Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
التغابن
At-Taghabun
The Mutual Disillusion · Medinan · 18 ayahs
64:1Page 556
يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١
Whatever is in the heavens and whatever is on the earth is exalting Allāh.1 To Him belongs dominion, and to Him belongs [all] praise, and He is over all things competent.
(p-١٩٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ التَّغابُنِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
تَقَدَّمَ مَعْنى التَّسْبِيحِ ومَدْلُولِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ في أوَّلِ سُورَةِ ”الحَشْرِ“ و ”الحَدِيدِ“، وهَذِهِ السُّورَةُ آخِرُ السُّوَرِ المُفْتَتَحَةِ بِالتَّسْبِيحِ، والفِعْلُ هُنا بِصِيغَةِ المُضارِعِ الدّالِّ عَلى التَّجَدُّدِ والحُدُوثِ، والتَّذْيِيلُ هُنا بِصِفاتِ الكَمالِ لِلَّهِ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، لِلْإشْعارِ بِأنَّ المُلْكَ لِلَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، نافِذٌ فِيهِ أمْرُهُ، ماضٍ فِيهِ حُكْمُهُ بِيَدِهِ أزِمَّةُ أمْرِهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك: ١] .
وَكَقَوْلِهِ في سُورَةِ ”يس“: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣] .
وَمِن قُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وتَصْرِيفِهِ لِأُمُورِ مُلْكِهِ كَيْفَ يَشاءُ، أنْ جَعَلَ العالَمَ كُلَّهُ يُسَبِّحُ لَهُ بِحَمْدِهِ تَنْفِيذًا لِحِكْمَةٍ فِيهِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٧٠]، فَجَمَعَ الحَمْدَ والحُكْمَ مَعًا لِجَلالَةِ قُدْرَتِهِ وكَمالِ صِفاتِهِ.
64:2Page 556
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ فَمِنكُمۡ كَافِرٞ وَمِنكُم مُّؤۡمِنٞۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢
It is He who created you, and among you is the disbeliever, and among you is the believer. And Allāh, of what you do, is Seeing.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في مُذَكِّرَةِ الدِّراسَةِ: المَعْنى أنَّ اللَّهَ هو الَّذِي خَلَقَكم وقَدَّرَ عَلى قَوْمٍ مِنكُمُ الكُفْرَ، وعَلى قَوْمٍ مِنكُمُ الإيمانَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَهْدِي كُلًّا لِما قَدَّرَهُ عَلَيْهِ كَما قالَ: ﴿والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٣]، فَيَسَّرَ الكافِرَ إلى العَمَلِ بِالكُفْرِ، ويَسَّرَ المُؤْمِنَ لِلْعَمَلِ بِالإيمانِ، كَما قالَ ﷺ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ» . اهـ.
وَمِنَ المَعْلُومِ أنَّ هَذا النَّصَّ مِن مَأْزِقِ القَدَرِيَّةِ والجَبْرِيَّةِ، وأنَّ أهْلَ السُّنَّةِ يُؤْمِنُونَ أنَّ كُلًّا بِقَدَرِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ، كَما قالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ في العَقِيدَةِ الواسِطِيَّةِ: وهم أهْلُ السُّنَّةِ وسَطٌ بَيْنَ (p-١٩٦)قَوْلِ: إنَّ العَبْدَ مَجْبُورٌ عَلى عَمَلِهِ لا اخْتِيارَ لَهُ كالوَرَقَةِ في مَهَبِّ الرِّيحِ. وبَيْنَ قَوْلِ: إنَّ العَبْدَ يَخْلُقُ فِعْلَهُ بِنَفْسِهِ، ويَفْعَلُ ما يُرِيدُ بِمَشِيئَتِهِ.
وَأهْلُ السُّنَّةِ يَقُولُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِمَن شاءَ مِنكم أنْ يَسْتَقِيمَ وما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩] .
وَقَدْ ذَكَرَ القُرْطُبِيُّ أقْوالَ الطّائِفَتَيْنِ مِن أهْلِ العِلْمِ، ولِكُلِّ طائِفَةٍ ما اسْتَدَلَّتْ بِهِ، الأُولى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «خَلَقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ في بَطْنِ أُمِّهِ كافِرًا، وخَلَقَ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا في بَطْنِ أُمِّهِ مُؤْمِنًا» .
بِما في الصَّحِيحِ مِن قَوْلِهِ ﷺ: ”إنَّ «أحَدَكم لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى ما يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَها إلّا ذِراعٌ أوْ باعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ فَيَدْخُلُها، وإنَّ أحَدَكم لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَها إلّا ذِراعٌ أوْ باعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُها»“ .
وَقالَ: قالَ عُلَماؤُنا: تَعَلَّقَ العِلْمُ الأزَلِيُّ بِكُلِّ مَعْلُومٍ، فَيَجْرِي ما عَلِمَ وأرادَ وحَكَمَ.
الثّانِيَةُ: ما جاءَ في قَوْلِهِ: وقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ ثُمَّ كَفَرُوا وآمَنُوا، قالُوا: وتَمامُ الكَلامِ: و ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾، ثُمَّ وصَفَهم فَقالَ: ﴿فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ .
وَكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ فَمِنهم مَن يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ﴾ [النور: ٤٥]، قالُوا: فاللَّهُ خَلَقَهم والمَشْيُ فِعْلُهم.
واخْتارَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، قالَ: لِأنَّهُ لَوْ خَلَقَهم كافِرِينَ ومُؤْمِنِينَ لَما وصَفَهم بِفِعْلِهِمْ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ» . الحَدِيثَ. اهـ.
وَبِالنَّظَرِ في هاتَيْنِ المَقالَتَيْنِ نَجِدُ الآتِيَ:
أوَّلًا: التَّشْبِيهُ في المَقالَةِ الثّانِيَةِ لا يَسْلَمُ؛ لِأنَّ وصْفَ الدَّوابِّ في حالَةِ المَشْيِ لَيْسَ وصْفًا فِعْلِيًّا، وإنَّما هو مِن ضِمْنِ خَلْقِهِ تَعالى لَها ولَمْ يَكُنْ مِنها فِعْلٌ في ذَلِكَ.
ثانِيًا: ما اسْتَدَلَّتْ بِهِ كُلُّ طائِفَةٍ مِنَ الحَدِيثَيْنِ لا تَعارُضَ بَيْنَهُما؛ لِأنَّ الحَدِيثَ الأوَّلَ: «إنَّ أحَدَكم لَيَعْمَلُ» لِبَيانِ المَصِيرِ والمُنْتَهى، وفْقَ العِلْمِ الأزَلِيِّ والإرادَةِ القَدَرِيَّةِ.
(p-١٩٧)والحَدِيثَ الثّانِيَ لِبَيانِ مَبْدَأِ وُجُودِ الإنْسانِ في الدُّنْيا وأنَّهُ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ حِينَما يُولَدُ، أمّا مَصِيرُهُ فَبِحَسَبِ ما قَدَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وَقَدْ نَقَلَ القُرْطُبِيُّ كَلامًا لِلزَّجّاجِ وقالَ عَنْهُ: هو أحْسَنُ الأقْوالِ ونَصُّهُ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الكافِرَ، وكُفْرُهُ فِعْلٌ لَهُ وكَسْبٌ، مَعَ أنَّ اللَّهَ خالِقُ الكُفْرِ، وخَلَقَ المُؤْمِنَ، وإيمانُهُ فِعْلٌ لَهُ وكَسْبٌ، مَعَ أنَّ اللَّهَ خالِقُ الإيمانِ. والكافِرُ يَكْفُرُ ويَخْتارُ الكُفْرَ بَعْدَ أنْ خَلَقَ اللَّهُ إيّاهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وعَلِمَهُ مِنهُ، لِأنَّ وُجُودَ خِلافِ المُقَدَّرِ عَجْزٌ، ووُجُودَ خِلافِ المَعْلُومِ جَهْلٌ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا أحْسَنُ الأقْوالِ، وهو الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الأُمَّةِ. اهـ.
وَلَعَلَّ مِمّا يَشْهَدُ لِقَوْلِ الزَّجّاجِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] .
هَذا حاصِلُ ما قالَهُ عُلَماءُ التَّفْسِيرِ، وهَذا المَوْقِفُ كَما قَدَّمْنا مِن مَأْزِقِ القَدَرِ والجَبْرِ، وقَدْ زَلَّتْ فِيهِ أقْدامٌ وضَلَّتْ فِيهِ أفْهامٌ، وبِتَأمُّلِ النَّصِّ وما يَكْتَنِفُهُ مِن نُصُوصٍ في السِّياقِ مِمّا قَبْلَهُ وبَعْدَهُ، نَجِدُ الجَوابَ الصَّحِيحَ والتَّوْجِيهَ السَّلِيمَ، وذَلِكَ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
فَكَوْنُ المُلْكِ لَهُ لا يَقَعُ في مُلْكِهِ إلّا ما يَشاءُ، وكَوْنُهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَفْعَلُ في مُلْكِهِ ما يُرِيدُ.
ثُمَّ قالَ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
ثُمَّ جاءَ بَعْدَها
64:3Page 556
خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ٣
He created the heavens and earth in truth and formed you and perfected your forms; and to Him is the [final] destination.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكم وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ .
فَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ وخَلْقُ الإنْسانِ في أحْسَنِ صُورَةٍ آيَتانِ مِن آياتِ الدَّلالَةِ عَلى البَعْثِ، كَما قالَ تَعالى في الأُولى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] .
وَقالَ في الثّانِيَةِ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩] .
(p-١٩٨)وَلِذا جاءَ عَقِبَها قَوْلُهُ: ﴿وَإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ .
أيْ: بَعْدَ المَوْتِ والبَعْثِ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ لَهم: هو الَّذِي خَلَقَكم وخَلَقَ لَكم آياتِ قُدْرَتِهِ عَلى بَعْثِكم، مِن ذَلِكَ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ، ومِن ذَلِكَ خَلْقُكم وتَصْوِيرُكم في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ، فَكَأنَّ مُوجِبَ ذَلِكَ الإيمانُ بِقُدْرَتِهِ تَعالى عَلى بَعْثِكم بَعْدَ المَوْتِ، وبِالتّالِي إيمانُكم بِما بَعْدَ البَعْثِ، مِن حِسابٍ وجَزاءٍ وجَنَّةٍ ونارٍ، ولَكِنْ فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ.
وَقَدْ جاءَ بَعْدَ ذِكْرِ الأُمَمِ قَبْلَهم وبَيانِ أحْوالِهِمْ جاءَ تَفْنِيدُ زَعْمِ الكُفّارِ بِالبَعْثِ والإقْسامُ عَلى وُقُوعِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]؛ لِأنَّ خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ، ويَشْهَدُ لِهَذا التَّوْجِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الإنْسانِ: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾ [الإنسان: ١ - ٣] .
فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [التغابن: ٢] .
ثُمَّ قالَ: ﴿فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، وهُما حاسَّتا الإدْراكِ والتَّأمُّلِ، فَقالَ: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ﴾ مَعَ اسْتِعْدادِهِ لِلْقَبُولِ والرَّفْضِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾، مِثْلُ قَوْلِهِ هُنا: ﴿فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، أيْ بَعْدَ التَّأمُّلِ والنَّظَرِ وهِدايَةِ السَّبِيلِ بِالوَحْيِ، ولِذا جاءَ في هَذا السِّياقِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ [التغابن: ٨] .
وَبِكُلِّ ما تَقَدَّمَ في الجُمْلَةِ يَظْهَرُ لَنا أنَّ اللَّهَ خَلَقَ الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَ لَهُ سَمْعًا وبَصَرًا ونَصَبَ الأدِلَّةَ عَلى وُجُودِهِ وقُدْرَتِهِ عَلى بَعْثِ المَوْتى، ومِن ثَمَّ مُجازاتِهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ وأرْسَلَ إلَيْهِ رُسُلَهُ وهُداهُ النَّجْدَيْنِ، ثُمَّ هو بَعْدَ ذَلِكَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا ولَوِ احْتَجَّ إنْسانٌ في الدُّنْيا بِالقَدَرِ لَقِيلَ لَهُ: هَلْ عِنْدَكَ عِلْمٌ بِما سَبَقَ في عِلْمِ اللَّهِ عَلَيْكَ، أمْ أنَّ اللَّهَ أمَرَكَ ونَهاكَ وبَيَّنَ لَكَ الطَّرِيقَ.
(p-١٩٩)وَعَلى كُلٍّ، فَإنَّ قَضِيَّةَ القَدَرِ مِن أخْطَرِ القَضايا وأغْمَضِها، كَما قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: القَدَرُ سِرُّ اللَّهِ في خَلْقِهِ.
وَقالَ ﷺ: «إذا ذُكِرَ القَضاءُ فَأمْسِكُوا»، ولَكِنْ عَلى المُسْلِمِ النَّظَرُ فِيما أنْزَلَ اللَّهُ مِن وحْيٍ وبَعَثَ مِن رُسُلٍ.
وَأهَمُّ ما في الأمْرِ هو جَرْيُ الأُمُورِ عَلى مَشِيئَةِ اللَّهِ وقَدْ جاءَ مَوْقِفٌ عَمَلِيٌّ في قِصَّةِ بَدْرٍ، يُوَضِّحُ حَقِيقَةَ القَدَرِ ويُظْهِرُ غايَةَ العِبَرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ في مَنامِكَ قَلِيلًا ولَوْ أراكَهم كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ ولَتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ ولَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣] .
فَهُوَ تَعالى الَّذِي سَلَّمَ مِن مُوجِباتِ التَّنازُعِ والفَشَلِ بِمُقْتَضى عِلْمِهِ بِذاتِ الصُّدُورِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وَإذْ يُرِيكُمُوهم إذِ التَقَيْتُمْ في أعْيُنِكم قَلِيلًا ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ مَفْعُولًا وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [الأنفال: ٤٤]، فَقَدْ أجْرى الأسْبابَ عَلى مُقْتَضى إرادَتِهِ فَقَلَّلَ كُلًّا مِنَ الفَرِيقَيْنِ في أعْيُنِ الآخَرِ؛ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أمْرًا كانَ في سابِقِ عِلْمِهِ مَفْعُولًا، ثُمَّ بَيَّنَ المُنْتَهى،: ﴿وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
64:4Page 556
يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٤
He knows what is within the heavens and earth and knows what you conceal and what you declare. And Allāh is Knowing of that within the breasts.
No commentary for this ayah
64:5Page 556
أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٥
Has there not come to you the news of those who disbelieved before? So they tasted the bad consequence of their affair, and they will have a painful punishment.
No commentary for this ayah
64:6Page 556
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُۥ كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٞ يَهۡدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْۖ وَّٱسۡتَغۡنَى ٱللَّهُۚ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٞ ٦
That is because their messengers used to come to them with clear evidences, but they said, "Shall human beings guide us?" and disbelieved and turned away. And Allāh dispensed [with them]; and Allāh is Free of need and Praiseworthy.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ .
فِيهِ اسْتِنْكارُ الكُفّارِ أنْ يَكُونَ مِن يَهْدِيهِمْ بَشَرًا لا مَلَكًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمُ الهُدى إلّا أنْ قالُوا أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤]، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أبَشَرًا مِنّا واحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ [القمر: ٢٥] .
قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في مُذَكِّرَةِ الدِّراسَةِ: فَشُبْهَتُهم هَذِهِ الباطِلَةُ رَدَّها اللَّهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلّا رِجالًا﴾ [يوسف: ١٠٩] أيْ: لا مَلائِكَةً
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلّا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٢٠] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ .
تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ (p-٢٠٠)إلى قَوْلِهِ: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] .
64:7Page 556
زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن لَّن يُبۡعَثُواْۚ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبۡعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٧
Those who disbelieve have claimed that they will never be resurrected. Say, "Yes, by my Lord, you will surely be resurrected; then you will surely be informed of what you did. And that, for Allāh, is easy."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ .
قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - أيْ: أنَّ الكُفّارَ ادَّعَوْا أنَّهم لا يُبْعَثُونَ قائِلِينَ: إنَّ العِظامَ الرَّمِيمَ لا تُحْيا، قُلْ لَهم يا نَبِيَّ اللَّهِ: بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ، وبَلى حَرْفٌ يَأْتِي لِأحَدِ مَعْنَيَيْنِ الأوَّلُ رَدُّ نَفْيٍ، كَما هُنا.
الثّانِي: جَوابُ اسْتِفْهامٍ مُقْتَرِنٍ بِنَفْيٍ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وقَوْلُهُ: ورَبِّي قَسَمٌ بِالرَّبِّ عَلى البَعْثِ الَّذِي هو الإحْياءُ بَعْدَ المَوْتِ، وقَدْ أقْسَمَ بِهِ عَلَيْهِ في القُرْآنِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، الأوَّلُ هَذا.
والثّانِي قَوْلُهُ: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أحَقٌّ هو قُلْ إي ورَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] .
الثّالِثُ قَوْلُهُ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبإ: ٣] . اهـ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ﴾، بَيَّنَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وَكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤]، وقَوْلُهُ: ﴿وَذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ اسْمُ الإشارَةِ راجِعٌ إلى البَعْثِ ويُسْرُهُ أمْرٌ مُسَلَّمٌ؛ لِأنَّ الإعادَةَ أهْوَنُ مِنَ البَدْءِ، كَما قالَ تَعالى عَنِ الكُفّارِ: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٨ - ٧٩]، وقَوْلِهِ: ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨]، وقالَ ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وهو أهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧] .
64:8Page 556
فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلۡنَاۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٨
So believe in Allāh and His Messenger and the light [i.e., the Qur’ān] which We have sent down. And Allāh is Aware of what you do.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أنْزَلْنا﴾ .
النُّورُ هُنا هو القُرْآنُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا وإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، وهو القُرْآنُ، وتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ - الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ [الحديد: ٩] مِن سُورَةِ ”الحَدِيدِ“، وفي المُذَكِّرَةِ سَمّاهُ نُورًا؛ لِأنَّهُ كاشِفٌ (p-٢٠١)ظُلُماتِ الجَهْلِ، والشَّكِّ، والشِّرْكِ، والنِّفاقِ.
64:9Page 556
يَوۡمَ يَجۡمَعُكُمۡ لِيَوۡمِ ٱلۡجَمۡعِۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلتَّغَابُنِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٩
The Day He will assemble you for the Day of Assembly - that is the Day of Deprivation.1 And whoever believes in Allāh and does righteousness - He will remove from him his misdeeds and admit him to gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide forever. That is the great attainment.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكم لِيَوْمِ الجَمْعِ﴾ .
يَوْمُ الجَمْعِ هو يَوْمُ القِيامَةِ، وقالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -: ظَرْفٌ مَنصُوبٌ بِاذْكُرْ مُقَدَّرَةٍ أوْ بِقَوْلِهِ: ﴿خَبِيرٌ﴾ [التغابن: ٨] .
فَيَكُونُ المَعْنى: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ خَبِيرٌ بِأعْمالِكم في الدُّنْيا لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ فَيُجازِيكم عَلَيْها، سُمِّيَ يَوْمَ الجَمْعِ؛ لِأنَّهُ يُجْمَعُ فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ في صَعِيدٍ واحِدٍ، يَسْمَعُهُمُ الدّاعِي ويَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠] .
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - الكَلامُ عَلَيْهِ في عِدَّةِ مَواضِعَ مِنها في الجُزْءِ الثّالِثِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ [هود: ١٠٣] .
وَمِنها في الجُزْءِ السّابِعِ عِنْدَ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ: ﴿قُلْ إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠] .
وَمِن أصْرَحِ الأدِلَّةِ فِيهِ: آيَةُ ”الشُّورى“: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾، ثُمَّ قالَ: ﴿فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمَ التَّغابُنِ﴾ .
الغَبْنُ: الشُّعُورُ بِالنَّقْصِ ومِثْلُهُ الخَبْنُ لِاشْتِراكِهِما في حَرْفَيْنِ مِن ثَلاثَةٍ، كَما في فِقْهِ اللُّغَةِ: فَبَيْنَهُما تَقارُبٌ في المَعْنى كَتَقارُبِهِمْ في الحَرْفِ المُخْتَلِفِ، وهو الغَيْنُ والخاءُ ولِخَفاءِ الغَيْنِ في الحَلْقِ وظُهُورِ الخاءِ عَنْها كانَ الغَبْنُ لِما خَفِيَ، والخَبْنُ لِما ظَهَرَ.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى مُوجِبَ الغَبْنِ لِلْغابِنِ والمَغْبُونِ فَقالَ: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ ويَعْمَلْ صالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ ويُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [التغابن: ٩]، وبَيَّنَ حالَ المَغْبُونِ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ [التغابن: ١٠] .
وَقَدْ بَيَّنَ العُلَماءُ حَقِيقَةَ الغَبْنِ في هَذا المَقامِ بِأنَّ كُلَّ إنْسانٍ لَهُ مَكانٌ في الجَنَّةِ ومَكانٌ في النّارِ، فَإذا دَخَلَ أهْلُ النّارِ النّارَ بَقِيَتْ أماكِنُهم في الجَنَّةِ، وإذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ (p-٢٠٢)بَقِيَتْ أماكِنُهم في النّارِ.
وَهُناكَ تَكُونُ مَنازِلُ أهْلِ الجَنَّةِ في النّارِ لِأهْلِ النّارِ، ومَنازِلُ أهْلِ النّارِ في الجَنَّةِ لِأهْلِ الجَنَّةِ يَتَوارَثُونَها عَنْهم، فَيَكُونُ الغَبْنُ الألِيمُ، وهو اسْتِبْدالُ مَكانٍ في النّارِ بِمَكانٍ في الجَنَّةِ ورِثُوا أماكِنَ الآخَرِينَ الَّذِينَ ذَهَبُوا إلى النّارِ.
64:10Page 557
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٠
But the ones who disbelieved and denied Our verses - those are the companions of the Fire, abiding eternally therein; and wretched is the destination.
No commentary for this ayah
64:11Page 557
مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ يَهۡدِ قَلۡبَهُۥۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١١
No disaster strikes except by permission of Allāh. And whoever believes in Allāh - He will guide his heart. And Allāh is Knowing of all things.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ ومَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ نَصٌّ صَرِيحٌ بِأنَّ ما يُصِيبُ أحَدًا مُصِيبَةٌ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ.
وَمَعْلُومٌ أنَّهُ كَذَلِكَ ما يُصِيبُ أحَدًا خَيْرٌ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَ لَكم سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أيْ: والبَرْدَ.
وَلَكِنَّ التَّنْصِيصَ عَلى المُصِيبَةِ هُنا؛ لِيَدُلَّ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَنالُ العَبْدَ إنَّما هو بِإذْنِ اللَّهِ؛ لِأنَّ الجِبِلَّةَ تَأْبى المَصائِبَ وتَتَوَقّاها، ومَعَ ذَلِكَ تُصِيبُهُ، ولَيْسَ في مَقْدُورِهِ دَفْعُها بِخِلافِ الخَيْرِ، قَدْ يَدَّعِي أنَّهُ حَصَّلَهُ بِاجْتِهادٍ مِنهُ كَما قالَ قارُونُ: ﴿إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨] .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾، قُرِئُ (يَهْدَأْ) بِالهَمْزِ مِنَ الهُدُوءِ، و (قَلْبُهُ) بِالرَّفْعِ، وهي بِمَعْنى يَهْدِي قَلْبَهُ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّ ما أصابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، فَيَسْتَرْجِعُ فَيَطْمَئِنُّ قَلْبُهُ بِهَذا ولا يَجْزَعُ، وهَذا مِن خَصائِصِ المُؤْمِنِ.
كَما قالَ ﷺ: «عَجَبًا لِأمْرِ المُؤْمِنِ إنْ أصابَتْهُ سَرّاءُ شَكَرَ فَكانَ خَيْرًا لَهُ، وإنْ أصابَتْهُ ضَرّاءُ صَبَرَ، فَكانَ خَيْرًا لَهُ حَتّى الشَّوْكَةِ يُشاكُها في قَدَمِهِ» .
وَمِثْلُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧] .
أيْ: إلى ما يَلْزَمُهم مِنِ امْتِثالٍ وصَبْرٍ ولِذا جاءَ بَعْدَها: ﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [التغابن: ١٢] .
(p-٢٠٣)وَمِن ناحِيَةٍ أُخْرى يُقالُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ما أصابَ مِن مُصِيبَةٍ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ﴾، والكُفْرُ أعْظَمُ المَصائِبِ.
﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ والإيمانُ بِاللَّهِ أعْظَمُ النِّعَمِ، فَيَقُولُ قائِلٌ: إنْ كانَ كُلُّ ذَلِكَ بِإذْنِ اللَّهِ، فَما ذَنْبُ الكافِرِ وما فَضْلُ المُؤْمِنِ، فَجاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، بَيانًا لِما يَلْزَمُ العَبْدَ، وهو طاعَةُ الرُّسُلِ فِيما جاءُوا بِهِ، ولا يَمْلِكُ سِوى ذَلِكَ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ مِن نِسْبَةِ الهِدايَةِ إلى القَلْبِ بَيانٌ لِقَضِيَّةِ الهِدايَةِ العامَّةِ والخاصَّةِ، كَما قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى عَنْهُ ﷺ: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] .
فَقالُوا: الهِدايَةُ الأُولى دَلالَةُ إرْشادٍ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] .
والثّانِيَةُ: هِدايَةُ تَوْفِيقٍ وإرْشادٍ ويَشْهَدُ لِذَلِكَ شِبْهُ الهِدايَةِ مِنَ اللَّهِ لِقَلْبِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، بِتَكْرارِ فِعْلِ الطّاعَةِ يَدُلُّ عَلى طاعَةِ الرَّسُولِ تَلْزَمُ مُسْتَقِلَّةً.
وَقَدْ جاءَتِ السُّنَّةُ بِتَشْرِيعاتٍ مُسْتَقِلَّةٍ وبِتَخْصِيصِ القُرْآنِ ونَحْوِ ذَلِكَ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] .
وَمِمّا يَشْهَدُ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]، فَكَرَّرَ الفِعْلَ بِالنِّسْبَةِ لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ، ولَمْ يُكَرِّرْهُ بِالنِّسْبَةِ لِأُولِي الأمْرِ؛ لِأنَّ طاعَتَهم لا تَكُونُ اسْتِقْلالًا بَلْ تَبَعًا لِطاعَةِ اللَّهِ، وطاعَةِ رَسُولِهِ، كَما في الحَدِيثِ: «لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ» .
64:12Page 557
وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٢
And obey Allāh and obey the Messenger; but if you turn away - then upon Our Messenger is only [the duty of] clear notification.
No commentary for this ayah
64:13Page 557
ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٣
Allāh - there is no deity except Him. And upon Allāh let the believers rely.
No commentary for this ayah
64:14Page 557
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ وَأَوۡلَٰدِكُمۡ عَدُوّٗا لَّكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُمۡۚ وَإِن تَعۡفُواْ وَتَصۡفَحُواْ وَتَغۡفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٤
O you who have believed, indeed, among your spouses and your children are enemies to you, so beware of them. But if you pardon and overlook and forgive - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهُمْ﴾ .
تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - الكَلامُ عَلى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿المالُ والبَنُونَ زِينَةُ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ (p-٢٠٤)[الكهف: ٤٦] .
وَمِمّا يُعْتَبَرُ تَوْجِيهًا قُرْآنِيًّا لِعِلاجِ مَشاكِلِ الحَياةِ الزَّوْجِيَّةِ، وقَضِيَّةِ الأوْلادِ التَّعْقِيبُ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التغابن: ١٤]، أيْ: إنَّ عَداوَةَ الزَّوْجَةِ والأوْلادِ لا يَنْبَغِي أنْ تُقابَلَ إلّا بِالعَفْوِ والصَّفْحِ والغُفْرانِ، وأنَّ ذَلِكَ يُخَفِّفُ أوْ يُذْهِبُ أوْ يُجَنِّبُ الزَّوْجَ والوالِدَ نَتائِجَ هَذا العَداءِ، وأنَّهُ خَيْرٌ مِنَ المُشاحَّةِ والخِصامِ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قالَ: ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] أيْ: قَدْ تَفْتِنُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ: ﴿لا تُلْهِكم أمْوالُكم ولا أوْلادُكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: ٩] .
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ هَذا المَبْحَثُ في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ كَما أشَرْنا.
64:15Page 557
إِنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ١٥
Your wealth and your children are but a trial, and Allāh has with Him a great reward.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences