Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
المنافقون
Al-Munafiqun
The Hypocrites · Medinan · 11 ayahs
63:1Page 554
إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ قَالُواْ نَشۡهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَكَٰذِبُونَ ١
When the hypocrites come to you, [O Muḥammad], they say, "We testify that you are the Messenger of Allāh." And Allāh knows that you are His Messenger, and Allāh testifies that the hypocrites are liars.
(p-١٨٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحِيمِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُنافِقُونَ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ .
قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في مُذَكِّرَةِ الدِّراسَةِ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ والمُنافِقُونَ: جَمْعُ مُنافِقٍ، وهو مَن يُظْهِرُ الإيمانَ، ويُسِرُّ الكُفْرَ.
﴿قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾، أيْ: قالُوا ذَلِكَ نِفاقًا وخَوْفًا، ولَمْ يَقُولُوهُ خالِصًا مِن قُلُوبِهِمْ. ولِذا قالَ اللَّهُ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾، وإنَّما شَهِدَ عَلَيْهِمْ بِالكَذِبِ مَعَ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِمْ حَقٌّ؛ لِأنَّ بَواطِنَهم تُكَذِّبُ ظَواهِرَهم، لِأنَّ الأعْمالَ بِالنِّيّاتِ، وإنَّما كَسْرُ هَمْزَةِ إنَّ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ؛ لِأنَّها بَعْدَ فِعْلٍ مُعَلَّقٍ بِاللّامِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَفُتِحَتْ، لِأنَّها في مَحَلِّ المَصْدَرِ.
وَلِأبِي حَيّانَ قَوْلٌ حَسَنٌ في ذَلِكَ إذْ قالَ: إنَّ قَوْلَهم: (نَشْهَدُ) يَجْرِي مَجْرى اليَمِينِ، ولِذَلِكَ تُلُقِّيَ بِما يُتَلَقّى بِهِ القَسَمُ، وكَذا فِعْلُ اليَقِينِ، والعَلَمُ يَجْرِي مَجْرى القَسَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾، أعْنِي: بِقَصْدِ التَّوْكِيدِ بِإنَّ واللّامِ، ثُمَّ قالَ: وأصْلُ الشَّهادَةِ أنْ يُواطِىءَ اللِّسانُ القَلْبَ، هَذا بِالنُّطْقِ وذَلِكَ بِالِاعْتِقادِ فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ، وفَضَحَهم بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ .
أيْ: لَمْ تُواطِئُ قُلُوبُهم ألْسِنَتَهم عَلى تَصْدِيقِكَ، واعْتِقادُهم أنَّكَ غَيْرُ رَسُولٍ، فَهم كاذِبُونَ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ مَن عَرَفَ حالَهم، أوْ كاذِبُونَ عِنْدَ أنْفُسِهِمْ، إذْ أنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ قَوْلَهم: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ كَذِبٌ.
وَجاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾، بَيْنَ شَهادَتِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ إيذانًا بِأنَّ الأمْرَ كَما قالُوا عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٨ - ٢٩] .
تَنْبِيهٌ
(p-١٨٩)فِي هَذِهِ الآيَةِ مَبْحَثٌ بَلاغِيٌّ في تَقْسِيمِ الكَلامِ إلى خَبَرٍ وإنْشاءٍ فَقالُوا: الخَبَرُ ما احْتَمَلَ الصِّدْقَ والكَذِبَ لِذاتِهِ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ يَنْحَصِرُ فِيهِما بِلا واسِطَةٍ، والمُخْبِرُ إمّا صادِقٌ وإمّا كاذِبٌ، وهَذا بِناءً عَلى مُطابَقَةِ الخَبَرِ لِلْواقِعِ أوْ عَدَمِ مُطابَقَتِهِ، ولا عَلاقَةَ لَهُ بِالِاعْتِقادِ.
قالَ السَّعْدُ في التَّلْخِيصِ، وقالَ بَعْضُ النّاسِ: صِدْقُ الخَبَرِ وكَذِبُهُ مُطابَقَتُهُ لِاعْتِقادِ المُخْبِرِ، لا لِلْواقِعِ، واسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِأنَّ عَدَمَ مُطابَقَتِهِ لِلْواقِعِ يَكُونُ مِن قَبِيلِ الخَطَأِ، لا مِن قَبِيلِ الكَذِبِ.
وَلِحَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ما كَذَبَ ولَكِنَّهُ وهِمَ، وهَذا مَذْهَبُ الجاحِظِ وهو صِدْقُ الخَبَرِ مُطابَقَتُهُ لِلْواقِعِ مَعَ اعْتِقادِ المُخْبِرِ مُسْتَدِلًّا بِالآيَةِ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾، مَعَ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ مَعَ أنَّ خَبَرَهم مُطابِقٌ لِلْواقِعِ، لَكِنَّهم لَمْ يَعْتَقِدُوا ما قالُوا فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ لِذَلِكَ.
وَمُقْتَضى مَذْهَبِ الجاحِظِ القَوْلُ بِوُجُودِ واسِطَةٍ بَيْنَ الصِّدْقِ والكَذِبِ، وهي عَدَمُ اعْتِقادِ المُخْبِرِ لِما أخْبَرَ بِهِ، ولَوْ طابَقَ الواقِعَ، ولَكِنْ ما قَدَّمْناهُ مِن كَلامِ أبِي حَيّانَ يَرُدُّ هَذا المَذْهَبَ ويُبْطِلُ اسْتِدْلالَ الجاحِظِ ومَن وافَقَهُ بِالآيَةِ؛ لِأنَّ تَكْذِيبَ اللَّهِ إيّاهم مُنْصَبٌّ عَلى قَوْلِهِمْ قالُوا نَشْهَدُ، والشَّهادَةُ أخَصُّ مِنَ الخَبَرِ، ولِأنَّهم ضَمَّنُوا شَهادَتَهُمُ التَّأْكِيدَ المُشْعِرَ بِالقَسَمِ والمُوحِيَ بِمُطابَقَةِ القَوْلِ لِما في القَلْبِ ولا سِيَّما في هَذا المَقامِ، وهو مَقامُ الإيمانِ والتَّصْدِيقِ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ في كَوْنِ إخْبارِهِمْ بِصُورَةِ الشَّهادَةِ والحالِ أنَّهم لَمْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها وهو عَدَمُ مُطابَقَتِها لِاعْتِقادِهِمْ.
والقُرْآنُ يَنْفِي وُجُودَ واسِطَةٍ بَيْنَ الصِّدْقِ والكَذِبِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَماذا بَعْدَ الحَقِّ إلّا الضَّلالُ﴾ [يونس: ٣٢] .
أمّا فِقْهُ اليَمِينِ وما تَنْعَقِدُ بِهِ وأحْكامُها، فَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - هَذا المَبْحَثُ مُسْتَوْفًى في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٨٩] .
(p-١٩٠)وَذُكِرَ في مَعْنى لَغْوِ اليَمِينِ عِنْدَ العُلَماءِ قَوْلانِ:
الثّانِي مِنهُما: هو أنْ يَحْلِفَ عَلى ما يَعْتَقِدُهُ فَيُظْهِرُ خِلافَهُ وعَزاهُ لِمالِكٍ، وأنَّهُ مَرْوِيٌّ عَنْ عائِشَةَ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ في أحَدِ قَوْلَيْهِ، وساقَ أسْماءَ كَثِيرِينَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: يَنْبَغِي أنْ نُفَرِّقَ بَيْنَ الحَدِّ اللُّغَوِيِّ عِنْدَ البَلاغِيِّينَ، والحَدِّ الشَّرْعِيِّ حَيْثُ يُقْبَلُ شَرْعًا ما كانَ مَبْناهُ عَلى غَلَبَةِ الظَّنِّ عِنْدَ المُتَكَلِّمِ؛ لِأنَّهُ حَدُّ عِلْمِهِ، ولِعَدَمِ المُؤاخَذَةِ في الشَّرْعِ في مِثْلِ ذَلِكَ واللَّهُ أعْلَمُ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٤١٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُنافِقُونَ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ الآيَةَ.
هَذا الَّذِي شَهِدُوا عَلَيْهِ حَقٌّ لِأنَّ رِسالَةَ نَبِيِّنا ﷺ حَقٌّ لا شَكَّ فِيها، وقَدْ كَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [ ٦٣ ] . مَعَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [ ٦٣ ]، كَأنَّهُ تَصْدِيقٌ لَهم.
والجَوابُ أنَّ تَكْذِيبَهُ تَعالى لَهم مُنْصَبٌّ عَلى إسْنادِهِمُ الشَّهادَةَ إلى أنْفُسِهِمْ في قَوْلِهِمْ: ”نَشْهَدُ“، وهم في باطِنِ الأمْرِ لا يَشْهَدُونَ بِرِسالَتِهِ، بَلْ يَعْتَقِدُونَ عَدَمَها، أوْ يَشُكُّونَ فِيهِ، كَما يَدُلُّ لِلْأوَّلِ قَوْلُهُ تَعالى عَنْهم: ﴿أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ - إلى قَوْلِهِ - ولَكِنْ لا يَعْلَمُونَ [البقرة: ١٣] .
وَيَدُلُّ لِلثّانِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥] .
63:2Page 554
ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٢
They have taken their oaths as a cover, so they averted [people] from the way of Allāh. Indeed, it was evil that they were doing.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ .
قُرِئَ (أيْمانَهم) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعُ يَمِينٍ، وقُرِئَ بِكَسْرِها مِنَ الإيمانِ ضِدِّ الكُفْرِ، أيْ: ما أظْهَرُوهُ مِن أُمُورِ الإسْلامِ.
وَمِمّا تَقَدَّمَ أنَّ مِن أنْواعِ البَيانِ إذا كانَ في الآيَةِ قِراءَتانِ، وفِيها ما يُرَجِّحُ إحْداهُما، وتَقَدَّمَ كَلامُ أبِي حَيّانَ تَخْرِيجَهُ عَلى اليَمِينِ.
وَلِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في مُذَكِّرَةِ التَّدْرِيسِ قَوْلُهُ: الأيْمانُ جُمَعُ يَمِينٍ، وهي الحَلِفُ والجُنَّةُ التُّرْسُ، وهو المِجَنُّ الَّذِي تُتَّقى بِهِ السُّيُوفُ والنِّبالُ والسِّهامُ في الحَرْبِ، والمَعْنى أنَّ المُنافِقِينَ إذا ظَهَرَ شَيْءٌ مِن نِفاقِهِمْ أوْ سُمِعَتْ عَنْهم كَلِمَةُ كُفْرٍ، حَلَفُوا بِاللَّهِ أنَّهم ما قالُوا ذَلِكَ وما فَعَلُوهُ، فَيَجْعَلُونَ حَلِفَهم تُرْسًا يَقِيهِمْ مِن مُؤاخَذَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَنْبِهِمْ. كَما قالَ تَعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٧٤] . وقالَ: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم وما هم مِنكُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٥٦] . وقالَ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٦٢]، ونَحْوَ ذَلِكَ، فَهَذِهِ نُصُوصٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهم يَحْلِفُونَ أيْمانًا عَلى أيْمانِهِمْ.
وَمِن جِهَةِ المَعْنى: أنَّ أيْمانَهم وحَلِفَهم مُنْصَبٌّ عَلى دَعْوى إيمانِهِمْ، فَلا انْفِكاكَ بَيْنَ اليَمِينِ والإيمانَ؛ لِأنَّهم يَحْلِفُونَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ، واليَمِينُ أخَصُّ مِنَ الإيمانِ، وحَمْلُهُ عَلى الأخَصِّ يَقْتَضِي وُجُودَ الأعَمِّ، فالحَلِفُ عَلى الإيمانِ يَسْتَلْزِمُ دَعْوى الإيمانِ وزِيادَةً، ومُجَرَّدُ دَعْوى الإيمانِ لا يَسْتَلْزِمُ التَّأْكِيدَ بِالإقْسامِ والحَلِفِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .
(p-١٩١)قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -: أيْ بِسَبَبِ اتِّخاذِهِمْ أيْمانَهم جُنَّةً وخَفاءِ كُفْرِهِمُ الباطِنِ، تَمَكَّنُوا مِن صَدِّ بَعْضِ النّاسِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، لِأنَّ المُسْلِمِينَ يَظُنُّونَهم إخْوانًا وهم أعْداءٌ، وشَرُّ الأعْداءِ مَن تَظُنُّ أنَّهُ صَدِيقٌ ولِذا حَذَّرَ اللَّهُ نَبِيَهُ مِنهم بِقَوْلِهِ: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]، وصَدُّهُمُ النّاسَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَتَعْوِيقِهِمْ عَنِ الجِهادِ؛ كَما بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لِإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ١٨] . وبِقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ الآيَةَ [التوبة: ٨١] . وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٦٨] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -: (ساءَ) فِعْلٌ جامِدٌ لِإنْشاءِ الذَّمِّ بِمَعْنى بِئْسَ. اهـ.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى تِلْكَ الإساءَةَ مِنَ المُنافِقِينَ في عِدَّةِ جِهاتٍ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُخادِعُونَ اللَّهَ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٩] . وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] .
وَكانَ خِداعُهم بِالقَوْلِ وبِالفِعْلِ، وخِداعُهم بِالقَوْلِ في قَوْلِهِ عَنْهم: ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١] .
وَخِداعُهم في الفِعْلِ في قَوْلِهِ عَنْهم: ﴿وَإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراءُونَ النّاسَ﴾ [النساء: ١٤٢] .
وَفِي الجِهادِ قَوْلُهم: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلّا فِرارًا﴾ [الأحزاب: ١٣] .
63:3Page 554
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ ٣
That is because they believed, and then they disbelieved; so their hearts were sealed over, and they do not understand.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ .
فِي هَذِهِ الآيَةِ نَصٌّ عَلى أنَّ الطَّبْعَ عَلى قُلُوبِهِمْ نَتِيجَةٌ لِكُفْرِهِمْ بَعْدَ إيمانِهِمْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥] . وكَقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] .
(p-١٩٢)وَقالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عَنْ بَعْضِ العُلَماءِ: ذَلِكَ بِأنَّهم آمَنُوا، أيْ: بِألْسِنَتِهِمْ نِفاقًا ثُمَّ كَفَرُوا بِقُلُوبِهِمْ في الحَقِيقَةِ. اهـ.
وَتَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] فَهم لا يَعْقِلُونَ بَعْدَ هَذا الطَّبْعِ، ومَعَ هَذا الخَتْمِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الكهف: ٥٧] .
63:4Page 554
۞ وَإِذَا رَأَيۡتَهُمۡ تُعۡجِبُكَ أَجۡسَامُهُمۡۖ وَإِن يَقُولُواْ تَسۡمَعۡ لِقَوۡلِهِمۡۖ كَأَنَّهُمۡ خُشُبٞ مُّسَنَّدَةٞۖ يَحۡسَبُونَ كُلَّ صَيۡحَةٍ عَلَيۡهِمۡۚ هُمُ ٱلۡعَدُوُّ فَٱحۡذَرۡهُمۡۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٤
And when you see them, their forms please you, and if they speak, you listen to their speech. [They are] as if they were pieces of wood propped up1 - they think that every shout is against them. They are the enemy, so beware of them. May Allāh destroy them; how are they deluded?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ﴾ .
فِيهِ ما يُشْعِرُ بِحَصْرِ العَداوَةِ في المُنافِقِينَ مَعَ وُجُودِها في المُشْرِكِينَ واليَهُودِ، ولَكِنَّ إظْهارَ المُشْرِكِينَ شِرْكَهم، وإعْلانَ اليَهُودِ كُفْرَهم مَدْعاةٌ لِلْحَذَرِ طَبْعًا.
أمّا هَؤُلاءِ فادِّعاؤُهُمُ الإيمانَ وحَلِفُهم عَلَيْهِ، قَدْ يُوحِي بِالرُّكُونِ إلَيْهِمْ ولَوْ رَغْبَةً في تَأْلِيفِهِمْ، فَكانُوا أوْلى بِالتَّحْذِيرِ مِنهم لِشِدَّةِ عَداوَتِهِمْ ولِقُوَّةِ مُداخَلَتِهِمْ مَعَ المُسْلِمِينَ، مِمّا يُمَكِّنُهم مِنَ الِاطِّلاعِ عَلى جَمِيعِ شُئُونِهِمْ.
وَقَدْ جاءَ في آخِرِ السُّورَةِ كُلِّهِ كاشِفًا لِحَقِيقَتِهِمْ ومُبَيِّنًا شِدَّةَ عَداوَتِهِمْ سَواءٌ في قَوْلِهِمْ: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧]، أوْ في تَآمُرِهِمْ عَلى المُسْلِمِينَ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] . وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦] .
(هم) هُنا المُنافِقُونَ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧] .
63:5Page 555
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ يَسۡتَغۡفِرۡ لَكُمۡ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوۡاْ رُءُوسَهُمۡ وَرَأَيۡتَهُمۡ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسۡتَكۡبِرُونَ ٥
And when it is said to them, "Come, the Messenger of Allāh will ask forgiveness for you," they turn their heads aside and you see them evading while they are arrogant.
No commentary for this ayah
63:6Page 555
سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ أَسۡتَغۡفَرۡتَ لَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ لَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٦
It is all the same for them whether you ask forgiveness for them or do not ask forgiveness for them; never will Allāh forgive them. Indeed, Allāh does not guide the defiantly disobedient people.
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآيَةَ.
ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّهُ لا يُغْفَرُ لِلْمُنافِقِينَ مُطْلَقًا، وقَدْ جاءَتْ آيَةٌ تُوهِمُ الطَّمَعَ في غُفْرانِهِ لَهم إذا اسْتَغْفَرَ لَهم رَسُولُهُ ﷺ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] .
والجَوابُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ هي الأخِيرَةُ بَيَّنَتْ أنَّهُ لا يُغْفَرُ لَهم عَلى كُلِّ حالٍ لِأنَّهم كُفّارٌ في الباطِنِ.
63:7Page 555
هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْۗ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَفۡقَهُونَ ٧
They are the ones who say, "Do not spend on those who are with the Messenger of Allāh until they disband." And to Allāh belong the depositories of the heavens and the earth, but the hypocrites do not understand.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ .
تَقَدَّمَ بَيانُهُ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الزمر: ٦٣] .
63:8Page 555
يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعۡنَآ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ لَيُخۡرِجَنَّ ٱلۡأَعَزُّ مِنۡهَا ٱلۡأَذَلَّۚ وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ٨
They say, "If we return to al-Madīnah, the more honored [for power] will surely expel therefrom the more humble." And to Allāh belongs [all] honor, and to His Messenger, and to the believers, but the hypocrites do not know.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ﴾ .
تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ ما فِيها مِنَ القَوْلِ بِالمُوجِبِ.
63:9Page 555
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلۡهِكُمۡ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٩
O you who have believed, let not your wealth and your children divert you from the remembrance of Allāh. And whoever does that - then those are the losers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
(p-١٩٣)تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ٤٦]، وقَدْ بَيَّنَ سَبَبَ لَهْوِ المالِ والوَلَدِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، بِأنَّ العَبْدَ يُفْتَنُ في ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى الآتِي في سُورَةِ ”التَّغابُنِ“: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥] .
أيْ: لِمَن سَخَّرَ المالَ في طاعَةِ اللَّهِ، وبِالتَّأمُّلِ في آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وآخِرِ الَّتِي قَبْلَها نَجِدُ اتِّحادًا في المَوْضُوعِ والتَّوْجِيهِ.
فَهُناكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها وتَرَكُوكَ قائِمًا قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ ومِنَ التِّجارَةِ واللَّهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١] .
وَجاءَ عَقِبَهُ مُباشَرَةً سُورَةُ: ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١]، ولَعَلَّهُ مِمّا يُشْعِرُ أنَّ الَّذِينَ بادَرُوا بِالخُرُوجِ لِلْعِيرِ هُمُ المُنافِقُونَ، وتَبِعَهُمُ الآخَرُونَ لِحاجَتِهِمْ لِما تَحْمِلُ العِيرُ، وهُنا بَعْدَما رَكَنَ المُنافِقُونَ لِلْمالِ جاءَ: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ فَكانَتْ أمْوالُهم فِتْنَةً لَهم في مَقالَتِهِمْ تِلْكَ، فَحَذَّرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾، سَواءٌ كانَ المُرادُ بِالأمْوالِ خُصُوصَ ذِكْرِ الخُطْبَةِ والعِيرِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُما، أوْ عُمُومَ العِباداتِ والمُكْتَسَباتِ.
63:10Page 555
وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنِيٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١٠
And spend [in the way of Allāh] from what We have provided you before death approaches one of you and he says, "My Lord, if only You would delay me for a brief term so I would give charity and be of the righteous."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأنْفِقُوا مِن ما رَزَقْناكُمْ﴾ .
فِيهِ الإنْفاقُ مِن بَعْضِ ما رَزَقَهم، وتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - مَبْحَثُ الِاقْتِصادِ في الإنْفاقِ عِنْدَ قَوْلِهِ في أوَّلِ سُورَةِ ”البَقَرَةِ“: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] .
63:11Page 555
وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَاۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١١
But never will Allāh delay a soul when its time has come. And Allāh is Aware of what you do.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إذا جاءَ أجَلُها﴾ .
وَكَذَلِكَ لا يُقَدِّمُها عَلَيْهِ؛ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أجَلٌ إذا جاءَ أجَلُهم فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ولا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩] .
وَبَيَّنَ تَعالى عَدَمَ تَأخُّرِهِمْ مَعَ أنَّهم وُعِدُوا بِأنَّهم يَصَّدَّقُونَ ويَكُونُونَ مِنَ الصّالِحِينَ، مُشِيرًا لِلسَّبَبِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [التغابن: ١١] أيْ: لَوْ أخَّرَكم؛ لَأنَّ شِيمَتَكُمُ الكَذِبُ وخَلْفُ الوَعْدِ، وأنَّ هَذا دَأبُ أمْثالِهِمْ كَما بَيَّنَهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وَأنْذِرِ النّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أخِّرْنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ أوَلَمْ تَكُونُوا أقْسَمْتُمْ مِن قَبْلُ ما لَكم مِن زَوالٍ﴾ (p-١٩٤)[إبراهيم: ٤٤] .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى إذا جاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أعْمَلُ صالِحًا فِيما تَرَكْتُ كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠] .
فَقَوْلُهُ تَعالى عَنْهم: ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾، تُعادِلُ في ماصَدَقِها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ .
أيْ: لَوْ أخَّرَهم لَنْ يَصْدُقُوا، ولَنْ يَكُونُوا مِنَ الصّالِحِينَ، واللَّهُ تَعالى مُحِيطٌ عِلْمُهُ بِما سَيَكُونُ، كَإحاطَتِهِ بِما قَدْ كانَ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences