Ash-ShinqitiAl‑Insan · 76:3–31

Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic

Al-Insan 76:3–31, continued

إنَّها قُوَّةُ الإيمانِ وسُنَّةُ الِالتِزامِ، وها هو الوَلَدُ مَعَ أبِيهِ طَوْعَ يَدِهِ، يَتَصَبَّرُ لِأمْرِ اللَّهِ ويَسْتَسْلِمُ لِقَضاءِ اللَّهِ: ﴿سَتَجِدُنِي إنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، والمَوْقِفُ الآنَ والِدٌ بِيَدِهِ السِّكِّينُ، ووَلَدٌ مُلْقًى عَلى الجَبِينِ، ولَمْ يَبْقَ إلّا تَوَقُّفُ الأنْفاسِ لِلَحْظَةِ التَّنْفِيذِ، ولَكِنْ - رَحْمَةُ اللَّهِ - أوْسَعُ، وفَرَجُهُ مِن عِنْدِهِ أقْرَبُ: ﴿وَنادَيْناهُ أنْ ياإبْراهِيمُ﴾ ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠٤ - ١٠٥] .

فَكانَتْ مُناسَبَةً عَظِيمَةً وفائِدَتُها كَبِيرَةٌ، خَلَّدَها الإسْلامُ في الهَدْيِ والضَّحِيَّةِ.

وَفِي رَمْيِ الجِمارِ، إلى آخِرِهِ، وهَكَذا كُلُّها في مَناسِكَ وعِبادَةٍ وقُرْبَةٍ إلى اللَّهِ تَعالى في تَجَرُّدٍ وانْقِطاعٍ، ودَوامِ ذِكْرٍ لِلَّهِ تَعالى.

وَهُناكَ أحْداثٌ جِسامٌ ومُناسَباتٌ عِظامٌ، لا تِقِلُّ أهَمِّيَّةً عَنْ سابِقاتِها، ولَكِنْ لَمْ يَجْعَلْ لَها الإسْلامُ أيَّ ذِكْرى، كَما في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ.

لَقَدْ كانَ هَذا الصُّلْحُ مِن أعْظَمِ المُناسَباتِ في الإسْلامِ، إذْ كانَ فِيهِ انْتِزاعُ اعْتِرافِ قُرَيْشٍ بِالكِيانِ الإسْلامِيِّ مائِلًا في الصُّلْحِ، والعَهْدِ الَّذِي وُثِّقَ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، وقَدْ سَمّاهُ اللَّهُ فَتْحًا، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] .

(p-٣٩١)وَنَزَلَتْ سُورَةُ ”الفَتْحِ“ في عَوْدَتِهِ ﷺ مِن صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ.

وَكَذَلِكَ يَوْمُ بَدْرٍ كانَ يَوْمَ الفُرْقانِ، فَرَّقَ اللَّهُ فِيهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ونَصَرَ فِيهِ المُسْلِمِينَ مَعَ قِلَّتِهِمْ عَلى المُشْرِكِينَ مَعَ كَثْرَتِهِمْ.

وَكَذَلِكَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، وتَحْطِيمِ الأصْنامِ، والقَضاءِ نِهائِيًّا عَلى دَوْلَةِ الشِّرْكِ في البِلادِ العَرَبِيَّةِ، ومِن قَبْلِ ذَلِكَ لَيْلَةُ خُرُوجِهِ ﷺ مِن مَكَّةَ ونُزُولِهِ في الغارِ، إذْ كانَ فِيها نَجاتُهُ ﷺ مِن فَتْكِ المُشْرِكِينَ، كَما «قالَ الصَّدِّيقُ وهُما في الطَّرِيقِ إلى الغارِ، حِينَما كانَ يَسِيرُ أحْيانًا أمامَ الرَّسُولِ ﷺ وأحْيانًا خَلْفَهُ، فَسَألَ ﷺ فَقالَ: أتَذَكَّرُ الرَّصَدَ فَأكُونُ أمامَكَ، وأتَذَكَّرُ الطَّلَبَ فَأكُونُ خَلْفَكَ، فَقالَ ﷺ: ”أتُرِيدُ لَوْ كانَ شَيْءٌ يَكُونُ فِيكَ يا أبا بَكْرٍ ؟“ .

فَقُلْتُ: نَعَمْ؛ فِداكَ أبِي وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَإنِّي إنْ أهْلِكْ أهْلِكْ وحْدِي، وإنْ تُصَبْ أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ تُصَبِ الدَّعْوى مَعَكَ» " .

وَكَذَلِكَ وُصُولُهُ ﷺ المَدِينَةَ بِدايَةُ حَياةٍ جَدِيدَةٍ وبِناءُ كِيانِ أُمَّةٍ جَدِيدَةٍ، وكُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَجْعَلِ الإسْلامُ لِذَلِكَ كُلِّهِ عَمَلًا خاصًّا بِهِ والنّاسُ في إبّانِها تَأْخُذُهم عاطِفَةُ الذِّكْرى، ويَجُرُّهم حَنِينُ الماضِي وتَتَراءى لَهم صَفَحاتُ التّارِيخِ، فَهَلْ يَقِفُونَ صُمًّا بُكْمًا أمْ يَنْطِقُونَ بِكَلِمَةِ تَعْبِيرٍ ؟ وشُكْرٍ لِلَّهِ إنَّهُ إنْ يَكُنْ مِن شَيْءٍ فَلا يَصِحُّ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهْوِ واللَّعِبِ والمُنْكَرِ، وما لا يُرْضِي اللَّهَ ولا رَسُولَهُ.

إنَّهُ إنْ يَكُنْ مِن شَيْءٍ، فَلا يَصِحُّ إلّا مِنَ المَنهَجِ الَّذِي رَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في مِثْلِ تِلْكَ المُناسَباتِ مِن عِبادَةٍ في: صِيامٍ، أوْ صَدَقَةٍ، أوْ نُسُكٍ، ولا يُمْكِنُ أنْ يُقالَ فِيها بِما يُقالُ في المَصالِحِ المُرْسَلَةِ حَيْثُ كانَتْ.

وَكانَ عَهْدُ التَّشْرِيعِ ولَمْ يُشْرَعْ في خُصُوصِها شَيْءٌ، وهَلِ الأمْرُ فِيها كالأمْرِ في المَوْلِدِ، وتَكُونُ ضِمْنَ عُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، وضِمْنَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢] رَأْيٌ بِقِصَصِ الماضِينَ.

وَنَحْنُ أيْضًا نَقُصُّ عَلى أجْيالِنا بَعْدَ هَذِهِ القُرُونِ، أهَمَّ أحْداثِ الإسْلامِ لِاسْتِخْلاصِ العِظَةِ والعِبْرَةِ أمْ لا ؟

وَهَذا ما يَتَيَسَّرُ إيرادُهُ بِإيجازٍ في هَذِهِ المَسْألَةِ. وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ.

* *

تَنْبِيهٌ.

مِمّا يُعْتَبَرُ ذا صِلَةٍ بِهَذا المَبْحَثِ في الجُمْلَةِ ما نَقَلَهُ ابْنُ كَثِيرٍ في التَّفْسِيرِ عِنْدَ كَلامِهِ عَلى (p-٣٩٢)قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] .

قالَ عِنْدَها: وقالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنا أبُو العُمَيْسِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ، قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّكم تَقْرَءُونَ آيَةً في كِتابِكم، لَوْ عَلَيْنا يا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ لاتَّخَذْنا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قالَ: وأيُّ آيَةٍ ؟ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾، فَقالَ عُمَرُ: واللَّهِ إنِّي لَأعْلَمُ اليَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والسّاعَةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيها عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: عَشِيَّةَ عَرَفَةَ في يَوْمِ جُمُعَةٍ» .

وَرَواهُ البُخارِيُّ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ الصَّبّاحِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَوْنٍ بِهِ، ورَواهُ أيْضًا مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ أيْضًا مِن طُرُقٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ بِهِ. ولَفْظُ البُخارِيِّ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مِن طَرِيقِ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ طارِقٍ، قالَ: «قالَتِ اليَهُودُ لِعُمَرَ: إنَّكم تَقْرَءُونَ آيَةً لَوْ نَزَلَتْ فِينا لاتَّخَذْناها عِيدًا، فَقالَ عُمَرُ: إنِّي لَأعْلَمُ حِينَ أُنْزِلَتْ، وأيْنَ أُنْزِلَتْ، وأيْنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أُنْزِلَتْ: يَوْمَ عَرَفَةَ وأنا واللَّهِ بِعَرَفَةَ» .

وَساقَ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ، قالَ كَعْبٌ: لَوْ أنَّ غَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةُ لَنَظَرُوا اليَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ عَلَيْهِمْ، فاتَّخَذُوهُ عِيدًا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ.

فَقالَ عُمَرُ: أيُّ آيَةٍ يا كَعْبُ ؟ فَقالَ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾

فَأجابَهُ عُمَرُ بِما أجابَ بِهِ سابِقًا، وقالَ: في يَوْمِ جُمُعَةٍ ويَوْمِ عَرَفَةَ، وكِلاهُما - بِحَمْدِ اللَّهِ - لَنا عِيدٌ.

وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قَرَأ الآيَةَ، فَقالَ يَهُودِيٌّ: لَوْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَيْنا لاتَّخَذْنا يَوْمَها عِيدًا، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَإنَّها نَزَلَتْ في يَوْمِ عِيدَيْنِ اثْنَيْنِ: يَوْمَ عِيدٍ، ويَوْمَ جُمُعَةٍ.

وَمَحَلُّ الإيرادِ أنَّ عُمَرَ سَمِعَ اليَهُودِيَّ يُشِيدُ بِيَوْمِ نُزُولِها، فَقَدْ أقَرَّ اليَهُودِيَّ عَلى ذَلِكَ ولَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، ولَكِنْ أخْبَرَهُ بِالواقِعِ وهو أنَّ يَوْمَ نُزُولِها عِيدٌ بِنَفْسِهِ بِدُونِ أنْ نَتَّخِذَهُ نَحْنُ.

وَكَذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ أقَرَّ اليَهُودِيَّ عَلى إخْبارِهِ وتَطَلُّعِهِ واقْتِراحِهِ، فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ كَما لَمْ يُنْكِرْ عُمَرُ، مِمّا يُشْعِرُ أنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ نُزُولُها يَوْمَ عِيدٍ، لَكانَ مِنَ المُحْتَمَلِ أنْ تُتَّخَذَ عِيدًا. ولَكِنَّهُ صادَفَ عِيدًا أوْ عِيدَيْنِ، فَهو تَكْرِيمٌ لِلْيَوْمِ بِمُناسَبَةِ ما نَزَلْ فِيهِ مِن إكْمالِ الدِّينِ (p-٣٩٣)وَإتْمامِ النِّعْمَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا خَلَقْنا الإنْسانَ مِن نُطْفَةٍ أمْشاجٍ﴾ [الإنسان: ٢]، الأمْشاجُ: الأخْلاطُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿مِن ماءٍ دافِقٍ﴾ ﴿يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ والتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٧] .

* *

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا﴾

بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ هَدى الإنْسانَ السَّبِيلَ، وهو بَعْدَ الهِدايَةِ إمّا شاكِرًا وإمّا كَفُورًا.

وَهَذِهِ الهِدايَةُ هِدايَةُ بَيانٍ وإرْشادٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهم فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧]، كَما أنَّ الهِدايَةَ الحَقِيقِيَّةَ بِخَلْقِ التَّوْفِيقِ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ عَلى مَن شاءَ، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] .

وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ الجَمْعِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ، ومَعْنى الهِدايَةِ العامَّةِ والخاصَّةِ.

76:4Page 578

إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ سَلَٰسِلَاْ وَأَغۡلَٰلٗا وَسَعِيرًا ٤

Indeed, We have prepared for the disbelievers chains and shackles and a blaze.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَلاسِلَ وأغْلالًا﴾

بَيَّنَ تَعالى نَوْعَ هَذِهِ السَّلاسِلِ بِذَرْعِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعًا﴾ [الحاقة: ٣٢] .

76:5Page 578

إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ يَشۡرَبُونَ مِن كَأۡسٖ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ٥

Indeed, the righteous will drink from a cup [of wine] whose mixture is of Kāfūr,1

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ﴾

مادَّةُ يَشْرَبُ تَتَعَدّى بِنَفْسِها، فَيُقالُ: يَشْرَبُ كَأْسًا بِدُونِ مَجِيءِ ”مِن“، و ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ ولِلِابْتِداءِ، فَقِيلَ: هي هُنا لِلِابْتِداءِ، وأنَّ الفِعْلَ مُضَمَّنٌ مَعْنى فِعْلٍ آخَرَ، وهو: يَتَنَعَّمُونَ ويَرْتَوُونَ كَما قالُوا في: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦] . إذِ الباءُ تَكُونُ لِلْإرادَةِ ولا إرادَةَ هُنا، فَهم يَتَنَعَّمُونَ بِها.

والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ ”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ فِعْلًا، وأنَّ شُرْبَ أهْلِ الجَنَّةِ عَلى سَبِيلِ التَّرَفُّهِ والتَّلَذُّذِ، وهي عادَةُ المُتْرَفِينَ المُنَعَّمِينَ، يَشْرَبُونَ بَعْضَ الكَأْسِ لا كُلَّهُ.

وَقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ أنَّهم لا يَشْرَبُونَ عَنْ ظَمَأٍ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى لِآدَمَ: ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ ﴿وَأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩]، وسَيَأْتِي تَعْدِيَةُ (p-٣٩٤)يُسْقَوْنَ بِنَفْسِها إلى الكَأْسِ: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا﴾ [الإنسان: ١٧]، ويَأْتِي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] .

وَيُؤَيِّدُ هَذا اتِّفاقُهم عَلى التَّضْمِينِ في: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ﴾، فَهو هُنا واضِحٌ.

وَهُناكَ التَّبْعِيضُ ظاهِرٌ.

76:6Page 579

عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفۡجِيرٗا ٦

A spring of which the [righteous] servants of Allāh will drink; they will make it gush forth in force [and abundance].

No commentary for this ayah

76:7Page 579

يُوفُونَ بِٱلنَّذۡرِ وَيَخَافُونَ يَوۡمٗا كَانَ شَرُّهُۥ مُسۡتَطِيرٗا ٧

They [are those who] fulfill [their] vows and fear a Day whose evil will be widespread.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾

تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - مَبْحَثُ النَّذْرِ وافِيًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ الآيَةَ [الحج: ٢٩] في سُورَةِ ”الحَجِّ“ .

76:8Page 579

وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا ٨

And they give food in spite of love for it1 to the needy, the orphan, and the captive,

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾

اخْتُلِفَ في مَرْجِعِ الضَّمِيرِ في ﴿عَلى حُبِّهِ﴾، هَلْ هو راجِعٌ عَلى الطَّعامِ أمْ عَلى اللَّهِ تَعالى ؟ أيْ: ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّ الطَّعامِ لِقِلَّتِهِ عِنْدَهم وحاجَتِهِمْ إلَيْهِ، أمْ عَلى حُبِّ اللَّهِ رَجاءَ ثَوابِ اللَّهِ ؟

وَقَدْ رَجَّحَ ابْنُ كَثِيرٍ المَعْنى الأوَّلَ، وهو اخْتِيارُ ابْنِ جَرِيرٍ، وساقَ الشَّواهِدَ عَلى ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧]، وقَوْلِهِ ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] .

والواقِعُ أنَّ الِاسْتِدْلالَ الأوَّلَ فِيهِ ما في هَذِهِ الآيَةِ، ولَكِنْ أقْرَبُ دَلِيلًا وأصْرَحُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] .

وَفِي الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها في هَذِهِ السُّورَةِ قَرِينَةٌ تَشْهَدُ لِرُجُوعِهِ لِلطَّعامِ عَلى ما تَقَدَّمَ، وهي قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَها: ﴿إنَّما نُطْعِمُكم لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنكم جَزاءً ولا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩]؛ لِأنَّها في مَعْنى حُبِّ اللَّهِ، مِمّا يَجْعَلُ الأُولى لِلطَّعامِ وهَذِهِ لِلَّهِ. والتَّأْسِيسُ أوْلى مِنَ التَّأْكِيدِ، فَيَكُونُ السِّياقُ: ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حاجَتِهِمْ إيّاهُ، ولِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى. - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - .

مَسْألَةٌ.

فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾، جَمْعُ أصْنافٍ ثَلاثَةٍ:

الأوَّلُ والثّانِي مِنَ المُسْلِمِينَ غالِبًا، أمّا الثّالِثُ وهو الأسِيرُ فَلَمْ يَكُنْ لَدى المُسْلِمِينَ أسْرى إلّا مِنَ الكُفّارِ، وإنْ (p-٣٩٥)كانَتِ السُّورَةُ مَكِّيَّةً إلّا أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ كَما هو مَعْلُومٌ.

وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّها في الفُرْسِ مِنَ المُشْرِكِينَ، وساقَ قِصَّةَ أسارى بَدْرٍ.

واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ الأسْرى هُمُ الخَدَمُ، والَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنَّ الأسارى هُنا عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ؛ لِأنَّ الخَدَمَ لا يَخْرُجُونَ عَنِ القِسْمَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ: اليَتِيمِ، والمِسْكِينِ، وهَؤُلاءِ الأسارى بَعْدَ وُقُوعِهِمْ في الأسْرِ، لَمْ يَبْقَ لَهم حَوْلٌ ولا طَوْلٌ. فَلَمْ يَبْقَ إلّا الإحْسانُ إلَيْهِمْ.

وَهَذا مِن مَحاسِنِ الإسْلامِ وسُمُوِّ تَعالِيمِهِ، وإنَّ العالَمَ كُلَّهُ اليَوْمَ لَفي حاجَةٍ إلى مَعْرِفَةِ هَذِهِ التَّعالِيمِ السَّماوِيَّةِ السّامِيَةِ حَتّى مَعَ أعْدائِهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهم وتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨]، وهَؤُلاءِ بَعْدَ الأسْرِ لَيْسُوا مُقاتِلِينَ.

76:9Page 579

إِنَّمَا نُطۡعِمُكُمۡ لِوَجۡهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمۡ جَزَآءٗ وَلَا شُكُورًا ٩

[Saying], "We feed you only for the face [i.e., approval] of Allāh. We wish not from you reward or gratitude.

No commentary for this ayah

76:10Page 579

إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوۡمًا عَبُوسٗا قَمۡطَرِيرٗا ١٠

Indeed, We fear from our Lord a Day austere and distressful."

No commentary for this ayah

76:11Page 579

فَوَقَىٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمِ وَلَقَّىٰهُمۡ نَضۡرَةٗ وَسُرُورٗا ١١

So Allāh will protect them from the evil of that Day and give them radiance and happiness

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقّاهم نَضْرَةً وسُرُورًا﴾

تَقَدَّمَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢]، وهُنا جَمْعٌ لَهم بَيْنَ النُّضْرَةِ والسُّرُورِ، والَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ -: أنَّ النُّضْرَةَ لِما يَرَوْنَ مِنَ النَّعِيمِ، والسُّرُورَ لِما يَنالُونَهُ مِنَ النَّظَرِ إلى وجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ كَما تَقَدَّمَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] فَيَكُونُ السُّرُورُ نَتِيجَةَ النَّظَرِ إلى وجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ. - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - .

76:12Page 579

وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةٗ وَحَرِيرٗا ١٢

And will reward them for what they patiently endured [with] a garden [in Paradise] and silk [garments].

No commentary for this ayah

76:13Page 579

مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۖ لَا يَرَوۡنَ فِيهَا شَمۡسٗا وَلَا زَمۡهَرِيرٗا ١٣

[They will be] reclining therein on adorned couches. They will not see therein any [burning] sun or [freezing] cold.

No commentary for this ayah

76:14Page 579

وَدَانِيَةً عَلَيۡهِمۡ ظِلَٰلُهَا وَذُلِّلَتۡ قُطُوفُهَا تَذۡلِيلٗا ١٤

And near above them are its shades, and its [fruit] to be picked will be lowered in compliance.

No commentary for this ayah

76:15Page 579

وَيُطَافُ عَلَيۡهِم بِـَٔانِيَةٖ مِّن فِضَّةٖ وَأَكۡوَابٖ كَانَتۡ قَوَارِيرَا۠ ١٥

And there will be circulated among them vessels of silver and cups having been [created] clear [as glass],

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ وأكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَ﴾ ﴿قَوارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾

فِيهِ التَّنْصِيصُ عَلى أوانِي الفِضَّةِ في الجَنَّةِ.

وَجاءَ بِصِحافٍ مِن ذَهَبٍ وأكْوابٍ، وهي مُحَرَّمَةٌ في الدُّنْيا كَما هو مَعْلُومٌ، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّ الَّذِي يَطُوفُ عَلَيْهِمْ هم: ﴿وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إذا رَأيْتَهم حَسِبْتَهم لُؤْلُؤًا مَنثُورًا﴾ [الإنسان: ١٩] .

وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في سُورَةِ ”الطُّورِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ﴾ [الطور: ٢٤] (p-٣٩٦)والقَوارِيرُ جَمْعُ قارُورَةٍ، والعَرَبُ تُطْلِقُ القارُورَةَ عَلى إناءِ الزُّجاجِ خاصَّةً، ولَكِنَّ الآيَةَ صَرِيحَةٌ في أنَّها قَوارِيرُ مِن فِضَّةٍ، مِمّا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ إطْلاقِ القارُورَةِ عَلى غَيْرِ آنِيَةِ الزُّجاجِ كالفِضَّةِ مَثَلًا.

قالَ صاحِبُ اللِّسانِ: والقارُورَةُ: ما قَرَّ فِيهِ الشَّرابُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: لا يَكُونُ إلّا مِنَ الزُّجاجِ خاصَّةً.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَوارِيرَ﴾ ﴿بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ﴾، قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: مَعْناهُ أوانِي زُجاجٍ في بَياضِ الفِضَّةِ وصَفاءِ القَوارِيرِ، قالَ ابْنُ سِيدَهْ: وهَذا أحْسَنُ. اهـ.

وَقالَ ابْنُ شِدْياقٍ في مُعْجَمِ مَقايِيسِ اللُّغَةِ في مادَّةٍ قَرَّ: القافُ والرّاءُ أصْلانِ صَحِيحانِ يَدُلُّ أحَدُهُما عَلى بَرْدٍ، والآخَرُ عَلى تَمَكُّنٍ، وذَكَرَ مِنَ التَّمَكُّنِ: اسْتَقَرَّ ومُسْتَقَرٌّ، كَما ذَكَرَ صاحِبُ اللِّسانِ كَثِيرًا مِن ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: ومِنَ البابِ القَرُّ - بِضَمِّ الرّاءِ -: صَبُّ الماءِ في الشَّيْءِ. يُقالُ: قَرَّرْتُ الماءَ، والقَرُّ: صَبُّ الكَلامِ في الأُذُنِ، وذَكَرَ مِنهُ الإقْرارَ: ضِدَّ الجُحُودِ؛ لِاسْتِقْرارِ الحَقِّ بِهِ.

ثُمَّ ذَكَرَ مَسْألَةَ إثْباتِ اللُّغَةِ بِالسَّماعِ أوْ بِالقِياسِ، فَقالَ: وهَذِهِ مَقايِيسُ صَحِيحَةٌ، فَإمّا أنْ نَتَعَدّى ونَتَحَمَّلَ الكَلامَ، كَما بَلَغَنا عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: سُمِّيَتِ القارُورَةُ لِاسْتِقْرارِ الماءِ فِيها وغَيْرِهِ، فَلَيْسَ هَذا مِن مَذْهَبِنا. وقَدْ قُلْنا: إنَّ كَلامَ العَرَبِ ضَرْبانِ: مِنهُ ما هو قِياسٌ وقَدْ ذَكَرْناهُ، ومِنهُ ما وُضِعَ وضْعًا.

والمَسْألَةُ مِن مَباحِثِ الأُصُولِ في الألْفاظِ، هَلْ هي بِوَضْعٍ لا يُقاسُ عَلَيْهِ وتَبْقى كَما وضَعَتْها العَرَبُ، أوْ أنَّها تُوضَعُ بِالقِياسِ ؟ وفائِدَةُ الخِلافِ هَلِ المُسْكِراتُ كُلُّها مَثَلًا يَتَناوَلُها مُسَمّى الخَمْرِ بِالوَضْعِ فَتَكُونُ مُحَرَّمَةً بِنَصِّ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٩٠]، أوْ أنَّها مُحَرَّمَةٌ قِياسًا عَلى الخَمْرِ بِجامِعِ عِلَّةِ الإسْكارِ ؟ وعَلَيْهِ فَإذا كانَتِ اللُّغَةُ تُساعِدُ عَلى الإطْلاقِ قِياسًا، فَهو أقْوى في الحُكْمِ؛ بِأنْ يَأْتِيَ الحُكْمُ بِالنَّصِّ لا بِالقِياسِ بِجامِعِ العِلَّةِ. ولَعَلَّ التَّحْقِيقَ في هَذِهِ المَسْألَةِ ما قالَهُ عُلَماءُ الوَضْعِ: مِن أنَّ اللُّغاتِ مِنها تَوْقِيفِيٌّ ومِنها قِياسِيٌّ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدَّرُوها تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان: ١٦] تَوْجِيهٌ إلى حُسْنِ الصُّنْعِ في التَّسْوِيَةِ في التَّقْدِيرِ، والمَقاساتِ.

76:16Page 579

قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٖ قَدَّرُوهَا تَقۡدِيرٗا ١٦

Clear glasses [made] from silver of which they have determined the measure.

No commentary for this ayah

76:17Page 579

وَيُسۡقَوۡنَ فِيهَا كَأۡسٗا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا ١٧

And they will be given to drink a cup [of wine] whose mixture is of ginger

(p-٣٩٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْسًا كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلًا﴾

وَقَبْلَها قالَ تَعالى: ﴿كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ [الإنسان: ٥]، فَقَدْ قِيلَ: هُما مَعًا، فَهي في بَرْدِ الكافُورِ وطِيبِ الزَّنْجَبِيلِ.

76:18Page 579

عَيۡنٗا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلۡسَبِيلٗا ١٨

[From] a fountain within it [i.e., Paradise] named Salsabeel.

No commentary for this ayah

76:19Page 579

۞ وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيۡتَهُمۡ حَسِبۡتَهُمۡ لُؤۡلُؤٗا مَّنثُورٗا ١٩

There will circulate among them young boys made eternal. When you see them, you would think them [as beautiful as] scattered pearls.

No commentary for this ayah

76:20Page 579

وَإِذَا رَأَيۡتَ ثَمَّ رَأَيۡتَ نَعِيمٗا وَمُلۡكٗا كَبِيرًا ٢٠

And when you look there [in Paradise], you will see pleasure and great dominion.

No commentary for this ayah

76:21Page 579

عَٰلِيَهُمۡ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضۡرٞ وَإِسۡتَبۡرَقٞۖ وَحُلُّوٓاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٖ وَسَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ شَرَابٗا طَهُورًا ٢١

Upon them [i.e., the inhabitants] will be green garments of fine silk and brocade. And they will be adorned with bracelets of silver, and their Lord will give them a purifying drink.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَسَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا﴾

وَهَذا وصْفُ شَرابِ الجَنَّةِ، والشَّرابُ هُنا هو الخَمْرُ، وتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ هَذا المَفْهُومِ مِن أنَّ شَرابَ خَمْرِ الدُّنْيا لَيْسَ طَهُورًا؛ لِأنَّ أحْوالَ الجَنَّةِ لَها أحْكامُها الخاصَّةُ، ويَشْهَدُ لِهَذا ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِن فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٥]، مَعَ أنَّ أوانِيَ الفِضَّةِ مُحَرَّمَةٌ في الدُّنْيا؛ لِحَدِيثِ: «الَّذِي يَشْرَبُ في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ إنَّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِهِ نارَ جَهَنَّمَ»، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ أهْلَ الجَنَّةِ يُنَعَّمُونَ بِها.

وَكَذَلِكَ يُنَعَّمُونَ بِخَمْرِ الجَنَّةِ، وكُلُّ أوْصافِها في الجَنَّةِ عَكْسُ أوْصافِها في الدُّنْيا كَما تَقَدَّمَ، لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزِفُونَ، كَما أوْضَحَهُ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْها ولا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩] في سُورَةِ ”الواقِعَةِ“ .

⁕ ⁕ ⁕

قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):

(p-٤٢٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سُورَةُ الإنْسانِ

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحُلُّوا أساوِرَ مِن فِضَّةٍ﴾ .

لا يُعارِضُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٣١] .

وَوَجْهُ الجَمْعِ ظاهِرٌ وهو أنَّهُما جَنَّتانِ أوانِيهُما وجَمِيعُ ما فِيهِما مِن فِضَّةٍ، وأُخْرَيانِ أوانِيهُما وجَمِيعُ ما فِيهِما مِن ذَهَبٍ، والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

76:22Page 579

إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمۡ جَزَآءٗ وَكَانَ سَعۡيُكُم مَّشۡكُورًا ٢٢

[And it will be said], "Indeed, this is for you a reward, and your effort has been appreciated."

No commentary for this ayah

76:23Page 579

إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ تَنزِيلٗا ٢٣

Indeed, it is We who have sent down to you, [O Muḥammad], the Qur’ān progressively.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾

”نَزَّلْنا“ ”تَنْزِيلًا“: يَدُلُّ عَلى التَّكْرارِ بِخِلافِ ”أنْزَلْنا“، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ أنْزَلَ القُرْآنَ في لَيْلَةِ القَدْرِ في سُورَةِ ”القَدْرِ“: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وهُنا إثْباتُ التَّنْزِيلِ.

وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى كَيْفِيَّةَ التَّنْزِيلِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] .

وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى الحِكْمَةَ في هَذا التَّفْرِيقِ عَلى مُكْثٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢]، وتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ هَذِهِ المَسْألَةِ في سُورَةِ ”الفُرْقانِ“، والإحالَةُ فِيها عَلى بَيانٍ سابِقٍ.

76:24Page 579

فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعۡ مِنۡهُمۡ ءَاثِمًا أَوۡ كَفُورٗا ٢٤

So be patient for the decision of your Lord and do not obey from among them a sinner or ungrateful [disbeliever].

No commentary for this ayah

76:25Page 579

وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا ٢٥

And mention the name of your Lord [in prayer] morning and evening

No commentary for this ayah

76:26Page 580

وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَٱسۡجُدۡ لَهُۥ وَسَبِّحۡهُ لَيۡلٗا طَوِيلًا ٢٦

And during the night prostrate to Him and exalt [i.e., praise] Him a long [part of the] night.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾

تَقَدَّمَ بَيانُ مِقْدارِ المَطْلُوبِ قِيامُهُ مِنَ اللَّيْلِ في أوَّلِ سُورَةِ ”المُزَّمِّلِ“ في قَوْلِهِ تَعالى: (p-٣٩٨)﴿ياأيُّها المُزَّمِّلُ﴾ ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلّا قَلِيلًا﴾ ﴿نِصْفَهُ أوِ انْقُصْ مِنهُ قَلِيلًا﴾ ﴿أوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ [المزمل: ٤] .

76:27Page 580

إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ يُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمۡ يَوۡمٗا ثَقِيلٗا ٢٧

Indeed, these [disbelievers] love the immediate and leave behind them1 a grave Day.

No commentary for this ayah

76:28Page 580

نَّحۡنُ خَلَقۡنَٰهُمۡ وَشَدَدۡنَآ أَسۡرَهُمۡۖ وَإِذَا شِئۡنَا بَدَّلۡنَآ أَمۡثَٰلَهُمۡ تَبۡدِيلًا ٢٨

We have created them and strengthened their forms, and when We will, We can change their likenesses with [complete] alteration.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْناهم وشَدَدْنا أسْرَهُمْ﴾

الأسْرُ: الرَّبْطُ بِقُوَّةٍ مَأْخُوذٌ مِنَ الأسْرِ هو جِلْدُ البَعِيرِ رَطْبًا، وهو القَدُّ، وسُمِّيَ الأسِيرُ أسِيرًا لِشَدِّ قَيْدِهِ بِقُوَّةٍ بِجِلْدِ البَعِيرِ الرَّطْبِ، وهو هُنا تُقَوِّيةٌ بِشَدِّ رَبْطِ الأعْضاءِ المُتَحَرِّكَةِ في الإنْسانِ في مَفاصِلِهِ بِالعَصَبِ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الإتْقانِ والقُوَّةِ في الخَلْقِ.

وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤]، وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي أحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] .

76:29Page 580

إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا ٢٩

Indeed, this is a reminder, so he who wills may take to his Lord a way.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِvيلًا﴾

السَّبِيلُ هَنا مُنْكَرٌ، ولَكِنَّهُ مُعَيَّنٌ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى رَبِّهِ﴾؛ لِأنَّ السَّبِيلَ إلى رَبِّهِ هو السَّبِيلُ المُسْتَقِيمُ.

كَما قالَ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١]، وفي النِّهايَةِ قالَ: ﴿وَأنَّ هَذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وهو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي دَعا إلَيْهِ ﷺ .

كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣] وهو القُرْآنُ الكَرِيمُ كَما تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، وقَدْ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ القُرْآنُ كُلُّهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١ - ٢] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾، كَأنَّهُ قالَ: الهادِي إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ المُنَوَّهِ عَنْهُ في الفاتِحَةِ: هو القُرْآنُ الكَرِيمُ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٢ - ٣] إلى آخِرِ ”الصِّفاتِ“، فَيَكُونُ السَّبِيلُ هُنا مَعْلُومًا.

وَقَوْلُهُ تَعالى قَبْلَها: ﴿إنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ [الإنسان: ٢٩] مُشْعِرٌ بِأنَّ السَّبِيلَ عَنْ طَرِيقِ التَّذَكُّرِ فِيها والِاتِّعاظِ بِها.

وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَن شاءَ اتَّخَذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾، عَلَّقَ اتِّخاذَ السَّبِيلِ إلى اللَّهِ عَلى مَشِيئَةِ مَن (p-٣٩٩)شاءَ، وقَيْدُها رَبْطُ مَشِيئَةِ العَبْدِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿وَما تَشاءُونَ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]، وهَذِهِ مَسْألَةُ القَدَرِ.

وَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَحْثُها بَحْثًا وافِيًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] في ”يُونُسَ“ وأحالَ عَلى ”النِّساءِ“ . إلّا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى في التَّذْيِيلِ عَلى الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١] أنَّ كُلَّ ما يَقَعُ في هَذا الكَوْنِ مِن سُلُوكٍ وأعْمالٍ أنَّهُ بِعِلْمٍ مِنَ اللَّهِ وحِكْمَةٍ.

76:30Page 580

وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٣٠

And you do not will except that Allāh wills. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.

No commentary for this ayah

76:31Page 580

يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ وَٱلظَّٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمَۢا ٣١

He admits whom He wills into His mercy; but the wrongdoers - He has prepared for them a painful punishment.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском