Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
الصف
As-Saf
The Ranks · Medinan · 14 ayahs
61:1Page 551
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١
Whatever is in the heavens and whatever is on the earth exalts Allāh,1 and He is the Exalted in Might, the Wise.
No commentary for this ayah
61:2Page 551
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفۡعَلُونَ ٢
O you who have believed, why do you say what you do not do?
(p-١٠٤)﷽
سُورَةُ الصَّفِّ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ (٢) ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ (٣) ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (٤) .
فِي الآيَةِ الأُولى إنْكارٌ عَلى الَّذِينَ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ، وفي الآيَةِ الثّانِيَةِ بَيانُ شِدَّةِ غَضَبِ اللَّهِ ومَقْتِهِ عَلى مَن يَكُونُ كَذَلِكَ، ولَكِنْ لَمْ يُبَيِّنْ هُنا القَوْلَ المُغايِرَ لِلْفِعْلِ المَنهِيِّ عَنْهُ، والمُعاتَبِينَ عَلَيْهِ والمُسْتَوْجِبَ لِشِدَّةِ الغَضَبِ إلّا أنَّ مَجِيءَ الآيَةِ الثّالِثَةِ بَعْدَهُما يُشْعِرُ بِمَوْضُوعِ القَوْلِ والفِعْلِ، وهو الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ.
وَقَدِ اتَّفَقَتْ كَلِمَةُ عُلَماءِ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ مَعَ تَعَدُّدِهِ عِنْدَهم أنَّهُ حَوْلَ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ مِن رَغْبَةٍ في الإذْنِ لَهم في الجِهادِ ومَعْرِفَةِ أحَبِّ الأعْمالِ إلى اللَّهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ.
وَقَدْ بَيَّنَ القُرْآنُ في عِدَّةِ مَواضِعَ أنَّ مَوْضُوعَ الآيَتَيْنِ الأُولى والثّانِيَةِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالجِهادِ وتَمَنِّيهِمْ إيّاهُ.
مِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى عَنْهم: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وذُكِرَ فِيها القِتالُ رَأيْتَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ نَظَرَ المَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ﴾ [محمد: ٢٠] .
وَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ٧٧] .
وَمِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ (p-١٠٥)[الأحزاب: ١٥] .
فَفِي الآيَةِ الأُولى: تَمَنَّوْا نُزُولَ سُورَةٍ يُؤْذَنُ فِيها بِالقِتالِ، فَلَمّا نَزَلَتْ صارَ مَرْضى القُلُوبِ كالمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ المَوْتِ.
وَفِي الثّانِيَةِ: قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم عَنِ القِتالِ، فَتَمَنَّوُا الإذْنَ لَهم فِيهِ، فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ رَجَعُوا وتَمَنَّوْا لَوْ أُخْرِجُوا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ.
وَفِي الثّالِثَةِ: أعْطَوُا العُهُودَ عَلى الثَّباتِ وعَدَمِ التَّوَلِّي، وكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا، فَلَمّا كانَ في أُحُدٍ وقَعَ ما وقَعَ وكَذَلِكَ في حُنَيْنٍ، ويَشْهَدُ لِهَذا أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم ياأهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لَآتَوْها وما تَلَبَّثُوا بِها إلّا يَسِيرًا﴾ ﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأدْبارَ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ١٣ - ١٥] .
فَفِي هَذا السِّياقِ بَيانٌ لِعِتابِهِمْ عَلى نَقْضِ العَهْدِ، وهو مَعْنى: لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ سَواءٌ بِسَواءٍ، ويُقابِلُ هَذا أنَّ اللَّهَ تَعالى امْتَدَحَ طائِفَةً أُخْرى مِنهم حِينَ أوْفَوْا بِالعَهْدِ، وصَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] .
ثُمَّ بَيَّنَ الفَرْقَ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ بِقَوْلِهِ بَعْدَها: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٢٤ - ٢٥]، وذَلِكَ في غَزْوَةِ الأحْزابِ.
فَتَبَيَّنَ بِهَذا أنَّ الفِعْلَ المُغايِرَ لِلْقَوْلِ هُنا هو عَدَمُ الوَفاءِ بِالعَهْدِ الَّذِي قَطَعُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِن قَبْلُ فاسْتَوْجَبُوا العِتابَ عَلَيْهِ، كَما تَبَيَّنَ أنَّ الَّذِينَ وفَّوْا بِالعَهْدِ اسْتَوْجَبُوا الثَّناءَ عَلى الوَفاءِ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ مِن عُمُومِ لَفْظِها عَلى الإنْكارِ عَلى كُلِّ مَن خالَفَ قَوْلَهُ فِعْلُهُ، سَواءٌ في عَهْدٍ أوْ وعْدٍ أوْ أمْرٍ أوْ نَهْيٍ.
فَفِي الأمْرِ والنَّهْيِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] .
وَكَقَوْلِهِ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ شُعَيْبٍ لِقَوْمِهِ: ﴿وَما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] .
(p-١٠٦)وَفِي العَهْدِ قَوْلُهُ: ﴿وَأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] .
وَمِن هَذا الوَجْهِ، فَقَدْ بَحَثَها الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - في عِدَّةِ مَواضِعَ، مِنها في سُورَةِ هُودٍ عِنْدَ قَوْلِ شُعَيْبٍ المَذْكُورِ.
وَمِنها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ إسْماعِيلَ إنَّهُ كانَ صادِقَ الوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]، في سُورَةِ ”مَرْيَمَ“ .
وَبَحَثَ فِيها الوَفاءَ بِالوَعْدِ، والفَرْقَ بَيْنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ، والوَفاءِ بِالوَعْدِ والخُلْفِ في الوَعِيدِ، وعَقَدَ لَها مَسْألَةً، وساقَ آيَتِيِ ”الصَّفِّ“ هُناكَ.
61:3Page 551
كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفۡعَلُونَ ٣
Greatly hateful in the sight of Allāh is that you say what you do not do.
No commentary for this ayah
61:4Page 551
إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ ٤
Indeed, Allāh loves those who fight in His cause in a row as though they are a [single] structure joined firmly.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِهِ صَفًّا كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] .
اخْتَلَفَ عُلَماءُ التَّفْسِيرِ في المُرادِ بِالبُنْيانِ المَرْصُوصِ، فَنَقَلَ بَعْضُهم عَنِ الفَرّاءِ: أنَّهُ المُتَلاحِمُ بِالرَّصاصِ لِشِدَّةِ قُوَّتِهِ، والجُمْهُورُ: أنَّهُ المُتَلاصِقُ المُتَراصُّ المُتَساوِي.
والواقِعُ أنَّ المُرادَ بِالتَّشْبِيهِ هُنا هو وجْهُ الشَّبَهِ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ هُنا هو شَكْلُ البِناءِ لا في تَلاحُمِهِ بِالرَّصاصِ، وعَدَمِ انْفِكاكِهِ ولا تَساوِيهِ وتَراصِّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يَتَنافى وطَبِيعَةَ الكَرِّ والفَرِّ في أرْضِ المَعْرَكَةِ، ولِكُلِّ وقْعَةٍ نِظامُها حَسَبَ مَوْقِعِها.
والَّذِي يَظْهَرُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّ وجْهَ الشَّبَهِ المُرادَ هُنا هو عُمُومُ القُوَّةِ والوَحْدَةِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ اسْتِواءَ بِنائِهِمْ في الثَّباتِ حَتّى يَكُونُوا في اجْتِماعِ الكَلِمَةِ كالبُنْيانِ المَرْصُوصِ. ا هـ.
وَيَدُلُّ لِهَذا الآتِي:
أوَّلًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٢١] .
فالمَقاعِدُ هُنا هي المَواقِعُ لِلْجَماعاتِ مِنَ الجَيْشِ، وهي التَّعْبِئَةُ حَسَبَ ظُرُوفِ المَوْقِعَةِ، كَما فَعَلَ ﷺ في وضْعِ الرُّماةِ في غَزْوَةِ أُحُدٍ حِمايَةً لِظُهُورِهِمْ مِنَ التِفافِ العَدُوِّ بِهِمْ (p-١٠٧)لِطَبِيعَةِ المَكانِ، وكَما فَعَلَ في غَزْوَةِ بَدْرٍ ورَصَّهم، وسَوّاهم بِقَضِيبٍ في يَدِهِ أيْضًا لِطَبِيعَةِ المَكانِ.
وَهَكَذا، فَلابُدَّ في كُلِّ وقْعَةٍ مِن مُراعاةِ مَوْقِعِها، بَلْ وظُرُوفِ السِّلاحِ والمُقاتِلَةِ.
وَقَدْ ذَكَرَ صاحِبُ الجُمّانِ في تَشْبِيهاتِ القُرْآنِ أجْزاءَ الجَيْشِ وتَقْسِيماتِهِ بِصِفَةٍ عامَّةٍ مِن قَلْبٍ ومَيْمَنَةٍ ومَيْسَرَةٍ وأجْنِحَةٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ فَيَكُونُ وجْهُ الشَّبَهِ هو الِارْتِباطَ المَعْنَوِيَّ والشُّعُورَ بِالمَسْئُولِيَّةِ، والإحْساسَ بِالواجِبِ كَما فَعَلَ الحَبّابُ بْنُ المُنْذِرِ في غَزْوَةِ بَدْرٍ حِينَ نَظَرَ إلى مَنزِلِ المُسْلِمِينَ مِنَ المَوْقِعِ فَلَمْ يَرُقْهُ، وسَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأجابَهُ فَأبْدى خُطَّةً جَدِيدَةً فَأخَذَ بِها ﷺ وغَيَّرَ المَوْقِعَ مِن مَكانِ المَعْرَكَةِ.
وَثانِيًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثْبُتُوا واذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ ولا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكم واصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٦] .
فَذَكَرَ تَعالى مِن عَوامِلِ النَّصْرِ: الثَّباتَ عِنْدَ اللِّقاءِ، وذِكْرَ اللَّهِ والطّاعَةَ، والِامْتِثالَ، والحِفاظَ عَلَيْها بِعَدَمِ التَّنازُعِ والصَّبْرَ عِنْدَ الحَمْلَةِ والمُجالَدَةَ، فَتَكُونُ حَمْلَةَ رَجُلٍ واحِدٍ، وكُلُّها داخِلَةٌ تَحْتَ مَعْنى البُنْيانِ المَرْصُوصِ في قُوَّتِهِ وحِمايَتِهِ وثَباتِهِ، وقَدْ عابَ تَعالى عَلى اليَهُودِ تَشَتُّتَ قُلُوبِهِمْ عِنْدَ القِتالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَحْسَبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى﴾ [الحشر: ١٤]، وامْتَدَحَ المُؤْمِنِينَ في قِتالِهِمْ بِوَحْدَتِهِمْ كَأنَّهم بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ.
وَقَدْ جاءَتِ السُّنَةُ بِهَذا التَّشْبِيهِ لِلتَّعاوُنِ في قَوْلِهِ ﷺ: «المُسْلِمُ لِلْمُسْلِمِ كالبُنْيانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» .
فَهُوَ يُبَيِّنُ المُرادَ مِن وجْهِ الشَّبَهِ في البُنْيانِ المَرْصُوصِ هُنا، وقَدْ أُثِرَ عَنْ أبِي مُوسى - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَوْلُهُ لِأصْحابِهِ: الزَمُوا الطّاعَةَ؛ فَإنَّها حِصْنُ المُحارِبِ.
وَعَنْ أكْثَمَ بْنِ صَيْفِيٍّ: أقِلُّوا الخِلافَ عَلى أُمَرائِكم، وإنَّ المُسْلِمِينَ اليَوْمَ لَأحْوَجُ ما يَكُونُونَ إلى الِالتِزامِ بِهَذا التَّوْجِيهِ القُرْآنِيِّ الكَرِيمِ، إزاءَ قَضِيَّتِهِمِ العامَّةِ مَعَ عَدُوِّهِمِ المُشْتَرِكِ، ولا سِيَّما، وقَدْ مَرَّ العالَمُ الإسْلامِيُّ بِعِدَّةِ تَجارِبَ في تارِيخِهِمُ الطَّوِيلِ وكانَ لَهم مِنها أوْضَحُ العِبَرِ، ولَهم في هَذا المَنهَجِ القُرْآنِيِّ أكْبَرُ مُوجِبٍ لِاسْتِرْجاعِ حُقُوقِهِمْ والحِفاظِ عَلى كِيانِهِمْ، فَضْلًا عَنْ أنَّهُ العَمَلُ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ مِن عِبادِهِ، وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ.
61:5Page 551
وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ لِمَ تُؤۡذُونَنِي وَقَد تَّعۡلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡۖ فَلَمَّا زَاغُوٓاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٥
And [mention, O Muḥammad], when Moses said to his people, "O my people, why do you harm me while you certainly know that I am the messenger of Allāh to you?" And when they deviated, Allāh caused their hearts to deviate. And Allāh does not guide the defiantly disobedient people.
(p-١٠٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ ياقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ .
قَوْلُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: لِمَ تُؤْذُونَنِي ؟ لَمْ يُبَيِّنْ نَوْعَ هَذا الإيذاءِ وقَدْ جاءَ مِثْلُ هَذا الإجْمالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ [الأحزاب: ٦٩] .
وَأحالَ عَلَيْهِ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ، وساقَ حَدِيثَ البُخارِيِّ أنَّهُ ﷺ قالَ: «إنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ حَيِيًّا سِتِّيرًا لا يَرى مِن جِلْدِهِ شَيْئًا اسْتِحْياءً مِنهُ فَآذاهُ مَن آذاهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالُوا: ما يَتَسَتَّرُ هَذا التَّسَتُّرَ إلّا مِن عَيْبٍ في جِلْدِهِ، إمّا بَرَصٌ وإمّا أُدْرَةٌ وإمّا آفَةٌ، وأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أرادَ أنْ يُبَرِّئَهُ مِمّا قالُوا فَخَلا يَوْمًا وحْدَهُ فَخَلَعَ ثِيابَهُ عَلى حَجَرٍ، ثُمَّ اغْتَسَلَ فَلَمّا فَرَغَ أقْبَلَ عَلى ثِيابِهِ؛ لِيَأْخُذَها، وأنَّ الحَجَرَ عَدا بِثَوْبِهِ، فَأخَذَ مُوسى عَصاهُ وطَلَبَ الحَجَرَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: ثُوبِي حَجَرُ حَتّى انْتَهى إلى مَلَأٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَرَأوْهُ عُرْيانًا أحْسَنَ ما خَلَقَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - وبَرَّأهُ مِمّا يَقُولُونَ» . . . . إلى آخِرِ القِصَّةِ.
وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ عِنْدَها، وعَلى هَذا يَكُونُ إيذاؤُهم إيّاهُ إيذاءً شَخْصِيًّا بِادِّعاءِ العَيْبِ فِيهِ خِلْقَةً، وهَذا وإنْ صَحَّ في آيَةِ الأحْزابِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ [الأحزاب: ٦٩]، فَإنَّهُ لا يَصِحُّ في آيَةِ ”الصَّفِّ“ هَذِهِ لِأنَّ قَوْلَهُ لَهم: ﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ﴾ [الصف: ٥] مِمّا يُثِيرُ إلى أنَّ الإيذاءَ في جانِبِ الرِّسالَةِ لا في جانِبِهِ الشَّخْصِيِّ، ويُرَشِّحُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَهُ مُباشَرَةً: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] .
أيْ: فَلَمّا زاغُوا بِما آذَوْا بِهِ مُوسى، فَيَكُونُ إيذاءَ قَوْمِهِ لَهُ هُنا إيذاءَ زَيْغٍ وضَلالٍ، وقَدْ آذَوْهُ كَثِيرًا في ذَلِكَ كَما بَيَّنَهُ تَعالى في قَوْلِهِ عَنْهم: ﴿وَإذْ قُلْتُمْ يامُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا قالُوا سَمِعْنا وعَصَيْنا وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٣] .
فَها هم يُؤْخَذُ المِيثاقُ عَلَيْهِمْ ويُرْفَعُ فَوْقَهُمُ الطُّورُ، ويُقالُ لَهم: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واسْمَعُوا﴾ (p-١٠٩)فَكُلُّهُ يُساوِي قَوْلَهُ: ﴿وَقَدْ تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ﴾، لِأنَّ قَدْ هُنا لِلتَّحْقِيقِ، ومَعَ ذَلِكَ يُؤْذُونَهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾، ويُؤْذُونَهُ بِأنْ أُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمْ حُبَّ العِجْلِ وعِبادَتَهُ بِكُفْرِهِمْ، ولِذا قالَ لَهم: ﴿بِئْسَما يَأْمُرُكم بِهِ إيمانُكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
وَقَدْ جُمِعَ إيذاءُ الكُفّارِ لِرَسُولِ اللَّهِ مَعَ إيذاءِ قَوْمِ مُوسى لِمُوسى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَألُوا مُوسى أكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٥٣] .
وَمِن مَجْمُوعِ هَذا يَتَبَيَّنُ أنَّ الإيذاءَ المَنصُوصَ عَلَيْهِ هُنا هو في خُصُوصِ الرِّسالَةِ، ولا مانِعَ مِن أنَّهم آذَوْهُ بِأنْواعٍ مِنَ الإيذاءِ في شَخْصِهِ، وفي ما جاءَ بِهِ ﴿فَبَرَّأهُ اللَّهُ مِمّا قالُوا﴾ في آيَةِ ”الأحْزابِ“ وعاقَبَهم عَلى إيذائِهِ فِيما أُرْسِلَ بِهِ إلَيْهِمْ بِزَيْغِ قُلُوبِهِمْ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، تَقَدَّمَ كَلامُ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - عَلى هَذا المَعْنى في سُورَةِ ”الرُّومِ“، عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساءُوا السُّوءى أنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الروم: ١٠] .
وَقالَ: إنَّ الكُفْرَ والتَّكْذِيبَ قَدْ يُؤَدِّي شُؤْمُهُ إلى شَقاءِ صاحِبِهِ، وساقَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾
وَقَوْلَهُ: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ [البقرة: ١٠] .
وَأحالَ عَلى سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥] .
وَعَلى سُورَةِ ”الأعْرافِ“ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الكافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠١] .
وَمِمّا يَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى العامِّ بِقِياسِ العَكْسِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى وآتاهم تَقْواهُمْ﴾ [محمد: ١٧]، وأمْثالُها.
وَمِمّا يَلْفِتُ النَّظَرَ هُنا إسْنادُ الزَّيْغِ لِلْقُلُوبِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ .
(p-١١٠)وَأنَّ الهِدايَةَ أيْضًا لِلْقَلْبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: ١١] .
وَلِذا حَرَصَ المُؤْمِنُونَ عَلى هَذا الدُّعاءِ: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ [آل عمران: ٨] فَتَضَّمَنَ المَعْنَيَيْنِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٤١٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الصَّفِّ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ بِظاهِرِها عَلى أنَّ الخارِجَ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ لا يَهْدِيهِ اللَّهُ.
وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٣٨] .
وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٩٤] .
والجَوابُ أنَّ الآيَةَ مِنَ العامِّ المَخْصُوصِ، فَهي في خُصُوصِ الأشْقِياءِ الَّذِينَ أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهم عَنِ الهُدى لِشَقاوَتِهِمُ الأزَلِيَّةِ.
وَقِيلَ: المَعْنى لا يَهْدِيهِمْ ما دامُوا عَلى فِسْقِهِمْ، فَإنْ تابُوا مِنهُ هَداهم.
61:6Page 552
وَإِذۡ قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُم مُّصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولٖ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِي ٱسۡمُهُۥٓ أَحۡمَدُۖ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٦
And [mention] when Jesus, the son of Mary, said, "O Children of Israel, indeed I am the messenger of Allāh to you confirming what came before me of the Torah and bringing good tidings of a messenger to come after me, whose name is Aḥmad."1 But when he came to them with clear evidences, they said, "This is obvious magic."2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إسْرائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ﴾ .
ذَكَرَ مُوسى ولَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ البُشْرى بِالنَّبِيِّ ﷺ وذَكَرَ عِيسى فَذَكَرَها مَعَهُ، مِمّا يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ أنَّهُ لَمْ يُبَشِّرْ بِهِ إلّا عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَكِنْ لَفْظُ عِيسى مَفْهُومُ لَقَبٍ ولا عَمَلَ عَلَيْهِ عِنْدَ الأُصُولِيِّينَ، وقَدْ بَشَّرَتْ بِهِ ﷺ جَمِيعُ الأنْبِياءِ، ومِنهم مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومِمّا يُشِيرُ إلى أنَّ مُوسى مُبَشِّرًا بِهِ قَوْلُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ﴾، والَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ هي التَّوْراةُ أُنْزِلَتْ عَلى مُوسى.
وَقَدْ جاءَ صَرِيحًا التَّعْرِيفُ بِهِ ﷺ وبِالَّذِينَ مَعَهُ في التَّوْراةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ والَّذِينَ مَعَهُ أشِدّاءُ عَلى الكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهم تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهم في التَّوْراةِ﴾ [الفتح: ٢٩] .
كَما جاءَ وصْفُهم في الإنْجِيلِ في نَفْسِ السِّياقِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩] إلى آخِرِ السُّورَةِ.
وَجاءَ النَّصُّ في حَقِّ جَمِيعِ الأنْبِياءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا أخَذَ عَلَيْهِ العَهْدَ لَئِنْ بُعِثَ وهو حَيٌّ لَيَتْبَعَنَّهُ، وأخَذَ عَلَيْهِ أنْ يَأْخُذَ عَلى أُمَّتِهِ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وهم أحْياءٌ لَيَتْبَعُنَّهُ ويَنْصُرُنَّهُ. ا هـ.
وَجاءَ مِصْداقُ ذَلِكَ في قِصَّةِ النَّجاشِيِّ لَمّا سَمِعَ مِن جَعْفَرَ عَنْهُ ﷺ فَقالَ: أشْهَدُ أنَّهُ رَسُولَ اللَّهِ وأنَّهُ الَّذِي نَجِدُ في الإنْجِيلِ، وأنَّهُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ، وما قالَهُ أيْضًا: (p-١١١)واللَّهِ لَوْلا ما أنا فِيهِ مِنَ المُلْكِ لَأتَيْتُهُ حَتّى أكُونَ أنا أحْمِلُ نَعْلَيْهِ وأُوَضِّئُهُ، في حَدِيثٍ طَوِيلٍ ساقَهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وعَزاهُ إلى أحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَكَذَلِكَ دَعْوَةُ نَبِيِّ اللَّهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ وعَلى نَبِيِّنا الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] .
وَلِذا قالَ ﷺ: «أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ، وبُشْرى عِيسى، ورُؤْيا أُمِّي الَّتِي رَأتْ» .
وَقَدْ خُصَّ عِيسى بِالنَّصِّ عَلى البُشْرى بِهِ ﷺ؛ لِأنَّهُ آخِرُ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَهو ناقِلٌ تِلْكَ البُشْرى لِقَوْمِهِ عَمّا قَبْلَهُ.
كَما قالَ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾، ومَن قَبْلَهُ ناقِلٌ عَمَّنْ قَبْلَهُ، وهَكَذا حَتّى صَرَّحَ بِها عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأدّاها إلى قَوْمِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْمُهُ أحْمَدُ﴾، جاءَ النَّصُّ أنَّهُ ﷺ لَهُ عِدَّةُ أسْماءٍ، وفي الصَّحِيحِ قَوْلُهُ ﷺ: «”أنا لِي أسْماءٌ أنا مُحَمَّدٌ، وأنا أحْمَدُ، وأنا الماحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الكُفْرَ، وأنا الحاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النّاسُ عَلى قَدَمِي وأنا العاقِبُ»“ .
وَبِهَذِهِ المُناسَبَةِ فَقَدْ ذُكِرَ ﷺ بِاسْمِهِ أحْمَدَ هُنا، وبِاسْمِهِ مُحَمَّدٍ في سُورَةِ ”مُحَمَّدٍ“ ﷺ .
كَما ذُكِرَ ﷺ بِصِفاتٍ عَدِيدَةٍ أجْمَعِها ما يُعَدُّ تَرْجَمَةً ذاتِيَّةً مِنَ اللَّهِ تَعالى لِرَسُولِهِ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] .
وَسَيَأْتِي المَزِيدُ مِن بَيانِ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
61:7Page 552
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُوَ يُدۡعَىٰٓ إِلَى ٱلۡإِسۡلَٰمِۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٧
And who is more unjust than one who invents about Allāh untruth while he is being invited to Islām. And Allāh does not guide the wrongdoing people.
No commentary for this ayah
61:8Page 552
يُرِيدُونَ لِيُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨
They want to extinguish the light of Allāh with their mouths, but Allāh will perfect His light, although the disbelievers dislike it.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ﴾ .
تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ١٦] في سُورَةِ ”الشُّورى“ وقَوْلِهِ: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ [الأنبياء: ١٨] في سُورَةِ ”الأنْبِياءِ“ .
61:9Page 552
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ ٩
It is He who sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion, although those who associate others with Allāh dislike it.
No commentary for this ayah
61:10Page 552
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ تِجَٰرَةٖ تُنجِيكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ١٠
O you who have believed, shall I guide you to a transaction that will save you from a painful punishment?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ .
(p-١١٢)فُسِّرَتِ التِّجارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الصف: ١١] .
التِّجارَةُ: هي التَّصَرُّفُ في رَأْسِ المالِ طَلَبًا لِلرِّبْحِ كَما قالَ تَعالى: ﴿إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقالَ تَعالى: ﴿وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾ [التوبة: ٢٤] .
والتِّجارَةُ هُنا فُسِّرَتْ بِالإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وبِذْلِ المالِ والنَّفْسِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَما هي المُعارَضَةُ المَوْجُودَةُ في تِلْكَ التِّجارَةِ الهامَّةِ، بَيَّنَها تَعالى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]، فَهُنا مُبايَعَةٌ، وهُنا بُشْرى وهُنا فَوْزٌ عَظِيمٌ.
وَكَذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم ويُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾ [الصف: ١٢ - ١٣] .
وَقَدْ دَلَّ القُرْآنُ عَلى أنَّهُ مَن فاتَتْهُ هَذِهِ الصَّفْقَةُ الرّابِحَةُ فَهو لا مَحالَةَ خاسِرٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهم وما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٦] .
حَقِيقَةُ هَذِهِ التِّجارَةِ أنَّ رَأْسَ مالِ الإنْسانِ حَياتُهُ ومُنْتَهاهُ مَماتُهُ.
وَقَدْ قالَ ﷺ: «كُلُّ النّاسِ يَغْدُو فَبائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُها أوْ مُوبِقُها» والعَرَبُ تَعْرِفُ هَذا البَيْعَ في المُبادَلَةِ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎فَإنْ تَزْعُمِينِي كُنْتُ أجْهَلُ فِيكُمُ فَإنِّي شَرَيْتُ الحِلْمَ بَعْدَكِ بِالجَهْلِ
وَقَوْلِ الآخَرِ:
؎بَدَّلْتُ بِالجُمَّةِ رَأْسًا أزْعَرا
؎وَبِالثَّنايا الواضِحاتِ الدَّرْدَرا كَما ∗∗∗ اشْبَرى المُسْلِمُ إذْ تَنَصَّرا
فَأطْلَقَ الشِّراءَ عَلى الِاسْتِبْدالِ.
تَنْبِيهٌ
(p-١١٣)فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ تَقْدِيمُ الجِهادِ بِالمالِ عَلى الجِهادِ بِالنَّفْسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ .
وَفِي آيَةِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾، قَدَّمَ النَّفْسَ عَنِ المالِ فَقالَ: ﴿اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ﴾، وفي ذَلِكَ سِرٌّ لَطِيفٌ.
أمّا في آيَةِ ”الصَّفِّ“ فَإنَّ المَقامَ مَقامُ تَفْسِيرٍ وبَيانٍ لِمَعْنى التِّجارَةِ الرّابِحَةِ بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ.
وَحَقِيقَةُ الجِهادِ بَذْلُ الجُهْدِ والطّاقَةِ، والمالُ هو عَصَبُ الحَرْبِ وهو مَدَدُ الجَيْشِ، وهو أهَمُّ مِنَ الجِهادِ بِالسِّلاحِ، فَبِالمالِ يُشْتَرى السِّلاحُ، وقَدْ تُسْتَأْجُرُ الرِّجالُ كَما في الجُيُوشِ الحَدِيثَةِ مِنَ الفِرَقِ الأجْنَبِيَّةِ، وبِالمالِ يُجَهَّزُ الجَيْشُ، ولِذا لَمّا جاءَ الإذْنُ بِالجِهادِ أعْذَرَ اللَّهُ المَرْضى والضُّعَفاءَ، وأعْذَرَ مَعَهُمُ الفُقَراءَ الَّذِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ تَجْهِيزَ أنْفُسِهِمْ، وأعْذَرَ مَعَهُمُ الرَّسُولَ ﷺ إذْ لَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُ ما يُجَهِّزُهم بِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿وَلا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا ألّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩١ - ٩٢] .
وَكَذَلِكَ مِن جانِبٍ آخَرَ، قَدْ يُجاهِدُ بِالمالِ مَن لا يَسْتَطِيعُ بِالسِّلاحِ كالنِّساءِ والضُّعَفاءِ، كَما قالَ ﷺ: «مَن جَهَّزَ غازِيًا فَقَدْ غَزا» .
أمّا الآيَةُ الثّانِيَةُ فَهي في مَعْرِضِ الِاسْتِبْدالِ والعَرْضِ والطَّلَبِ أوْ ما يُسَمّى بِالمُساوَمَةِ، فَقَدَّمَ النَّفْسَ؛ لِأنَّها أعَزُّ ما يَمْلِكُ الحَيُّ، وجَعَلَ في مُقابِلِها الجَنَّةَ وهي أعَزُّ ما يُوهَبُ، وأحْسَنُ ما قِيلَ في ذَلِكَ:
أُثامِنُ بِالنَّفْسِ النَّفِيسَةِ رَبَّها ولَيْسَ لَها في الخَلْقِ كُلِّهِمُ ثَمَنُ بِها تُمْلَكُ الأُخْرى فَإنْ أنا بِعْتُها بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيا فَذاكَ هو الغَبَنُ لَئِنْ ذَهَبَتْ نَفْسِي بِدُنِيا أُصِيبُها لَقَدْ ذَهَبَتْ نَفْسِي وقَدْ ذَهَبَ الثَّمَنُ
فالتِّجارَةُ هُنا مُعامَلَةٌ مَعَ اللَّهِ إيمانًا بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ، وجِهادًا بِالمالِ والنَّفْسِ، والعَمَلِ في ذَلِكَ:
أُثامِنُ بِالنَّفْسِ النَّفِيسَةِ رَبَّها ولَيْسَ لَها في الخَلْقِ كُلِّهِمُ ثَمَنُ
(p-١١٤)الصّالِحِ، كَما قِيلَ أيْضًا:
؎فاعْمَلْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ المَوْتِ مُجْتَهِدًا ∗∗∗ فَإنَّما الرِّبْحُ والخُسْرانُ في العَمَلِ
وَفِي آيَةِ: إنَّ اللَّهَ اشْتَرى تَقْدِيمُ بُشْرى خَفِيَّةٍ لَطِيفَةٍ بِالنَّصْرِ لِمَن جاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ وهي تَقْدِيمُ قَوْلِهِ: فَيَقْتُلُونَ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ أيْ فَيَقْتُلُونَ عَدُوَّهم، ويُقْتَلُونَ [التوبة: ١١١] بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ، لِأنَّ التَّقْدِيمَ هُنا يُشْعِرُ بِأنَّهم يَقْتُلُونَ العَدُوَّ قَبْلَ أنْ يَقْتُلَهم ويُصِيبُونَ مِنهُ قَبْلَ أنْ يُصِيبَ مِنهم، ومِثْلُ هَذا يَكُونُ في مَوْقِفِ القُوَّةِ والنَّصْرِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
61:11Page 552
تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١١
[It is that] you believe in Allāh and His Messenger and strive in the cause of Allāh with your wealth and your lives. That is best for you, if you only knew.
No commentary for this ayah
61:12Page 552
يَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ وَيُدۡخِلۡكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٢
He will forgive for you your sins and admit you to gardens beneath which rivers flow and pleasant dwellings in gardens of perpetual residence. That is the great attainment.
No commentary for this ayah
61:13Page 552
وَأُخۡرَىٰ تُحِبُّونَهَاۖ نَصۡرٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتۡحٞ قَرِيبٞۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٣
And [you will obtain] another [favor] that you love - victory from Allāh and an imminent conquest; and give good tidings to the believers.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences