Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
الأعراف
Al-A'raf
The Heights · Meccan · 206 ayahs
No commentary for this ayah
7:2Page 151
كِتَٰبٌ أُنزِلَ إِلَيۡكَ فَلَا يَكُن فِي صَدۡرِكَ حَرَجٞ مِّنۡهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٢
[This is] a Book revealed to you, [O Muḥammad] - so let there not be in your breast distress therefrom - that you may warn thereby and as a reminder to the believers.
(p-٣)﷽
سُورَةُ الأعْرافِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ الآيَةَ.
قالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ: ﴿حَرَجٌ﴾ أيْ شَكٌّ، أيْ لا يَكُنْ في صَدْرِكَ شَكٌّ في كَوْنِ هَذا القُرْآنِ حَقًّا، وعَلى هَذا القَوْلِ فالآيَةُ،
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧]
• وقَوْلِهِ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمّا أنْزَلْنا إلَيْكَ فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٤٩] .
والمُمْتَرِي: هو الشّاكُّ؛ لِأنَّهُ مُفْتَعِلٌ مِنَ المِرْيَةِ وهي الشَّكُّ، وعَلى هَذا القَوْلِ فالخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ .
والمُرادُ نَهْيُ غَيْرِهِ عَنِ الشَّكِّ في القُرْآنِ، كَقَوْلِ الرّاجِزِ: [ الرَّجَزُ ]
؎إيّاكِ أعْنِي واسْمَعِي يا جارَةُ
وَ
• كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١٢٠ و١٤٥] و [الرعد: ١٣٧] .
وَمَعْلُومٌ أنَّهُ ﷺ لا يَفْعَلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، ولَكِنَّ اللَّهَ يُخاطِبُهُ لِيُوَجِّهَ الخِطابَ إلى غَيْرِهِ في ضِمْنِ خِطابِهِ ﷺ .
وَجُمْهُورُ العُلَماءِ: عَلى أنَّ المُرادَ بِالحَرَجِ في الآيَةِ الضِّيقُ. أيْ لا يَكُنْ في صَدْرِكَ ضِيقٌ عَنْ تَبْلِيغِ ما أُمِرْتَ بِهِ لِشِدَّةِ تَكْذِيبِهِمْ لَكَ، لِأنَّ تَحَمُّلَ عَداوَةِ الكُفّارِ، والتَّعَرُّضَ لِبَطْشِهِمْ مِمّا يَضِيقُ بِهِ الصَّدْرُ، وكَذَلِكَ تَكْذِيبُهم لَهُ ﷺ مَعَ وُضُوحِ صِدْقِهِ بِالمُعْجِزاتِ الباهِراتِ مِمّا يَضِيقُ بِهِ الصَّدْرُ. وقَدْ قالَ ﷺ: «إذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً»، أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. والثَّلْغُ: الشَّدْخُ، وقِيلَ ضَرْبُ الرَّطْبِ بِاليابِسِ حَتّى يَنْشَدِخَ، وهَذا البَطْشُ مِمّا (p-٤)يَضِيقُ بِهِ الصَّدْرُ.
وَيَدُلُّ لِهَذا الوَجْهِ الأخِيرِ في الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢]، وقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧]، وقَوْلُهُ: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ [الكهف: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ ألّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٣] .
وَيُؤَيِّدُ الوَجْهَ الأخِيرَ في الآيَةِ أنَّ الحَرَجَ في لُغَةِ العَرَبِ: الضِّيقُ. وذَلِكَ مَعْرُوفٌ في كَلامِهِمْ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١]، وقَوْلُهُ: ﴿وَما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقَوْلُهُ: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: ١٢٥]، أيْ: شَدِيدَ الضِّيقِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، أوْ جَمِيلٍ: [ الكامِلُ ]
؎فَخَرَجْتُ خَوْفَ يَمِينِها فَتَبَسَّمَتْ ∗∗∗ فَعَلِمْتُ أنَّ يَمِينَها لَمْ تُحْرَجِ
وَقَوْلُ العَرْجِيِّ [ السَّرِيعُ ]:
؎عُوجِي عَلَيْنا رَبَّةَ الهَوْدَجِ ∗∗∗ إنَّكِ إلّا تَفْعَلِي تَحْرُجِي
والمُرادُ بِالإحْراجِ في البَيْتَيْنِ:
الإدْخالُ في الحَرَجِ. بِمَعْنى الضِّيقِ كَما ذَكَرْنا.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ .
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا المَفْعُولَ بِهِ لِقَوْلِهِ لِتُنْذِرَ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ﴾ [يس: ٦]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ. كَما أنَّهُ بَيَّنَ المَفْعُولَ الثّانِيَ لِلْإنْذارِ في آياتٍ أُخَرَ،
• كَقَوْلِهِ: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَدُنْهُ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَأنْذَرْتُكم نارًا تَلَظّى﴾ [الليل: ١٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْذَرْناكم عَذابًا قَرِيبًا﴾ الآيَةَ [النبإ: ٤٠]،
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ جَمَعَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ بَيْنَ الإنْذارِ والذِّكْرى في قَوْلِهِ: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٢] فالإنْذارُ لِلْكُفّارِ، والذِّكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ [مريم: ٩٧]، وقَوْلُهُ: ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، وقَوْلُهُ: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخافُ وعِيدِ﴾ [ق: ٤٥] .
(p-٥)وَلا يُنافِي ما ذَكَرْنا - مِن أنَّ الإنْذارَ لِلْكُفّارِ، والذِّكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ - أنَّهُ قَصَرَ الإنْذارَ عَلى المُؤْمِنِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وأجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس: ١١]؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ الِانْتِفاعُ بِالإنْذارِ مَقْصُورًا عَلَيْهِمْ، صارَ الإنْذارُ كَأنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ ما لا نَفْعَ فِيهِ فَهو كالعَدَمِ.
وَمِن أسالِيبِ اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ: التَّعْبِيرُ عَنْ قَلِيلِ النَّفْعِ بِأنَّهُ لا شَيْءَ.
وَحاصِلُ تَحْرِيرِ المَقامِ في هَذا المَبْحَثِ: أنَّ الإنْذارَ يُطْلَقُ في القُرْآنِ إطْلاقَيْنِ:
أحَدُهُما: عامٌّ لِجَمِيعِ النّاسِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها المُدَّثِّرُ﴾ ﴿قُمْ فَأنْذِرْ﴾ [المدثر: ١، ٢]، وقَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] .
وَهَذا الإنْذارُ العامُّ: هو الَّذِي قُصِرَ عَلى المُؤْمِنِينَ قَصْرًا إضافِيًّا في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ الآيَةَ؛ لِأنَّهم هُمُ المُنْتَفِعُونَ بِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ.
والثّانِي: إنْذارٌ خاصٌّ بِالكُفّارِ؛ لِأنَّهم هُمُ الواقِعُونَ فِيما أُنْذِرُوا بِهِ مِنَ النَّكالِ والعَذابِ، وهو الَّذِي يُذْكَرُ في القُرْآنِ مُبَيَّنًا أنَّهُ خاصٌّ بِالكُفّارِ دُونَ المُؤْمِنِينَ، كَقَوْلِهِ: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ المُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾، وقَوْلِهِ هُنا: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ اهـ.
والإنْذارُ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ: الإعْلامُ المُقْتَرِنُ بِتَهْدِيدٍ، فَكُلُّ إنْذارٍ إعْلامٌ، ولَيْسَ كُلُّ إعْلامٍ إنْذارًا.
7:3Page 151
ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۗ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ ٣
Follow, [O mankind], what has been revealed to you from your Lord and do not follow other than Him any allies. Little do you remember.
No commentary for this ayah
7:4Page 151
وَكَم مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا فَجَآءَهَا بَأۡسُنَا بَيَٰتًا أَوۡ هُمۡ قَآئِلُونَ ٤
And how many cities have We destroyed, and Our punishment came to them at night or while they were sleeping at noon.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا أوْ هم قائِلُونَ﴾، خَوَّفَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الكُفّارَ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ ﷺ، بِأنَّهُ أهْلَكَ كَثِيرًا مِنَ القُرى بِسَبَبِ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ، فَمِنهم مَن أهْلَكَها ﴿بَياتًا﴾، أيْ: لَيْلًا، ومِنهم مَن أهْلَكَها وهم قائِلُونَ، أيْ في حالِ قَيْلُولَتِهِمْ، والقَيْلُولَةُ: الِاسْتِراحَةُ وسَطَ النَّهارِ. يَعْنِي: فاحْذَرُوا تَكْذِيبَ رَسُولِي ﷺ لِئَلّا أُنْزِلَ بِكم مِثْلَ ما أنْزَلْتُ بِهِمْ، وأوْضَحَ هَذا المَعْنى في آياتٍ أُخَرَ
• كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِن قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنهم ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الأنعام: ١٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿فَكَأيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها وهي ظالِمَةٌ فَهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: ٤٥]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ أهْلَكْنا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهم لَمْ تُسْكَنْ مِن بَعْدِهِمْ إلّا قَلِيلًا وكُنّا نَحْنُ الوارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨]،
وقَوْلِهِ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ (p-٦)يُرِيدُ تَهْدِيدَهم بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلِلْكافِرِينَ أمْثالُها﴾ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَدْ هَدَّدَ تَعالى أهْلَ القُرى بِأنْ يَأْتِيَهم عَذابُهُ لَيْلًا في حالَةِ النَّوْمِ، أوْ ضُحًى في حالَةِ اللَّعِبِ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧، ٩٨]، وهَدَّدَ أمْثالَهم مِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم في تَقَلُّبِهِمْ فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿أوْ يَأْخُذَهم عَلى تَخَوُّفٍ فَإنَّ رَبَّكم لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ٤٥، ٤٦، ٤٧] .
7:5Page 151
فَمَا كَانَ دَعۡوَىٰهُمۡ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَآ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٥
And their declaration when Our punishment came to them was only that they said, "Indeed, we were wrongdoers!"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ تِلْكَ القُرى الكَثِيرَةَ الَّتِي أهْلَكَها في حالِ البَياتِ، أوْ في حالِ القَيْلُولَةِ، لَمْ يَكُنْ لَهم مِنَ الدَّعْوى إلّا اعْتِرافُهم بِأنَّهم كانُوا ظالِمِينَ.
وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿وَكَمْ قَصَمْنا مِن قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وأنْشَأْنا بَعْدَها قَوْمًا آخَرِينَ فَلَمّا أحَسُّوا بَأْسَنا إذا هم مِنها يَرْكُضُونَ لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكم لَعَلَّكم تُسْألُونَ﴾ ﴿قالُوا ياوَيْلَنا إنّا كُنّا ظالِمِينَ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهم حَتّى جَعَلْناهم حَصِيدًا خامِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١١ - ١٥] .
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: في هَذِهِ الآيَةِ الدَّلالَةُ الواضِحَةُ عَلى صِحَّةِ ما جاءَتْ بِهِ الرِّوايَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «ما هَلَكَ قَوْمٌ حَتّى يُعْذِرُوا مِن أنْفُسِهِمْ» . حَدَّثَنا بِذَلِكَ ابْنُ حُمَيْدٍ، حَدَّثَنا جَرِيرٌ عَنْ أبِي سِنانٍ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ الزَّرّادِ قالَ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما هَلَكَ قَوْمٌ حَتّى يُعْذِرُوا مِن أنْفُسِهِمْ» قالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ ؟ قالَ: فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَما كانَ دَعْواهم إذْ جاءَهم بَأْسُنا إلّا أنْ قالُوا إنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٥] .
7:6Page 151
فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٦
Then We will surely question those to whom [a message] was sent, and We will surely question the messengers.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ .
لَمْ يُبَيِّنْ هُنا الشَّيْءَ المَسْئُولَ عَنْهُ المُرْسَلُونَ، ولا الشَّيْءَ المَسْئُولَ عَنْهُ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ.
وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ أنَّهُ يَسْألُ المُرْسَلِينَ عَمّا أجابَتْهم بِهِ أُمَمُهم، ويَسْألُ الأُمَمَ عَمّا أجابُوا بِهِ رُسُلَهم.
قالَ في الأوَّلِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] .
(p-٧)وَقالَ في الثّانِي: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] .
وَبَيَّنَ في مَوْضِعٍ آخَرَ أنَّهُ يَسْألُ جَمِيعَ الخَلْقِ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣] .
وَهُنا إشْكالٌ مَعْرُوفٌ: وهو أنَّهُ تَعالى قالَ هُنا: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]، وقالَ أيْضًا: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقالَ: ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]، وهَذا صَرِيحٌ في إثْباتِ سُؤالِ الجَمِيعِ يَوْمَ القِيامَةِ، مَعَ أنَّهُ قالَ: ﴿وَلا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]، وقالَ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] .
وَقَدْ بَيَّنّا وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ الآياتِ المَذْكُورَةِ في كِتابِنا (دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ) وسَنَزِيدُهُ إيضاحًا هُنا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
اعْلَمْ أوَّلًا: أنَّ السُّؤالَ المَنفِيَّ في الآياتِ المَذْكُورَةِ، أخَصُّ مِنَ السُّؤالِ المُثْبَتِ فِيها؛ لِأنَّ السُّؤالَ المَنفِيَّ فِيها مُقَيَّدٌ بِكَوْنِهِ سُؤالًا عَنْ ذُنُوبٍ خاصَّةٍ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿وَلا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨] فَخَصَّهُ بِكَوْنِهِ عَنِ الذُّنُوبِ، وقالَ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ فَخَصَّهُ بِذَلِكَ أيْضًا، فَيَتَّضِحُ مِن ذَلِكَ أنَّ سُؤالَ الرُّسُلِ والمَوْءُودَةِ مَثَلًا لَيْسَ عَنْ ذَنْبٍ فَعَلُوهُ فَلا مانِعَ مِن وُقُوعِهِ؛ لِأنَّ المَنفِيَّ خُصُوصُ السُّؤالِ عَنْ ذَنْبٍ، ويَزِيدُ ذَلِكَ إيضاحًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ الآيَةَ [المائدة: ١١٩]، وقَوْلُهُ بَعْدَ سُؤالِهِ لِعِيسى المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٨]، ﴿قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ الآيَةَ [الأحزاب: ٨]، والسُّؤالُ عَنِ الذُّنُوبِ المَنفِيُّ في الآياتِ: المُرادُ بِهِ سُؤالُ الِاسْتِخْبارِ والِاسْتِعْلامِ؛ لِأنَّهُ جَلَّ وعَلا مُحِيطٌ عِلْمُهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، ولا يُنافِي نَفْيُ هَذا النَّوْعِ مِنَ السُّؤالِ ثُبُوتَ نَوْعٍ آخَرَ مِنهُ هو سُؤالُ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ؛ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِن أنْواعِ العَذابِ، ويَدُلُّ لِهَذا أنَّ سُؤالَ اللَّهِ لِلْكُفّارِ في القُرْآنِ كُلُّهُ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ كَقَوْلِهِ: ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ .
وَقَوْلِهِ: ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥] . إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ وباقِي أوْجُهِ الجَمْعِ مُبَيَّنٌ في كِتابِنا المَذْكُورِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٢٨٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الأعْرافِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ يَسْألُ جَمِيعَ النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ، ونَظِيرُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ ﴿عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]، وقَوْلُهُ: ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥] .
وَقَدْ جاءَتْ آياتٌ أُخَرُ تَدُلُّ عَلى خِلافِ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَلا يُسْألُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨] .
والجَوابُ عَنْ هَذا مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:
الأوَّلُ: وهو أوْجَهُها لِدَلالَةِ القُرْآنِ عَلَيْهِ هو أنَّ السُّؤالَ قِسْمانِ:
سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَقْرِيعٍ وأداتُهُ غالِبًا: لِمَ، وسُؤالُ اسْتِخْبارٍ واسْتِعْلامٍ وأداتُهُ غالِبًا: هَلْ، فالمُثْبَتُ هو سُؤالُ التَّوْبِيخِ والتَّقْرِيعِ، والمَنفِيُّ هو سُؤالُ الِاسْتِخْبارِ والِاسْتِعْلامِ، وجْهُ دَلالَةِ القُرْآنِ عَلى هَذا أنَّ سُؤالَهُ لَهُمُ المَنصُوصُ في كُلِّهِ تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ كَقَوْلِهِ: ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْئُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٤ - ٢٥]، وقَوْلِهِ: ﴿أفَسِحْرٌ هَذا أمْ أنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الطور: ١٥]، ﴿ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الزمر: ٧١]، وكَقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَسُؤالُ اللَّهِ لِلرُّسُلِ: ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٩] لِتَوْبِيخِ الَّذِينَ كَذَّبُوهم كَسُؤالِ المَوْءُودَةِ: ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٩] لِتَوْبِيخِ قاتِلِها.
(p-٢٨٩)الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ في القِيامَةِ مَواقِفَ مُتَعَدِّدَةً، فَفي بَعْضِها يَسْألُونَ، وفي بَعْضِها لا يَسْألُونَ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: هو ما ذَكَرَهُ الحَلِيمِيُّ مِن أنَّ إثْباتَ السُّؤالِ مَحْمُولٌ عَلى السُّؤالِ عَنِ التَّوْحِيدِ وتَصْدِيقِ الرُّسُلِ وعَدَمَ السُّؤالِ مَحْمُولٌ عَلى ما يَسْتَلْزِمُهُ الإقْرارُ بِالنُّبُوّاتِ مِن شَرائِعِ الدِّينِ وفُرُوعِهِ، ويَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَقُولُ ماذا أجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
7:7Page 151
فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيۡهِم بِعِلۡمٖۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ ٧
Then We will surely relate [their deeds] to them with knowledge, and We were not [at all] absent.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وما كُنّا غائِبِينَ﴾ .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ (p-٨)الكَرِيمَةِ أنَّهُ يَقُصُّ عَلى عِبادِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ في الدُّنْيا، وأخْبَرَهم بِأنَّهُ جَلَّ وعَلا لَمْ يَكُنْ غائِبًا عَمّا فَعَلُوهُ أيّامَ فِعْلِهِمْ لَهُ في دارِ الدُّنْيا، بَلْ هو الرَّقِيبُ الشَّهِيدُ عَلى جَمِيعِ الخَلْقِ، المُحِيطُ عِلْمُهُ بِكُلِّ ما فَعَلُوهُ مِن صَغِيرٍ وكَبِيرٍ، وجَلِيلٍ وحَقِيرٍ، وبَيَّنَ هَذا المَعْنى في آياتٍ كَثِيرَةٍ
• كَقَوْلِهِ: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا هو سادِسُهم ولا أدْنى مِن ذَلِكَ ولا أكْثَرَ إلّا هو مَعَهم أيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧]،
• وقَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها وهو مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]
• وقَوْلِهِ: ﴿وَما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلّا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلّا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] .
تَنْبِيهٌ
فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الرَّدُّ الصَّرِيحُ عَلى المُعْتَزِلَةِ النّافِينَ صِفاتِ المَعانِي، القائِلِينَ: إنَّهُ تَعالى عالِمٌ بِذاتِهِ، لا بِصِفَةٍ قامَتْ بِذاتِهِ، هي العِلْمُ، وهَكَذا في قَوْلِهِمْ: قادِرٌ مُرِيدٌ، حَيٌّ سَمِيعٌ، بَصِيرٌ مُتَكَلِّمٌ، فَإنَّهُ هُنا أثْبَتَ لِنَفْسِهِ صِفَةَ العِلْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ \ [الأعراف: ٧] ٣٠ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٦٦] . وهي أدِلَّةٌ قُرْآنِيَّةٌ صَرِيحَةٌ في بُطْلانِ مَذْهَبِهِمُ الَّذِي لا يَشُكُّ عاقِلٌ في بُطْلانِهِ وتَناقُضِهِ.
7:8Page 151
وَٱلۡوَزۡنُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّۚ فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٨
And the weighing [of deeds] that Day will be the truth. So those whose scales are heavy - it is they who will be the successful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الحَقُّ﴾ بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ أنَّ وزْنَهُ لِلْأعْمالِ يَوْمَ القِيامَةِ حَقٌّ أيْ لا جَوْرَ فِيهِ، ولا ظُلْمَ، فَلا يُزادُ في سَيِّئاتِ مُسِيءٍ، ولا يُنْقَصُ مِن حَسَناتِ مُحْسِنٍ.
وَأوْضَحَ هَذا المَعْنى في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ لِيَوْمِ القِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وإنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أتَيْنا بِها وكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٠] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
الحَرْفُ المُنِيرُ \ سِحْرُ \ أضْواءِ البَيانِ \ ج ٢ \ مِن ص ٢٩٢ - إلى ص. . . . . . . . . ٣٠٢
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ .
(p-٩)بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهم أفْلَحُوا، ومَن خَفَّتْ مَوازِينُهم خَسِرُوا بِسَبَبِ ظُلْمِهِمْ، ولَمْ يُفَصِّلِ الفَلاحَ والخُسْرانَ هُنا.
وَقَدْ جاءَ في بَعْضِ المَواضِعِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالفَلاحِ هُنا كَوْنُهُ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ في الجَنَّةِ، وأنَّ المُرادَ بِالخُسْرانِ هُنا كَوْنُهُ في الهاوِيَةِ مِنَ النّارِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: وقَدْ جاءَ في بَعْضِ المَواضِعِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالفَلاحِ هُنا كَوْنُهُ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ في الجَنَّةِ، وأنَّ المُرادَ بِالخُسْرانِ هُنا كَوْنُهُ في الهاوِيَةِ مِنَ النّارِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَهُوَ في عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ ﴿وَأمّا مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ ﴿فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ﴾ ﴿وَما أدْراكَ ما هِيَهْ﴾ ﴿نارٌ حامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ١١] .
وَبَيَّنَ أيْضًا خُسْرانَ مَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ، بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَن خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم في جَهَنَّمَ خالِدُونَ﴾ ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النّارُ وهم فِيها كالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٣، ١٠٤] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
7:9Page 151
وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ ٩
And those whose scales are light - they are the ones who will lose themselves for what injustice they were doing toward Our verses.
No commentary for this ayah
7:10Page 151
وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَۗ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ١٠
And We have certainly established you upon the earth and made for you therein ways of livelihood. Little are you grateful.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا لَكم فِيها مَعايِشَ﴾ . لَمْ يُبَيِّنْ هُنا كَيْفِيَّةَ هَذِهِ المَعايِشِ الَّتِي جَعَلَ لَنا في الأرْضِ، ولَكِنَّهُ بَيَّنَ ذَلِكَ في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ إلى طَعامِهِ﴾ ﴿أنّا صَبَبْنا الماءَ صَبًّا﴾ ﴿ثُمَّ شَقَقْنا الأرْضَ شَقًّا﴾ ﴿فَأنْبَتْنا فِيها حَبًّا﴾ ﴿وَعِنَبًا وقَضْبًا﴾ ﴿وَزَيْتُونًا ونَخْلًا﴾ ﴿وَحَدائِقَ غُلْبًا﴾ ﴿وَفاكِهَةً وأبًّا﴾ ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٤ - ٣٢] .
وَقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا نَسُوقُ الماءَ إلى الأرْضِ الجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنهُ أنْعامُهم وأنْفُسُهم أفَلا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة: ٢٧]، وقَوْلِهِ: ﴿وَأنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ ﴿كُلُوا وارْعَوْا أنْعامَكم إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى﴾ [طه: ٥٣، ٥٤] .
وَذَكَرَ كَثِيرًا مِن ذَلِكَ في سُورَةِ النَّحْلِ كَقَوْلِهِ: ﴿والأنْعامَ خَلَقَها لَكم فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنها تَأْكُلُونَ﴾ [ \ ٥ ] إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
7:11Page 151
وَلَقَدۡ خَلَقۡنَٰكُمۡ ثُمَّ صَوَّرۡنَٰكُمۡ ثُمَّ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ لَمۡ يَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ ١١
And We have certainly created you, [O mankind], and given you [human] form. Then We said to the angels, "Prostrate to Adam"; so they prostrated, except for Iblees.1 He was not of those who prostrated.
No commentary for this ayah
7:12Page 152
قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ ١٢
[Allāh] said, "What prevented you from prostrating when I commanded you?" [Satan] said, "I am better than him. You created me from fire and created him from clay [i.e., earth]."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ .
الَ بَعْضُ العُلَماءِ: مَعْناهُ: ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ، و ”لا“ صِلَةٌ، ويَشْهَدُ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: في سُورَةِ ”ص“ ﴿قالَ ياإبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ الآيَةَ [ \ ٧٥ ]، وقَدْ أوْضَحْنا زِيادَةَ لَفْظَةِ ”لا“ وشَواهِدَ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ، ومِن كَلامِ العَرَبِ في سُورَةِ البَلَدِ، في كِتابِنا ”دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ“ والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
* *
(p-١٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أنا خَيْرٌ مِنهُ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾، ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ إبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ خُلِقَ مِن نارٍ، وعَلى القَوْلِ بِأنَّ إبْلِيسَ هو الجانُّ الَّذِي هو أبُو الجِنِّ، فَقَدْ زادَ في مَواضِعَ أُخَرَ أوْصافًا لِلنّارِ الَّتِي خَلَقَهُ مِنها. مِن ذَلِكَ أنَّها نارُ السَّمُومِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿والجانَّ خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ مِن نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧]، ومِن ذَلِكَ أنَّها خُصُوصُ المارِجِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَخَلَقَ الجانَّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥]، والمارِجُ أخَصُّ مِن مُطْلَقِ النّارِ لِأنَّهُ اللَّهَبُ الَّذِي لا دُخانَ فِيهِ.
وَسُمِّيَتْ نارَ السَّمُومِ؛ لِأنَّها تَنْفُذُ في مَسامِّ البَدَنِ لِشِدَّةِ حَرِّها. وفي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها مَرْفُوعًا: «خُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِن نُورٍ، وخُلِقَ الجانُّ مِن مارِجٍ مِن نارٍ، وخُلِقَ آدَمُ مِمّا وُصِفَ لَكم» . ورَواهُ عَنْها أيْضًا الإمامُ أحْمَدُ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾ .
فِي هَذِهِ الآيَةِ إشْكالٌ بَيْنَ قَوْلِهِ: مَنَعَكَ مَعَ لا النّافِيَةِ لِأنَّ المُناسِبَ في الظّاهِرِ لِقَوْلِهِ: مَنَعَكَ بِحَسَبِ ما يَسْبِقُ إلى ذِهْنِ السّامِعِ لا ما في نَفْسِ الأمْرِ، هو حَذْفُ لا فَيَقُولُ: ﴿ما مَنَعَكَ﴾ أنَّ تَسْجُدَ دُونَ ﴿ألّا تَسْجُدَ﴾، وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأجْوِبَةٍ: مِن أقْرَبِها هو ما اخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِهِ، وهو أنَّ بِالكَلامِ حَذْفًا دَلَّ المَقامُ عَلَيْهِ.
وَعَلَيْهِ فالمَعْنى: ﴿ما مَنَعَكَ﴾ مِنَ السُّجُودِ، فَأحْوَجَكَ ﴿ألّا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ﴾، وهَذا الَّذِي اخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إنَّهُ حَسَنٌ قَوِيٌّ.
وَمِن أجْوِبَتِهِمْ أنَّ ”لا“ صِلَةٌ ويَدُلُّ قَوْلُهُ تَعالى في سُورَةِ ”ص“ ﴿ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ﴾ الآيَةَ [ ٣٨ ]، وقَدْ وعَدْنا فِيما مَضى أنّا إنْ شاءَ اللَّهُ نُبَيِّنُ القَوْلَ بِزِيادَةِ ”لا“ مَعَ شَواهِدِهِ العَرَبِيَّةِ في الجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [ ٩٠ ]، وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وَهَذا البَلَدِ الأمِينِ﴾ [التين: ٣] .
7:13Page 152
قَالَ فَٱهۡبِطۡ مِنۡهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخۡرُجۡ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ ١٣
[Allāh] said, "Descend from it [i.e., Paradise], for it is not for you to be arrogant therein. So get out; indeed, you are of the debased."
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ فاهْبِطْ مِنها فَما يَكُونُ لَكَ أنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣] .
بَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّهُ عامَلَ إبْلِيسَ اللَّعِينَ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ حَيْثُ كانَ قَصْدُهُ التَّعاظُمَ والتَّكَبُّرَ، فَأخْرَجَهُ اللَّهُ صاغِرًا حَقِيرًا ذَلِيلًا، مُتَّصِفًا بِنَقِيضِ ما كانَ يُحاوِلُهُ مِنَ العُلُوِّ والعَظَمَةِ، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿فاخْرُجْ إنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣]، والصَّغارُ: أشَدُّ الذُّلِّ والهَوانِ،
• وقَوْلِهِ: ﴿اخْرُجْ مِنها مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨]، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ، ويُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ أنَّ المُتَكَبِّرَ لا يَنالُ ما أرادَ مِنَ العَظَمَةِ والرِّفْعَةِ، وإنَّما يَحْصُلُ لَهُ نَقِيضُ ذَلِكَ. وصَرَّحَ تَعالى بِهَذا المَعْنى في قَوْلِهِ: ﴿إنْ في صُدُورِهِمْ إلّا كِبْرٌ ما هم بِبالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦] . وبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ كَثِيرًا مِنَ العَواقِبِ السَّيِّئَةِ الَّتِي تَنْشَأُ عَنِ الكِبْرِ، أعاذَنا اللَّهُ والمُسْلِمِينَ مِنهُ، فَمِن ذَلِكَ أنَّهُ سَبَبٌ لِصَرْفِ صاحِبِهِ عَنْ فَهْمِ آياتِ اللَّهِ، والِاهْتِداءِ بِها كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ الآيَةَ [الأعراف: ١٤٦] . ومِن ذَلِكَ أنَّهُ مِن أسْبابِ الثَّواءِ في النّارِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: ٦٠]،
• وقَوْلِهِ: ﴿إنَّهم كانُوا إذا قِيلَ لَهم لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥]، ومِن ذَلِكَ أنَّ صاحِبَهُ لا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعالى كَما في قَوْلِهِ: ﴿لا جَرَمَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٢٣]، ومِن ذَلِكَ أنَّ مُوسى اسْتَعاذَ مِنَ المُتَّصِفِ بِهِ ولا يُسْتَعاذُ إلّا مِمّا هو شَرٌّ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿وَقالَ مُوسى إنِّي عُذْتُ بِرَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ﴾ [غافر: ٢٧]
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن (p-١١)نَتائِجِهِ السَّيِّئَةِ، وعَواقِبِهِ الوَخِيمَةِ، ويُفْهَمُ مِن مَفْهُومِ المُخالَفَةِ في الآيَةِ: أنَّ المُتَواضِعَ لِلَّهِ جَلَّ وعَلا يَرْفَعُهُ اللَّهُ.
وَقَدْ أشارَ تَعالى إلى مَكانَةِ المُتَواضِعِينَ لَهُ عِنْدَهُ في مَواضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، وقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ الدّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الأرْضِ ولا فَسادًا والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] وقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”إنَّهُ أُوحِيَ إلَيَّ أنْ تَواضَعُوا حَتّى لا يَفْخَرَ أحَدٌ عَلى أحَدٍ، ولا يَبْغِيَ أحَدٌ عَلى أحَدٍ“، وقَدْ قالَ الشّاعِرُ: [ الطَّوِيلُ ]
؎تَواضَعْ تَكُنْ كالبَدْرِ تُبْصِرُ وجْهَهُ عَلى صَفَحاتِ الماءِ وهو رَفِيعُ
؎وَلا تَكُ كالدُّخّانِ يَعْلُو بِنَفْسِهِ ∗∗∗ إلى صَفَحاتِ الجَوِّ وهو وضِيعُ
وَقالَ أبُو الطِّيبِ المُتَنَبِّي: [ الوافِرُ ]
؎وَلَوْ لَمْ يَعْلُ إلّا ذُو مَحَلٍّ ∗∗∗ تَعالَ الجَيْشُ وانْحَطَّ القَتامُ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences