Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
المطففين
Al-Mutaffifin
The Defrauding · Meccan · 36 ayahs
(p-٤٥٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
سُورَةُ المُطَفِّفِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ .
التَّطْفِيفُ: التَّنْقِيصُ مِنَ الطَّفِيفِ، وهو الشَّيْءُ القَلِيلُ.
وَقَدْ فَسَّرَهُ ما بَعْدَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ﴿وَإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٢ - ٣] .
قالُوا: نَزَلَتْ في رَجُلٍ كانَ لَهُ مِكْيالانِ: كَبِيرٌ وصَغِيرٌ، إذا اكْتالَ لِنَفْسِهِ عَلى غَيْرِهِ، اكْتالَ بِالمِكْيَلِ الكَبِيرِ، وإذا كالَ مِن عِنْدِهِ لِغَيْرِهِ، اكْتالَ بِالمِكْيَلِ الصَّغِيرِ، فَفي كِلْتا الحالَتَيْنِ تَطْفِيفٌ، أيْ: تَنْقِيصٌ عَلى النّاسِ مِن حُقُوقِهِمْ.
والتَّقْدِيمُ في افْتِتاحِيَّةِ هَذِهِ السُّورَةِ بِالوَيْلِ لِلْمُطَفِّفِينَ، يُشْعِرُ بِشِدَّةِ خَطَرِ هَذا العَمَلِ، وهو فِعْلًا خَطِيرٌ؛ لِأنَّهُ مِقْياسُ اقْتِصادِ العالَمِ ومِيزانُ التَّعامُلِ، فَإذا اخْتَلَّ أحْدَثَ خَلَلًا في اقْتِصادِهِ، وبِالتّالِي اخْتِلالٌ في التَّعامُلِ، وهو فَسادٌ كَبِيرٌ.
وَأكْبَرُ مِن هَذا كُلِّهِ، وُجُودُ الرِّبا إذا بِيعَ جِنْسٌ بِجِنْسِهِ، وحَصَلَ تَفاوُتٌ في الكَيْلِ أوِ الوَزْنِ.
وَفِيهِ كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] .
وَلِذا فَقَدَ ورَدَ ذِكْرُ الكَيْلِ والوَزْنِ، والحَثُّ عَلى العِنايَةِ بِهِما في عِدَّةِ مَواطِنَ، بِعِدَّةِ أسالِيبَ مِنها الخاصُّ ومِنها العامُّ.
فَقَدْ ورَدَ في ”الأنْعامِ“ و ”الأعْرافِ“ و ”هُودٍ“ و ”بَنِي إسْرائِيلَ“ و ”الرَّحْمَنِ“ و ”الحَدِيدِ“، أيْ: في سِتِّ سُوَرٍ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ.
أوَّلًا في سُورَةِ ”الأنْعامِ“ في سِياقِ ما يُعْرَفُ بِالوَصايا العَشْرِ: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (p-٤٥٥)[الأنعام: ١٥١] .
وَذَكَرَ بِرَّ الوالِدَيْنِ والنَّهْيَ عَنْ قَتْلِ الأوْلادِ والقُرْبِ مِنَ الفَواحِشِ، وقَتْلِ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، والنَّهْيَ عَنْ مالِ اليَتِيمِ.
ثُمَّ قالَ: ﴿وَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها وإذا قُلْتُمْ فاعْدِلُوا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى وبِعَهْدِ اللَّهِ أوْفُوا﴾ [الأنعام: ١٥٢] .
وَتَكَلَّمَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عِنْدَها كَلامًا مُوجَزًا مُفِيدًا، بِأنَّ الأمْرَ هُنا بِقَدْرِ الوُسْعِ، ومَن أخَلَّ مِن غَيْرِ قَصْدِ التَّعَدِّي لا حَرَجَ عَلَيْهِ.
وَقالَ: ولَمْ يَذْكُرْ هُنا عُقُوبَةً لِمَن تَعَمَّدَ ذَلِكَ، ولَكِنَّهُ تَوَعَّدَهُ بِالوَيْلِ في مَوْضِعٍ آخَرَ، وساقَ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ .
كَما بَيَّنَ عاقِبَةَ الوَفاءِ بِالكَيْلِ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، أيْ: مَآلًا.
وَهُنا يَلْفِتُ كَلامُهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - النَّظَرَ إلى نُقْطَةٍ هامَّةٍ، وهي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [الأنعام: ١٥٢]، حَيْثُ إنَّ التَّطْفِيفَ: الزِّيادَةُ الطَّفِيفَةُ، والشَّيْءُ الطَّفِيفُ: القَلِيلُ.
فَكَأنَّ الآيَةَ هُنا تَقُولُ: تَحَرَّوْا بِقَدْرِ المُسْتَطاعِ مِنَ التَّطْفِيفِ ولَوْ يَسِيرًا.
وَبَعْدَ بَذْلِ الجُهْدِ ”لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها“، وهَذا غايَةٌ في التَّحَرِّي مَعَ شِدَّةِ التَّحْذِيرِ والتَّوَعُّدِ بِالوَيْلِ، وإذا كانَ الوَعِيدُ بِالوَيْلِ عَلى الشَّيْءِ الطَّفِيفِ، فَما فَوْقَهُ مِن بابِ أوْلى.
المَوْضِعُ الثّانِي في سُورَةِ ”الأعْرافِ“ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم فَأوْفُوا الكَيْلَ والمِيزانَ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تُفْسِدُوا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥] .
فاقْتَرَنَ الأمْرُ بِالوَفاءِ بِالكَيْلِ بِالأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ؛ لِأنَّ في الأمْرَيْنِ إعْطاءَ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ مِن غَيْرِ ما نَقْصٍ.
(p-٤٥٦)وَبَيِّنَ أنَّ في عَدَمِ الإيفاءِ المَطْلُوبِ بَخْسَ النّاسِ أشْياءَهم، وفَسادًا في الأرْضِ بَعْدَ إصْلاحِها.
المَوْضِعُ الثّالِثُ في سُورَةِ ”هُودٍ“، ومَعَ شُعَيْبٍ أيْضًا: ﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ ياقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّي أراكم بِخَيْرٍ وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿وَيا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ الآيَةَ [هود: ٨٤ - ٨٦] .
وَبِنَفْسِ الأُسْلُوبِ أيْضًا كَما تَقَدَّمَ، رَبَطَهُ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى وحْدَهُ، وتَكْرارِ الأمْرِ بَعْدَ النَّهْيِ: ﴿وَلا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾، ثُمَّ: ﴿أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ﴾ نَهْيٌ عَنْ نَقْصِهِ، وأمْرٌ بِإيفائِهِ، نَصَّ عَلى المَفْهُومِ بِالتَّأْكِيدِ: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ مَعَ التَّوْجِيهِ بِأنَّ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لَهم.
المَوْضِعُ الرّابِعُ في سُورَةِ ”بَنِي إسْرائِيلَ“: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]، أيِ: اعْتِدالٌ في الإنْفاقِ مَعَ نَفْسِهِ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ، ثُمَّ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أوْلادَكم خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ [الإسراء: ٣٢]، وكُلُّها في مَجالِ الِاقْتِصادِ وبَعْدَها: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنا﴾ [الإسراء: ٣٢]، ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] .
وَقَدْ يَكُونُ الباعِثُ عَلَيْهِما أيْضًا غَرَضٌ مالِيٌّ: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلّا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤]، وهو مِن أخَصِّ أبْوابِ المالِ.
ثُمَّ الوَفاءُ بِالعَهْدِ، ثُمَّ: ﴿وَأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٥]، فَمَعَ ضَرُورِيّاتِ الحَياةِ حِفْظُ النَّفْسِ والعِرْضِ والمالِ يَأْتِي الحِفاظُ عَلى الكَيْلِ والوَزْنِ.
المَوْضِعُ الخامِسُ في سُورَةِ ”الشُّورى“ وهو أعَمُّ مِمّا تَقَدَّمَ، وجَعَلَهُ مَقْرُونًا بِإنْزالِ الكِتابِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أنْزَلَ الكِتابَ بِالحَقِّ والمِيزانَ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] .
(p-٤٥٧)وَتَكَلَّمَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ بِما أشَرْنا إلى أنَّهُ عامٌّ، فَقالَ: المِيزانُ هَنا مُرادٌ بِهِ العَدْلُ والإنْصافُ، وأنَّ هَذا المَعْنى مُتَضَمِّنٌ آلَةَ الوَزْنِ وزِيادَةً.
وَأوْرَدَ بَقِيَّةَ الآياتِ هُنا في مَبْحَثٍ مُفَصَّلٍ، فَذَكَرَ آيَةَ ”الرَّحْمَنِ“، وآيَةَ ”الحَدِيدِ“، وتَكَلَّمَ عَلى الجَمِيعِ بِالتَّفْصِيلِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ ”الرَّحْمَنِ“: ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧]، مُقابَلَةٌ عَظِيمَةٌ بَيْنَ رَفْعِ السَّماءِ الَّذِي هو حَقٌّ وعَدْلٌ وقُدْرَةٌ، والمِيزانُ وضَعَهُ في الأرْضِ، لِتَقُومُوا بِالعَدْلِ والإنْصافِ، وبِهَذا العَدْلِ قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ.
وَفِي سُورَةِ ”الحَدِيدِ“ اقْتِرانُ المِيزانِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥] .
وَمَعْلُومٌ أنَّ المِيزانَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَ الكِتابِ هو مِيزانُ الحَقِّ والعَدْلِ، والنَّهْيُ عَنْ أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِغَيْرِ حَقٍ، وعَدَمُ بَخْسِ النّاسِ أشْياءَهم.
فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ أعَمَّ وأشْمَلَ آياتِ الوَفاءِ في الكَيْلِ والوَزْنِ، بِمَثابَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨] .
وَقَدْ جَمَعَ لَفْظَ الأمانَةِ؛ لِيَعُمَّ بِهِ كُلَّ ما يُمْكِنُ أنْ يُؤْتَمَنَ الإنْسانُ عَلَيْهِ.
وَكَذَلِكَ هُنا المِيزانُ مَعَ الكِتابِ المُنَزَّلِ، وبِهِ يَسْتَوْفِي كُلُّ إنْسانٍ حَقَّهُ في أيِّ نَوْعٍ مِن أنْواعِ التَّعامُلِ، فَكُلُّ مَن غَشَّ في سِلْعَةٍ أوْ دَلَّسَ أوْ زادَ في عَدَدٍ، أوْ نَقَصَ أوْ زادَ في ذَرْعٍ، أوْ نَقَصَ فَهو مُطَفِّفٌ لِلْكَيْلِ، داخِلٌ تَحْتَ الوَعِيدِ بِالوَيْلِ.
فَمَن باعَ ذَهَبًا مَثَلًا عَلى أنَّهُ صافٍ مِنَ الغِشِّ وزْنَ دِرْهَمٍ، وفِيهِ مِنَ النُّحاسِ عُشْرُ الدِّرْهَمِ، فَقَدْ نَقَصَ وطَفَّفَ لِنَفْسِهِ، فَأخَذَ حَقَّ دِرْهَمٍ كامِلٍ ذَهَبًا، ونَقَصَ حَيْثُ أعْطى دِرْهَمًا إلّا عَشْرًا.
وَمَن باعَ رِطْلًا سَمْنًا وفِيهِ عُشْرُ الرِّطْلِ شَحْمًا، فَقَدْ طَفَّفَ بِمِقْدارِ هَذا العُشْرِ لِنَفْسِهِ، ونَقَصَ وبَخَسَ المُشْتَرِي بِمِقْدارِ ذَلِكَ.
(p-٤٥٨)وَهَكَذا مَن باعَ ثَوْبًا عَشْرَ أمْتارٍ وهو يَنْقُصُ رُبُعَ المِتْرِ، فَقَدْ طَفَّفَ وبَخَسَ بِمِقْدارِ هَذا الرُّبُعِ.
وَهَكَذا في القِسْمَةِ بَيْنَ النّاسِ وبَيْنَ الأوْلادِ، وبَيْنَ الأهْلِ، وكُلَّ ما فِيهِ عَطاءٌ وأُخِذَ بَيْنَ اثْنَيْنِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
وَمِن بابِ ما يَذْكُرُهُ العُلَماءُ في مُناسَباتِ السُّوَرِ بَعْضُها مِن بَعْضٍ.
فَقَدْ قالَ أبُو حَيّانَ لَمّا ذَكَرَ السُّورَةَ الَّتِي قَبْلَها مَصِيرَ الأبْرارِ والفُجّارِ يَوْمَ القِيامَةِ ذَكَرَ هُنا مِن مُوجِباتِ ذَلِكَ وأهَمِّها: تَطْفِيفُ الكَيْلِ، وبِخْسِ الوَزْنِ، وهَذا في الجُمْلَةِ مُتَوَجِّهٌ، ولَكِنَّ صَرِيحَ قَوْلِهِ تَعالى في السُّورَةِ السّابِقَةِ: ﴿وَإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٤ - ٥]، فَهو وإنْ كانَ عامًّا في كُلِّ ما قَدَّمَهُ لِنَفْسِهِ مِن عَمَلِ الخَيْرِ، وما أخَّرَ مِن أداءِ الواجِباتِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ أيْضًا خُصُوصَ ما قَدَّمَ مِن وفاءٍ في الكَيْلِ ورُجْحانٍ في الوَزْنِ، وما أخَّرَ في تَطْفِيفٍ في الكَيْلِ وبَخْسٍ طَمَعًا في المالِ وجَمْعًا لِلتُّراثِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا﴾ ﴿وَتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾ ﴿كَلّا إذا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾ ﴿وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسانُ وأنّى لَهُ الذِّكْرى﴾ ﴿يَقُولُ يالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾ [الفجر: ١٩ - ٢٤] .
وَمِن هُنا يُعْلَمُ لِلْعاقِلِ أنَّ ما طَفَّفَ مِن كَيْلٍ أوْ بَخَسَ مِن وزْنٍ مَهْما جَمَعَ مِنهُ، فَإنَّهُ يُؤَخِّرُهُ وراءَهُ ومَسْئُولٌ عَنْهُ، ونادِمٌ عَلَيْهِ، وقائِلٌ: ﴿يالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي﴾، ولاتَ ساعَةَ مَندَمٍ.
83:2Page 587
ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسۡتَوۡفُونَ ٢
Who, when they take a measure from people, take in full.
No commentary for this ayah
83:3Page 587
وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ يُخۡسِرُونَ ٣
But if they give by measure or by weight to them, they cause loss.
No commentary for this ayah
83:4Page 587
أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ ٤
Do they not think that they will be resurrected
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ لِهَؤُلاءِ النّاسِ، وفِيهِ مَسْألَتانِ:
الأُولى: أنَّ الباعِثَ عَلى هَذا العَمَلِ هو عَدَمُ اليَقِينِ بِالبَعْثِ، أوِ اليَقِينُ مَوْجُودٌ لَكِنَّهم يَعْلَمُونَ عَلى غَيْرِ المُوقِنِينَ - أيْ غَيْرِ مُبالِينَ - كَما قالَ الشّاعِرُ في مِثْلِ ذَلِكَ، وهو ما يُسَمّى في البَلاغَةِ بِلازِمِ الفائِدَةِ:
؎جاءَ شَقِيقٌ عارِضًا رُمْحَهُ إنَّ بَنِي عَمِّكَ فِيهِمْ رِماحُ
فالمُتَكَلِّمُ يَعْلَمُ أنَّ شَقِيقًا عالِمٌ بِوُجُودِ الرِّماحِ في بَنِي عَمِّهِ، وأنَّهم مُسْتَعِدُّونَ لِلْحَرْبِ (p-٤٥٩)مَعَهُ، ولَكِنَّهُ رَأى مِنهُ عَدَمَ المُبالاةِ وعَدَمَ الِاسْتِعْدادِ، بِأنْ وضَعَ رُمْحَهُ أمامَهُ مُعْتَرِضًا، فَهو بِمَنزِلَةِ مَن لا يُؤَمِنُ بِوُجُودِ الرِّماحِ في بَنِي عَمِّهِ، وهو لَمْ يُرِدْ بِكَلامِهِ مَعَهُ أنْ يُخْبِرَهُ بِأمْرٍ يَجْهَلُهُ، ولَكِنَّهُ أرادَ أنْ يُنَبِّهَهُ لِما يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ مِنَ التَّأهُّبِ والِاسْتِعْدادِ، وهَكَذا هُنا، وهَذا عامٌّ في كُلِّ مُسَوِّفٍ ومُتَساهِلٍ كَما جاءَ: «لا يَزْنِي الزّانِي حِينَ يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ» إلَخْ.
أيْ: وهو مُؤْمِنٌ بِالإيمانِ ولَوازِمِهِ مِنَ الجَزاءِ والحِسابِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] يُفْهَمُ أنَّ مُطَفِّفَ الكَيْلِ والوَزْنِ وهم يَعْلَمُونَ هَذا حَقِيقَةً غالِبًا، ولا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الطَّرَفُ الآخَرُ، فَيَكُونُ اللَّهُ تَعالى هو المُطَّلِعُ عَلى فِعْلِهِ، فَهو الَّذِي سَيُحاسِبُهُ ويُناقِشُهُ، لِأنَّهُ خانَ اللَّهَ الَّذِي لا تَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ سُبْحانَهُ، ولِذا قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾، ولَمْ يَقُلْ: يَوْمَ يُقْتَصُّ لِكُلِّ إنْسانٍ مِن غَرِيمِهِ، ويَسْتَوْفِي كُلُّ ذِي حَقٍ حَقَّهُ.
تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ.
قالَ القُرْطُبِيُّ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ: وعَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ: أنَّ أعْرابِيًّا قالَ لَهُ: قَدْ سَمِعْتَ ما قالَ اللَّهُ في المُطَفِّفِينَ، فَما ظَنُّكَ بِنَفْسِكَ وأنْتَ تَأْخُذُ أمْوالَ المُسْلِمِينَ بِلا كَيْلٍ ولا وزْنٍ ؟ ! . اهـ.
إنَّها مَقالَةٌ يَنْبَغِي أنْ تُقالَ لِكُلِّ آكِلٍ أمْوالَ النّاسِ بِغَيْرِ حَقٍّ أيًّا كانَ هو، وبِأيِّ وجْهٍ يَكُونُ ذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ.
مِنَ المَعْلُومِ أنَّ كُلَّ مُتَبايِعَيْنِ يَطْلُبُ كُلٌّ مِنهُما الأحَظُّ لِنَفْسِهِ، فالمُطَفِّفُ لا بُدَّ أنْ يُخْفِيَ طَرِيقَهُ عَلى غَرِيمِهِ.
وَذَكَرَ عُلَماءُ الحِسْبَةِ طُرُقًا عَدِيدَةً مِمّا يَنْبَغِي لِوَلِيِّ الأمْرِ خاصَّةً، ولِلْمُتَعامِلِ مَعَ غَيْرِهِ عامَّةً أنْ يَتَنَبَّهَ لَها.
مِن ذَلِكَ قالُوا: أوَّلًا مِن ناحِيَةِ المِكْيالِ قَدْ يَكُونُ جِرْمُ المِكْيالِ لَيِّنًا فَيَضْغَطُهُ بَيْنَ (p-٤٦٠)يَدَيْهِ، فَتَتَقارَبُ جَوانِبُهُ فَيَنْقُصُ ما يَحْتَوِي عَلَيْهِ، ولِذا يَجِبُ أنْ يَكُونَ إناءُ الكَيْلِ صَلْبًا، والغالِبُ جَعْلُهُ مِنَ الخَشَبِ أوْ ما يُعادِلُهُ.
وَمِنها: أنَّهُ قَدْ يَكُونُ خَشَبًا مَنقُورًا مِن جَوْفِهِ، ولَكِنْ لا يَبْلُغُ بِالتَّجْوِيفِ إلى نِهايَةِ المِقْدارِ المَطْلُوبِ، فَيُرى مِن خارِجِهِ كَبِيرًا، ولَكِنَّهُ مِنَ الدّاخِلِ صَغِيرٌ لِقُرْبِ قَعْرِهِ.
وَمِنها: قَدْ يَكُونُ مَنقُورًا إلى نِهايَةِ الحَدِّ المَطْلُوبِ، ولَكِنَّهُ يُدْخِلُ فِيهِ شَيْئًا يَشْغَلُ فَراغَهُ مِن أسْفَلِهِ، ويُثَبِّتُهُ في قَعْرِهِ. فَيَنْقُصُ ما يُكالُ بِقَدْرِ ما يَشْغَلُ الفَراغَ المَذْكُورَ، فَقَدْ يَضَعُ ورَقًا أوْ خِرَقًا أوْ جِبْسًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
ثانِيًا: مِن ناحِيَةِ المِيزانِ قَدْ يَبْرُدُ السَّنْجَ، أيْ مَعايِيرَ الوَزْنِ حَتّى يَنْقُصَ وزْنُها، وقَدْ يُجَوِّفُ مِنها شَيْئًا ويَمْلَأُ التَّجْوِيفَ بِمادَّةٍ أخَفَّ مِنها.
وَلِذا يَجِبُ أنْ يَتَفَقَّدَ أجْزاءَ المَعايِيرِ، وقَدْ يَتَّخِذُ مُعايَرًا مِنَ الحَجَرِ فَتَتَناقَصُ بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ بِسَبَبِ ما يَتَحَتَّتُ مِنها عَلى طُولِ الأيّامِ.
وَمِنها: أنْ يَضَعَ تَحْتَ الكِفَّةِ الَّتِي يَزِنُ فِيها السِّلْعَةَ شَيْئًا مُثْقِلًا لاصِقًا فِيها، لِيَنْتَقِصَ مِنَ المَوْزُونِ بِقَدْرِ هَذا الشَّيْءِ.
وَلِكَيْلا يَظْهَرَ هَذا، فَتَراهُ دائِمًا يَضَعُ المِعْيارَ في الكِفَّةِ الثّانِيَةِ لِتَكُونَ راجِحَةً بِها.
وَهُناكَ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ، كَأنْ يَطْرَحَ السِّلْعَةَ في الكِفَّةِ بِقُوَّةٍ، فَتُرَجَّحُ بِسَبَبِ قُوَّةِ الدَّفْعِ، فَيَأْخُذَ السِّلْعَةَ حالًا قَبْلَ أنْ تَرْجِعَ إلى أعْلى، مُوهِمًا النّاظِرَ أنَّها راجِحَةٌ بِالمِيزانِ.
أمّا آلَةُ الذَّرْعِ، فَقَدْ يَكُونُ المِقْياسُ كامِلًا وافِيًا، ولَكِنَّهُ بَعْدَ أنْ يَقِيسَ المِتْرَ الأوَّلَ يَدْفَعُ بِالآلَةِ إلى الخَلْفِ، ويَسْحَبُ بِالمَذْرُوعِ إلى الأمامِ بِمِقْدارِ الكَفِّ مَثَلًا، فَيَكُونُ النَّقْصُ مِنَ المَذْرُوعِ بِقَدْرِ ما سَحَبَ مِنَ القُماشِ.
وَكُلُّها أُمُورٌ قَدْ تَخْفى عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ، وقَدْ وقَعَ لِي مَعَ بائِعٍ أنْ لاحَظْتُ عَلَيْهِ في مِيزانٍ مِمّا يَرْفَعُهُ بِيَدِهِ حَتّى أعادَ الوَزْنَ خَمْسَ مَرّاتٍ في كُلِّ مَرَّةٍ يَأْتِي بِطَرِيقَةٍ تُغايِرُ الأُخْرى، حَتّى قَضى ما عِنْدَهُ، فالتَفَتَ إلَيَّ وقالَ لِي: لا أبِيعُ بِهَذا السِّعْرِ، فَقُلْتُ لَهُ: خُذْ ما تُرِيدُ وزِنْ كَما أُرِيدُ، فَطَلَبَ ضِعْفَ الثَّمَنِ، فَأعْطَيْتُهُ فَأعْطانِي المِيزانَ لِأزِنَ بِنَفْسِي.
وَهُنا يَنْبَغِي أنْ نُنَبِّهَ عَلى حالاتِ الباعَةِ، حِينَما يَكُونُ السِّعْرُ مُرْتَفِعًا وتَجِدُ بائِعًا يَبِيعُ (p-٤٦١)بِرُخْصٍ، فَقَدْ يَكُونُ لِعِلَّةٍ في الوَزْنِ أوْ في السِّلْعَةِ، أوْ مَضَرَّةِ الآخَرِ.
تَنْبِيهٌ آخَرُ.
بِهَذِهِ الأسْبابِ وحَقائِقِها وشَدَّةِ خَطَرِها كانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَتَجَوَّلُ في السُّوقِ بِنَفْسِهِ، ويَتَفَقَّدُ المِكْيالَ والمِيزانَ. يُخْرِجُ مِنَ السُّوقِ مَن يَجِدُ في مِكْيالِهِ أوْ مِيزانِهِ نُقْصانًا، ويَقُولُ: لا تَمْنَعْ عَنّا المَطَرَ.
وَهَكَذا يَجِبُ عَلى وُلاةِ الأُمُورِ تَفَقُّدُ ذَلِكَ بِاسْتِمْرارٍ، ولا سِيَّما في البِلادِ الَّتِي يَقِلُّ فِيها الوازِعُ الدِّينِيُّ، وتَشْتَدُّ فِيها الأسْعارُ، بِما يُلْجِئُ الباعَةَ إلى التَّحايُلِ أوِ العِنادِ.
وَقَدْ مَنَعَ عُمَرُ بائِعَ زَبِيبٍ أرْخَصَ السِّعْرَ، لِعِلْمِهِ أنَّ تاجِرًا قَدِمَ ومَعَهُ زَبِيبٌ بِكَثْرَةٍ، فَقِيلَ لِعُمَرَ: لِماذا مَنَعْتَ البَيْعَ بِرُخْصٍ ؟ فَقالَ: لِأنَّهُ يُفْسِدُ السُّوقَ، فَيَخْسَرُ القادِمُ فَيَمْتَنِعُ مِنَ الجَلْبِ إلى المَدِينَةِ، وهَذا قَدْ رَبِحَ مِن قَبْلُ.
تَنْبِيهٌ آخَرُ.
مِمّا يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ أنَّ نَوْعَ المِكْيالِ ومِقْدارَهُ ونَوْعَ المِيزانِ ومِقْدارَهُ مَرْجِعُهُ إلى السُّلْطانِ، كَما قالَ عُلَماءُ الحِسْبَةِ: إنَّ عَلى الأُمَّةِ أنْ تُطِيعَ السُّلْطانَ في أرْبَعٍ: في نَوْعِ المِكْيالِ والمِيزانِ، ونَوْعِ العُمْلَةِ الَّتِي يَطْرَحُها لِلتَّعامُلِ بِها، وإعْلانِ الحَرْبِ أوْ قَبُولِ الصُّلْحِ.
فَإذا اتَّخَذَ الصّاعَ أوِ المُدَّ أوِ الكَيْلَةَ أوِ الوَيْبَةَ أوِ القَدَحَ، أوْ أيَّ نَوْعٍ كَبِيرًا كانَ أوْ صَغِيرًا، فَيَجِبُ التَّقَيُّدُ بِهِ في الأسْواقِ.
وَكَذَلِكَ الوَزْنُ؛ اتَّخَذَ الدِّرْهَمَ والأُوقِيَّةَ والرِّطْلَ أوِ الأُقَّةَ، أوِ اتَّخَذَ الجِرامَ والكِيلُو، فَكُلُّ ذَلِكَ لَهُ.
أمّا إذا كانَ الأمْرُ بَيْنَ اثْنَيْنِ في قِسْمَةٍ مَثَلًا: كَقِسْمَةِ صَبْرَةٍ مِن حَبٍّ، فَتَراضَوْا عَلى أنْ يَقْتَسِمُوها بِإناءٍ كَبِيرٍ لِلسُّرْعَةِ وكانَ مَضْبُوطًا، لا تَخْتَلِفُ بِهِ المَرّاتُ بِأنْ يَكُونَ صَلْبًا ويُمْكِنُ الكَيْلُ بِهِ.
أوْ كَذَلِكَ الوَزْنُ، اتَّفَقُوا عَلى قِطْعَةِ حَدِيدٍ مُعَيَّنَةٍ، لِكُلٍّ واحِدٍ وزْنُها عِدَّةَ مَرّاتٍ فَلا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ الغَرَضَ قِسْمَةُ المَجْمُوعِ لا مُثامَنَةٌ عَلى الأجْزاءِ.
(p-٤٦٢)أمّا المَكايِيلُ الإسْلامِيَّةُ الأساسِيَّةُ والمُوازِينُ، فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها مِنَ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في زَكاةِ ما يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ، وزَكاةِ النَّقْدَيْنِ، وقَدَّمْنا بَيانَ مُقابِلِها بِالوَزْنِ الحَدِيثِ في زَكاةِ الفِطْرِ، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ في أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤ - ٢٥] . وبِاللَّهِ تَعالى التَّوْفِيقُ.
غَرِيبَةٌ.
فِي لَيْلَةِ الفَراغِ مِن كِتابَةِ هَذا المَبْحَثِ رَأيْتُ الشَّيْخَ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - فِيما يَرى النّائِمُ، وبَعْدَ أنْ ذَهَبَ عَنِّي، رَأيْتُ مَن يَقُولُ لِي: إنَّ لِتَطْفِيفِ الكَيْلِ والوَزْنِ دَخْلًا في الرِّبا، فَألْحَقْتُهُ في أوَّلِ البَحْثِ، بَعْدَ أنْ تَأمَّلْتُهُ فَوَجَدْتُهُ صَحِيحًا بِسَبَبِ المُفاضَلَةِ.
No commentary for this ayah
83:6Page 587
يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦
The Day when mankind will stand before the Lord of the worlds?
No commentary for this ayah
83:7Page 588
كـَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٖ ٧
No! Indeed, the record of the wicked is in sijjeen.
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
83:12Page 588
وَمَا يُكَذِّبُ بِهِۦٓ إِلَّا كُلُّ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ ١٢
And none deny it except every sinful transgressor.
No commentary for this ayah
83:13Page 588
إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣
When Our verses are recited to him, he says, "Legends of the former peoples."
No commentary for this ayah
83:14Page 588
كـَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ١٤
No! Rather, the stain has covered their hearts of that which they were earning.1
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾
”رانَ“: بِمَعْنى غَطّى كَما في الحَدِيثِ: «إذا أذْنَبَ العَبْدُ نُكِتَ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ، وما يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يُغَطِّيَهُ» الحَدِيثَ.
وَقالَ الشّاعِرُ:
؎وَكَمْ رانَ مِن ذَنْبٍ عَلى قَلْبِ فاجِرِ فَتابَ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِي رانَ فانْجَلى
وَقالَ أبُو حَيّانَ: وأصْلُ الرَّيْنِ: الغَلَبَةُ، يُقالُ: رانَتِ الخَمْرُ عَلى عَقْلِ شارِبِها واشْتَدَّتْ:
؎ثُمَّ لَمّا رَآهُ رانَتْ بِهِ الخَـ ∗∗∗ ـمْرُ وألّا يُرِيَهُ بِانْتِفاءِ
بَيانُ القِراءاتِ في هَذِهِ الآيَةِ:
قالَ أبُو حَيّانَ: قُرِئَ ”بَلْ رانَ“ بِإدْغامِ اللّامِ في الرّاءِ، وبِالإظْهارِ وقَفَ حَفْصٌ عَلى ”بَلْ“ وقْفًا خَفِيفًا يَسِيرًا لِيَتَبَيَّنَ الإظْهارُ.
وَقالَ أبُو جَعْفَرِ بْنِ الباذِشِ: وأجْمَعُوا - يَعْنِي القُرّاءَ - عَلى إدْغامِ اللّامِ في الرّاءِ، إلّا ما كانَ مِن سَكْتِ حَفْصٍ عَلى ”بَلْ“، ثُمَّ يَقُولُ: ”رانَ“ .
وَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ كَما ذَكَرَ مِنَ الإجْماعِ.
فَفِي كِتابِ ”اللَّوامِعِ“ عَنْ قالُونَ مِن جَمِيعِ طُرُقِهِ: إظْهارُ اللّامِ عِنْدَ الرّاءِ نَحْوَ قَوْلِهِ: (p-٤٦٣)﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] ”بَلْ رَبُّكم“ [الأنبياء: ٥٦] .
وَفِي كِتابِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقَرَأ نافِعٌ: ”بَلْ رانَ“ مِن غَيْرِ مُدْغَمٍ.
وَفِيهِ أيْضًا: وقَرَأ نافِعٌ أيْضًا بِالإدْغامِ والإمالَةِ.
وَقالَ سِيبَوَيْهِ: البَيانُ والإدْغامُ حَسَنانِ.
وَقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقُرِئَ بِإدْغامِ اللّامِ في الرّاءِ، وبِالإظْهارِ والإدْغامِ أجْوَدُ، وأُمِيلَتِ الألِفُ وفُخِّمَتْ. اهـ.
أمّا المَعْنى فَقَدْ تَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ ذَلِكَ وافِيًا في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ عِنْدَ الكَلامِ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ الآيَةَ [الكهف: ٥٧] .
83:15Page 588
كـَلَّآ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّمَحۡجُوبُونَ ١٥
No! Indeed, from their Lord, that Day, they will be partitioned.1
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٤٣٦)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ التَّطْفِيفِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلّا إنَّهم عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ .
يُفْهَمُ مِنهُ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَيْسُوا مَحْجُوبِينَ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ قَدَّمْنا وجْهَ الجَمْعِ بَيْنَ هَذا المَفْهُومِ، وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ [ ٦ ] .
83:16Page 588
ثُمَّ إِنَّهُمۡ لَصَالُواْ ٱلۡجَحِيمِ ١٦
Then indeed, they will [enter and] burn in Hellfire.
No commentary for this ayah
83:17Page 588
ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ١٧
Then it will be said [to them], "This is what you used to deny."
No commentary for this ayah
83:18Page 588
كـَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡأَبۡرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ ١٨
No! Indeed, the record of the righteous is in ʿilliyyūn.
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
83:24Page 588
تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِهِمۡ نَضۡرَةَ ٱلنَّعِيمِ ٢٤
You will recognize in their faces the radiance of pleasure.
No commentary for this ayah
83:25Page 588
يُسۡقَوۡنَ مِن رَّحِيقٖ مَّخۡتُومٍ ٢٥
They will be given to drink [pure] wine1 [which was] sealed.
No commentary for this ayah
83:26Page 588
خِتَٰمُهُۥ مِسۡكٞۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ ٢٦
The last of it1 is musk. So for this let the competitors compete.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ وفي ذَلِكَ فَلْيَتَنافَسِ المُتَنافِسُونَ﴾
تَوْجِيهٌ إلى ما يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ فِيهِ المُنافَسَةُ، وهي بِمَعْنى الرَّغْبَةِ في الشَّيْءِ.
قالَ أبُو حَيّانَ: نافَسَ في الشَّيْءِ: رَغِبَ فِيهِ، ونَفَّسْتُ عَلَيْهِ بِالشَّيْءِ أنْفُسُ نَفاسَةً، إذا بَخِلْتَ بِهِ عَلَيْهِ ولَمْ تُحِبَّ أنْ يَصِيرَ إلَيْهِ.
والَّذِي يَظْهَرُ لِي - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ - أنَّ ذَلِكَ مِنَ المُطالَبَةِ والمُكاثَرَةِ بِالشَّيْءِ النَّفِيسِ، فَكُلٌّ يُسابِقُ إلَيْهِ لِيَحُوزَهُ لِنَفْسِهِ.
وَفِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ لَفْتٌ لِأوَّلِ السُّورَةِ، إذا كانَ أُولَئِكَ يَسْعَوْنَ لِجَمْعِ المالِ بِالتَّطْفِيفِ، فَلَهُمُ الوَيْلُ يَوْمَ القِيامَةِ.
وَإذا كانَ الأبْرارُ لَفي نَعِيمٍ يَوْمَ القِيامَةِ، وهَذا شَرابُهم، فَهَذا هو مَحَلُّ المُنافِسَةِ، لا في التَّطْفِيفِ مِنَ الحَبِّ أوْ أيِّ مَكِيلٍ أوْ مَوْزُونٍ.
No commentary for this ayah
83:28Page 588
عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا ٱلۡمُقَرَّبُونَ ٢٨
A spring from which those near [to Allāh] drink.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences