Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
القيامة
Al-Qiyamah
The Resurrection · Meccan · 40 ayahs
(p-٣٦٩)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
سُورَةُ القِيامَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اخْتَلَفَ القُرّاءُ في قِراءَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾، فَقَرَأتْ ذَلِكَ عامَّةُ قُرّاءِ الأمْصارِ: ”لا أُقْسِمُ“ مَفْصُولَةً مِن أُقْسِمُ سِوى الحَسَنِ والأعْرَجِ، فَإنَّهُ ذُكِرَ عَنْهُما أنَّهُما كانا يَقْرَءانِ ذَلِكَ: ”لَأُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ“ . بِمَعْنى: أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ.
ثُمَّ دَخَلَتْ عَلَيْها لامُ القَسَمِ، والقِراءَةُ الَّتِي لا أسْتَجِيزُ غَيْرَها في هَذا المَوْضِعِ ”لا“ مَفْصُولَةً، ”أُقْسِمُ“ مُبْتَدَأةٌ عَلى ما عَلَيْهِ قُرّاءُ الأمْصارِ بِإجْماعِ الحُجَّةِ مِنَ القُرّاءِ عَلَيْهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ عَلى الوَجْهِ الَّذِي اخْتَرْنا قِراءَتَهُ في تَأْوِيلِهِ، فَقالَ بَعْضُهم: لا صِلَةٌ، وإنَّما مَعْنى الكَلامِ: ”أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ“، وعَزاهُ إلى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
وَقالَ آخَرُونَ: بَلْ دَخَلَتْ ”لا“ تَوْكِيدًا لِلْكَلامِ.
وَذُكِرَ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ في قَوْلِهِ: ”لا أُقْسِمُ“ تَوْكِيدٌ لِلْقَسَمِ، كَقَوْلِهِ: لا واللَّهِ.
وَقالَ بَعْضُ نَحْوِيِّ الكُوفَةِ: ”لا“ رَدٌّ لِكَلامٍ قَدْ مَضى مِن كَلامِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا يُنْكِرُونَ الجَنَّةَ والنّارَ.
ثُمَّ ابْتُدِئَ القَسَمُ، فَقِيلَ: ﴿أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾، وكانَ يَقُولُ: كُلُّ يَمِينٍ قَبْلَها رَدُّ كَلامٍ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيمِ ”لا“ قَبْلَها؛ لِيُفَرِّقَ بِذَلِكَ بَيْنَ اليَمِينِ الَّتِي تَكُونُ جَحْدًا واليَمِينِ الَّتِي تُسْتَأْنَفُ، ويَقُولُ: ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ مُبْتَدِئًا: واللَّهِ إنَّ الرَّسُولَ لَحَقٌّ، وإذا قُلْتَ: لا واللَّهِ، إنَّ الرَّسُولَ لَحَقٌّ، فَكَأنَّكَ أكْذَبْتَ قَوْمًا أنْكَرُوهُ، واخْتَلَفُوا أيْضًا في ذَلِكَ هَلْ هو قَسَمٌ أمْ لا ؟ .
وَذَكَرَ الخِلافَ في ذَلِكَ، والواقِعُ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ مِنَ المُشْكِلاتِ مِن حَيْثُ وُجُودُ اللّامِ، وهَلْ هي نافِيَةٌ لِلْقَسَمِ أمْ مُثْبِتَةٌ ؟ وعَلى أنَّها مُثَبِتَةٌ فَما مُوجِبُها ؟ هَلْ هي رَدٌّ لِكَلامٍ سابِقٍ أمْ تَأْكِيدٌ لِلْقَسَمِ ؟ وهَلْ وقَعَ إقْسامٌ أمْ لا ؟ كَما ذَكَرَ كُلَّ ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ.
(p-٣٧٠)وَقَدْ تَناوَلَها الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في كِتابِهِ دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ في مَوْضِعَيْنِ، الأوَّلُ: في هَذِهِ السُّورَةِ. والثّانِي: في سُورَةِ ”البَلَدِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾ [البلد: ١]، فَبَيَّنَ في المَوْضِعِ الأوَّلِ أنَّها - أيْ ”لا“ -: نافِيَةٌ لِكَلامٍ قَبْلَها؛ فَلا تَتَعارَضُ مَعَ الإقْسامِ بِيَوْمِ القِيامَةِ فِعْلًا الواقِعِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ [البروج: ٢] .
والثّانِي: أنَّها صِلَةٌ، وقالَ: سَيَأْتِي لَهُ زِيادَةُ إيضاحٍ، والمَوْضِعُ الثّانِي: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ﴾، ساقَ فِيهِ بَحْثًا طَوِيلًا مُهِمًّا جِدًّا نَسُوقُ خُلاصَتَهُ. وسَيُطْبَعُ الكِتابُ - إنْ شاءَ اللَّهُ - مَعَ هَذِهِ التَّتِمَّةِ فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ.
خُلاصَةُ ما ساقَهُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -:
قالَ: الجَوابُ عَلَيْها مِن أوْجُهٍ. الأوَّلُ - وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ -: أنَّ ”لا“ هُنا صِلَةٌ عَلى عادَةِ العَرَبِ، فَإنَّها رُبَّما لَفَظَتْ بِلَفْظَةِ ”لا“ مِن غَيْرِ قَصْدِ مَعْناها الأصْلِيِّ، بَلْ لِمُجَرَّدِ تَقْوِيَةِ الكَلامِ وتَوْكِيدِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا ألّا تَتَّبِعَنِي﴾ [طه: ٩٢ - ٩٣] . يَعْنِي أنْ تَتَّبِعَنِي.
وَقَوْلِهِ: ﴿لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩] .
وَقَوْلِهِ: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: ٦٥] .
وَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلا وأبِيكِ ابْنَةُ العامِرِيِّ لا يَدَّعِ القَوْمُ أنِّي أفِرُّ
يَعْنِي وأبِيكِ، وأنْشَدَ الفَرّاءُ لِزِيادَةِ لا في الكَلامِ الَّذِي فِيهِ مَعْنى الجَحْدِ، قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎ما كانَ يَرْضى رَسُولُ اللَّهِ دِينَهُمُ ∗∗∗ والأطْيَبانِ أبُو بَكْرٍ ولا عُمَرُ
يَعْنِي وعُمَرُ، وأنْشَدَ الجَوْهَرِيُّ لِزِيادَتِها قَوْلَ العَجّاجِ:
؎فِي بِئْرٍ لا حَوْرَ سَرى وما شَعَرَ ∗∗∗ بِإفْكِهِ حَتّى رَأى الصُّبْحَ شَجَرَ
والحَوْرُ: الهَلَكَةُ: يَعْنِي في بِئْرِ هَلَكَةٍ، وأنْشَدَ غَيْرُهُ:
؎تَذَكَّرْتُ لَيْلى فاعْتَرَتْنِي صَبابَةٌ ∗∗∗ وكادَ صَمِيمُ القَلْبِ لا يَتَقَطَّعُ
والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ ”لا“ نَفْيٌ لِكَلامِ المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ .
(p-٣٧١)وَقَوْلُهُ: أُقْسِمُ: إثْباتٌ مُسْتَأْنَفٌ.
وَقِيلَ: إنَّ هَذا الوَجْهَ، وإنْ قالَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ العُلَماءِ، إلّا أنَّهُ لَيْسَ بِوَجِيهٍ عِنْدِي؛ لِقَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ القِيامَةِ: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدِ الإثْباتَ المُسْتَأْنَفَ بَعْدَ النَّفْيِ بِقَوْلِهِ ”أُقْسِمُ“ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّها حَرْفُ نَفْيٍ أيْضًا، ووَجْهُهُ أنَّ إنْشاءَ القَسَمِ يَتَضَمَّنُ الإخْبارَ عَنْ تَعْظِيمِ المُقْسَمِ بِهِ. فَهو نَفْيٌ لِذَلِكَ الخَبَرِ الضِّمْنِيِّ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ. والمُرادُ أنَّهُ لا يُعَظَّمُ بِالقَسَمِ، بَلْ هو في نَفْسِهِ عَظِيمٌ أقْسَمَ بِهِ أوْ لا. وهَذا القَوْلُ ذَكَرَهُ صاحِبُ الكَشّافِ وصاحِبُ رُوحِ المَعانِي، ولا يَخْلُو عِنْدِي مِن نَظَرٍ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: أنَّ اللّامَ لامُ الِابْتِداءِ، أُشْبِعَتْ فَتْحَتُها. والعَرَبُ رُبَّما أشْبَعَتِ الفَتْحَةَ بِألِفٍ، والكَسْرَةَ بِياءٍ، والضَّمَّةَ بِواوٍ. ومِثالُهُ في الفَتْحَةِ قَوْلُ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ الحارِثِ:
؎وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ ∗∗∗ كَأنْ لَمْ تَرى قَبْلِي أسِيرًا يَمانِيّا
فالأصْلُ: كَأنْ لَمْ تَرَ، ولَكِنَّ الفَتْحَةَ أُشْبِعَتْ.
وَقَوْلُ الرّاجِزِ:
؎إذا العَجُوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقِ ∗∗∗ ولا تَرَضّاها ولا تَمَلَّقِ
وَقَوْلُ عَنْتَرَةَ في مُعَلَّقَتِهِ:
؎يَنْباعُ مِن ذِفْرى غَضُوبٍ جَسْرَةٍ ∗∗∗ زَيّافَةٍ مِثْلِ العَتِيقِ المُكْدَمِ
فالأصْلُ يَنْبَعُ، يَعْنِي العَرَقَ، يَنْبَعُ مِنَ الذِّفْرى: مِن ناقَتِهِ، فَأُشْبِعَتِ الفَتْحَةُ فَصارَتْ يَنْباعُ، وقالَ: لَيْسَ هَذا الإشْباعُ مِن ضَرُورَةِ الشِّعْرِ.
ثُمَّ ساقَ الشَّواهِدَ عَلى الإشْباعِ بِالضَّمَّةِ والكَسْرَةِ، ثُمَّ قالَ: يَشْهَدُ لِهَذا الوَجْهِ قِراءَةُ قُنْبُلٍ: ”لَأُقْسِمُ بِهَذا البَلَدِ“ بِلامِ الِابْتِداءِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ البَزِّيِّ والحَسَنِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى اهـ. مُلَخَّصًا.
فَأنْتَ تَرى أنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَدَّمَ فِيها أرْبَعَةَ أوْجُهٍ: صِلَةٌ، ونَفْيُ الكَلامِ قَبْلَها، وتَأْكِيدٌ (p-٣٧٢)لِلْقَسَمِ، ولامُ ابْتِداءٍ. واسْتَدَلَّ لَهُ بِقِراءَةِ قُنْبُلٍ، أيْ: ”لَأُقْسِمُ“ مُتَّصِلَةٌ، أمّا كَوْنُها لامَ ابْتِداءٍ لِقِراءَةِ قُنْبُلٍ والحَسَنِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ ابْنَ جَرِيرٍ لا يَسْتَجِيزُ هَذِهِ القِراءَةَ؛ لِإجْماعِ الحُجَّةِ مِنَ القُرّاءِ عَلى قِراءَتِها مَفْصُولَةً: ﴿لا أُقْسِمُ﴾ .
وَلَعَلَّ أرْجَحَ هَذِهِ الأوْجُهِ كُلِّها أنَّها لِتَوْكِيدِ القَسَمِ، كَما ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ نَحْوِيِّي الكُوفَةِ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
سُورَةُ القِيامَةِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ .
لا يُعارِضُ إقْسامَهُ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿واليَوْمِ المَوْعُودِ﴾ [ ٨٥ ]، والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ ”لا“ نافِيَةٌ لِكَلامِ الكُفّارِ.
الثّانِي: أنَّها صِلَةٌ كَما تَقَدَّمَ، وسَيَأْتِي لَهُ زِيادَةُ إيضاحٍ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
75:2Page 577
وَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلنَّفۡسِ ٱللَّوَّامَةِ ٢
And I swear by the reproaching soul1 [to the certainty of resurrection].
No commentary for this ayah
75:3Page 577
أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَلَّن نَّجۡمَعَ عِظَامَهُۥ ٣
Does man think that We will not assemble his bones?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾
هَذا الحُسْبانُ قَدْ جاءَ مُصَرَّحًا بِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٨] .
وَجاءَهُ الجَوابُ: ﴿قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] .
75:4Page 577
بَلَىٰ قَٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُۥ ٤
Yes. [We are] Able [even] to proportion his fingertips.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾
كُلُّ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المَعْنى نَجْعَلُ بَنانَهُ مُتَساوِيَةً مُلْتَحِمَةً كَخُفِّ البَعِيرِ، أيْ: لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَتَناوَلَ بِها شَيْئًا ولا يُحْسِنُ بِها عَمَلًا.
وَهَذا في الواقِعِ لَمْ نَفْهَمْ لَهُ وجْهًا مَعَ السِّياقِ، فَهو وإنْ كانَ دالًّا عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ وعَجْزِ العَبْدِ. ولَكِنَّ السِّياقَ في إنْكارِ البَعْثِ واسْتِبْعادِهِ ومَجِيءِ نَظِيرِ ذَلِكَ في سُورَةِ ”يس“، يُرْشِدُ إلى أنَّ سُبْحانَهُ قادِرٌ بَعْدَ مَوْتِ العَبْدِ وتَلاشِيهِ في التُّرابِ وتَحَوُّلِ عِظامِهِ رَمِيمًا، فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يُعِيدَهُ تَمامًا، كَما أنْشَأهُ أوَّلَ مَرَّةٍ، ومِن ضِمْنِ تِلْكَ الإعادَةِ أنْ يُسَوِّيَ بَنانَهُ، أيْ: يَعْدِلُها ويُنَشِّؤُها كَما كانَتْ أوَّلَ مَرَّةِ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَيُرْشِدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٩]، ومِنَ الخَلْقِ ما كانَ عَلَيْهِ خَلْقُ هَذا الإنْسانِ المُكَذِّبِ المُعْتَرِضِ، فَهو سُبْحانَهُ يُعِيدُهُ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ تَمامًا، وهَذا أبْلَغُ في القُدْرَةِ وأبْلَغُ في الإلْزامِ يَوْمَ القِيامَةِ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ.
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا بَرِقَ البَصَرُ﴾ ﴿وَخَسَفَ القَمَرُ﴾ ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾
قُرِئَ ”بَرِقَ“ بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِها؛ فَبِالكَسْرِ: فَزِعَ ودَهِشَ، أصْلُهُ مِن بَرِقَ الرَّجُلُ، إذا نَظَرَ إلى البَرْقِ فَدُهِشَ بَصَرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:(p-٣٧٣)
؎لَوْ أنَّ لُقْمانَ الحَكِيمَ تَعَرَّضَتْ لِعَيْنَيْهِ مَيُّ سافِرًا كادَ يُبْرَقُ
وَقَوْلُ الأعْشى:
؎وَكُنْتُ أرى في وجْهِ مَيَّةَ ∗∗∗ لَمْحَةً فَأُبْرَقُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ مَكانِيا
وَ ”بَرَقَ“ بِالفَتْحِ: شُقَّ بَصَرُهُ، وهو مِنَ البَرِيقِ، أيْ: لَمَعَ بَصَرُهُ مِن شِدَّةِ شُخُوصِهِ.
قالَ أبُو حَيّانَ: والواقِعُ أنَّهُ لا مانِعَ مِن إرادَةِ المَعْنَيَيْنِ ما دامَتِ القِراءَتانِ صَحِيحَتَيْنِ، وقَدْ يَشْهَدُ لِهَذا النَّصِّ في سُورَةِ ”إبْراهِيمَ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهم لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ﴾ ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٢ - ٤٣] .
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَنْظُرُونَ مِنَ الفَزَعِ هَكَذا وهَكَذا، لا يَسْتَقِرُّ لَهم بَصَرٌ مِن شِدَّةِ الرُّعْبِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿يَقُولُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ أيْنَ المَفَرُّ﴾ ﴿كَلّا لا وزَرَ﴾، تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في سُورَةِ ”ص“ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ [ص: ٣] .
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
75:10Page 577
يَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذٍ أَيۡنَ ٱلۡمَفَرُّ ١٠
Man will say on that Day, "Where is the [place of] escape?"
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
75:12Page 577
إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمُسۡتَقَرُّ ١٢
To your Lord, that Day, is the [place of] permanence.
No commentary for this ayah
75:13Page 577
يُنَبَّؤُاْ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذِۭ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ١٣
Man will be informed that Day of what he sent ahead1 and kept back.2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾
المُرادُ: ”بِما قَدَّمَ“ هُنا هو ما قَدَّمَهُ مِن عَمَلٍ لِيَوْمِ القِيامَةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ ﴿يَقُولُ يالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ٢٣ - ٢٤]، وتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَبَدا لَهم سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ [الزمر: ٤٨] مِن سُورَةِ ”الزُّمَرِ“ .
75:14Page 577
بَلِ ٱلۡإِنسَٰنُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ بَصِيرَةٞ ١٤
Rather, man, against himself, will be a witness,1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلِ الإنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾
بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩]، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ ألْقى مَعاذِيرَهُ﴾
أيْ: أنَّها لا تَنْفَعُهُ آنَذاكَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢] .
(p-٣٧٤)وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى بَعْضَ مَعاذِيرِهِمْ تِلْكَ في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إلَيْكَ ما كانُوا إيّانا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: ٦٣] .
وَقَوْلِهِ: ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ [الصافات: ٣٢] .
وَقَوْلِهِ: ﴿قالُوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وكُنّا قَوْمًا ضالِّينَ﴾ ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِنها فَإنْ عُدْنا فَإنّا ظالِمُونَ﴾ ﴿قالَ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٦ - ١٠٨] .
وَقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ﴾ ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠ - ١١] .
75:16Page 577
لَا تُحَرِّكۡ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهِۦٓ ١٦
Move not your tongue with it, [O Muḥammad], to hasten with it [i.e., recitation of the Qur’ān].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾
فِيهِ النَّهْيُ عَنْ تَحْرِيكِ لِسانِهِ ﷺ، وبَيانُ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلَيْهِ جَمْعُهُ وقُرْآنُهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلى اسْتِيعابِ ما يُوحى إلَيْهِ، يُحَرِّكُ لِسانَهُ عِنْدَ الوَحْيِ فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى مَدى هَذا النَّهْيِ ومُدَّةَ هَذِهِ العَجَلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]، وفِيهِ الإيماءُ إلى حُسْنِ الِاسْتِماعِ والإصْغاءُ عِنْدَ الإيحاءِ بِهِ، كَما في آدابِ الِاسْتِماعِ: ﴿فاسْتَمِعُوا لَهُ وأنْصِتُوا لَعَلَّكم تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] .
وَقَوْلُهُ: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]، قَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ جَمْعَهُ وقِراءَتَهُ عَلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا الذِّكْرَ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
تَنْبِيهٌ.
إنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ نَزَلَ مُفَرَّقًا، وإشارَةٌ إلى أنَّ جَمْعَهُ عَلى هَذا النَّحْوِ المَوْجُودِ بِرِعايَةٍ وعِنايَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى وتَحْقِيقًا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وقُرْآنَهُ﴾، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ أنَّ هَذا الجَمْعَ المَوْجُودَ مِن وسائِلِ حِفْظِهِ، كَما تَعَهَّدَ تَعالى بِذَلِكَ. واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
(p-٣٧٥)وَقالَ أبُو حَيّانَ: ﴿إنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ﴾ في صَدْرِكَ. ”وَقُرْآنَهُ“، أيْ: تَقْرَؤُهُ.
75:17Page 577
إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ ١٧
Indeed, upon Us is its collection [in your heart] and [to make possible] its recitation.
No commentary for this ayah
75:18Page 577
فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ ١٨
So when We have recited it [through Gabriel], then follow its recitation.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَرَأْناهُ فاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾
تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥]، مِن سُورَةِ ”النَّجْمِ“ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ﴾
قَدْ نَبَّهَ تَعالى كَما جاءَ في مُقَدِّمَةِ الأضْواءِ أنَّهُ ما مِن مُجْمَلٍ إلّا وجاءَ تَفْصِيلُهُ في مَكانٍ آخَرَ، وقَدْ نَصَّ تَعالى عَلى هَذا في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ [فصلت: ٣]، وقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -، بَيانُ ذَلِكَ في أوَّلِ ”فُصِّلَتْ“ .
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾
تَقَدَّمَ بَيانُهُ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] .
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ .
تَقَدَّمَ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] .
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
75:25Page 578
تَظُنُّ أَن يُفۡعَلَ بِهَا فَاقِرَةٞ ٢٥
Expecting that there will be done to them [something] backbreaking.
No commentary for this ayah
75:26Page 578
كـَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ ٢٦
No! When it [i.e., the soul] has reached the collar bones1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ ﴿وَقِيلَ مَن راقٍ﴾ ﴿وَظَنَّ أنَّهُ الفِراقُ﴾ ﴿والتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المَساقُ﴾
لَمْ يُبَيِّنْ ما هي الَّتِي بَلَغَتِ التَّراقِيَ ولَكِنَّهُ مَعْلُومٌ أنَّها الرُّوحُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ﴾ ﴿وَأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [الواقعة: ٨٣ - ٨٧]، فَهَذِهِ حالاتُ النَّزْعِ، والرُّوحُ تَبْلُغُ الحُلْقُومَ وتَبْلُغُ التَّراقِيَ. وقَدْ يُتْرَكُ التَّصْرِيحُ لِلْعِلْمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢]، أيِ: الشَّمْسُ، وهَكَذا هُنا فَلِمَعْرِفَتِها بِالقَرائِنِ تَرَكَ التَّصْرِيحَ بِالرُّوحِ أوِ النَّفْسِ، وقَدْ صَرَّحَ تَعالى بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُو أيْدِيهِمْ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ﴾ الآيَةَ [الأنعام: ٩٣] .
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقِيلَ مَن راقٍ﴾
اخْتُلِفَ في مَعْنى راقٍ هَذِهِ، فَقِيلَ مِنَ الرُّقْيَةِ أيْ: قالَ مَن حَوْلَهُ: مَن يَرْتَقِيهِ هَلْ مِن طَبِيبٍ يَرْقِيهِ ؟ أيْ حالَةَ اشْتِدادِ الأمْرِ عَلَيْهِ رَجاءً لِشِفائِهِ أوِ اسْتِبْعادًا بِأنَّهُ لا يَنْفَعُهُ، وقِيلَ: مِنَ الرُّقِيِّ أيْ تَقُولُ المَلائِكَةُ: مَنِ الَّذِي سَيَرْقى بِرُوحِهِ (p-٣٧٦)أمَلائِكَةُ العَذابِ أمْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ؟
وَلَكِنْ في الآيَةِ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ الأوَّلَ أرْجَحُ؛ لِأنَّ قَوْلَ المَلائِكَةِ يَكُونُ في حَقِّ الشَّخْصِ المُتَرَدَّدِ في أمْرِهِ، وهَذا هُنا لَيْسَ مَوْضِعَ تَرَدُّدٍ؛ لِأنَّ نِهايَةَ السِّياقِ فِيهِ ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ [القيامة: ٣١، ٣٢]، إلى ما بَعْدَهُ.
وَقالَ أبُو حَيّانَ: عَلى أنَّهُ عَلى قَوْلِ المَلائِكَةِ مَن يَرْقى بِرُوحِهِ، يَكُونُ ذَلِكَ كَراهِيَةً مِنهم أنْ يَصْعَدُوا بِها، وفي هَذا نَظَرٌ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ مَلائِكَةً لِلْمُشْرِكِينَ وهم مَلائِكَةُ العَذابِ، ومَلائِكَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، وهم مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ. ولا يَسْتَكْرِهُ فَرِيقٌ مِنهُما أنْ يَصْعَدَ بِما تَخَصَّصَ لَهُ، بَلْ قَدْ لا يَسْمَحُ لِلْآخَرِ بِما يَخُصُّهُ.
كَما في حَدِيثِ الَّذِي قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، وأدْرَكَتْهُ الوَفاةُ في مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ، فَحَضَرَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذابِ يَخْتَصِمُونَ أيُّهم يَصْعَدُ بِرُوحِهِ، كُلٌّ يُرِيدُ أنْ يَتَوَلّى قَبْضَ رُوحِهِ، أُولَئِكَ يَقُولُونَ: إنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ ولَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، وأُولَئِكَ يَقُولُونَ: إنَّهُ خَرَجَ تائِبًا إلى اللَّهِ تَعالى.
وَهَذا كَما تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - مِن تَرْجِيحِ أحَدِ المَعْنَيَيْنِ المُخْتَلَفِ فِيهِما بَيْنَ المُفَسِّرِينَ؛ لِوُجُودِ قَرِينَةٍ في الآيَةِ. وقَدْ وُجِدَتِ القَرِينَةُ وهي ما في آخِرِ الآيَةِ والسِّياقِ مِن أنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ تَرَدُّدٍ: ﴿فَلا صَدَّقَ ولا صَلّى﴾ الآيَةَ [القيامة: ٣١] . واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
No commentary for this ayah
75:28Page 578
وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلۡفِرَاقُ ٢٨
And he [i.e., the dying one] is certain that it is the [time of] separation
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
75:30Page 578
إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمَسَاقُ ٣٠
To your Lord, that Day, will be the procession.1
No commentary for this ayah
75:31Page 578
فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ ٣١
And he [i.e., the disbeliever] had not believed, nor had he prayed.
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
75:33Page 578
ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ يَتَمَطَّىٰٓ ٣٣
And then he went to his people, swaggering [in pride].
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
75:36Page 578
أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَن يُتۡرَكَ سُدًى ٣٦
Does man think that he will be left neglected?1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾
رَدٌّ عَلى زَعْمِ أنَّهُ خُلِقَ سُدًى وهَمَلًا، وأنَّهُ لا يُحاسَبُ ولا يُسْألُ وبِالتّالِي لا يُبْعَثُ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إلَهَ إلّا هو رَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥ - ١١٦]، أيْ: تَعالى اللَّهُ عَنِ العَبَثِ، وقَدْ ساقَ الشَّيْخُ الأدِلَّةَ الوافِيَةَ هُناكَ.
75:37Page 578
أَلَمۡ يَكُ نُطۡفَةٗ مِّن مَّنِيّٖ يُمۡنَىٰ ٣٧
Had he not been a sperm from semen emitted?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَكُ نُطْفَةً مِن مَنِيٍّ يُمْنى﴾ ﴿ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى﴾ ﴿فَجَعَلَ مِنهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿ألَيْسَ ذَلِكَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يُحْيِيَ المَوْتى﴾
(p-٣٧٧)بَلى إنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، مَجِيءُ هَذا الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ أوِ التَّقْرِيرِيِّ، بَعْدَ ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ أنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾، وسَوْقُ هَذِهِ الآياتِ العَظِيماتِ الدّالَّةِ عَلى القُدْرَةِ الباهِرَةِ، فِيهِ رَدٌّ عَلى إنْكارٍ ضِمْنِيٍّ وهو أنَّهُ لا يَعْتَقِدُ وُجُودَهُ سُدًى، ولا حِسابَ عَلَيْهِ إلّا مَنِ اسْتَبْعَدَ البَعْثَ.
وَلَوْ أقَرَّ بِالبَعْثِ لَآمَنَ بِالجَزاءِ واعْتَرَفَ بِالسُّؤالِ، وعَلِمَ أنَّهُ لَمْ يُخْلَقْ عَبَثًا، ولَنْ يُتْرَكَ سُدًى. ولَكِنْ لَمّا أنْكَرَ البَعْثَ ظَنَّ وحَسِبَ أنَّهُ يُتْرَكُ سُدًى، فَجاءَ تَذْكِيرُهُ بِأصْلِ خِلْقَتِهِ وتَطَوُّرِهِ لِيَسْتَخْلِصَ مِنهُ اعْتِرافَهُ؛ لِأنَّ مَن قَدَرَ عَلى خَلْقِهِ مِن مَنِيِّ يُمْنى، وتَطْوِيرِهِ إلى عَلَقَةٍ ثُمَّ إلى خَلْقٍ سَوِيٍّ، فَهو قادِرٌ عَلى بَعْثِهِ مَرَّةً أُخْرى.
وَقَدْ بَيَّنَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - هَذِهِ الأطْوارَ في أكْثَرِ مِن مَوْضِعٍ، وأحالَ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ ﴿مِن نُطْفَةٍ إذا تُمْنى﴾ ﴿وَأنَّ عَلَيْهِ النَّشْأةَ الأُخْرى﴾ [النجم: ٤٥ - ٤٧] في سُورَةِ ”النَّجْمِ“ .
75:38Page 578
ثُمَّ كَانَ عَلَقَةٗ فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ ٣٨
Then he was a clinging clot, and [Allāh] created [his form] and proportioned [him]
No commentary for this ayah
75:39Page 578
فَجَعَلَ مِنۡهُ ٱلزَّوۡجَيۡنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰٓ ٣٩
And made of him two mates, the male and the female.
No commentary for this ayah
75:40Page 578
أَلَيۡسَ ذَٰلِكَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰ ٤٠
Is not that [Creator] Able to give life to the dead?
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences