Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
الملك
Al-Mulk
The Sovereignty · Meccan · 30 ayahs
67:1Page 562
تَبَٰرَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلۡمُلۡكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١
Blessed is He in whose hand is dominion, and He is over all things competent -
(p-٢٢٧)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُلْكِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - مَعْنى تَبارَكَ، وذَكَرَ أقْوالَ المُفَسِّرِينَ واخْتِلافَهم في مَعْناها. ورَجَّحَ أنَّهُ بِحَسَبِ اللُّغَةِ والِاشْتِقاقِ أنَّهُ تَفاعُلٌ مِنَ البَرَكَةِ، والمَعْنى: تَكاثَرَتِ البَرَكاتُ والخَيْراتُ مِن قَبْلِهِ، وهَذا يَسْتَلْزِمُ عَظَمَتَهُ وتَقْدِيسَهُ. . إلَخْ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَنْبِيهًا في عَدَمِ تَصْرِيفِها واخْتِصاصِها بِاللَّهِ تَعالى. وإطْلاقُ العَرَبِ إيّاها عَلى اللَّهِ تَعالى.
وَقالَ في إمْلائِهِ: ﴿الَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ﴾ . أيْ: نُفُوذُ المَقْدُورِ في كُلِّ شَيْءٍ يَتَصَرَّفُ في كُلِّ شَيْءٍ بِما يَشاءُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ. اهـ.
والتَّقْدِيمُ لِلْمَوْصُولِ وصِلَتِهِ هُنا بِالصِّفَةِ الخاصَّةِ بِهِ تَعالى، وهي قَوْلُهُ تَعالى: تَبارَكَ يَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ المَوْصُولِ.
وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٣]؛ لِأنَّ التَّقْدِيمَ بِالتَّسْبِيحِ وهو التَّنْزِيهُ يُساوِي التَّقْدِيمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: تَبارَكَ، والمَوْصُولُ بَعْدَ التَّسْبِيحِ بِصِلَتِهِ كالمَوْصُولِ بَعْدَ تَبارَكَ وصِلَتِهِ سَواءٌ بِسَواءٍ، وهَذا يُؤَيِّدُ ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في إمْلائِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلى الفَرْقِ بَيْنَ المَلِكِ والمالِكِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣]، وهُنا تَجْتَمِعُ الصِّفَتانِ، فالَّذِي بِيَدِهِ المُلْكُ ومَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ هو المالِكُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْهِ، وهو رَبُّ العالَمِينَ سُبْحانَهُ.
67:2Page 562
ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ ٢
[He] who created death and life to test you [as to] which of you is best in deed - and He is the Exalted in Might, the Forgiving -
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ .
تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِما يُوَضِّحُها مِن (p-٢٢٨)الآياتِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقَبْلَها في سُورَةِ ”هُودٍ“ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧] .
وَقالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - في إمْلائِهِ: جَعَلَ لِلْعالَمِ مَوْتَتَيْنِ وإحْياءَتَيْنِ، وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢٨] .
والآيَةُ تَدُلُّ عَنْ أنَّ المَوْتَ أمْرٌ وُجُودِيٌّ لا عَدَمِيٌّ كَما زَعَمَ الفَلاسِفَةُ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ عَدَمِيًّا لَما تَعَلَّقَ بِهِ الخَلْقُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: الآيَةَ.
ذِكْرُ خَلْقِ السَّماواتِ السَّبْعِ الطِّباقِ عَلى هَذا النَّحْوِ دُونَ تَفاوُتٍ أوْ فُطُورٍ بَعْدَ ذِكْرِ أوَّلِ السُّورَةِ، يَدُلُّ عَلى أنَّ خَلْقَ هَذِهِ السَّبْعِ مِن كَمالِ قُدْرَتِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - الحِكْمَةَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ضِمْنَ تَنْبِيهٍ عَقَدَهُ في أواخِرِ سُورَةِ ”الذّارِياتِ“ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - مَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ، والآياتِ المُوَضِّحَةِ لَها عِنْدَ الكَلامِ عَلى أوَّلِ سُورَةِ ”ق“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهم كَيْفَ بَنَيْناها وزَيَّنّاها وما لَها مِن فُرُوجٍ﴾ [ق: ٦] وقالَ في إمْلائِهِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ﴾ عامٌّ في جَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ، مِن مَعْنى الِاسْتِواءِ والحِكْمَةِ والدِّقَّةِ في الصُّنْعِ، وتَدْخُلُ السَّماواتُ في ذَلِكَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] . وإتْقانُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] .
وَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وبَدَأ خَلْقَ الإنْسانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧] . وهَذا الحالُ لِلسَّماءِ في الدُّنْيا فَقَطْ، وسَتَنْفَطِرُ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الإنفطار: ١]: ﴿إذا السَّماءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق: ١]: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ [الفرقان: ٢٥] ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ .
تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ (p-٢٢٩)[الأنبياء: ٣٢] في سُورَةِ الأنْبِياءِ.
وَعِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوْقَهُمْ﴾ [ق: ٦] في سُورَةِ ”ق“ ولَعَلَّ مَجِئَ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ: ﴿لِيَبْلُوَكم أيُّكم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] تَوْجِيهٌ إلى حُسْنِ صُنْعِ اللَّهِ وإبْداعِهِ في خَلْقِهِ: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] .
67:3Page 562
ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗاۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلۡقِ ٱلرَّحۡمَٰنِ مِن تَفَٰوُتٖۖ فَٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ هَلۡ تَرَىٰ مِن فُطُورٖ ٣
[And] who created seven heavens in layers.1 You do not see in the creation of the Most Merciful any inconsistency. So return [your] vision [to the sky]; do you see any breaks?
No commentary for this ayah
67:4Page 562
ثُمَّ ٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ كَرَّتَيۡنِ يَنقَلِبۡ إِلَيۡكَ ٱلۡبَصَرُ خَاسِئٗا وَهُوَ حَسِيرٞ ٤
Then return [your] vision twice again.1 [Your] vision will return to you humbled while it is fatigued.
No commentary for this ayah
67:5Page 562
وَلَقَدۡ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلۡنَٰهَا رُجُومٗا لِّلشَّيَٰطِينِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ ٥
And We have certainly beautified the nearest heaven with lamps [i.e., stars] and have made [from] them what is thrown at the devils1 and have prepared for them the punishment of the Blaze.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ وأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ .
تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ زِينَةِ السَّماءِ بِالمَصابِيحِ، وجَعْلِها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ بَيانًا كامِلًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا وزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ وحَفِظْناها مِن كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ إلّا ﴿مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٦ - ١٨] .
وَقَدْ ذَكَرَ طَرَفًا مِن هَذا البَحْثِ في سُورَةِ ”الفُرْقانِ“ لا بُدَّ مِن ضَمِّهِ إلى هَذا المَبْحَثِ هُناكَ؛ لِارْتِباطِ بَعْضِها بِبَعْضٍ.
تَنْبِيهٌ
فَقَدْ ظَهَرَتْ تِلْكَ المُخْتَرَعاتُ الحَدِيثَةُ، ونادى أصْحابُ النَّظَرِيّاتِ الجَدِيدَةِ والنّاسُ يَنْقَسِمُونَ إلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يُبادِرُ بِالإنْكارِ، وآخَرُ يُسارِعُ لِلتَّصْدِيقِ، وقَدْ يَسْتَدِلُّ كُلٌّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ بِنُصُوصٍ مِنَ القُرْآنِ أوِ السُّنَّةِ. ولَعَلَّ مِنَ الأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ النَّظَرِيّاتِ الحَدِيثَةَ قِسْمانِ: نَظَرِيَّةٌ تَتَعارَضُ مَعَ صَرِيحِ القُرْآنِ، فَهَذِهِ مَرْدُودَةٌ بِلا نِزاعٍ كَنَظَرِيَّةِ ثُبُوتِ الشَّمْسِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ [يس: ٣٨] .
وَنَظَرِيَّةٌ لا تَتَعارَضُ مَعَ نَصِّ القُرْآنِ ولَمْ يَنُصَّ عَلَيْها، ولَيْسَ عِنْدَنا مِن وسائِلِ العِلْمِ ما يُؤَيِّدُها ولا يَرْفُضُها. فالأوْلى أنْ يَكُونَ مَوْقِفُنا مَوْقِفَ التَّثَبُّتِ ولا نُبادِرُ بِحُكْمٍ قاطِعٍ إيجابًا أوْ نَفْيًا، وذَلِكَ أخْذًا مِن قَضِيَّةِ الهُدْهُدِ وسَبَأٍ مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمانَ لَمّا جاءَ يُخْبِرُهم، وكانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَعْلَمْ عَنْهم شَيْئًا فَلَمْ يُكَذِّبِ الخَبَرَ بِكَوْنِهِ مِنَ الهُدْهُدِ ولَمْ يُصَدِّقْهُ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ عَنْهم سابِقًا، مَعَ أنَّهُ وصَفَ حالَهم وصْفًا دَقِيقًا.
وَكانَ مَوْقِفُهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَوْقِفَ التَّثَبُّتِ مَعَ ما لَدَيْهِ مِن إمْكانِيّاتِ الكَشْفِ والتَّحْقِيقِ مِنَ (p-٢٣٠)الرِّيحِ، والطَّيْرِ، والجِنِّ، فَقالَ لِلْمُخْبِرِ وهو الهُدْهُدُ: سَنَنْظُرُ، أصْدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ.
وَنَحْنُ في هَذِهِ الآوِنَةِ لَسْنا أشَدَّ إمْكانِيّاتٍ مِن نَبِيِّ اللَّهِ سُلَيْمانَ آنَذاكَ، ولَيْسَ المُخْبِرُونَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ النَّظَرِيّاتِ أقَلَّ مِنَ الهُدْهُدِ، فَلْيَكُنْ مَوْقِفُنا عَلى الأقَلِّ مَوْقِفَ مَن سَيَنْظُرُ أيُصَدِّقُ الخَبَرَ أمْ يُظْهِرُ كَذِبَهُ ؟ والغَرَضُ مِن هَذا التَّنْبِيهِ هو ألّا نُحَمِّلَ لَفْظَ القُرْآنِ فِيما هو لَيْسَ صَرِيحًا فِيهِ ما لا يَحْتَمِلُهُ، ثُمَّ يَظْهَرُ كَذِبُ النَّظَرِيَّةِ أوْ صِدْقُها، فَنَجْعَلُ القُرْآنَ في مَعْرِضِ المُقارَنَةِ مَعَ النَّظَرِيّاتِ الحَدِيثَةِ، والقُرْآنُ فَوْقَ ذَلِكَ كُلِّهِ: ﴿لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ﴾ .
المَنصُوصُ هُنا إرْجاعُ البَصَرِ كَرَّتَيْنِ، ولَكِنْ حَقِيقَةُ النَّظَرِ أرْبَعُ مَرّاتٍ.
الأُولى في قَوْلِهِ: ﴿ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] .
والثّانِيَةُ في قَوْلِهِ: ﴿فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ﴾ [الملك: ٣] .
والثّالِثَةُ والرّابِعَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] .
وَلَيْسَ بَعْدَ مُعاوَدَةِ النَّظَرِ أرْبَعَ مَرّاتٍ مِن تَأْكِيدٍ، والحَسِيرُ: العَيِيُّ الكَلِيلُ العاجِزُ المُتَقَطِّعُ دُونَ غايَةٍ، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎مَن مَدَّ طَرَفًا إلى ما فَوْقَ غايَتِهِ ارْتَدَّ خَسْآنَ مِنَ الطَّرَفِ قَدْ حَسَرا
قالَ القُرْطُبِيُّ: يُقالُ قَدْ حَسُرَ بَصَرُهُ يَحْسُرُ حُسُورًا، أيْ: كَلَّ وانْقَطَعَ نَظَرُهُ مِن طُولِ مَدًى، وما أشْبَهَ ذَلِكَ فَهو حَسِيرٌ ومَحْسُورٌ أيْضًا.
قالَ:
؎نَظَرْتُ إلَيْها بِالمُحَصَّبِ مِن مِنًى ∗∗∗ فَعادَ إلَيَّ الطَّرَفُ وهو حَسِيرُ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا﴾ .
فالدُّنْيا تَأْنِيثُ الأدْنى أيِ: السَّماءُ المُوالِيَةُ لِلْأرْضِ، ومَفْهُومُهُ أنَّ بَقِيَّةَ السَّماواتِ لَيْسَتْ فِيها مَصابِيحُ الَّتِي هي النُّجُومُ والكَواكِبُ كَما قالَ: ﴿بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ [الصافات: ٦] . ويَدُلُّ لِهَذا (p-٢٣١)المَفْهُومِ ما جاءَ بِهِ عَنْ قَتادَةَ: أنَّ اللَّهَ جَعَلَ النُّجُومَ لِثَلاثَةِ أُمُورٍ: أمْرانِ هُنا، وهُما: زِينَةُ السَّماءِ الدُّنْيا ورُجُومًا لِلشَّياطِينِ. والثّالِثَةُ عَلاماتٌ واهْتِداءٌ في البَرِّ والبَحْرِ، وهَذِهِ الأُمُورُ الثَّلاثَةُ تَتَعَلَّقُ بِالسَّماءِ الدُّنْيا. لِأنَّ الشَّياطِينَ لا تَنْفُذُ إلى السَّماواتِ الأُخْرى؛ لِأنَّها أجْرامٌ مَحْفُوظَةٌ، كَما في حَدِيثِ الإسْراءِ: «لَها أبْوابٌ وتُطْرَقُ ولا يَدْخُلُ مِنها إلّا بِإذْنٍ» .
وَكَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا واسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهم أبْوابُ السَّماءِ﴾ [الأعراف: ٤٠] .
وَكَذَلِكَ لَيْسَ هُناكَ مَن يَحْتاجُ إلى اهْتِداءٍ بِها في سَيْرِهِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ كُلٌّ في وضْعِهِ الَّذِي أوْجَدَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، ولِأنَّ الزِّينَةَ لَنْ تُرى لِوُجُودِ جِرْمِ السَّماءِ الدُّنْيا، فَثَبَتَ أنَّ النُّجُومَ خاصَّةٌ بِالسَّماءِ الدُّنْيا.
وَقَدْ أشارَ تَعالى إلى ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا زَيَّنّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وَحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ [الصافات: ٦ - ٧] .
وَمَفْهُومُ الدُّنْيا عَدَمُ وُجُودِها فِيما بَعْدَها، ولا وُجُودَ لِلشَّيْطانِ في غَيْرِ السَّماءِ الدُّنْيا.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْناها رُجُومًا لِلشَّياطِينِ﴾ .
هِيَ الشُّهُبُ مِنَ النّارِ، والشُّهُبُ النّارُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أوْ آتِيكم بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكم تَصْطَلُونَ﴾ [النمل: ٧]، والرُّجُومُ والشُّهُبُ هي الَّتِي تُرْمى بِها الشَّياطِينُ عِنْدَ اسْتِراقِ السَّمْعِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهابًا رَصَدًا﴾ [الجن: ٩] .
وَقَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠] .
وَهُنا سُؤالٌ، وهو إذا كانَ الجِنُّ مِن نارٍ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥]، فَكَيْفَ تَحْرِقُهُ النّارُ ؟
فَأجابَ عَنْهُ الفَخْرُ الرّازِيُّ بِقَوْلِهِ: إنَّ النّارَ يَكُونُ بَعْضُها أقْوى مِن بَعْضٍ، فالأقْوى يُؤَثِّرُ عَلى الأضْعَفِ، ومِمّا يَشْهَدُ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَهُ ﴿وَأعْتَدْنا لَهم عَذابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ٥] والسَّعِيرُ: أشَدُّ النّارِ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ النّارَ طَبَقاتٌ بَعْضُها أشَدُّ مِن بَعْضٍ، وهَذا أمْرٌ مَلْمُوسٌ، فَقَدْ تَكُونُ الآلَةُ مَصْنُوعَةً مِن حَدِيدٍ وتُسَلَّطَ عَلَيْها آلَةٌ مِن حَدِيدٍ أيْضًا، أقْوى مِنها فَتَكْسِرُها.
(p-٢٣٢)كَما قِيلَ: لا يَفِلُّ الحَدِيدَ إلّا الحَدِيدُ، فَلا يَمْنَعُ كَوْنُ أصْلِهِ مِن نارٍ ألّا يَتَعَذَّبَ بِالنّارِ، كَما أنَّ أصْلَ الإنْسانِ مِن طِينٍ مِن حَمَأٍ مَسْنُونٍ، ومِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ، وبَعْدَ خَلْقِهِ فَإنَّهُ لا يَحْتَمِلُ التَّعْذِيبَ بِالصَّلْصالِ ولا بِالفَخّارِ، فَقَدْ يُقْضى عَلَيْهِ بِضَرْبَةٍ مِن قِطْعَةٍ مِن فَخّارٍ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
67:6Page 562
وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٦
And for those who disbelieved in their Lord is the punishment of Hell, and wretched is the destination.
No commentary for this ayah
67:7Page 562
إِذَآ أُلۡقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقٗا وَهِيَ تَفُورُ ٧
When they are thrown into it, they hear from it a [dreadful] inhaling while it boils up.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ .
قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في إمْلائِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: إثْباتٌ أنَّ لِلنّارِ حِسًّا وإدْراكًا وإرادَةً، والقُرْآنُ أثْبَتَ لِلنّارِ أنَّها تَغْتاظُ وتُبْصِرُ وتَتَكَلَّمُ وتَطْلُبُ المَزِيدَ، كَما قالَ هُنا: ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] .
وَقالَ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ [الفرقان: ١٢] .
وَقالَ: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وتَقُولُ هَلْ مِن مَزِيدٍ﴾ [ ٥٠ ] .
67:8Page 562
تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۖ كُلَّمَآ أُلۡقِيَ فِيهَا فَوۡجٞ سَأَلَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَذِيرٞ ٨
It almost bursts with rage. Every time a company is thrown into it, its keepers ask them, "Did there not come to you a warner?"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَألَهم خَزَنَتُها﴾ .
بَيَّنَ تَعالى أنَّ لِلنّارِ خَزَنَةً، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ هَؤُلاءِ الخَزَنَةَ هُمُ المَلائِكَةُ المُوَكَّلُونَ بِالنّارِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] .
كَما بَيَّنَ عِدَّتَهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [ ٧٤ ] .
وَقالَ: ﴿وَما جَعَلْنا أصْحابَ النّارِ إلّا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهم إلّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر: ٣١] .
وَقالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في إمْلائِهِ: دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أنَّ أهْلَ النّارِ يَدْخُلُونَها جَماعَةً بَعْدَ جَماعَةٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأنفال: ٣٨] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ .
قالَ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في إمْلائِهِ: هَذا سُؤالُ المَلائِكَةِ لِأهْلِ النّارِ، والنَّذِيرُ بِمَعْنى المُنْذِرِ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مُفْعِلٍ، وإنْ ذُكِرَ عَنِ الأصْمَعِيِّ إنْكارَهُ ونَظِيرُهُ مِنَ (p-٢٣٣)القُرْآنِ: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ﴾ [البقرة: ١١٧]: بِمَعْنى مُبْدِعٍ، و ألِيمٌ [البقرة: ١٠]: بِمَعْنى مُؤْلِمٍ.
وَمِن كَلامِ العَرَبِ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِيكَرِبَ:
؎أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعِ يُؤَرِّقُنِي وأصْحابِي هُجُوعُ
فالسَّمِيعُ بِمَعْنى المُسْمِعِ.
وَقَوْلُ غَيْلانَ:
؎وَيَرْفَعُ مِن صُدُورِ شَمَرْدَلاتٍ ∗∗∗ يَصُدُّ وُجُوهَها وهَجٌ ألِيمٌ
أيْ: مُؤْلِمٌ، والإنْذارُ إعْلامٌ مُقْتَرِنٌ بِتَخْوِيفٍ.
وَقالَ: وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعَذِّبُ بِالنّارِ أحَدًا إلّا بَعْدَ أنْ يُنْذِرَهُ في الدُّنْيا، وقَدْ بَيَّنَ هَذا المَعْنى بِأدِلَّتِهِ بِتَوَسُّعٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وساقَ هَذِهِ الآيَةَ هُناكَ.
67:9Page 562
قَالُواْ بَلَىٰ قَدۡ جَآءَنَا نَذِيرٞ فَكَذَّبۡنَا وَقُلۡنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ كَبِيرٖ ٩
They will say, "Yes, a warner had come to us, but we denied and said, 'Allāh has not sent down anything. You are not but in great error.'"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ﴾ .
قَدْ اعْتَرَفُوا بِمَجِئِ النَّذِيرِ إلَيْهِمْ.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ مِن أُمَّةٍ إلّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] .
67:10Page 562
وَقَالُواْ لَوۡ كُنَّا نَسۡمَعُ أَوۡ نَعۡقِلُ مَا كُنَّا فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ١٠
And they will say, "If only we had been listening or reasoning, we would not be among the companions of the Blaze."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ .
قالَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في إمْلائِهِ: أيْ: قالَ أهْلُ النّارِ: ﴿لَوْ كُنّا نَسْمَعُ﴾ مَن يَعْقِلُ عَنِ اللَّهِ حُجَجَهُ ﴿أوْ نَعْقِلُ﴾ حُجَجَ اللَّهِ ﴿ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾، أيِ: النّارِ، فَهم يَسْمَعُونَ، ولَكِنْ لا يَسْمَعُونَ ما يَنْفَعُهم في الآخِرَةِ، ويَعْقِلُونَ ولَكِنْ لا يَعْقِلُونَ ما يَنْفَعُهم في الآخِرَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] .
وَقالَ: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا﴾ [الكهف: ٥٧] .
وَقَدْ بَيَّنَ هَذا الَّذِي ذَكَرَهُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عِدَّةُ نُصُوصٍ صَرِيحَةٍ في ذَلِكَ، مِنها أصْلُ خِلْقَتِهِمُ الكامِلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (p-٢٣٤)[الإنسان: ٢] .
وَفِي آخِرِ سُورَةِ ”المُلْكِ“ هَذِهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هو الَّذِي أنْشَأكم وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ [الملك: ٢٣] .
وَلَكِنَّهم سَمِعُوا وعَصَوْا، كَما في قَوْلِهِ: ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣] .
وَهَذا، وإنْ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ، إلّا أنَّهُ قالَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿وَلا تَكُونُوا كالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١] . وقالَ تَعالى عَنْهم: ﴿قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ [الأنفال: ٢١] .
وَقالَ تَعالى عَنْهم: ﴿قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا﴾ [الأنفال: ٣١] .
وَقَوْلُهُ عَنْهم: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] .
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى سَبَبَ عَدَمِ اسْتِفادَتِهِمْ بِما يَسْمَعُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ ألِيمٍ وإذا عَلِمَ مِن آياتِنا شَيْئًا اتَّخَذَها هَزُوًا﴾ [الجاثية: ٧ - ٩] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَإذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا ولّى مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ [لقمان: ٧] .
فَقَوْلُهم هُنا: ﴿لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ﴾، أيْ: سَماعَ تَعَقُّلٍ وتَفَهُّمٍ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٤٢٠)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ المُلْكِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ .
ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهم ما كانُوا يَسْمَعُونَ في الدُّنْيا ولا يَعْقِلُونَ، وقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا﴾ [الأحقاف: ٢٦] .
وَقَوْلِهِ: ﴿فَصَدَّهم عَنِ السَّبِيلِ وكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٨] .
وَقَدْ قَدَّمْنا الجَوابَ عَنْ هَذا مُحَرَّرًا في الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ [البقرة: ١٨]، وعَلى قَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٧٠] .
67:11Page 562
فَٱعۡتَرَفُواْ بِذَنۢبِهِمۡ فَسُحۡقٗا لِّأَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ١١
And they will admit their sin, so [it is] alienation1 for the companions of the Blaze.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ .
قالَ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في إمْلائِهِ: الِاعْتِرافُ الإقْرارُ، أيْ: أقَرُّوا بِذَنْبِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ حَيْثُ لا يَنْفَعُ الإقْرارُ والنَّدَمُ، وتَقَدَّمَ لَهُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ انْتِفاعِ الكُفّارِ بِإقْرارِهِمْ هَذا بِتَوَسُّعٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ فَهَلْ لَنا مِن شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف: ٥٣] .
واسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ، آيَةِ ”المُلْكِ“ هُناكَ.
والظّاهِرُ أنَّ الأصْلَ في ذَلِكَ كُلِّهِ أنَّ اعْتِرافَهم وإيمانَهم بَعْدَ فَواتِ الأوانِ بِالمُعايَنَةِ، (p-٢٣٥)كَما جاءَ في حَقِّ فِرْعَوْنَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى إذا أدْرَكَهُ الغَرَقُ قالَ آمَنتُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ وأنا مِنَ المُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]، فَقِيلَ لَهُ: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١] .
وَجاءَ أصْرَحَ ما يَكُونُ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] .
فَلَمّا جاءَ بَعْضُ آياتِ اللَّهِ وظَهَرَ الحَقُّ، لَمْ يَكُنْ لِلْإيمانِ مَحَلٌّ بَعْدَ المُعايَنَةِ: ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمانُها﴾، أيْ: مِن قَبْلِ المُعايَنَةِ كَحالَةِ فِرْعَوْنَ المَذْكُورَةِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ الإيمانِ التَّصْدِيقُ بِالمُغَيَّباتِ، فَإذا عايَنَها لَمْ تَكُنْ حِينَذاكَ غَيْبًا، فَيَفُوتُ وقْتُ الإيمانِ والعِلْمِ عِنْدَ اللَّهِ، وعَلَيْهِ حَدِيثُ التَّوْبَةِ: ”ما لَمْ يُغَرْغِرْ“ .
67:12Page 562
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٞ ١٢
Indeed, those who fear their Lord unseen will have forgiveness and great reward.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ كَبِيرٌ﴾ .
الخَشْيَةُ: شِدَّةُ الخَوْفِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ وهم مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٩] .
وَبَيَّنَ تَعالى مَحَلَّ تِلْكَ الخَشْيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾ [فاطر: ٢٨]؛ لِأنَّهم يَعْرِفُونَ حَقَّ اللَّهِ تَعالى ويُراقِبُونَهُ.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى حَقِيقَةَ خَشْيَةِ اللَّهِ: ﴿وَإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] .
وَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ أنْزَلْنا هَذا القُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] .
فالَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهم بِالغَيْبِ هُمُ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ومُراقَبَتَهُ إيّاهم في السِّرِّ والعَلَنِ، ويَعْلَمُونَ أنَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ مَهْما تَخَسَّفُوا وتَسَتَّرُوا وهم دائِمًا مُنِيبُونَ إلى اللَّهِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿هَذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أوّابٍ حَفِيظٍ﴾ مَن ﴿خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ وجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٢ - ٣٣]، وهَذِهِ أعْلى دَرَجاتِ السُّلُوكِ مَعَ اللَّهِ تَعالى، كَما بَيَّنَ أنَّها مَنزِلَةُ العُلَماءِ.
وَقَدْ عابَ تَعالى أُولَئِكَ الَّذِينَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ، ويَخْشَوْنَ (p-٢٣٦)النّاسَ، ولا يَخْشَوْنَ اللَّهَ: ﴿فاللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشَوْهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٣] .
وَإفْرادُ اللَّهِ بِالخَشْيَةِ مَنزِلَةُ الأنْبِياءِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ويَخْشَوْنَهُ ولا يَخْشَوْنَ أحَدًا إلّا اللَّهَ وكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩] .
قالَ الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ: والعَرَبُ تَمْدَحُ مَن يَكُونُ في خَلْوَتِهِ كَمَشْهَدِهِ مَعَ النّاسِ.
وَمِنهُ قَوْلُ مُسْلِمِ بْنِ الوَلِيدِ:
يَتَجَنَّبُ الهَفَواتِ في خَلَواتِهِ عَفُّ السَّرِيرَةِ غَيْبُهُ كالمَشْهَدِ
والواقِعُ أنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ، وهي خَشْيَةُ اللَّهِ بِالغَيْبِ والإيمانُ بِالغَيْبِ أساسُ عَمَلِ المُسْلِمِ كُلِّهِ، ومُعامَلاتِهِ؛ لِأنَّهُ بِإيمانِهِ بِالغَيْبِ سَيَعْمَلُ كُلَّ خَيْرٍ طَمَعًا في ثَوابِ اللَّهِ، كَما في مُسْتَهَلِّ المُصْحَفِ: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١ - ٣] .
وَبِمَخافَةِ اللَّهِ بِالغَيْبِ سَيَتَجَنَّبُ كُلَّ سُوءٍ، فَيَسْلَمُ ويَتَحَصَّلُ لَهُ ما قالَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم: ﴿مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٩]، (مَغْفِرَةٌ) مِن ذُنُوبِهِ: ﴿وَأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ عَلى أعْمالِهِ. رَزَقَنا اللَّهُ خَشْيَتَهُ في السِّرِّ والعَلَنِ.
وَلْيُعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِالغَيْبِ مِمّا هو مِن جانِبِ العَبْدِ لا سَيِّدِهِ، كَما في الحَدِيثِ في الإحْسانِ: «أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ»، وهَذا الإحْساسُ هو أقْوى عامِلٍ عَلى اكْتِسابِ خَشْيَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
67:13Page 563
وَأَسِرُّواْ قَوۡلَكُمۡ أَوِ ٱجۡهَرُواْ بِهِۦٓۖ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١٣
And conceal your speech or publicize it; indeed, He is Knowing of that within the breasts.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأسِرُّوا قَوْلَكم أوِ اجْهَرُوا بِهِ إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ .
فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ السِّرَّ والجَهْرَ عِنْدَ اللَّهِ وفي عِلْمِ اللَّهِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ؛ لِأنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَواءٌ مِنكم مَن أسَرَّ القَوْلَ ومَن جَهَرَ بِهِ﴾ [الرعد: ١٠] .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ [طه: ٧] .
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الآيَتَيْنِ بَيانُ هَذِهِ الآيَةِ.
(p-٢٣٧)وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وتَشْتَكِي إلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ [المجادلة: ١] .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ ونَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦] .
وَتَقَدَّمَ في سُورَةِ ”التَّحْرِيمِ“ قَبْلَ هَذِهِ السُّورَةِ مُباشَرَةً قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أسَرَّ النَّبِيُّ إلى بَعْضِ أزْواجِهِ حَدِيثًا فَلَمّا نَبَّأتْ بِهِ وأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [التحريم: ٣]، فَفِيهِ بَيانٌ عَمَلِيٌّ مُشاهَدٌ بِأنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى، ولِذا قالَ تَعالى هُنا:
67:14Page 563
أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ ١٤
Does He who created not know,1 while He is the Subtle, the Aware?
﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ .
كَما قالَ في سُورَةِ ”التَّحْرِيمِ“: ﴿قالَتْ مَن أنْبَأكَ هَذا قالَ نَبَّأنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣] .
وَقالَ القُرْطُبِيُّ نَقْلًا عَنْ أبِي إسْحاقَ الإسْفِرائِينِيِّ: مِن أسْماءِ صِفاتِ الذّاتِ ما هو لِلْعِلْمِ مِنها العَلِيمُ، ومَعْناهُ تَفْهِيمُ جَمِيعِ المَعْلُوماتِ، ومِنها: الخَبِيرُ، ويَخْتَصُّ بِأنْ يَعْلَمَ ما يَكُونُ قَبْلَ أنْ يَكُونَ، ومِنها: الحَكِيمُ ويَخْتَصُّ بِأنَّهُ يَعْلَمُ دَقائِقَ الأوْصافِ، ومِنها: الشَّهِيدُ ويَخْتَصُّ بِأنْ يَعْلَمَ الغائِبَ والحاضِرَ، ومَعْناهُ ألّا يَغِيبَ عَنْهُ شَيْءٌ. ومِنها: الحافِظُ ويَخْتَصُّ بِأنَّهُ لا يَنْسى، ومِنها: المُحْصِي ويَخْتَصُّ بِأنَّهُ لا تَشْغَلُهُ الكَثْرَةُ عَنِ العِلْمِ مِثْلَ ضَوْءِ النَّهارِ واشْتِدادِ الرِّيحِ وتَساقُطِ الأوْراقِ، فَيَعْلَمُ عِنْدَ ذَلِكَ أجْزاءَ الحَرَكاتِ في كُلِّ ورَقَةٍ، وكَيْفَ لا يَعْلَمُ وهو الَّذِي يَخْلُقُ وقَدْ قالَ: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾، (ومَن) في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ﴾، أجازُوا فِيها أنْ تَكُونَ فاعِلَ (يَعْلَمُ)، وهو اللَّهُ تَعالى، أيْ: إنَّ الَّذِي خَلَقَ يَعْلَمُ ما خَلَقَ ومِنهُ ما في الصُّدُورِ.
وَأجازُوا أنْ تَكُونَ مَفْعُولًا والفاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ في الفِعْلِ (يَعْلَمُ)، ذَكَرَهُما القُرْطُبِيُّ وأبُو حَيّانَ، وهو واضِحٌ ومُحْتَمَلٌ.
وَلَكِنَّ الَّذِي تَشْهَدُ لَهُ النُّصُوصُ أنَّها مَفْعُولٌ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الشورى: ١٢]: ﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] .
وَقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، ومِن أعْمالِهِمْ ما يُسِرُّونَ، وما يَجْهَرُونَ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences