿وَصاحِبَتِهِ وبَنِيهِ﴾ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنهم يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧]، وقَوْلِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿وَصاحِبَتِهِ وأخِيهِ﴾ ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ﴾ [المعارج: ١٢]، فَعَمَّتْ جَمِيعَ الأقارِبِ وبَيَّنَتْ سَبَبَ الفَصْلِ بَيْنَهم، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ.
وَهَذِهِ الآيَةُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في ذَوِي أرْحامِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، كَما في قِصَّةِ سَبَبِ النُّزُولِ في أمْرِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ في إرْسالِهِ الخِطابَ لِأهْلِ مَكَّةَ قُبَيْلَ الفَتْحِ بِأمْرِ التَّجَهُّزِ لَهم.
وَمَفْهُومُ الوَصْفِ في أوَّلِ السِّياقِ ﴿عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ﴾، ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكم مِنَ الحَقِّ﴾، يَدُلُّ بِمَفْهُومِ المُخالَفَةِ أنَّ أُولِي الأرْحامِ مِنَ المُؤْمِنِينَ قَدْ لا يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ.
وَيَدُلُّ لِهَذا المَفْهُومِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وما ألَتْناهم مِن عَمَلِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]، وقَوْلُهُ تَعالى في دُعاءِ المَلائِكَةِ مِن حَمَلَةِ العَرْشِ لِلْمُؤْمِنِينَ: ﴿رَبَّنا وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهم ومَن صَلَحَ مِن آبائِهِمْ وأزْواجِهِمْ وذُرِّيّاتِهِمْ﴾ [غافر: ٨] .
وَهَذِهِ الآيَةُ بَيانٌ واضِحٌ في أنَّ رَوابِطَ الدِّينِ أقْوى وألْزَمُ مِن رَوابِطِ النَّسَبِ.
وَهَذا المَعْنى بِالذّاتِ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] والآيَةُ الآتِيَةُ بَيانٌ واضِحٌ لِحَقِيقَةِ هَذا المَعْنى وشُمُولِهِ في جَمِيعِ الأُمَمِ.
60:4Page 549
قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ إِلَّا قَوۡلَ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسۡتَغۡفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمۡلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۖ رَّبَّنَا عَلَيۡكَ تَوَكَّلۡنَا وَإِلَيۡكَ أَنَبۡنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٤
There has already been for you an excellent pattern1 in Abraham and those with him, when they said to their people, "Indeed, we are disassociated from you and from whatever you worship other than Allāh. We have denied you, and there has appeared between us and you animosity and hatred forever until you believe in Allāh alone" - except for the saying of Abraham to his father, "I will surely ask forgiveness for you, but I have not [power to do] for you anything against Allāh. Our Lord, upon You we have relied, and to You we have returned, and to You is the destination.
(p-٨٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنا بِكم وبَدا بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ العَداوَةُ والبَغْضاءُ أبَدًا حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ .
الأُسْوَةُ كالقُدْوَةِ، وهي اتِّباعُ الغَيْرِ عَلى الحالَةِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها حَسَنَةٍ أوْ قَبِيحَةٍ، ولِذا قالَ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وهُنا أيْضًا: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: ٤] .
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى هَذا التَّأسِّي المَطْلُوبَ، وذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ.
فالتَّأسِّي هُنا في ثَلاثَةِ أُمُورٍ:
أوَّلًا: التَّبَرُّؤُ مِنهم ومِمّا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ.
ثانِيًا: الكُفْرُ بِهِمْ.
ثالِثًا: إبْداءُ العَداوَةِ والبَغْضاءِ وإعْلانُها وإظْهارُها أبَدًا إلى الغايَةِ المَذْكُورَةِ حَتّى يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ، وهَذا غايَةٌ في القَطِيعَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ قَوْمِهِمْ، وزِيادَةٌ عَلَيْها إبْداءُ العَداوَةِ والبَغْضاءِ أبَدًا، والسَّبَبُ في ذَلِكَ هو الكُفْرُ، فَإذا آمَنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ انْتَفى كُلُّ ذَلِكَ بَيْنَهم.
وَهُنا سُؤالٌ، هو مَوْضِعُ الأُسْوَةِ ﴿إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ﴾ بِدَلِيلِ العَطْفِ بَيْنَهُما.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ﴾ فَقائِلُ القَوْلِ لِقَوْمِهِمْ إبْراهِيمُ والَّذِينَ مَعَ إبْراهِيمَ، وهَذا مَحَلُّ التَّأسِّي بِهِمْ فِيما قالُوهُ لِقَوْمِهِمْ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾، فَهَذا القَوْلُ مِن إبْراهِيمَ لَيْسَ مَوْضِعَ التَّأسِّي، ومَوْضِعُ التَّأسِّي المَطْلُوبِ في إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هو ما قالَهُ مَعَ قَوْمِهِ المُتَقَدِّمِ جُمْلَةً، وما فَصَّلَهُ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] وهَذا التَّبَرُّؤُ جَعَلَهُ باقِيًا في عَقِبِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨] .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا قَوْلَ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ الآيَةَ، لَمْ يُبَيِّنْ هُنا سَبَبَ هَذا (p-٨٦)الِاسْتِثْناءِ وهَلْ هو خاصٌّ بِإبْراهِيمَ لِأبِيهِ، أمْ لِماذا ؟
وَقَدْ بَيَّنَهُ تَعالى في مَوْضِعٍ آخَرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ إنَّ إبْراهِيمَ لَأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]، تِلْكَ المَوْعِدَةُ الَّتِي كانَتْ لَهُ عَلَيْهِ في بادِئِ دَعْوَتِهِ حِينَما قالَ لَهُ أبُوهُ: ﴿أراغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِي ياإبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٦ - ٤٧]، فَكانَ قَدْ وعَدَهُ ووَفّى بِعَهْدِهِ، فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ، فَكانَ مَحَلُّ التَّأسِّي في إبْراهِيمَ في هَذا التَّبَرُّؤِ مِن أبِيهِ، لَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ.
وَقَدْ جاءَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّها قَضِيَّةٌ عامَّةٌ ولَيْسَتْ خاصَّةً في إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّهم أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]، وفي هَذِهِ الآيَةِ وما قَبْلَها أقْوى دَلِيلٍ عَلى أنَّ دِينَ الإسْلامِ لَيْسَتْ فِيهِ تَبَعِيَّةُ أحَدٍ لِأحَدٍ، بَلْ كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ، ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى، وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى.
وَمِن عَجَبٍ أنْ يَأْتِيَ نَظِيرَ مَوْقِفِ إبْراهِيمَ مِن أبِيهِ مَواقِفُ مُماثِلَةٌ في أُمَمٍ مُتَعَدِّدَةٍ، مِنها مَوْقِفُ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِنِ ابْنِهِ لَمّا قالَ: ﴿رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ [هود: ٤٥]، فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أمْرُهُ أيْضًا مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يانُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ الآيَةَ [هود: ٤٧]، فَكانَ مَوْقِفُ نُوحٍ مِن ولَدِهِ كَمَوْقِفِ إبْراهِيمَ مِن أبِيهِ.
وَمِنها: مَوْقِفُ نُوحٍ ولُوطٍ مِن أزْواجِهِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأةَ نُوحٍ وامْرَأةَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ الآيَةَ [التحريم: ١٠] .
وَمِنها: مَوْقِفُ زَوْجَةِ فِرْعَوْنَ مِن فِرْعَوْنَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأةَ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١]، فَتَبَرَّأتِ الزَّوْجَةُ مِن زَوْجِها، وهَذا التَّأسِّي قَدْ بَيَّنَ تَمامَ البَيانِ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أوْلادُكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣] أيْ: ولا آباؤُكم، ولا أحَدٌ مِن أقْرِبائِكم، يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكم، وقَوْلُ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ: ﴿وَما أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ (p-٨٧)بَيَّنَهُ ما قَدَّمْنا مِن أنَّ الإسْلامَ لَيْسَ فِيهِ تَبَعِيَّةٌ، وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى، وكُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا والأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الإنفطار: ١٩] .
وَقَدْ سَمِعْتُ مِنَ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - مُحاضَرَةً في كَنُو بِنَيْجِيرْيا في مُجْتَمَعٍ فِيهِ مَن يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ الأشْخاصِ في اعْتِقاداتِهِمْ، فَعَرَضَ هَذا المَوْضُوعَ، وبَيَّنَ عَدَمَ اسْتِطاعَةِ أحَدٍ نَفْعَ أحَدٍ فَكانَ لَها وقْعٌ عَظِيمُ الأثَرِ في النُّفُوسِ، ولَعَلَّ اللَّهَ يُيَسِّرُ طَبْعَها مَعَ طَبْعِ جَمِيعِ مُحاضَراتِهِ في تِلْكَ الرِّحْلَةِ المَيْمُونَةِ.
* *
مَسْألَةٌ
جَعَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ هَذِهِ الآيَةَ دَلِيلًا عَلى أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا بِدَلِيلِ التَّأسِّي بِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والَّذِينَ مَعَهُ، وتَحْقِيقُ هَذِهِ المَسْألَةِ في كُتُبِ الأُصُولِ، وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ دالَّةً في الجُمْلَةِ عَلى أنَّ شَرْعَ مَن قَبْلَنا شَرْعٌ لَنا، إلّا أنَّها لَيْسَتْ نَصًّا في مَحَلِّ النِّزاعِ.
وَقَدْ قَسَّمَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - حُكْمَ المَسْألَةِ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ:
قِسْمٌ هو شَرْعٌ لَنا قَطْعًا، وهو ما جاءَ في شَرْعِنا أنَّهُ شَرْعٌ لَنا كَآيَةِ الرَّجْمِ، وكَهَذِهِ الآيَةِ في العَداوَةِ والمُوالاةِ، وإمّا لَيْسَ بِشَرْعٍ لَنا قَطْعًا كَتَحْرِيمِ العَمَلِ يَوْمَ السَّبْتِ، وتَحْرِيمِ بَعْضِ الشُّحُومِ، إلَخْ.
وَقِسْمٌ ثالِثٌ: وهو مَحَلُّ النِّزاعِ، وهو ما ذُكِرَ لَنا في القُرْآنِ، ولَمْ نُؤْمَرْ بِهِ ولَمْ نَنْهَ عَنْهُ.
فالجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ شَرْعٌ لَنا لِذِكْرِهِ لَنا، لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ شَرْعًا لَنا لَما كانَ لِذِكْرِهِ لَنا فائِدَةٌ، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ وما وصَّيْنا بِهِ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى أنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، وبِهَذِهِ الآيَةِ أيْضًا، والشّافِعِيُّ يُعارِضُ في هَذا القِسْمِ ويَقُولُ: الآيَةُ في العَقائِدِ لا في الفُرُوعِ، ويَسْتَدِلُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، وعَلى هَذا التَّقْسِيمِ (p-٨٨)المَذْكُورِ، فالآيَةُ لَيْسَتْ نَصًّا في مَحَلِّ النِّزاعِ؛ لِأنَّنا أُمِرْنا بِالتَّأسِّي بِهِ في مُعَيَّنٍ جاءَ في شَرْعِنا الأمْرُ بِهِ في أوَّلِ السُّورَةِ.
تَنْبِيهٌ
يَظْهَرُ لِي في هَذِهِ المَسْألَةِ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ أنَّ الخِلافَ بَيْنَ الشّافِعِيِّ، والجُمْهُورِ يَكادُ يَكُونُ شَكْلِيًّا، وكُلٌّ مَحْجُوجٌ بِما حَجَّ بِهِ الآخَرَ، وذَلِكَ كالآتِي:
أوَّلًا: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾، يَدُلُّ عَلى وُجُودِ شِرْعَةٍ وعَلى وُجُودِ مِنهاجٍ، فَإذا جِئْنا لِاسْتِدْلالِ الجُمْهُورِ: ﴿شَرَعَ لَكم مِنَ الدِّينِ ما وصّى بِهِ نُوحًا﴾، لَمْ نَجِدْ فِيهِ ذِكْرَ المِنهاجِ، ونَجِدْ واقِعَ التَّشْرِيعِ، أنَّ مِنهاجَ ما شَرَعَ لَنا يُغايِرُ مِنهاجَ ما شَرَعَ لِمَن قَبْلَنا كَما في مَشْرُوعِيَّةِ الصِّيامِ قالَ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وهَذا يَتَّفِقُ في أصْلِ الشِّرْعَةِ، ولَكِنْ جاءَ ما يُبَيِّنُ الِاخْتِلافَ في المِنهاجِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ كانَ مُحَرَّمًا، وهو ضِمْنُ مِنهاجِ مَن قَبْلَنا وشِرْعَتِهِمْ فاتَّفَقْنا مَعَهم في الشِّرْعَةِ، واخْتَلَفَ مَنهَجُنا عَنْ مَنهَجِهِمْ بِإحْلالِ ما كانَ مِنهُ حَرامًا، وهَذا مُلْزِمٌ لِلْجُمْهُورِ، وهَكَذا بَقِيَّةُ أرْكانِ الإسْلامِ في الصَّلاةِ فَهي مَشْرُوعَةٌ لِلْجَمِيعِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧]
• وقَوْلِهِ عَنْ عِيسى: ﴿وَأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١]،
وغَيْرِ ذَلِكَ.
وَفِي الحَجِّ: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقَوْلُهُ: ﴿وَأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا﴾ الآيَةَ [الحج: ٢٧]، فَجَمِيعُ الأرْكانِ، وهي فُرُوعٌ لا عَقائِدُ مَشْرُوعَةٌ في جَمِيعِ الأدْيانِ عَلى جَمِيعِ الأُمَمِ، فاشْتَرَكْنا مَعَهم في المَشْرُوعِيَّةِ، ولَكِنْ هَلْ كانَتْ كُلُّها كَمَنهَجِها عِنْدَنا في أوْقاتِها وأعْدادِها وكَيْفِيّاتِها، لَقَدْ وجَدْنا المُغايَرَةَ في الصَّوْمِ واضِحَةً، وهَكَذا في غَيْرِها، فالشِّرْعَةُ عامَّةٌ لِلْجَمِيعِ والمِنهاجُ خاصٌّ كَما يَقُولُ الشّافِعِيُّ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
60:5Page 549
رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱغۡفِرۡ لَنَا رَبَّنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٥
Our Lord, make us not [objects of] torment for the disbelievers and forgive us, our Lord. Indeed, it is You who is the Exalted in Might, the Wise."
No commentary for this ayah
60:6Page 550
لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِيهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ ٦
There has certainly been for you in them an excellent pattern for anyone whose hope is in Allāh and the Last Day. And whoever turns away - then indeed, Allāh is the Free of need, the Praiseworthy.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ ومَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغِنَيُّ الحَمِيدُ﴾ .
(p-٨٩)إعادَةُ هَذِهِ الآيَةِ تَأْكِيدٌ عَلى مَعْنى الآيَةِ الأُولى.
وَقَوْلُهُ: ﴿لِمَن كانَ يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ﴾ يُفَسِّرُهُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي وابْتِغاءَ مَرْضاتِي﴾ [الممتحنة: ١]؛ لِأنَّها تُساوِيها في الماصَدَقَ، وهُنا جاءَ بِهَذا اللَّفْظِ لِيَدُلَّ عَلى العُمُومِ، وتَكُونَ قَضِيَّةً عامَّةً فِيما بَعْدُ لِكُلِّ مَن يَرْجُو اللَّهَ واليَوْمَ الآخِرَ، أنْ يَتَأسّى بِإبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - والَّذِينَ مَعَهُ في مَوْقِفِهِمِ المُتَقَدِّمِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ فَإنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾، التَّوَلِّي هُنا الإعْراضُ عَنْ أوامِرِ اللَّهِ عُمُومًا.
وَهُنا يَحْتَمِلُ تَوَلِّي الكُفّارِ ومُوالاتَهم، فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهُ حَمِيدٌ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كَمُلَ في غِناهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ [التغابن: ٦] .
وَقَدْ جاءَ بَيانُ اسْتِغْناءِ اللَّهِ عَنْ طاعَةِ الطّائِعِينَ عُمُومًا وخُصُوصًا فَجاءَ في خُصُوصِ الحِجِّ: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا ومَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] .
وَجاءَ في العُمُومِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨]؛ لِأنَّ أعْمالَ العِبادِ لِأنْفُسِهِمْ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦] .
وَكَما في الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: «لَوْ أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم، وإنْسَكم وجِنَّكم كانُوا عَلى أتْقى قَلْبِ رَجُلٍ مِنكم ما زادَ ذَلِكَ في مُلْكِي شَيْئًا» .
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى غِناهُ المُطْلَقَ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ﴾ [لقمان: ٢٦] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences