Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
التحريم
At-Tahrim
The Prohibition · Medinan · 12 ayahs
66:1Page 560
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَۖ تَبۡتَغِي مَرۡضَاتَ أَزۡوَٰجِكَۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١
O Prophet, why do you prohibit [yourself from] what Allāh has made lawful for you, seeking the approval of your wives? And Allāh is Forgiving and Merciful.
(p-٢١٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ التَّحْرِيمِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآيَةَ.
تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ قَبْلَها بَيانُ عَلاقَةِ الأُمَّةِ بِالخِطابِ الخاصِّ بِهِ ﷺ وقَدِ اخْتُلِفَ في تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهُ بَيْنَ كَوْنِهِ العَسَلَ أوْ هو مارِيَةُ جارِيَتُهُ ﷺ وسَيَأْتِي زِيادَةُ إيضاحِهِ عَنِ الكَلامِ عَلى حُكْمِهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاةَ أزْواجِكَ﴾ [التحريم: ١]، ظاهِرٌ فِيهِ مَعْنى العِتابِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَبَسَ وتَوَلّى﴾ ﴿أنْ جاءَهُ الأعْمى﴾ ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكّى﴾ [عبس: ١ - ٣] .
وَكِلاهُما لَهُ عَلاقَةٌ بِالجانِبِ الشَّخْصِيِّ سَواءٌ ابْتِغاءُ مَرْضاةِ الأزْواجِ، أوِ اسْتِرْضاءُ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ، وهَذا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ التَّشْرِيعَ الإسْلامِيَّ لا مَدْخَلَ لِلْأغْراضِ الشَّخْصِيَّةِ فِيهِ.
وَبِهَذا نَأْخُذُ بِقِياسِ العَكْسِ دَلِيلًا واضِحًا عَلى بُطْلانِ قَوْلِ القائِلِينَ: إنَّ إعْمارَهُ ﷺ لِعائِشَةَ مِنَ التَّنْعِيمِ كانَ تَطْيِيبًا لِخاطِرِها، ولا يَصِحُّ لِأحَدٍ غَيْرَها.
وَمَحَلُّ الِاسْتِدْلالِ هو أنَّ مَن لَيْسَ لَهُ حَقٌّ في تَحْرِيمِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاةِ أزْواجِهِ لا يَحِلُّ لَهُ إحْلالُ وتَجْوِيزُ ما لا يَجُوزُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِهِنَّ، وهَذا ظاهِرٌ بَيِّنٌ، ولِلَّهِ الحَمْدُ.
أمّا تَحِلَّةُ اليَمِينِ وكَفّارَةُ الحَنْثِ وغَيْرُ ذَلِكَ، فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] .
أمّا حَقِيقَةُ التَّحْرِيمِ هُنا، ونَوْعُ الكَفّارَةِ، وهَلْ كَفَّرَ ﷺ عَنْ ذَلِكَ أمْ أنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهُ فَلَمْ يَحْتَجْ لِتَكْفِيرٍ، فَقَدْ أوْضَحَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في مُذَكِّرَةِ الإمْلاءِ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ.
(p-٢٢٠)وَفِي الأضْواءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في أوَّلِ سُورَةِ ”الأحْزابِ“: ﴿وَما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللّائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، وذَلِكَ أنَّ لِلْعُلَماءِ نَحْوُ عِشْرِينَ قَوْلًا، ورَجَّحَ القَوْلَ بِأنَّ التَّحْرِيمَ ظِهارٌ لِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ القُرْآنِ، وأنَّ القَوْلَ الَّذِي يَلِيهِ أنَّهُ يَمِينٌ، وناقَشَ المَسْألَةَ بِأدِلَّتِها هُناكَ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٤١٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ التَّحْرِيمِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ﴾ .
مَعَ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكم تَحِلَّةَ أيْمانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، يَجْرِي فِيهِ مِنَ الإشْكالِ.
والجَوابُ ما تَقَدَّمَ في سُورَةِ ”الطَّلاقِ“ .
66:2Page 560
قَدۡ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمۡ تَحِلَّةَ أَيۡمَٰنِكُمۡۚ وَٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٢
Allāh has already ordained for you [Muslims] the dissolution of your oaths.1 And Allāh is your protector, and He is the Knowing, the Wise.
No commentary for this ayah
66:3Page 560
وَإِذۡ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعۡضِ أَزۡوَٰجِهِۦ حَدِيثٗا فَلَمَّا نَبَّأَتۡ بِهِۦ وَأَظۡهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ عَرَّفَ بَعۡضَهُۥ وَأَعۡرَضَ عَنۢ بَعۡضٖۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتۡ مَنۡ أَنۢبَأَكَ هَٰذَاۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ٣
And [remember] when the Prophet confided to one of his wives a statement; and when she informed [another] of it and Allāh showed it to him, he made known part of it and ignored a part. And when he informed her about it, she said, "Who told you this?" He said, "I was informed by the Knowing, the Aware."
No commentary for this ayah
66:4Page 560
إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدۡ صَغَتۡ قُلُوبُكُمَاۖ وَإِن تَظَٰهَرَا عَلَيۡهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوۡلَىٰهُ وَجِبۡرِيلُ وَصَٰلِحُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ ٤
If you two [wives] repent to Allāh, [it is best], for your hearts have deviated. But if you cooperate against him - then indeed Allāh is his protector, and Gabriel and the righteous of the believers and the angels, moreover, are [his] assistants.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَتُوبا إلى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ .
أُطْلِقَتِ التَّوْبَةُ هُنا وقُيِّدَتْ في الآيَةِ بَعْدَها بِأنَّها تَوْبَةٌ نَصُوحٌ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨] .
وَحَقِيقَةُ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ وشُرُوطُها وآثارُها تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١] .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ . قالَ الشَّيْخُ في إمْلائِهِ: (صَغَتْ): بِمَعْنى مالَتْ ورَضِيَتْ وأحَبَّتْ ما كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . اهـ.
وَقالَ: (وقُلُوبُكُما) جَمْعٌ مَعَ أنَّهُ لِاثْنَتَيْنِ هُما حَفْصَةُ وعائِشَةُ، فَقِيلَ: لِأنَّ المَعْنى مَعْلُومٌ والجَمْعَ أخَفُّ مِنَ المُثَنّى إذا أُضِيفَ. وقِيلَ هو مِمّا اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنَيْنِ كَما في المِيراثِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كانَ لَهُ إخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١] .
وَجَوابُ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ تَعالى: إنْ تَتُوبا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ، فَذَلِكَ واجِبٌ عَلَيْكُما؛ لِأنَّ قُلُوبَكُما مالَتْ إلى ما لا يُحِبُّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . اهـ.
وَقَدَّرَهُ القُرْطُبِيُّ بِذَلِكَ خَيْرٌ لَكم ومَعْناهُما مُتَقارِبٌ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ .
قالَ أبُو حَيّانَ: الوَقْفُ عَلى (مَوْلاهُ)، وتَكُونُ الوَلايَةُ خاصَّةً بِاللَّهِ، ويَكُونُ (جِبْرِيلُ) مُبْتَدَأً وما بَعْدَهُ عُطِفَ عَلَيْهِ، (وظَهِيرٌ) خَبَرٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ جِبْرِيلُ ذُكِرَ مَرَّتَيْنِ بِالخُصُوصِ أوَّلًا وبِالعُمُومِ ثانِيًا.
وَقِيلَ: الوَقْفُ عَلى (جِبْرِيلَ) مَعْطُوفًا عَلى لَفْظِ الجَلالَةِ في الوِلايَةِ، ثُمَّ ابْتُدِئَ بِصالِحِ المُؤْمِنِينَ وعُطِفَ عَلَيْهِمُ المَلائِكَةُ، ويَدْخُلُ فِيهِمْ جِبْرِيلُ ضِمْنًا. اهـ.
(p-٢٢١)فَعَلى الوَقْفِ الأوَّلِ يَكُونُ دَرْجُ صالِحِ المُؤْمِنِينَ بَيْنَ جِبْرِيلَ وبَيْنَ المَلائِكَةِ تَنْبِيهًا عَلى عُلُوِّ مَنزِلَةِ صالِحِ المُؤْمِنِينَ، وبَيانِ مَنزِلَتِهِمْ مِن عُمُومِ المَلائِكَةِ بَعْدَ جِبْرِيلَ، وعَلى الوَقْفِ الثّانِي فِيهِ عِطْفُ جِبْرِيلَ عَلى لَفْظِ الجَلالَةِ في الوَلايَةِ بِالواوِ، ولَيْسَ فِيهِ ما يُوهِمُ التَّعارُضَ مَعَ الحَدِيثِ في ثُمَّ إذْ مَحَلُّ العَطْفِ هو الوِلايَةُ، وهي قَدْرٌ مُمْكِنٌ مِنَ الخَلْقِ ومِنَ اللَّهِ تَعالى كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وبِالمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢] لِأنَّ النَّصْرَ يَكُونُ مِنَ اللَّهِ ويَكُونُ مِنَ العِبادِ، مِن بابِ الأخْذِ بِالأسْبابِ: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٤٠] .
وَكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الحشر: ٨] .
وَقَوْلِهِ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]، بِخِلافِ سِياقِ الحَدِيثِ، فَقَدْ كانَ في مَوْضُوعِ المَشِيئَةِ حِينَما قالَ الأعْرابِيُّ: «ما شاءَ اللَّهُ وشِئْتَ. فَقالَ لَهُ ﷺ: ”أجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا ؟ قُلْ ما شاءَ اللَّهُ وحْدَهُ“»؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ المَشِيئَةِ لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير: ٢٩]، وكَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ [الرعد: ٣١]، وكَقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ﴾ [الروم: ٤] .
وَمِنَ اللَّطائِفِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ إلى آخِرِ ما سَمِعْتُهُ مِنَ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - أنَّهُ قالَ: إنَّ المُتَظاهِرَتَيْنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ امْرَأتانِ فَقَطْ تَآمَرَتا عَلَيْهِ فِيما بَيْنَهُما، فَجاءَ بَيانُ المُوالِينَ لَهُ ضِدَّهُما كُلَّ مَن ذُكِرَ في الآيَةِ. فَإنَّ اللَّهَ هو مَوْلاهُ وجِبْرِيلُ وصالِحُ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةُ، ما يَدُلُّ عَلى عِظَمِ كَيْدِهِنَّ وضَعْفِ الرِّجالِ أمامَهُنَّ، وقَدْ أشارَ إلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨]، بَيْنَما قالَ في كَيْدِ الشَّيْطانِ: ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦] .
وَقَدْ عَبَّرَ الشّاعِرُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
؎ما اسْتَعْظَمَ الإلَهُ كَيْدَهُنَّهْ إلّا لِأنَّهُنَّ هُنَّ هُنَّهْ
66:5Page 560
عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبۡدِلَهُۥٓ أَزۡوَٰجًا خَيۡرٗا مِّنكُنَّ مُسۡلِمَٰتٖ مُّؤۡمِنَٰتٖ قَٰنِتَٰتٖ تَٰٓئِبَٰتٍ عَٰبِدَٰتٖ سَٰٓئِحَٰتٖ ثَيِّبَٰتٖ وَأَبۡكَارٗا ٥
Perhaps his Lord, if he divorced you [all], would substitute for him wives better than you - submitting [to Allāh], believing, devoutly obedient, repentant, worshipping, and traveling1 - [ones] previously married and virgins.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وأبْكارًا﴾ .
فِيهِ بَيانُ أنَّ الخَيْرِيَّةَ الَّتِي يَخْتارُها اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ في النِّساءِ هي تِلْكَ الصِّفاتُ مِنَ الإيمانِ والصَّلاحِ.
(p-٢٢٢)وَجاءَ الحَدِيثُ «فَعَلَيْكَ بِذاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَمِينُكَ» .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] .
وَفِي تَقْدِيمِ الثَّيِّباتِ عَلى الأبْكارِ هُنا في مَعْرِضِ التَّخْيِيرِ ما يُشْعِرُ بِأوْلَوِيَّتِهِنَّ، مَعَ أنَّ الحَدِيثَ: «هَلّا بِكْرًا تُداعِبُكَ وتُداعِبُها»، ونِساءُ الجَنَّةِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إنْسٌ قَبْلَهم ولا جانٌّ، فَفِيهِ أوْلَوِيَّةُ الأبْكارِ، وقَدْ أجابَ المُفَسِّرُونَ بِأنَّ هَذا لِلتَّنْوِيعِ فَقَطْ، وأنَّ الثَّيِّباتِ في الدُّنْيا والأبْكارَ في الجَنَّةِ كَمَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرانَ، والَّذِي يَظْهَرُ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، أنَّهُ لَمّا كانَ في مَقامِ الِانْتِصارِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَنْبِيهِهِنَّ لِما يَلِيقُ بِمَقامِهِ عِنْدَهُنَّ ذَكَرَ مِنَ الصِّفاتِ العالِيَةِ دِينًا وخُلُقًا، وقَدَّمَ الثَّيِّباتِ؛ لِيُبَيِّنَ أنَّ الخَيْرِيَّةَ فِيهِنَّ بِحَسَبِ العِشْرَةِ ومَحاسِنِ الأخْلاقِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ﴾، لَمْ يُبَيِّنْ هَلْ طَلَّقَهُنَّ، أمْ لا ؟ مَعَ أنَّ عَسى مِنَ اللَّهِ لِلتَّحْقِيقِ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَقَعْ طَلاقُهُنَّ كَما بَيَّنَهُ تَعالى في سُورَةِ ”الأحْزابِ“، بِأنَّهُ تَعالى خَيَّرَهُنَّ بَيْنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وبَيْنَ الحَياةِ الدُّنْيا وزِينَتِها، فاخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَلَمْ يُطَلِّقْهُنَّ، ولَمْ يُبْدِلْهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنهُنَّ.
وَقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - هَذِهِ المَسْألَةَ وإخْلالَ الزَّواجِ إلَيْهِ وتَحْرِيمَ النِّساءِ بَعْدَهُنَّ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٥٠] .
وَقَوْلِهِ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] .
وَقَوْلِهِ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٥٢] .
وَبَيَّنَ النّاسِخَ مِنَ المَنسُوخِ في ذَلِكَ في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ.
66:6Page 560
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَيۡهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٞ شِدَادٞ لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ ٦
O you who have believed, protect yourselves and your families from a Fire whose fuel is people and stones, over which are [appointed] angels, harsh and severe; they do not disobey Allāh in what He commands them but do what they are commanded.
No commentary for this ayah
66:7Page 560
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَعۡتَذِرُواْ ٱلۡيَوۡمَۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٧
O you who have disbelieved, make no excuses that Day. You will only be recompensed for what you used to do.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا اليَوْمَ﴾ .
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا نَوْعَ الِاعْتِذارِ الَّذِي نُهُوا عَنْهُ ولا سَبَبَ النَّهْيِ عَنْهُ لِماذا ؟ ولا زَمَنَهُ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى نَوْعَ اعْتِذارِهِمْ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا ادّارَكُوا فِيها جَمِيعًا قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ﴾ [الأعراف: ٣٨] .
وَكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الأنعام: ٢٣] .
(p-٢٢٣)وَكَقَوْلِهِ بَعْدَها: ﴿وَلَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ٢٧] فَهَذا غايَةٌ في الِاعْتِذارِ، ولَكِنَّهم نُهُوا عَنْهُ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يالَيْتَنا نُرَدُّ﴾، أيْ: إلى الدُّنْيا.
وَقَدْ نُهُوا عَنْ هَذا الِاعْتِذارِ؛ لِأنَّهُ لا يَنْفَعُهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهم ولا هم يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم: ٥٧] .
وَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهم ولَهُمُ اللَّعْنَةُ ولَهم سُوءُ الدّارِ﴾ [غافر: ٥٢] .
66:8Page 561
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيُدۡخِلَكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يَوۡمَ لَا يُخۡزِي ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥۖ نُورُهُمۡ يَسۡعَىٰ بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتۡمِمۡ لَنَا نُورَنَا وَٱغۡفِرۡ لَنَآۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٨
O you who have believed, repent to Allāh with sincere repentance. Perhaps1 your Lord will remove from you your misdeeds and admit you into gardens beneath which rivers flow [on] the Day when Allāh will not disgrace the Prophet and those who believed with him. Their light will proceed before them and on their right; they will say, "Our Lord, perfect for us our light and forgive us. Indeed, You are over all things competent."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ .
تَقَدَّمَتِ الإحالَةُ عَلى كَلامِ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في بَيانِ أنْواعِ التَّوْبَةِ، وشُرُوطِ كَوْنِها نَصُوحًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [النور: ٣١] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُورُهم يَسْعى بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
تَقَدَّمَ بَيانُ هَذا النُّورِ وحالَتِهِمْ تِلْكَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في سُورَةِ ”الحَدِيدِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾ [الحديد: ١٢] .
66:9Page 561
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٩
O Prophet, strive against the disbelievers and the hypocrites and be harsh upon them. And their refuge is Hell, and wretched is the destination.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ .
فِيهِ الأمْرُ بِقِتالِ الكُفّارِ، والمُنافِقِينَ والغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ، ومَعْلُومٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قاتَلَ الكُفّارَ، ولَمْ يُعْلَمْ أنَّهُ قاتَلَ المُنافِقِينَ قِتالَهُ لِلْكُفّارِ، فَما نَوَّعَ قِتالَهُ ﷺ لِلْمُنافِقِينَ وبَيَّنَهُ ؟ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٢]، أيْ: بِالقُرْآنِ لِقَوْلِهِ قَبْلَهُ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلّا كُفُورًا ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا فَلا تُطِعِ الكافِرِينَ وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٠] .
وَمَعْلُومٌ أنَّ المُنافِقِينَ كافِرُونَ، فَكانَ جِهادُهُ ﷺ لِلْكُفّارِ بِالسَّيْفِ ومَعَ المُنافِقِينَ بِالقُرْآنِ.
(p-٢٢٤)كَما جاءَ عَنْهُ ﷺ في عَدَمِ قَتْلِهِمْ؛ لِئَلّا يَتَحَدَّثَ النّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ، ولَكِنْ كانَ جِهادُهم بِالقُرْآنِ لا يَقِلُّ شِدَّةً عَلَيْهِمْ مِنَ السَّيْفِ، لِأنَّهم أصْبَحُوا في خَوْفٍ وذُعْرٍ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ، وأصْبَحَتْ قُلُوبُهم خاوِيَةً كَأنَّهم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ، وهَذا أشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنَ المُلاقاةِ بِالسَّيْفِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
66:10Page 561
ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمۡرَأَتَ نُوحٖ وَٱمۡرَأَتَ لُوطٖۖ كَانَتَا تَحۡتَ عَبۡدَيۡنِ مِنۡ عِبَادِنَا صَٰلِحَيۡنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمۡ يُغۡنِيَا عَنۡهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗا وَقِيلَ ٱدۡخُلَا ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّٰخِلِينَ ١٠
Allāh presents an example of those who disbelieved: the wife of Noah and the wife of Lot. They were under two of Our righteous servants but betrayed them,1 so they [i.e., those prophets] did not avail them from Allāh at all, and it was said, "Enter the Fire with those who enter."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأةَ نُوحٍ وامْرَأةَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ .
أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ هُنا عَلى أنَّ الخِيانَةَ لَيْسَتْ زَوْجِيَّةً.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نِساءُ الأنْبِياءِ مَعْصُوماتٌ، ولَكِنَّها خِيانَةٌ دِينِيَّةٌ بِعَدَمِ إسْلامِهِنَّ وإخْبارِ أقْوامِهِنَّ بِمَن يُؤْمِنَّ مَعَ أزْواجِهِنَّ. اهـ.
وَقَدْ يُسْتَأْنَسُ لِقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ هَذا بِتَحْرِيمِ التَّزَوُّجِ مِن نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَهُ، والتَّعْلِيلُ لَهُ بِأنَّ ذَلِكَ يُؤْذِيهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ ولا أنْ تَنْكِحُوا أزْواجَهُ مِن بَعْدِهِ أبَدًا إنَّ ذَلِكم كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣] .
فَإذا كانَ تَساؤُلُهُنَّ بِدُونِ حِجابٍ يُؤْذِيهِ، والزَّواجُ بِهِنَّ مِن بَعْدِهِ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، فَكَيْفَ إذا كانَ غَيْرُ التَّساؤُلِ وبِغَيْرِ الزَّواجِ ؟ إنَّ مَكانَةَ الأنْبِياءِ عِنْدَ اللَّهِ أعْظَمُ مِن ذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، فِيهِ بَيانُ أنَّ العَلاقَةَ الزَّوْجِيَّةَ لا تَنْفَعُ شَيْئًا مَعَ الكُفْرِ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى ما هو أهَمُّ مِن ذَلِكَ في عُمُومِ القَراباتِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ ولا بَنُونَ﴾ [الشعراء: ٨٨] .
وَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ المَرْءُ مِن أخِيهِ وأُمِّهِ وأبِيهِ﴾ الآيَةَ [عبس: ٣٤ - ٣٥] .
وَجَعَلَ اللَّهُ هاتَيْنِ المَرْأتَيْنِ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا، وهو شامِلٌ لِجَمِيعِ الأقارِبِ كَما قَدَّمْنا.
وَقَدْ سَمِعْتُ مِنَ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في مَعْرِضِ مُحاضَرَةٍ لَهُ الِاسْتِطْرادَ في ذَلِكَ، وذَكَرَ قِصَّةَ هاتَيْنِ المَرْأتَيْنِ، وقِصَّةَ إبْراهِيمَ مَعَ أبِيهِ ونُوحٍ مَعَ ولَدِهِ، فاسْتَكْمَلَ جِهاتِ القَراباتِ زَوْجَةٍ مَعَ زَوْجِها، ووَلَدٍ مَعَ والِدِهِ، ووالِدٍ مَعَ ولَدِهِ. وذَكَرَ حَدِيثَ. «يا فاطِمَةُ اعْمَلِي؛ فَإنِّي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا» .
ثُمَّ قالَ: لِيَعْلَمِ المُسْلِمُ أنَّ أحَدًا لا يَمْلِكُ نَفْعَ أحَدٍ يَوْمَ القِيامَةِ، ولَوْ كانَ أقْرَبَ قَرِيبٍ (p-٢٢٥)إلّا بِواسِطَةِ الإيمانِ بِاللَّهِ، وبِما يُكْرِمُ اللَّهُ بِهِ مَن شاءَ بِالشَّفاعَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّتُهم بِإيمانٍ ألْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآيَةَ [الطور: ٢١] .
66:11Page 561
وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱمۡرَأَتَ فِرۡعَوۡنَ إِذۡ قَالَتۡ رَبِّ ٱبۡنِ لِي عِندَكَ بَيۡتٗا فِي ٱلۡجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرۡعَوۡنَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ١١
And Allāh presents an example of those who believed: the wife of Pharaoh, when she said, "My Lord, build for me near You a house in Paradise and save me from Pharaoh and his deeds and save me from the wrongdoing people."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأةَ فِرْعَوْنَ إذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ ونَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وعَمَلِهِ ونَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ .
جاءَ في هَذا المَثَلِ بَيانٌ مُقابِلٌ لِلْبَيانِ المُتَقَدِّمِ والمَفْهُومِ المُخالِفِ لَهُ، وهو أنَّ المُؤْمِنَ لا تَضُرُّهُ مُعاشَرَةُ الكافِرِ، كَما أنَّ الكافِرَ لا تَنْفَعُهُ مُعاشَرَةُ المُؤْمِنِ، وفي هَذا المَثَلِ قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في مُذَكِّرَةِ الإمْلاءِ:
لَقَدِ اخْتارَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ في طَلَبِها حُسْنَ الجِوارِ قَبْلَ الدّارِ. اهـ.
أيْ: في قَوْلِها: ﴿ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ الآيَةَ [التحريم: ١١] .
66:12Page 561
وَمَرۡيَمَ ٱبۡنَتَ عِمۡرَٰنَ ٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتۡ بِكَلِمَٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتۡ مِنَ ٱلۡقَٰنِتِينَ ١٢
And [the example of] Mary, the daughter of ʿImrān, who guarded her chastity, so We blew into [her garment] through Our angel [i.e., Gabriel], and she believed in the words of her Lord and His scriptures and was of the devoutly obedient.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَةَ عِمْرانَ الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِن رُوحِنا﴾ .
بَيَّنَ تَعالى المُرادَ بِالرُّوحِ بِأنَّهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]، وهو جِبْرِيلُ.
كَما في قَوْلِهِ: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ﴾ أيْ نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالقُرْآنِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى النَّصارى اسْتِدْلالَهم بِها عَلى أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ابْنُ اللَّهِ ومِن رُوحِهِ تَعالى، سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا، وبَيانُ هَذا الرَّدِّ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا﴾ تَعْدِيَةُ أرْسَلَ بِنَفْسِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الَّذِي أُرْسِلَ يُمْكِنُ إرْسالُهُ بِنَفْسِهِ، وهو فَرْقٌ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، بَيْنَما يُرْسِلُ نَفْسَهُ وما يُرْسِلُ مَعَ غَيْرِهِ كالرِّسالَةِ والهَدِيَّةِ، فَيُقالُ فِيهِ: أرْسَلْتُ إلَيْهِ بِكَذا، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَإنِّي مُرْسِلَةٌ إلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ الآيَةَ [النمل: ٣٥] .
فالهَدِيَّةُ لا تُرْسَلُ بِنَفْسِها، ومِثْلُهُ بَعَثْتُ، تَقُولُ: بَعَثْتُ البَعِيرَ مِن مَكانِهِ، وبَعَثْتُ مَبْعُوثًا، وبَعَثْتُ بِرِسالَةٍ، ثانِيًا قَوْلُهُ: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها﴾ لَفْظُ الرُّوحِ مُؤَنَّثٌ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٤]، أنَّثَ الفِعْلَ في بَلَغَتْ، وهُنا الضَّمِيرُ مُذَكَّرٌ عائِدٌ لِجِبْرِيلَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾، ولَوْ أنَّهُ مِن رُوحِ اللَّهِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ النَّصارى، لَما كانَ في حاجَةٍ إلى هَذا التَّمْثِيلِ.
(p-٢٢٦)ثالِثًا قَوْلُهُ لَها: ﴿إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: ١٩] ورَسُولُ رَبِّها هو جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَيْسَ رُوحَهُ تَعالى.
رابِعًا: قَوْلُهُ: ﴿لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٩]، ولَمْ يُقَلْ لِأهَبَ لَكِ رُوحًا مِنَ اللَّهِ.
وَمِن هَذا أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧١] يَعْنِي آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]، أيْ: نَفَخْتُ فِيهِ الرُّوحَ الَّتِي بِها الحَياةُ: ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩] . فَلَوْ أنَّ الرُّوحَ مِنَ اللَّهِ لَكانَ آدَمُ أوْلى مِن عِيسى؛ لِأنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ إرْسالَ رَسُولٍ لَهُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، فَكَذَلِكَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا بَشَّرَتْها بِهِ المَلائِكَةُ: ﴿قالَتْ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٤٧]، فَكُلٌّ مِن آدَمَ وعِيسى، قالَ لَهُ تَعالى: كُنْ فَكانَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَتْ مِنَ القانِتِينَ﴾ .
لا يَخْفى ما يَسْبِقُ إلى الذِّهْنِ مِن أنَّ المَرْأةَ لَيْسَتْ مِنَ الرِّجالِ، وهو تَعالى لَمْ يَقُلْ مِنَ القانِتاتِ.
الجَوابُ هو إطْباقُ أهْلِ اللِّسانِ العَرَبِيِّ عَلى تَغْلِيبِ الذَّكَرِ عَلى الأُنْثى في الجَمْعِ، فَلَمّا أرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ مَرْيَمَ مِن عِبادِ اللَّهِ القانِتِينَ وكانَ مِنهم ذُكُورٌ وإناثٌ غَلَّبَ الذُّكُورَ كَما هو الواجِبُ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٢٩]، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّها كانَتْ مِن قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ [النمل: ٤٣] .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences