Ash-ShinqitiAl‑Qalam · 68:1–36

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

القلم

Al-Qalam

The Pen · Meccan · 52 ayahs

68:1Page 564

نٓۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا يَسۡطُرُونَ ١

Nūn.1 By the pen and what they inscribe,

(p-٢٤٥)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ القَلَمِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ن﴾ .

تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - الكَلامُ عَلى الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ عِنْدَ الكَلامِ عَلى أوَّلِ سُورَةِ هُودٍ: وذَكَرَ الأقْوالَ كُلَّها، وهي خَمْسَةُ أقْوالٍ:

فَقِيلَ: إنَّها مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ أوْ أنَّها مِن أسْماءِ اللَّهِ، أوْ مُرَكَّبَةٌ مِن عِدَّةِ حُرُوفٍ كُلُّ حَرْفٍ مِنِ اسْمٍ، أوْ أسْماءٌ لِلسُّوَرِ، أوْ أنَّها لِلْإعْجازِ، وبَيَّنَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وجْهَ كُلِّ قَوْلٍ مِنها، ورَجَّحَ الأخِيرَ، وأنَّها لِلْإعْجازِ بِدَلِيلِ أنَّهُ يَأْتِي بَعْدَها دائِمًا الِانْتِصارُ لِلْقُرْآنِ، وقَدْ بَسَطَ البَحْثَ بِما يَكْفِي ويَشْفِي.

وَقالَ ابْنُ كَثِيرٍ بِأقْوالٍ أُخْرى، مِنها أنَّ: ن بِمَعْنى الدَّواةِ أيْ: بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ القَلَمِ، وعَزاهُ إلى الحَسَنِ وقَتادَةَ، وقالَ: إنَّ فِيهِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا، ولَكِنْ غَرِيبٌ جِدًّا، وهو عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ النُّونَ وهي الدَّواةُ، وخَلَقَ القَلَمَ، فَقالَ: اكْتُبْ»، الحَدِيثَ.

وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «خَلَقَ اللَّهُ النُّونَ وهي الدَّواةُ» .

وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ كُلَّ هَذِهِ الأوْجُهِ وزادَ أوْجُهًا أُخْرى: مِنها أنَّها افْتِتاحِيّاتٌ لِأوائِلِ السُّوَرِ تَسْتَرْعِي انْتِباهَ المُسْتَمِعِينَ، ثُمَّ يُتْلى عَلَيْهِمْ ما بَعْدَها، وقِيلَ: هي مِن حِسابِ الجُمَلِ وغَيْرِ ذَلِكَ.

وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ عِنْدَ أوَّلِ ”سُورَةِ الشُّورى“: ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ [الشورى: ١ - ٢] أثَرًا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ كَثِيرٍ واسْتَغْرَبَهُ واسْتَنْكَرَهُ، ولَكِنْ وقَعَ ما يَقْرُبُ مِن مِصْداقِهِ ومُطابَقَتِهِ مُطابَقَةً تامَّةً.

وَنَصُّهُ مِنِ ابْنِ جَرِيرٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ لَهُ وعِنْدَهُ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ: أخْبِرْنِي عَنْ تَفْسِيرِ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ قالَ: فَأطْرَقَ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ كَرَّرَ مَقالَتَهُ فَأعْرَضَ فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ، وكَرِهَ مَقالَتَهُ، ثُمَّ كَرَّرَها الثّالِثَةَ فَلَمْ يُجِبْهُ شَيْئًا.

(p-٢٤٦)فَقالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: أنا أُنْبِئُكَ بِها، وقَدْ عَرَفْتُ بِمَ كَرِهَها، نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِن أهْلِ بَيْتِهِ يُقالُ لَهُ: عَبْدُ الإلَهِ أوْ عَبْدُ اللَّهِ يَنْزِلُ عَلى نَهْرٍ مِن أنْهارِ المَشْرِقِ تَنْبَنِي عَلَيْهِ مَدِينَتانِ فَشَقَّ النَّهْرَ بَيْنَهُما شَقًّا، فَإذا أذِنَ اللَّهُ في زَوالِ مُلْكِهِمْ وانْقِطاعِ دَوْلَتِهِمْ ومُدُنِهِمْ، بَعَثَ اللَّهُ عَلى إحْداهُما نارًا لَيْلًا فَتُصْبِحُ سَوْداءَ مُظْلِمَةً قَدِ احْتَرَقَتْ، كَأنَّها لَمْ تَكُنْ مَكانَها، وتُصْبِحُ صاحِبَتُها مُتَعَجِّبَةً كَيْفَ أفْلَتَتْ، فَما هو إلّا بَياضُ يَوْمِها ذَلِكَ حَتّى يَجْتَمِعَ فِيها كُلُّ جَبّارٍ عَنِيدٍ مِنهم، ثُمَّ يَخْسِفُ اللَّهُ بِها وبِهِمْ جَمِيعًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ يَعْنِي عَزِيمَةً مِنَ اللَّهِ، وفِتْنَةً، وقَضاءً.

﴿حم﴾ ﴿عسق﴾ يَعْنِي عَدْلًا مِنهُ: سين يَعْنِي سَيَكُونُ و ق يَعْنِي واقِعٌ بِهاتَيْنِ المَدِينَتَيْنِ. اهـ.

وَمَعَ اسْتِغْرابِ ابْنِ كَثِيرٍ إيّاهُ واسْتِنْكارِهِ لَهُ، فَقَدْ وقَعَ مِثْلُ ما يُشِيرُ إلَيْهِ الحَدِيثُ عَلى ثَوْرَةِ العِراقِ عَلى عَبْدِ الإلَهِ في بَغْدادَ، حَيْثُ يَشُقُّها النَّهْرُ شَقَّيْنِ، وأنَّهُ مِن آلِ البَيْتِ، وقَدْ وقَعَ بِها ما جاءَ وصْفُهُ في الأثَرِ المَذْكُورِ.

68:2Page 564

مَآ أَنتَ بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ بِمَجۡنُونٖ ٢

You are not, [O Muḥammad], by the favor of your Lord, a madman.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ ﴿وَإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ .

تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ الرَّدِّ عَلى مَقالَتِهِمْ تِلْكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ الآيَةَ [المؤمنون: ٧٠] مِن سُورَةِ ”المُؤْمِنُونَ“ .

وَساقَ النُّصُوصَ، وقالَ: إنَّ في الآيَةِ ما يَرُدُّ عَلَيْهِمْ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ جاءَهم بِالحَقِّ﴾ . اهـ.

وَهَكَذا هُنا في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ دَعْواهم، ويَرُدُّ عَلَيْهِمْ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أيْ عَلى ما جِئْتَ بِهِ مِنَ الحَقِّ وقُمْتَ بِهِ مِنَ البَلاغِ عَنِ اللَّهِ والصَّبْرِ عَلَيْهِ، كَما رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما صاحِبُكم بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ٢٢] .

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى في حَقِّ رَسُولِهِ الكَرِيمِ الأعْظَمِ: ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾؛ لِأنَّ المَجْنُونَ سَفِيهٌ لا يَعْنِي ما يَقُولُ، ولا يُحْسِنُ أيَّ تَصَرُّفٍ.

والخُلُقُ العَظِيمُ أرْقى مَنازِلِ الكَمالِ في عُظَماءِ الرِّجالِ.

(p-٢٤٧)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ لَكَ لَأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾، المَنُّ: القَطْعُ. أيْ: إنَّ أجْرَهُ ﷺ عِنْدَ اللَّهِ غَيْرُ مُنْقَطِعٍ.

قالَ الشّاعِرُ: \ ٥

؎لِمُعَفَّرٍ قَهْدٍ تَنازَعَ شِلْوَهُ غُبْسٌ كَواسِبُ لا يُمَنُّ طَعامُها

وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى دَوامَ أجْرِهِ دُونَ انْقِطاعٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] .

وَصَلَواتُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، وصَلَواتُ المَلائِكَةِ، والمُؤْمِنِينَ لا تَنْقَطِعُ لَيْلًا ولا نَهارًا وهي مِنَ اللَّهِ تَعالى رَحْمَةٌ، ومِنَ المَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ دُعاءٌ.

وَفِي سُورَتِيِ: ”الضُّحى“ و ”ألَمْ نَشْرَحْ“ بِكامِلِها: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٣ - ٥] .

وَقَوْلُهُ: ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] .

وَمَعْلُومٌ مِنَ السُّنَّةِ أنَّ مَن دَلَّ عَلى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ مَن عَمِلَ بِهِ، فَما مِن مُسْلِمٍ تُكْتَبُ لَهُ حَسَنَةٌ في صَحِيفَتِهِ إلّا ولِلرَّسُولِ ﷺ مِثْلُها.

وَقَدْ قالَ ﷺ: «إذا ماتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلّا مِن ثَلاثٍ» .

وَمِنها: «أوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ»، وأيُّ عِلْمٍ أعَمُّ نَفْعًا مِمّا جاءَ بِهِ ﷺ وتَرَكَهُ في الأُمَّةِ حَتّى قالَ: «تَرَكْتُ فِيكم ما إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا أبَدًا كِتابَ اللَّهِ وسُنَّتِي»، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النُّصُوصِ الدّالَّةِ عَلى دَوامِ أجْرِهِ.

أمّا جَزاؤُهُ عِنْدَ اللَّهِ فَلا يَقْدِرُ قَدْرَهُ إلّا اللَّهُ تَعالى.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ تَقَدَّمَ أنَّ هَذِهِ بِمَثابَةِ الرَّدِّ عَلى ادِّعاءِ المُشْرِكِينَ أوَّلًا عَلَيْهِ ﷺ ورَمْيِهِ بِالجُنُونِ؛ لِأنَّ أخْلاقَ المَجانِينِ مَذْمُومَةٌ بَلْ لا أخْلاقَ لَهم، وهُنا أقْصى مَراتِبِ العُلُوِّ في الخُلُقِ.

وَقَدْ أكَّدَ هَذا السِّياقَ بِعَوامِلِ المُؤَكِّداتِ بِانْدِراجِهِ في جَوابِ القَسَمِ الأوَّلِ في أوَّلِ السُّورَةِ، وبِأنَّ اللّامَ في (لَعَلى)، وجاءَ بِعَلى الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِعْلاءِ والتَّمَكُّنِ بَدَلًا مِن ذُو (p-٢٤٨)مَثَلًا: ذُو خُلُقٍ عَظِيمٍ لِبَيانِ قُوَّةِ التَّمَكُّنِ والِاسْتِعْلاءِ، وأنَّهُ ﷺ فَوْقَ كُلِّ خُلُقٍ عَظِيمٍ مُتَمَكِّنٌ مِنهُ مُسْتَعْلٍ عَلَيْهِ.

وَقَدْ أجْمَلَ الخُلُقَ العَظِيمَ هُنا وهو مِن أعَمِّ ما امْتَدَحَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ في كِتابِهِ، وقَدْ أرْشَدَتْ عائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - إلى ما بَيَّنَ هَذا الإجْمالَ حِينَما سُئِلَتْ عَنْ خُلُقِهِ ﷺ الَّذِي امْتُدِحَ بِهِ فَقالَتْ: «كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ» تَعْنِي واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ: أنَّهُ ﷺ يَأْتَمِرُ بِأمْرِهِ ويَنْتَهِي بِنَواهِيهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وما نَهاكم عَنْهُ فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] .

وَكَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .

وَكَما قالَ ﷺ: «لَنْ يُؤْمِنَ أحَدُكم حَتّى يَكُونَ هَواهُ تَبَعًا لِما جِئْتُ بِهِ»، فَكانَ هو ﷺ مُمْتَثِلًا لِتَعالِيمِ القُرْآنِ في سِيرَتِهِ كُلِّها، وقَدْ أمَرَنا بِالتَّأسِّي بِهِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ، فَكانَ مِن أهَمِّ ما يَجِبُ عَلى الأُمَّةِ مَعْرِفَةُ تَفْصِيلِ هَذا الإجْمالِ؛ لِيَتِمَّ التَّأسِّي المَطْلُوبُ.

وَقَدْ أخَذَتْ قَضِيَّةُ الأخْلاقِ عامَّةً، وأخْلاقُهُ ﷺ خاصَّةً مَحَلَّ الصَّدارَةِ مِن مَباحِثِ الباحِثِينَ، وتَقْرِيرِ المُرْشِدِينَ، فَهي بِالنِّسْبَةِ لِلْعُمُومِ أساسُ قِوامِ الأُمَمِ، وعامِلُ الحِفاظِ عَلى بَقائِها، كَما قِيلَ:

؎إنَّما الأُمَمُ الأخْلاقُ ما بَقِيَتْ ∗∗∗ فَإنْ هُمُ ذَهَبَتْ أخْلاقُهم ذَهَبُوا

وَقَدْ أجْمَلَ ﷺ البِعْثَةَ كُلَّها في مَكارِمِ الأخْلاقِ في قَوْلِهِ ﷺ: «إنَّما بُعِثْتُ؛ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ» .

وَقَدْ عُنِيَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَضِيَّةِ أخْلاقِهِ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، فَسَألُوا عائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - عَنْ ذَلِكَ فَقالَتْ: «كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ»، وعُنِيَ بِها العُلَماءُ بِالتَّأْلِيفِ، كالشَّمائِلِ لِلتِّرْمِذِيِّ.

أمّا أقْوالُ المُفَسِّرِينَ في الخُلُقِ العَظِيمِ المَعْنِيِّ هُنا فَهي عَلى قَوْلَيْنِ، لا تَعارُضَ بَيْنَهُما:

مِنها: أنَّهُ الدِّينُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم.

والآخَرُ قَوْلُ عائِشَةَ: «كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ»، والقُرْآنُ والدِّينُ مُرْتَبِطانِ. ولَكِنْ لَمْ يَزَلِ الإجْمالُ مَوْجُودًا. وإذا رَجَعْنا إلى بَعْضِ الآياتِ في القُرْآنِ نَجِدُ بَعْضَ البَيانِ لِما كانَ (p-٢٤٩)عَلَيْهِ ﷺ مِن عَظِيمِ الخُلُقِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] .

وَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] .

وَقَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهم ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ فاعْفُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] .

وَقَوْلِهِ: ﴿ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] .

وَمِثْلُ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ الَّتِي فِيها التَّوْجِيهُ أوِ الوَصْفُ بِما هو أعْظَمُ الأخْلاقِ، وإذا كانَ خُلُقُهُ ﷺ هو القُرْآنَ، فالقُرْآنُ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ.

والمُتَأمِّلُ لِلْقُرْآنِ في هَدْيِهِ يَجِدُ مَبْدَأ الأخْلاقِ في كُلِّ تَشْرِيعٍ فِيهِ حَتّى العِباداتِ. فَفي الصَّلاةِ خُشُوعٌ وخُضُوعٌ وسَكِينَةٌ ووَقارٌ، فَأْتُوها وعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ والوَقارُ.

وَفِي الزَّكاةِ مُرُوءَةٌ وكَرَمٌ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] .

وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩] .

وَفِي الصِّيامِ: «مَن لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ والعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حاجَةً في أنْ يَدَعَ طَعامَهُ وشَرابَهُ» .

وَقَوْلُهُ ﷺ: «الصِّيامُ جُنَّةٌ» .

وَفِي الحَجِّ: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ .

وَفِي الِاجْتِماعِيّاتِ: خُوطِبَ ﷺ بِأعْلى دَرَجاتِ الأخْلاقِ، حَتّى ولَوْ لَمْ يَكُنْ داخِلًا تَحْتَ الخِطابِ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ خارِجًا عَنْ نِطاقِ الطَّلَبِ: ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾، ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَها ﴿وَبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما وقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا﴾ ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ (p-٢٥٠)[الإسراء: ٢٣ - ٢٤]، مَعَ أنَّ والِدَيْهِ لَمْ يَكُنْ أحَدُهُما مَوْجُودًا عِنْدَ نُزُولِها، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّعالِيمِ العامَّةِ والخاصَّةِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْها القُرْآنُ.

وَقَدْ عُنِيَ ﷺ بِالأخْلاقِ حَتّى كانَ يُوصِي بِها المَبْعُوثِينَ في كُلِّ مَكانٍ، كَما أوْصى مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِقَوْلِهِ: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُما كُنْتَ، وأتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها، وخالِقِ النّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» .

وَقالَ ﷺ: «إنَّ مِمّا أدْرَكَ النّاسُ مِن كَلامِ النُّبُوَّةِ: إذا لَمْ تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما تَشاءُ»، أيْ: إنَّ الحَياءَ وهو مِن أخَصِّ الأخْلاقِ سِياجٌ مِنَ الرَّذائِلِ، وهَذا مِمّا يُؤَكِّدُ أنَّ الخُلُقَ الحَسَنَ يَحْمِلُ عَلى الفَضائِلِ، ويَمْنَعُ مِنَ الرَّذائِلِ، كَما قِيلَ في ذَلِكَ:

؎إنَّ الكَرِيمَ إذا تَمَكَّنَ مِن أذًى ∗∗∗ جاءَتْهُ أخْلاقُ الكِرامِ فَأقْلَعا

؎وَتَرى اللَّئِيمَ إذا تَمَكَّنَ مِن أذًى ∗∗∗ يَطْغى فَلا يُبْقِي لِصُلْحٍ مَوْضِعًا

وَقَدْ أشارَ القُرْآنُ إلى هَذا الجانِبِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] .

* *

تَنْبِيهٌ

إنَّ مِن أهَمِّ قَضايا الأخْلاقِ بَيانُهُ ﷺ لَها بِقَوْلِهِ: «إنَّما بُعِثْتُ؛ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ» .

مَعَ أنَّ بِعْثَتَهُ بِالتَّوْحِيدِ، والعِباداتِ، والمُعامَلاتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَجْعَلُ الأخْلاقَ هي البِعْثَةُ.

وَبَيانُ ذَلِكَ في قَضِيَّةٍ مَنطِقِيَّةٍ قَطْعِيَّةٍ حَمْلِيَّةٍ، مُقَدِّمَتُها حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وهو: «الدِّينُ حُسْنُ الخُلُقِ»، والكُبْرى آيَةٌ كَرِيمَةٌ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ والسّائِلِينَ وفي الرِّقابِ وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧] .

وَلِمُساواةِ طَرَفَيِ الصُّغْرى في الماصَدَقِ، وهو: «الدِّينُ حُسْنُ الخُلُقِ»، يَكُونُ التَّرْكِيبُ المَنطِقِيُّ بِالقِياسِ الِاقْتِرانِيِّ حُسْنُ الخُلُقِ هو البِرُّ، والبِرُّ هو الإيمانُ بِاللَّهِ واليَوْمِ (p-٢٥١)الآخِرِ، إلى آخِرِ ما جاءَ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ، يَنْتُجُ حُسْنُ الخُلُقِ هو الإيمانُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وما عُطِفَ عَلَيْهِ.

وَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ بِأقْسامِهِ الثَّلاثَةِ:

الإسْلامِ مِن صَلاةٍ وزَكاةٍ. إلخ.

والإيمانِ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ. إلخ.

وَمِن إحْسانٍ في وفاءٍ وصِدْقٍ وصَبْرٍ، وتَقْوى اللَّهِ تَعالى؛ إذْ هي مُراقَبَةُ اللَّهِ سِرًّا وعَلَنًا، وقَدْ ظَهَرَتْ نَتِيجَةُ عِظَمِ هَذِهِ الأخْلاقِ في الرَّحْمَةِ العامَّةِ الشّامِلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] .

وَكَذَلِكَ لِلْأُمَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما قالَ ﷺ: «أقْرَبُكم مِنِّي مَنزِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ أحاسِنُكم أخْلاقًا» .

وَهِيَ قَضِيَّةٌ مَنطِقِيَّةٌ أُخْرى: «إنَّما بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخْلاقِ»، ﴿وَما أرْسَلْناكَ إلّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ .

فَمَكارِمُ الأخْلاقِ رَحْمَةٌ لِلْعالَمِينَ في الدُّنْيا، ومَنزِلَةٌ عُلْيا لِلْمُؤْمِنِينَ في الآخِرَةِ.

* *

تَنْبِيهٌ آخَرُ.

اتَّفَقَ عُلَماءُ الِاجْتِماعِ أنَّ أُسُسَ الأخْلاقِ أرْبَعَةٌ:

هِيَ: الحِكْمَةُ، والعِفَّةُ، والشَّجاعَةُ، والعَدالَةُ.

وَيُقابِلُها رَذائِلُ أرْبَعَةٌ:

هِيَ الجَهْلُ، والشَّرَهُ، والجُبْنُ، والجَوْرُ.

وَيَتَفَرَّعُ عَنْ كُلِّ فَضِيلَةٍ فُرُوعُها:

الحِكْمَةُ: الذَّكاءُ وسُهُولَةُ الفَهْمِ، وسِعَةُ العِلْمِ. وعَنِ العِفَّةِ: القَناعَةُ، والوَرَعُ، والحَياءُ، والسَّخاءُ، والدَّعَةُ، والصَّبْرُ، والحُرِّيَّةُ. وعَنِ الشَّجاعَةِ: النَّجْدَةُ، وعِظَمُ الهِمَّةِ. وعَنِ السَّماحَةِ: الكَرَمُ، والإيثارُ، والمُواساةُ، والمُسامَحَةُ.

(p-٢٥٢)أمّا العَدالَةُ - وهي أُمُّ الفَضائِلِ الأخْلاقِيَّةِ - فَيَتَفَرَّعُ عَنْها: الصَّداقَةُ، والأُلْفَةُ، وصِلَةُ الرَّحِمِ، وتَرْكُ الحِقْدِ، ومُكافَأةُ الشَّرِّ بِالخَيْرِ، واسْتِعْمالُ اللُّطْفِ. فَهَذِهِ أُصُولُ الأخْلاقِ وفُرُوعُها، فَلَمْ تَبْقَ خَصْلَةٌ مِنها إلّا وهي مُكْتَمِلَةٌ فِيهِ ﷺ .

وَقَدْ بَرَّأهُ اللَّهُ مِن كُلِّ رَذِيلَةٍ، فَتَحَقَّقَ أنَّهُ ﷺ عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، فِعْلًا وعَقْلًا.

وَقالَ الفَخْرُ الرّازِيُّ: لَقَدْ كانَ ﷺ عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ. والخُلُقُ ما تَخَلَّقَ بِهِ الإنْسانُ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠]، ولا بُدَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ مِن خَصْلَةٍ فاضِلَةٍ. فاجْتَمَعَ لَهُ ﷺ جَمِيعُ خِصالِ الفَضْلِ عِنْدَ جَمِيعِ الأنْبِياءِ. وهَذا وإنْ كانَ لَهُ وجْهٌ إلّا أنَّ واقِعَ سِيرَتِهِ ﷺ أعَمُّ مِن ذَلِكَ.

فَقَدْ كانَ قَبْلَ البَعْثَةِ والوَحْيِ، مُلَقَّبًا عِنْدَ القُرَشِيِّينَ بِالأمِينِ، كَما في قِصَّةِ وضْعِ الحَجَرِ في الكَعْبَةِ؛ إذْ قالُوا عَنْهُ: الأمِينُ ارْتَضَيْناهُ.

وَجاءَ عَنْ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، لَمّا أُخِذَ أسِيرًا وأهْدَتْهُ خَدِيجَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - لِخِدْمَتِهِ ﷺ . وجاءَ أهْلُهُ بِالفِداءِ يُفادُونَهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهُمُ: ”«ادْعُوهُ وأخْبِرُوهُ، فَإنِ اخْتارَكم فَهو لَكم بِدُونِ فِداءٍ ) فَقالَ زَيْدٌ: واللَّهِ لا أخْتارُ عَلى صُحْبَتِكَ أحَدًا أبَدًا، فَقالَ لَهُ أهْلُهُ: ويْحَكَ ! أتَخْتارُ الرِّقَّ عَلى الحُرِّيَّةِ ؟ ! فَقالَ: نَعَمْ، واللَّهِ لَقَدْ صَحِبْتُهُ فَلَمْ يَقُلْ لِي لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَهُ قَطُّ. ولا لِشَيْءٍ لَمْ أفْعَلْهُ: لِمَ لَمْ تَفْعَلْهُ قَطُّ»:“ ورَجَعَ قَوْمُهُ، وبَقِيَ هو عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأخَذَ بِيَدِهِ، وأعْلَنَ تَبَنِّيَهُ عَلى ما كانَ مَعْهُودًا قَبْلَ البَعْثَةِ.

إنَّنا لَوْ قُلْنا: إنَّ اخْتِيارَ اللَّهِ إيّاهُ قَبْلَ وُجُودِهِ، وتَعَهُّدَ اللَّهِ إيّاهُ بَعْدَ وُجُودِهِ؛ مِن شَقِّ الصَّدْرِ في طُفُولَتِهِ، ومِن مَوْتِ أبَوَيْهِ ورِعايَةِ اللَّهِ لَهُ.

كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ ﴿فَأمّا اليَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا السّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ ﴿وَأمّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ٣ - ١١] .

إنَّها نِعْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْهِ، وعَلى أُمَّتِهِ مَعَهُ - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ - ورَزَقَنا التَّأسِّيَ بِهِ.

68:3Page 564

وَإِنَّ لَكَ لَأَجۡرًا غَيۡرَ مَمۡنُونٖ ٣

And indeed, for you is a reward uninterrupted.

No commentary for this ayah

68:4Page 564

وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ ٤

And indeed, you are of a great moral character.

No commentary for this ayah

68:5Page 564

فَسَتُبۡصِرُ وَيُبۡصِرُونَ ٥

So you will see and they will see

No commentary for this ayah

68:6Page 564

بِأَييِّكُمُ ٱلۡمَفۡتُونُ ٦

Which of you is the afflicted [by a devil].

No commentary for this ayah

68:7Page 564

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ٧

Indeed, your Lord is most knowing of who has gone astray from His way, and He is most knowing of the [rightly] guided.

No commentary for this ayah

68:8Page 564

فَلَا تُطِعِ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٨

Then do not obey the deniers.

قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَلا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ﴾ ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ ﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ ﴿أنْ كانَ ذا مالٍ وبَنِينَ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ ﴿سَنَسِمُهُ عَلى الخُرْطُومِ﴾ (p-٢٥٣)

إذا كانَ في مَجِيءِ الآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ: ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ رَدٌّ عَلى دَعْواهُمُ الكاذِبَةِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالجُنُونِ.

فَفِي هَذِهِ الآيَةِ تَنْزِيهُهُ ﷺ مِمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِن رَذائِلَ ونَقائِصَ وافْتِضاحٌ لَهم. وبَيانُ الفَرْقِ والبَوْنِ الشّاسِعِ بَيْنَهُ وبَيْنَهم. فَفي الوَقْتِ الَّذِي وصَفَهُ بِأنَّهُ عَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، وصَفَهم بِعَكْسِ ذَلِكَ مِن: كَذِبٍ، ومُداهَنَةٍ، وكَثْرَةِ حَلِفٍ، ومَهانَةٍ، وهَمْزٍ، ومَشْيٍ بِنَمِيمَةٍ، ومَنعٍ لِلْخَيْرِ، وعُتُلٍّ، وتَجَبَّرٍ، واعْتِداءٍ، وظُلْمٍ، وانْقِطاعِ زَنِيمٍ، عَشْرُ خِصالٍ ذَمِيمَةٌ. ونَتِيجَتُها الوَسْمُ بِالخِزْيِ عَلى الأُنُوفِ صَغارًا لَهم.

وَقَدْ جاءَتْ آياتُ القُرْآنِ تُبَيِّنُ مَساوِئَ تِلْكَ الصِّفاتِ وتُحَذِّرُ مِنها، ولا يَسَعُنا إيرادُها كُلِّها، وتَكْفِي الإشارَةُ إلى بَعْضِها؛ تَنْبِيهًا عَلى جَمِيعِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِن قَوْمٍ عَسى أنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنهم ولا نِساءٌ مِن نِساءٍ عَسى أنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنهُنَّ ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكم ولا تَنابَزُوا بِالألْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإيمانِ ومَن لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ ولا تَجَسَّسُوا ولا يَغْتَبْ بَعْضُكم بَعْضًا أيُحِبُّ أحَدُكم أنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ١١ - ١٢]

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾

ذَكَرَ القُرْطُبِيُّ لِمَعانِي المُداهَنَةِ فَوْقَ عَشَرَةِ أقْوالٍ أرْجَحُها المُلايَنَةُ، وقَدْ ذَكَرَ هُنا ودادَتَهم وتَمَنِّيَهُمُ المُداهَنَةَ، ولَمْ يَذْكُرْ لَنا هَلْ داهَنَهم ﷺ أمْ لا ؟ وهَلْ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ مَصْلَحَةً أمْ لا ؟ وقَدْ جاءَ بَيانُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا؛ بِأنَّهم أرادُوا التَّدَرُّجَ مِنَ المُداهَنَةِ ومُلايَنَتِهِ ﷺ مَعَهم، إلى ما بَعْدَها مِن تَعْطِيلِ الدَّعْوَةِ.

وَقَدْ رَجَّحَ ابْنُ جَرِيرٍ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ودَّ هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ يا مُحَمَّدُ، لَوْ تَلِينُ لَهم في دِينِكَ؛ بِإجابَتِكَ إيّاهم إلى الرُّكُونِ إلى آلِهَتِهِمْ فَيَلِينُونَ لَكَ في عِبادَتِكَ إلَهَكَ، كَما قالَ - جَلَّ ثَناؤُهُ -: ﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٤] اهـ.

وَيَشْهَدُ لِما قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ هَذا ما جاءَ في سَبَبِ نُزُولِ سُورَةِ (الكافِرُونَ) .

(p-٢٥٤)فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ﴿وَلا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ . السُّورَةَ [الكافرون: ١ - ٣] .

وَمِمّا هو صَرِيحٌ في قَصْدِهِمْ بِالمُداهَنَةِ، والدّافِعُ عَلَيْها والجَوابُ عَلَيْهِمْ قَدْ جاءَ مُوَضَّحًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]، ثُمَّ قالَ تَعالى مُبَيِّنًا مَوْقِفَ الرَّسُولِ ﷺ مِن هَذِهِ المُحاوَلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ [البقرة: ١٠٩] .

وَقَدْ جاءَ اللَّهُ بِأمْرِهِ حَكَمًا بَيْنَهُ وبَيْنَهم، وهُنا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ كُلَّ مُداهَنَةٍ في الدِّينِ مَعَ المُشْرِكِينَ تَدْخُلُ في هَذا المَوْضُوعِ.

وَقَدْ جاءَ بَعْدُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلّافٍ مَهِينٍ﴾ إشارَةً إلى أنَّهم لا يُطاعُونَ في مُداهَنَتِهِمْ، وأنَّهم سَيَبْذُلُونَ كُلَّ ما في وُسْعِهِمْ؛ لِتَرْوِيجِ مُداهَنَتِهِمْ ولَوْ بِكَثْرَةِ الحَلِفِ، وفَرْقٌ بَيْنَ المُداهَنَةِ في الدِّينِ والمُلاطَفَةِ في الدُّنْيا، أوِ التَّعاوُنِ وتَبادُلِ المَنافِعِ الدُّنْيَوِيَّةِ، كَما قَدَّمْنا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكُمْ﴾ الآيَةَ [الممتحنة: ٨] . واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

68:9Page 564

وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ فَيُدۡهِنُونَ ٩

They wish that you would soften [in your position], so they would soften [toward you].

No commentary for this ayah

68:10Page 564

وَلَا تُطِعۡ كُلَّ حَلَّافٖ مَّهِينٍ ١٠

And do not obey every worthless habitual swearer

No commentary for this ayah

68:11Page 564

هَمَّازٖ مَّشَّآءِۭ بِنَمِيمٖ ١١

[And] scorner, going about with malicious gossip -

No commentary for this ayah

68:12Page 564

مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ ١٢

A preventer of good, transgressing and sinful,

No commentary for this ayah

68:13Page 564

عُتُلِّۭ بَعۡدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ ١٣

Cruel, moreover, and an illegitimate pretender.1

No commentary for this ayah

68:14Page 564

أَن كَانَ ذَا مَالٖ وَبَنِينَ ١٤

Because he is a possessor of wealth and children,

No commentary for this ayah

68:15Page 564

إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٥

When Our verses are recited to him, he says, "Legends of the former peoples."

No commentary for this ayah

68:16Page 565

سَنَسِمُهُۥ عَلَى ٱلۡخُرۡطُومِ ١٦

We will brand him upon the snout.1

No commentary for this ayah

68:17Page 565

إِنَّا بَلَوۡنَٰهُمۡ كَمَا بَلَوۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ إِذۡ أَقۡسَمُواْ لَيَصۡرِمُنَّهَا مُصۡبِحِينَ ١٧

Indeed, We have tried them as We tried the companions of the garden, when they swore to cut its fruit in the [early] morning

No commentary for this ayah

68:18Page 565

وَلَا يَسۡتَثۡنُونَ ١٨

Without making exception.1

No commentary for this ayah

68:19Page 565

فَطَافَ عَلَيۡهَا طَآئِفٞ مِّن رَّبِّكَ وَهُمۡ نَآئِمُونَ ١٩

So there came upon it [i.e., the garden] an affliction from your Lord while they were asleep.

No commentary for this ayah

68:20Page 565

فَأَصۡبَحَتۡ كَٱلصَّرِيمِ ٢٠

And it became as though reaped.

No commentary for this ayah

68:21Page 565

فَتَنَادَوۡاْ مُصۡبِحِينَ ٢١

And they called one another at morning,

No commentary for this ayah

68:22Page 565

أَنِ ٱغۡدُواْ عَلَىٰ حَرۡثِكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰرِمِينَ ٢٢

[Saying], "Go early to your crop if you would cut the fruit."

No commentary for this ayah

68:23Page 565

فَٱنطَلَقُواْ وَهُمۡ يَتَخَٰفَتُونَ ٢٣

So they set out, while lowering their voices,

No commentary for this ayah

68:24Page 565

أَن لَّا يَدۡخُلَنَّهَا ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكُم مِّسۡكِينٞ ٢٤

[Saying], "There will surely not enter it today upon you [any] poor person."

No commentary for this ayah

68:25Page 565

وَغَدَوۡاْ عَلَىٰ حَرۡدٖ قَٰدِرِينَ ٢٥

And they went early in determination, [assuming themselves] able.1

No commentary for this ayah

68:26Page 565

فَلَمَّا رَأَوۡهَا قَالُوٓاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ ٢٦

But when they saw it, they said, "Indeed, we are lost;

No commentary for this ayah

68:27Page 565

بَلۡ نَحۡنُ مَحۡرُومُونَ ٢٧

Rather, we have been deprived."

No commentary for this ayah

68:28Page 565

قَالَ أَوۡسَطُهُمۡ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ لَوۡلَا تُسَبِّحُونَ ٢٨

The most moderate of them said, "Did I not say to you, 'Why do you not exalt [Allāh]?'"1

No commentary for this ayah

68:29Page 565

قَالُواْ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٢٩

They said, "Exalted is our Lord! Indeed, we were wrongdoers."

No commentary for this ayah

68:30Page 565

فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَلَٰوَمُونَ ٣٠

Then they approached one another, blaming each other.

No commentary for this ayah

68:31Page 565

قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا طَٰغِينَ ٣١

They said, "O woe to us; indeed we were transgressors.

No commentary for this ayah

68:32Page 565

عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبۡدِلَنَا خَيۡرٗا مِّنۡهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَٰغِبُونَ ٣٢

Perhaps our Lord will substitute for us [one] better than it. Indeed, we are toward our Lord desirous."1

No commentary for this ayah

68:33Page 565

كَذَٰلِكَ ٱلۡعَذَابُۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٣٣

Such is the punishment [of this world]. And the punishment of the Hereafter is greater, if they only knew.

No commentary for this ayah

68:34Page 565

إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ ٣٤

Indeed, for the righteous with their Lord are the Gardens of Pleasure.

No commentary for this ayah

68:35Page 565

أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ كَٱلۡمُجۡرِمِينَ ٣٥

Then will We treat the Muslims like the criminals?

No commentary for this ayah

68:36Page 565

مَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ ٣٦

What is [the matter] with you? How do you judge?

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском