Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
الضحى
Ad-Duhaa
The Morning Hours · Meccan · 11 ayahs
(p-٥٥٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
سُورَةُ الضُّحى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والضُّحى﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾
تَقَدَّمَ مَعْنى الضُّحى في السُّورَةِ المُتَقَدِّمَةِ.
وَقِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا النَّهارُ كُلُّهُ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٧ - ٩٨]، وقَوْلِهِ: ﴿واللَّيْلِ إذا سَجى﴾ قِيلَ: أقْبَلَ، وقِيلَ: شِدَّةُ ظَلامِهِ، وقِيلَ: غَطّى، وقِيلَ: سَكَنَ.
واخْتارَ الشَّيْخُ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في إمْلائِهِ مَعْنى: سَكَنَ.
واخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ سَكَنَ بِأهْلِهِ، وثَبَتَ بِظَلامِهِ، قالَ: كَما يُقالُ: بَحْرٌ ساجٍ، إذا كانَ ساكِنًا، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎فَما ذَنْبُنا إنْ جاشَ بَحْرُ ابْنِ عَمِّكم وبَحْرُكَ ساجٍ ما يُوارِي الدَّعامِصا
وَقَوْلُ الرّاجِزِ:
؎يا حَبَّذا القَمْراءُ واللَّيْلُ السّاجُ ∗∗∗ وطَرْقٌ مِثْلُ مُلاءِ النَّسّاجِ
وَأنْشَدَهُما القُرْطُبِيُّ، وذَكَرَ قَوْلَ جَرِيرٍ:
؎وَلَقَدْ رَمَيْتُكِ يَوْمَ رُحْنَ بِأعْيُنٍ ∗∗∗ يَنْظُرْنَ مِن خَلَلِ السُّتُورِ سَواجِ
أقْسَمَ تَعالى بِالضُّحى واللَّيْلِ هُنا فَقَطْ؛ لِمُناسَبَتِها لِلْمُقْسَمِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُما طَرَفا الزَّمَنِ وظَرْفَ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ، فَإنَّهُ يَقُولُ لَهُ مُؤانِسًا: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ وما قَلى﴾، لا في لَيْلٍ ولا في نَهارٍ، عَلى ما سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾، قُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ مِن تَوْدِيعِ المُفارِقِ. وقُرِئَ: ”ما (p-٥٥٥)وَدَعَكَ“، بِالتَّخْفِيفِ مِنَ الوَدْعِ، أيْ: مِنَ التَّرْكِ، كَما قالَ أبُو الأُسُودِ:
؎لَيْتَ شِعْرِي عَنْ خَلِيلٍ ما الَّذِي ∗∗∗ نَما لَهُ في الحُبِّ حَتّى ودَعَهُ
أيْ تَرَكَهُ، وقَوْلُ الآخَرِ:
؎وَثَمَّ ودَعْنا آلَ عَمْرٍو وعامِرِ ∗∗∗ فَرائِسَ أطْرافِ المُثَقَّفَةِ السُّمْرِ
أيْ تَرَكُوهم فَرائِسَ السُّيُوفِ.
قالَ أبُو حَيّانَ: والتَّوْدِيعُ مُبالَغَةٌ في الوَدْعِ؛ لِأنَّ مَن ودَّعَكَ مُفارِقًا، فَقَدْ بالَغَ في تَرْكِكَ. اهـ.
والقِراءَةُ الأوْلى أشْهَرُ وأوْلى؛ لِأنَّ اسْتِعْمالَ ودَّعَ بِمَعْنى تَرَكَ قَلِيلٌ.
قالَ القُرْطُبِيُّ، وقالَ المُبَرِّدُ: لا يَكادُونَ يَقُولُونَ: ودَعَ ولا وذَرَ؛ لِضَعْفِ الواوِ إذا قُدِّمَتْ واسْتَغْنَوْا عَنْها بِتَرَكَ، ويَدُلُّ عَلى قَوْلِ المُبَرِّدِ سُقُوطُ الواوِ في المُضارِعِ، فَتَقُولُ في مُضارِعِ ودَعَ يَدَعُ كَيَزِنُ ويَهَبُ ويَرِثُ، مِن وزَنَ ووَهَبَ ووَرِثَ، وتَقُولُ في الأمْرِ: دَعْ وزِنْ، وهَبْ، أمّا ذَرْ بِمَعْنى اتْرُكْ، فَلَمْ يَأْتِ مِنهُ الماضِي، وجاءَ المُضارِعُ: يَذَرْهم، والأمْرُ: ذَرْهم. فَتَرَجَّحَتْ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِالتَّشْدِيدِ مِن: ”وَدَّعَكَ“ مِنَ التَّوْدِيعِ.
وَقَدْ ذَكَرْنا هَذا التَّرْجِيحَ؛ لِأنَّ ودَّعَ بِمَعْنى تَرَكَ فِيها شِدَّةٌ وشِبْهُ جَفْوَةٍ وقَطِيعَةٍ، وهَذا لا يَلِيقُ بِمَقامِ المُصْطَفى ﷺ عِنْدَ رَبِّهِ. أمّا المُوادَعَةُ والوَداعُ، فَقَدْ يَكُونُ مَعَ المَوَدَّةِ والصِّلَةِ، كَما يَكُونُ بَيْنَ المُحِبِّينَ عِنْدَ الِافْتِراقِ، فَهو وإنْ وادَعَهُ بِجِسْمِهِ فَإنَّهُ لَمْ يُوادِعْهُ بِحُبِّهِ وعَطْفِهِ، والسُّؤالِ عَنْهُ وهو ما يَتَناسَبُ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما قَلى﴾ .
تَنْبِيهٌ.
هُنا: ﴿ما ودَّعَكَ﴾ بِصِيغَةِ الماضِي، وهو كَذَلِكَ لِلْمُسْتَقْبَلِ، بِدَلِيلِ الواقِعِ وبِدَلِيلِ: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾ [الضحى: ٤]؛ لِأنَّها تَدُلُّ عَلى مُواصَلَةِ عِنايَةِ اللَّهِ بِهِ، حَتّى يَصِلَ إلى الآخِرَةِ فَيَجِدُها خَيْرًا لَهُ مِنَ الأُولى، فَيَكُونُ ما بَيْنَ ذَلِكَ كُلُّهُ في عِنايَةِ ورِعايَةِ رَبِّهِ.
وَقَدْ جاءَ في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، قالَ لِعُمَرَ: «”أنا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ»“، أيْ: تَحْتَ رَحْمَتِهِ وفي رِعايَتِهِ.
(p-٥٥٦)وَقَوْلُهُ: ﴿وَما قَلى﴾، حَذَفَ كافَ الخِطابِ لِثُبُوتِها فِيما مَعَها، فَدَلَّتْ عَلَيْها، هَكَذا قالَ المُفَسِّرُونَ.
وَقالَ بَعْضُهم: تُرِكَتْ لِرَأْسِ الآيَةِ، والَّذِي يَظْهَرُ مِن لَطِيفِ الخِطابِ ورَقِيقِ الإيناسِ ومَداخِلِ اللُّطْفِ، أنَّ المُوادَعَةَ تُشْعِرُ بِالوَفاءِ والوُدِّ، فَأُبْرِزَتْ فِيها كافُ الخِطابِ، أيْ: لَمْ تَتَأتَّ مُوادَعَتُكَ وأنْتَ الحَبِيبُ، والمُصْطَفى المُقَرَّبُ.
أمّا: ”قَلى“: فَفِيها مَعْنى البُغْضِ، فَلَمْ يُناسِبْ إبْرازُها إمْعانًا في إبْعادِ قَصْدِهِ ﷺ بِشَيْءٍ مِن هَذا المَعْنى، كَما تَقُولُ لِعَزِيزٍ عَلَيْكَ: لَقَدْ أكْرَمْتُكَ، وما أهَنْتُ، لَقَدْ قَرَّبْتُكَ، وما أبْعَدْتُ، كَراهِيَةَ أنْ تَنْطِقَ بِإهانَتِهِ وكَراهِيَتِهِ، أوْ تُصَرِّحَ بِها في حَقِّهِ، والقَلى: يُمَدُّ ويُقْصَرُ هو البُغْضُ، يُمَدُّ إذا فَتَحْتَ القافَ، ويُقْصَرُ إذا كَسَرْتَها، وهو واوِيٌّ ويائِيٌّ، وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ، قالَ: أنْشَدَ ثَعْلَبٌ:
؎أيّامُ أُمِّ الغَمْرِ لا نَقْلاها ∗∗∗ ولَوْ تَشاءُ قَبَّلْتُ عَيْناها
وَقالَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ:
؎أسِيئِي بِنا أوْ أحْسِنِي لا مَلُومَةٌ ∗∗∗ لَدَيْنا ولا مَقْلِيَّةٌ إنْ تَقَلَّتِ
فالأوَّلُ قالَ: فَقَلاها مِنَ الواوِيِّ، والثّانِي قالَ: مَقْلِيَّةٌ مِنَ الياءِ، وهُما في اللِّسانِ شَواهِدُ.
وَقَدْ جاءَ في السِّيرَةِ ما يَشْهَدُ لِهَذا المَعْنى، ويُثْبِتُ دَوامَ مُوالاتِهِ سُبْحانَهُ لِحَبِيبِهِ، وعِنايَتِهِ بِهِ وحِفْظِهِ لَهُ بِما كانَ بُكاؤُهُ بِهِ عَمَّهُ، وقَدْ قالَ عَمُّهُ في ذَلِكَ:
؎واللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ ∗∗∗ حَتّى أُوسَدَ في التُّرابِ دَفِينًا
وَذَكَرَ ابْنُ هِشامٍ في رِعايَةِ عَمِّهِ لَهُ، أنَّهُ كانَ إذا جَنَّ اللَّيْلُ وأرادُوا أنْ يَنامُوا، تَرَكَهُ مَعَ أوْلادِهِ يَنامُونَ، حَتّى إذا أخَذَ كُلٌّ مَضْجَعَهُ، عَمَدَ عَمُّهُ إلى واحِدٍ مِن أبْنائِهِ، فَأقامَهُ وأتى بِمُحَمَّدٍ ﷺ يَنامُ مَوْضِعَهُ، وذَهَبَ بِوَلَدِهِ يَنامُ مَكانَ مُحَمَّدٍ ﷺ، حَتّى إذا كانَ هُناكَ مَن يُرِيدُ بِهِ سُوءًا فَرَأى مَكانَهُ في أوَّلِ اللَّيْلِ، ثُمَّ جاءَ مَن يُرِيدُهُ بِسُوءٍ وقَعَ السُّوءُ بِابْنِهِ، وسَلِمَ مُحَمَّدٌ ﷺ، كَما فَعَلَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عِنْدَ الخُرُوجِ إلى الهِجْرَةِ في طَرِيقِهِما إلى الغارِ، فَكانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - تارَةً يَمْشِي أمامَهُ ﷺ، وتارَةً يَمْشِي وراءَهُ، فَسَألَهُ ﷺ عَنْ (p-٥٥٧)ذَلِكَ، فَقالَ: ”أذْكُرُ الرَّصِيدَ فَأكُونُ أمامَكَ، وأذْكُرُ الطَّلَبَ فَأكُونُ وراءَكَ، فَقالَ:“ أتُرِيدُ لَوْ كانَ سُوءٌ يَكُونُ بِكَ يا أبا بَكْرٍ ؟ ”قالَ: بَلى، فَداكَ أبِي وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ قالَ: إنْ أهْلَكْ أهْلَكْ وحْدِي، وإنْ تَهْلَكْ تَهْلَكْ مَعَكَ الدَّعْوَةُ“، فَذاكَ عَمُّهُ في جاهِلِيَّةٍ ولَيْسَ عَلى دِينِهِ ﷺ وهَذا أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - .
No commentary for this ayah
93:3Page 596
مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ ٣
Your Lord has not taken leave of you, [O Muḥammad], nor has He detested [you].
No commentary for this ayah
93:4Page 596
وَلَلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لَّكَ مِنَ ٱلۡأُولَىٰ ٤
And the Hereafter is better for you than the first [life].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأُولى﴾
”خَيْرٌ“ تَأْتِي مَصْدَرًا كَقَوْلِهِ: ”إنْ تَرَكَ خَيْرًا“ [البقرة: ١٨٠] أيْ: مالًا كَثِيرًا، وتَأْتِي أفْعَلُ تَفْضِيلٍ مَحْذُوفَةَ الهَمْزَةِ، وهي هُنا أفْعَلُ تَفْضِيلٍ بِدَلِيلِ ذِكْرِ المُقابِلِ، وذِكْرِ حَرْفِ ”مِن“، مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أعْطاهُ في الدُّنْيا خَيْراتٍ كَثِيرَةً، ولَكِنْ ما يَكُونُ لَهُ في الآخِرَةِ فَهو خَيْرٌ وأفْضَلُ مِمّا أعْطاهُ في الدُّنْيا، ويُوهِمُ أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لَهُ ﷺ وحْدَهُ مِنَ الأُولى، ولَكِنْ جاءَ النَّصُّ كَدَلِيلِ ذِكْرِ المُقابِلِ، وذِكْرِ حَرْفِ ”مِن“، مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ أعْطاهُ في الدُّنْيا خَيْراتٍ كَثِيرَةً، ولَكِنْ ما يَكُونُ لَهُ في الآخِرَةِ فَهو خَيْرٌ وأفْضَلُ مِمّا أعْطاهُ في الدُّنْيا، ويُوهِمُ أنَّ الآخِرَةَ خَيْرٌ لَهُ ﷺ وحْدَهُ مِنَ الأُولى، ولَكِنْ جاءَ النَّصُّ عَلى أنَّها خَيْرٌ لِلْأبْرارِ جَمِيعًا، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] .
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَيانُ الخَيْرِيَّةِ لِلْأبْرارِ عِنْدَ اللَّهِ، أيْ: يَوْمَ القِيامَةِ بِما أعَدَّ لَهم، كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٣]، وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الأبْرارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُورًا﴾ [الإنسان: ٥] .
أمّا بَيانُ الخَيْرِيَّةِ هُنا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَيانُ الخَيْرِ في الدُّنْيا أوَّلًا، ثُمَّ بَيانُ الأفْضَلِ مِنهُ في الآخِرَةِ.
أمّا في الدُّنْيا المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ، أيْ: لِدَلالَتِهِ عَلى اشْتِراكِ الأمْرَيْنِ في الوَصْفِ، وزِيادَةِ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ، فَقَدْ أشارَ إلَيْهِ في هَذِهِ السُّورَةِ والَّتِي بَعْدَها، فَفي هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ [الضحى: ٦]، أيْ: مُنْذُ وِلادَتِهِ ونَشْأتِهِ، ولَقَدْ تَعَهَّدَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن صِغَرِهِ فَصانَهُ عَنْ دَنَسِ الشِّرْكِ، وطَهَّرَهُ وشَقَّ صَدْرَهُ ونَقّاهُ، وكانَ رَغْمَ يُتْمِهِ سَيِّدَ شَبابِ قُرَيْشٍ، حَيْثُ قالَ عَمُّهُ عِنْدَ خِطْبَتِهِ خَدِيجَةَ لِزَواجِهِ بِها، فَقالَ: ”فَتًى لا يُعادِلُهُ فَتًى مِن قُرَيْشٍ، حِلْمًا وعَقْلًا وخُلُقًا، إلّا رَجَحَ عَلَيْهِ“ .
وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ ﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾ [الضحى: ٧ - ٨] .
عَلى ما سَيَأْتِي بَيانُهُ كُلُّهُ، فَهي نِعَمٌ يُعَدِّدُها تَعالى عَلَيْهِ، وهي مِن أعْظَمِ خَيْراتِ الدُّنْيا (p-٥٥٨)مِن صِغَرِهِ إلى شَبابِهِ وكِبَرِهِ، ثُمَّ اصْطِفائِهِ بِالرِّسالَةِ، ثُمَّ حِفْظِهِ مِنَ النّاسِ، ثُمَّ نَصْرِهِ عَلى الأعْداءِ، وإظْهارِ دِينِهِ وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ.
وَمِنَ النّاحِيَةِ المَعْنَوِيَّةِ ما جاءَ في السُّورَةِ بَعْدَها: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ ﴿الَّذِي أنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ١ - ٤] .
أمّا خَيْرِيَّةُ الآخِرَةِ عَلى الأُولى، فَعَلى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥]، ولَيْسَ بَعْدَ الرِّضى مَطْلَبٌ، وفي الجُمْلَةِ: فَإنَّ الأُولى دارُ عَمَلٍ وتَكْلِيفٍ وجِهادٍ، والآخِرَةَ دارُ جَزاءٍ وثَوابٍ وإكْرامٍ، فَهي لا شَكَّ أفْضَلُ مِنَ الأُولى.
93:5Page 596
وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ ٥
And your Lord is going to give you, and you will be satisfied.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾
جاءَ مُؤَكَّدًا بِاللّامِ وسَوْفَ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: يُعْطِيهِ في الدُّنْيا مِن إتْمامِ الدِّينِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ، والنَّصْرِ عَلى الأعْداءِ.
والجُمْهُورُ: أنَّهُ في الآخِرَةِ، وهَذا وإنْ كانَ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ، إلّا أنَّهُ فُصِّلَ في بَعْضِ المَواضِعِ، فَأعْظَمُها ما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] .
وَجاءَ في السُّنَّةِ بَيانُ المَقامِ المَحْمُودِ، وهو الَّذِي يَغْبِطُهُ عَلَيْهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، كَما في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ العُظْمى حِينَ يَتَخَلّى كُلُّ نَبِيٍّ، ويَقُولُ: «نَفْسِي نَفْسِي، حَتّى يَصِلُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَيَقُولُ: أنا لَها أنا لَها» إلَخْ.
وَمِنها: الحَوْضُ المَوْرُودُ، وما خُصَّتْ بِهِ أُمَّتُهُ غُرًّا مُحَجَّلِينَ، يَرِدُونَ عَلَيْهِ الحَوْضَ.
وَمِنها: الوَسِيلَةُ، وهي مَنزِلَةٌ رَفِيعَةٌ عالِيَةٌ لا تَنْبَغِي إلّا لِعَبْدٍ واحِدٍ، كَما في الحَدِيثِ: «إذا سَمِعْتُمُ المُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ ما يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ وسَلُوا اللَّهَ لِيَ الوَسِيلَةَ، فَإنَّها مَنزِلَةٌ في الجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إلّا لِعَبْدٍ واحِدٍ، وأرْجُو أنْ أكُونَ أنا هو» .
وَإذا كانَتْ لِعَبْدٍ واحِدٍ فَمَن يَسْتَقْدِمُ عَلَيْها، وإذا رَجا رَبَّهُ أنْ تَكُونَ لَهُ طَلَبَ مِنَ الأُمَّةِ طَلَبَها لَهُ، فَهو مِمّا يُؤَكِّدُ أنَّها لَهُ، وإلّا لَما طَلَبَها ولا تَرَجّاها، ولا أمَرَ بِطَلَبِها لَهُ. وهو بِلا شَكٍّ أحَقُّ بِها مِن جَمِيعِ الخَلْقِ، إذِ الخَلْقُ أفْضَلُهُمُ الرُّسُلُ، وهو ﷺ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، كَما في الإسْراءِ تَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ في الصَّلاةِ في بَيْتِ المَقْدِسِ.
(p-٥٥٩)وَمِنها: الشَّفاعَةُ في دُخُولِ الجَنَّةِ، كَما في الحَدِيثِ: ”أنَّهُ ﷺ «أوَّلُ مَن تُفْتَحُ لَهُ الجَنَّةُ، وأنَّ رِضْوانَ خازِنَ الجَنَّةِ يَقُولُ لَهُ: أُمِرْتُ ألّا أفْتَحَ لِأحَدٍ قَبْلَكَ“» .
وَمِنها: الشَّفاعَةُ المُتَعَدِّدَةُ حَتّى لا يَبْقى أحَدٌ مِن أُمَّتِهِ في النّارِ، كَما في الحَدِيثِ: «لا أرْضى وأحَدٌ مِن أُمَّتِي في النّارِ» أسْألُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنا شَفاعَتَهُ، ويُورِدَنا حَوْضَهُ. آمِينَ.
وَشَفاعَتُهُ الخاصَّةُ في الخاصِّ في عَمِّهِ أبِي طالِبٍ، فَيُخَفَّفُ عَنْهُ بِها ما كانَ فِيهِ.
وَمِنها: شَهادَتُةُ عَلى الرُّسُلِ، وشَهادَةُ أُمَّتِهِ عَلى الأُمَمِ وغَيْرُ ذَلِكَ، وهَذِهِ بِلا شَكٍّ عَطايا مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ لِحَبِيبِهِ وصَفِيِّهِ الكَرِيمِ، - صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ -، وعَلى آلِهِ وصَحِبَهُ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا.
تَنْبِيهٌ.
اللّامُ في ولَلْآخِرَةُ وفي ولَسَوْفَ لِلتَّأْكِيدِ ولَيْسَتْ لِلْقَسَمِ، وهي في الأوَّلِ دَخَلَتْ عَلى المُبْتَدَأِ، وفي الثّانِيَةِ المُبْتَدَأُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَأنْتَ سَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى. قالَهُ أبُو حَيّانَ وأبُو السُّعُودِ.
93:6Page 596
أَلَمۡ يَجِدۡكَ يَتِيمٗا فَـَٔاوَىٰ ٦
Did He not find you an orphan and give [you] refuge?
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾
تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى اليَتِيمِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨] .
والرَّسُولُ ﷺ ماتَ أبُوهُ، وهو حَمْلٌ لَهُ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وماتَتْ أُمُّهُ وهي عائِدَةٌ مِنَ المَدِينَةِ بِالأبْواءِ وعُمْرُهُ ﷺ .
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ يُتْمَهُ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ لِأحَدٍ حَقٌّ عَلَيْهِ، نَقَلَهُ أبُو حَيّانَ.
والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ يُتْمَهُ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿ما ودَّعَكَ رَبُّكَ﴾، أيْ: لِيَتَوَلّى اللَّهُ تَعالى أمْرَهُ مِن صِغَرِهِ، وتَقَدَّمَ مَعْنى إيواءِ اللَّهِ لَهُ، فَكانَ يُتْمُهُ لِإبْرازِ فَضْلِهِ؛ لِأنَّ يَتِيمَ الأمْسِ أصْبَحَ سَيِّدَ الغَدِ، وكافِلَ اليَتامى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ (p-٥٦٠)الضَّلالُ: يَكُونُ حِسًّا ومَعْنًى، فالأوَّلُ: كَمَن تاهَ في طَرِيقٍ يَسْلُكُهُ، والثّانِي: كَمَن تَرَكَ الحَقَّ فَلَمْ يَتَّبِعْهُ.
فَقالَ قَوْمٌ: المُرادُ هُنا هو الأوَّلُ، كَأنْ قَدْ ضَلَّ في شِعْبٍ مِن شِعابِ مَكَّةَ، أوْ في طَرِيقِهِ إلى الشّامِ. ونَحْوَ ذَلِكَ.
وَقالَ آخَرُونَ: إنَّما هو عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ التَّعْلِيمِ أوَّلًا، ثُمَّ مَنحِهِ مِنَ العِلْمِ مِمّا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ [الشورى: ٥٢] .
وَتَقَدَّمَ لِلشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - بَحْثُ هَذِهِ المَسْألَةِ في عِدَّةِ مَواضِعَ:
أوَّلًا: في سُورَةِ ”يُوسُفَ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٨]، وساقَ شَواهِدَ الضَّلالِ لُغَةً هُناكَ.
وَثانِيًا: في سُورَةِ ”الكَهْفِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهم في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الكهف: ١٠٤] .
وَثالِثًا: في سُورَةِ ”الشُّعَراءِ“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء: ٢٠] .
وَفِي دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ أيْضًا، وهَذا كُلُّهُ يُغْنِي عَنْ أيِّ بَحْثٍ آخَرَ.
وَمِنَ الطَّرِيفِ ما ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ، حَيْثُ قالَ: ولَقَدْ رَأيْتُ في النَّوْمِ، أنِّي أُفَكِّرُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ، فَأقُولُ عَلى الفَوْرِ: ”وَوَجَدَكَ“: أيْ: وجَدَ رَهْطَكَ ”ضالًّا“ فَهَداهُ بِكَ، ثُمَّ أقُولُ: عَلى حَذْفِ مُضافٍ، نَحْوُ: ”واسْألِ القَرْيَةَ“ [يوسف: ٨٢] . اهـ.
وَقَدْ أوْرَدَ النَّيْسابُورِيُّ هَذا وجْهًا في الآيَةِ.
وَبِهَذِهِ المُناسَبَةِ أذْكُرُ مَنامَيْنِ كُنْتُ رَأيْتُهُما ولَمْ أُرِدْ ذِكْرَهُما حَتّى رَأيْتُ هَذا لِأبِي حَيّانَ، فاسْتَأْنَسْتُ بِهِ لِذِكْرِهِما، وهُما: الأوَّلُ: عِنْدَما وصَلْتُ إلى سُورَةِ ”ن“ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، ومِن مَنهَجِ الأضْواءِ تَفْسِيرُ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ، وهَذا وصْفٌ مُجْمَلٌ، وحَدِيثُ عائِشَةَ: «كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ» فَأخَذْتُ في التَّفْكِيرِ، كَيْفَ أُفَصِّلُ هَذا المَعْنى مِنَ القُرْآنِ، وأُبَيِّنُ حُكْمَهُ وصَفْحَهُ وصَبْرَهُ وكَرَمَهُ وعَطْفَهُ ورَحْمَتَهُ (p-٥٦١)وَرَأْفَتَهُ وجِهادَهُ وعِبادَتَهُ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا جَعَلَنِي أقِفُ حائِرًا وأمْكُثُ عَنِ الكِتابَةِ عِدَّةَ أيّامٍ، فَرَأيْتُ الشَّيْخَ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ - في النَّوْمِ، كَأنَّنا في الجامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ بِالمَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ، وكَأنَّهُ لَيْسَ في نَشاطِهِ العادِيِّ، فَسَألْتُهُ ماذا عِنْدَكَ اليَوْمَ ؟
فَقالَ: عِنْدِي تَفْسِيرٌ. فَقُلْتُ: أتُدَرِّسُ اليَوْمَ ؟ قالَ: لا، فَقُلْتُ: وما هَذا الَّذِي بِيَدِكَ ؟ - لِدَفْتَرٍ في يَدِهِ -، فَقالَ: مُذَكِّرَةُ تَفْسِيرٍ، أيْ: الَّتِي كانَ سَيُفَسِّرُها - وهي مَخْطُوطَةٌ -، فَقُلْتُ لَهُ: مِن أيْنَ في القُرْآنِ ؟ فَقالَ: مِن أوَّلِ ”ن“ إلى آخِرِ القُرْآنِ، فَحَرَصْتُ عَلى أخْذِها لِأكْتُبَ مِنها، ولَمْ أتَجَرَّأْ عَلى طَلَبِها صَراحَةً، ولَكِنْ قُلْتُ لَهُ: إذا كُنْتَ لَمْ تُدَرِّسِ اليَوْمَ فَأعْطِنِيها أُبَيِّضُها وأُجَلِّدُها لَكَ، وآتِيكَ بِها غَدًا، فَأعْطانِيها فانْتَبَهْتُ فَرَحًا بِذَلِكَ وبَدَأْتُ في الكِتابَةِ.
والمَرَّةُ الثّانِيَةُ في سُورَةِ ”المُطَفِّفِينَ“، لَمّا كَتَبْتُ عَلى مَعْنى التَّطْفِيفِ، ثُمَّ فَكَّرْتُ في التَّوَعُّدِ الشَّدِيدِ عَلَيْهِ مَعَ ما يَتَأتّى فِيهِ مِن شَيْءٍ طَفِيفٍ، حَتّى فَكَّرْتُ في أنَّ لَهُ صِلَةً بِالرِّبا، إذا ما بِيعَ جِنْسٌ بِجِنْسِهِ، فَحَصَلَتْ مُغايِرَةٌ في الكَيْلِ ووَقَعَ تَفاضُلٌ، ولَكِنِّي لَمْ أجِدْ مَن قالَ بِهِ، فَرَأيْتُ فِيما يَرى النّائِمُ، أنِّي مَعَ الشَّيْخِ - رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ -، ولَكِنْ لَمْ يَتَحَدَّثْ مَعِي في شَيْءٍ مِنَ التَّفْسِيرِ.
وَبَعْدَ أنْ راحَ عَنِّي، فَإذا بِشَخْصٍ لا أعْرِفُهُ يَقُولُ وأنا أسْمَعُ دُونَ أنْ يُوَجِّهَ الحَدِيثَ إلَيَّ: إنَّ في التَّطْفِيفِ رِبًا، إذا بِيعَ الحَدِيدُ بِحَدِيدٍ، وكَلِمَةً أُخْرى في مَعْناها نَسِيتُها بَعْدَ أنِ انْتَبَهْتُ.
وَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ تَأسِّيًا بِأبِي حَيّانَ، لِما أجِدُ فِيهِ مِن إيناسٍ، واللَّهُ أسْألُ أنْ يُوَفِّقَنا لِما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ، وأنْ يَهْدِيَنا سَواءَ السَّبِيلِ، وعَلى ما جاءَ في الرُّؤْيا مِن مُبَشِّراتٍ. وبِاللَّهِ تَعالى التَّوَفِيقُ.
⁕ ⁕ ⁕
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٤٥٤)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الضُّحى
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضالًّا فَهَدى﴾ .
هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ يُوهِمُ ظاهِرُها أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ ضالًّا قَبْلَ الوَحْيِ، مَعَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ [ ٣٠ ]، يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ﷺ فُطِرَ عَلى هَذا الدِّينِ الحَنِيفِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُهَوِّدْهُ أبَواهُ ولَمْ يُنَصِّراهُ ولَمْ يُمَجِّساهُ، بَلْ لَمْ يَزَلْ باقِيًا عَلى الفِطْرَةِ حَتّى بَعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا، ويَدُلُّ لِذَلِكَ ما ثَبَتَ مِن أنَّ أوَّلَ نُزُولِ الوَحْيِ كانَ وهو يَتَعَبَّدُ في غارِ حِراءٍ، فَذَلِكَ التَّعَبُّدُ قَبْلَ نُزُولِ الوَحْيِ دَلِيلٌ عَلى البَقاءِ عَلى الفِطْرَةِ.
والجَوابُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ضالًّا فَهَدى﴾ أيْ غافِلًا عَمّا تَعْلَمُهُ الآنَ مِنَ الشَّرائِعِ وأسْرارِ عُلُومِ الدِّينِ الَّتِي لا تُعْلَمُ بِالفِطْرَةِ ولا بِالعَقْلِ، وإنَّما تُعْلَمُ بِالوَحْيِ، فَهَداكَ إلى ذَلِكَ بِما أوْحى إلَيْكَ، فَمَعْنى الضَّلالِ عَلى هَذا القَوْلِ الذَّهابُ عَنِ العِلْمِ.
وَمِنهُ بِهَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ [البقرة: ٢٨٢] .
وَقَوْلُهُ: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي ولا يَنْسى﴾ [طه: ٥٢]، وقَوْلُهُ: ﴿قالُوا تاللَّهِ إنَّكَ لَفي ضَلالِكَ القَدِيمِ﴾ [يوسف: ٩٥]، وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وَتَظُنُّ سَلْمى أنَّنِي أبْغِي بِها بَدَلًا أراها في الضَّلالِ تَهِيمُ
وَيَدُلُّ لِهَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، لِأنَّ المُرادَ بِالإيمانِ شَرائِعُ دِينِ الإسْلامِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣]، وقَوْلُهُ: ﴿وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ (p-٤٥٥)[النساء: ١١٣]، وقَوْلُهُ ﴿وَما كُنْتَ تَرْجُو أنْ يُلْقى إلَيْكَ الكِتابُ إلّا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦] .
وَقِيلَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ”ضالًّا“، ذَهابُهُ وهو صَغِيرٌ في شِعابِ مَكَّةَ، وقِيلَ: ذَهابُهُ في سَفَرِهِ إلى الشّامِ، والقَوْلُ الأوَّلِ هو الصَّحِيحُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، ونِسْبَةُ العِلْمِ إلى اللَّهِ أسْلَمُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾
العائِلُ: صاحِبُ العِيالِ، وقِيلَ: العائِلُ الفَقِيرُ، عَلى أنَّهُ مِن لازِمِ العِيالِ الحاجَةُ، ولَكِنْ لَيْسَ بِلازِمٍ، ومُقابَلَةُ ”عائِلًا“ بِأغْنى، تَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى ”عائِلًا“ أيْ: فَقِيرًا، ولِذا قالَ الشّاعِرُ:
؎فَما يَدْرِي الفَقِيرُ مَتى غِناهُ وما يَدْرِي الغَنِيُّ مَتى يَعِيلُ
؎وَما تَدْرِي وإنْ ذَمَّرْتَ سَقْبًا ∗∗∗ لِغَيْرِكَ أمْ يَكُونُ لَكَ الفَصِيلُ
(p-٥٦٢)وَهَذا مِمّا يَذْكُرُهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ مِن تَعْدادِ النِّعَمِ عَلَيْهِ، وأنَّهُ لَمْ يُوَدِّعْهُ وما قَلاهُ، لَقَدْ كانَ فَقِيرًا مِنَ المالِ فَأغْناهُ اللَّهُ بِمالِ عَمِّهِ.
وَقَدْ قالَ عَمُّهُ في خُطْبَةِ نِكاحِهِ بِخَدِيجَةَ: وإنْ كانَ في المالِ قَلَّ فَما أحْبَبْتُمْ مِنَ الصَّداقِ فَعَلَيَّ، ثُمَّ أغْناهُ اللَّهُ بِمالِ خَدِيجَةَ، حَيْثُ جَعَلَتْ مالَها تَحْتَ يَدِهِ.
قالَ النَّيْسابُورِيُّ ما نَصُّهُ: يُرْوى «أنَّهُ ﷺ دَخَلَ عَلى خَدِيجَةَ وهو مَغْمُومٌ، فَقالَتْ: ما لَكَ ؟ فَقالَ: ”الزَّمانُ زَمانُ قَحْطٍ، فَإنْ أنا بَذَلْتُ المالَ يَنْفَدُ مالُكِ، فَأسْتَحْيِي مِنكِ، وإنْ أنا لَمْ أبْذُلْ أخافُ اللَّهَ»“، فَدَعَتْ قُرَيْشًا وفِيهِمُ الصِّدِّيقُ، قالَ الصِّدِّيقُ: فَأخْرَجَتْ دَنانِيرَ حَتّى وضَعَتْها، بَلَغَتْ مَبْلَغًا لَمْ يَقَعْ بَصَرِي عَلى مَن كانَ جالِسًا قُدّامِي، ثُمَّ قالَتِ: اشْهَدُوا أنَّ هَذا المالَ مالُهُ، إنْ شاءَ فَرَقَّهُ، وإنْ شاءَ أمْسَكَهُ.
فَهَذِهِ القِصَّةُ وإنْ لَمْ يُذْكَرْ سَنَدُها، فَلَيْسَ بِغَرِيبٍ عَلى خَدِيجَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ لَهُ ﷺ، وقَدْ فَعَلَتْ ما هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ، حِينَ دَخَلَتْ مَعَهُ الشِّعْبَ فَتَرَكَتْ مالَها، واخْتارَتْ مُشارَكَتَهُ ﷺ لِما هو فِيهِ مِن ضِيقِ العَيْشِ، حَتّى أكَلُوا ورَقَ الشَّجَرِ، وأمْوالُها طائِلَةٌ في بَيْتِها.
ثُمَّ كانَتِ الهِجْرَةُ وكانَتْ مُواساةُ الأنْصارِ، لَقَدْ قَدِمَ المَدِينَةَ تارِكًا مالَهُ ومالَ خَدِيجَةَ، حَتّى إنَّ الصِّدِّيقَ لَيَدْفَعُ ثَمَنَ المِرْبَدِ لِبِناءِ المَسْجِدِ، وكانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيْءُ بَنِي النَّضِيرِ، وكانَ يَقْضِي الهِلالَ، ثُمَّ الهِلالَ، ثُمَّ الهِلالَ، لا يُوقَدُ في بَيْتِهِ ﷺ نارٌ، إنَّما هُما الأسْوَدانِ: التَّمْرُ والماءُ.
ثُمَّ جاءَتْ غَنائِمُ حُنَيْنٍ، فَأعْطى عَطاءَ مَن لا يَخْشى الفَقْرَ، ورَجَعَ بِدُونِ شَيْءٍ، وجاءَ مالُ البَحْرِينِ فَأخَذَ العَبّاسُ ما يُطِيقُ حَمْلَهُ، وأخِيرًا تُوُفِّيَ ﷺ ودِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ في آصُعٍ مِن شَعِيرٍ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأغْنى﴾، يُشِيرُ إلى هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّ ”أغْنى“ تَعْبِيرٌ بِالفِعْلِ، وهو يَدُلُّ عَلى التَّجَدُّدِ والحُدُوثِ، فَقَدْ كانَ ﷺ مِن حَيْثُ المالِ حالًا فَحالًا، والواقِعُ أنَّ غِناهُ ﷺ كانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، هو غِنى النَّفْسِ والِاسْتِغْناءُ عَنِ النّاسِ، ويَكْفِي أنَّهُ ﷺ أجْوَدُ النّاسِ.
وَكانَ إذا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ ودارَسَهُ القُرْآنَ كالرِّيحِ المُرْسَلَةِ، فَكانَ ﷺ القُدْوَةَ في (p-٥٦٣)الحالَتَيْنِ، في حالَيِ الفَقْرِ والغِنى، إنْ قَلَّ مالُهُ صَبَرَ، وإنْ كَثُرَ بَذَلَ وشَكَرَ.
؎اسْتَغْنِ ما أغْناكَ رَبُّكَ بِالغِنى ∗∗∗ وإذا تُصِبْكَ خَصاصَةٌ فَتَجَمَّلِ
وَمِمّا يَدُلُّ عَلى عِظَمِ عَطاءِ اللَّهِ لَهُ مِمّا فاقَ كُلَّ عَطاءٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي والقُرْآنَ العَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، ثُمَّ قالَ: ﴿لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجًا مِنهم ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ واخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] .
وَقَدِ اخْتَلَفُوا في المُقارَنَةِ بَيْنَ الفَقِيرِ الصّابِرِ والغَنِيِّ الشّاكِرِ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ جَمَعَ لِرَسُولِهِ ﷺ كِلا الأمْرَيْنِ؛ لِيَرْسُمَ القُدْوَةَ المُثْلى في الحالَتَيْنِ.
تَنْبِيهٌ.
فِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ الإيواءَ والهُدى والغِنى مِنَ اللَّهِ؛ لِإسْنادِها هُنا لِلَّهِ تَعالى.
وَلَكِنْ في السِّياقِ لَطِيفَةً دَقِيقَةً، وهي مَعْرَضُ التَّقْرِيرِ، يَأْتِي بِكافٍ الخِطابِ: ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا، ألَمْ يَجِدْكَ ضالًّا، ألَمْ يَجِدْكَ عائِلًا، لِتَأْكِيدِ التَّقْرِيرِ، لَمْ يُسْنَدِ اليُتْمُ ولا الإضْلالُ ولا الفَقْرُ لِلَّهِ، مَعَ أنَّ كُلَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَهو الَّذِي أوْقَعَ عَلَيْهِ اليُتْمُ، وهو سُبْحانَهُ الَّذِي مِنهُ كُلَّما وجَدَهُ عَلَيْهِ، ذَلِكَ لِما فِيهِ مِن إيلامٍ لَهُ، فَما يُسْنِدُهُ لِلَّهِ ظاهِرًا، ولِما فِيهِ مِنَ التَّقْرِيرِ عَلَيْهِ أبْرَزَ ضَمِيرَ الخِطابِ.
وَفِي تَعْدادِ النِّعَمِ: فَآوى، فَهَدى، فَأغْنى. أُسْنِدَ كُلُّهُ إلى ضَمِيرِ المُنْعِمِ، ولَمْ يُبْرِزْ ضَمِيرَ الخِطابِ.
قالَ المُفَسِّرُونَ: لِمُراعاةِ رُءُوسِ الآيِ والفَواصِلِ، ولَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ - واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ -: أنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِ امْتِنانٌ، وأنَّها نِعَمٌ مادِّيَّةٌ لَمْ يُبْرِزِ الضَّمِيرَ لِئَلّا يُثْقِلَ عَلَيْهِ المِنَّةَ، بَيْنَما أبْرَزَهُ في: ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ﴿وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح: ١ - ٢]، ﴿وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]؛ لِأنَّها نِعَمٌ مَعْنَوِيَّةٌ، انْفَرَدَ بِها. ﷺ . واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences