Ash-Shinqiti · Tafsir · in Arabic
Al-'Alaq 96:15–19
96:15Page 597
كـَلَّا لَئِن لَّمۡ يَنتَهِ لَنَسۡفَعَۢا بِٱلنَّاصِيَةِ ١٥
No! If he does not desist, We will surely drag him by the forelock1 –
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾.
قالَ الشَّيْخُ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعالى عَلَيْنا وعَلَيْهِ في دَفْعِ إيهامِ الِاضْطِرابِ: أسْنَدَ الكَذِبَ إلى النّاصِيَةِ، وفي مَواضِعَ أُخْرى أسْنَدَهُ إلى غَيْرِ النّاصِيَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥] .
وَذَكَرَ الجَوابَ بِأنَّهُ أطْلَقَ النّاصِيَةَ وأرادَ صاحِبَها عَلى أُسْلُوبٍ لِإطْلاقِ البَعْضِ وإيرادِ الكُلِّ، وذَكَرَ الشَّواهِدَ عَلَيْهِ القُرْآنُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ وتَبَّ﴾ [المسد: ١] .
والَّذِي يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ البَلاغَةِ: أنَّ البَعْضَ الَّذِي يُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ الكُلُّ، لا (p-٢٩)بُدَّ في هَذا البَعْضِ مِن مَزِيدِ مَزِيَّةٍ لِلْمَعْنى المُساقِ فِيهِ الكَلامُ.
فَمَثَلًا هُنا ذَمَّ الكَذِبَ وأخَذَ الكاذِبَ بِكَذِبِهِ، فَجاءَ ذِكْرُ النّاصِيَةِ وهي مُقَدَّمُ شَعْرِ الرَّأْسِ؛ لِأنَّها أشَدُّ نَكارَةً عَلى صاحِبِها ونَكالًا بِهِ، إذِ الصِّدْقُ يَرْفَعُ الرَّأْسَ والكَذِبُ يُنَكِّسُهُ ذِلَّةً وخِزْيًا.
فَكانَتْ هي هُنا أنْسَبُ مِنَ اليَدِ أوْ غَيْرِها، بَيْنَما في أبِي لَهَبٍ تَطاوُلَ بِمالِهِ، والغَرَضُ مَذَمَّةُ مالِهِ وكَسْبِهِ الَّذِي تَطاوَلَ بِهِ، واليَدُ هي جارِحَةُ الكَسْبِ وآلَةُ التَّصَرُّفِ في المالِ، فَكانَتِ اليَدُ أوْلى فِيهِ مِنَ النّاصِيَةِ.
وَهَكَذا كَما يَقُولُونَ: بَثَّ الأمِيرُ عُيُونَهُ: يُرِيدُونَ جَواسِيسَ لَهُ؛ لِأنَّ العَيْنَ مِنَ الإنْسانِ أهَمُّ ما فِيهِ لِمُهِمَّتِهِ تِلْكَ. ولَمْ يَقُولُوا: بَثَّ أرْجُلَهُ ولا رُءُوسًا ولا أيْدٍ، لِأنَّها كُلَّها لَيْسَتْ كالعَيْنِ في ذَلِكَ.
وَمِن هَذا القَبِيلِ ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ [النازعات: ٨]، ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧] .
لِأنَّ القَلْبَ هو مَصْدَرُ الخَوْفِ والنَّفْسَ هي مَحَطُّ الطُّمَأْنِينَةِ، عَلى أنَّ النَّفْسَ جُزْءٌ مِنَ الإنْسانِ، وهَكَذا، ومِنهُ الآتِي: ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، أطْلَقَ السُّجُودَ وأرادَ الصَّلاةَ؛ لِأنَّ السُّجُودَ أخَصُّ صِفاتِها.
قال المؤلف في (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب):
(p-٤٥٨)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ العَلَقِ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾ الآيَةَ.
أسْنَدَ الكَذِبَ في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ إلى ناصِيَةِ هَذا الكافِرِ، وهي مُقَدَّمُ شَعْرِ رَأْسِهِ، مَعَ أنَّهُ أسْنَدَهُ في آياتٍ كَثِيرَةٍ إلى غَيْرِ النّاصِيَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥] .
والجَوابُ ظاهِرٌ، وهو أنَّهُ هُنا أطْلَقَ النّاصِيَةَ، وأرادَ صاحِبَها عَلى عادَةِ العَرَبِ في إطْلاقِ البَعْضِ وإرادَةِ الكُلِّ، وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ، وفي القُرْءانِ، فَمِن أمْثِلَتِهِ في القُرْءانِ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [ ١١١ ]، يَعْنِي أبا لَهَبٍ، وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٢] يَعْنِي بِما قَدَّمْتُمْ. ومِن ذَلِكَ تَسْمِيَةُ العَرَبِ الرَّقِيبَ عَيْنًا، وقَوْلُهُ: ”خاطِئَةٍ“،، لا يُعارِضُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، لِأنَّ الخاطِئَ هو فاعِلُ الخَطِيئَةِ أوِ الخِطْءِ بِكَسْرِ الخاءِ، وكِلاهُما الذَّنْبُ، كَما بَيَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نارًا﴾ [نوح: ٢٥] . وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١] .
فالخاطِئُ المُذْنِبُ عَمْدًا، والمُخْطِئُ مَن صَدَرَ مِنهُ الفِعْلُ مِن غَيْرِ قَصْدٍ، فَهو مَعْذُورٌ.
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
96:19Page 597
كـَلَّا لَا تُطِعۡهُ وَٱسۡجُدۡۤ وَٱقۡتَرِب۩ ١٩
No! Do not obey him. But prostrate and draw near [to Allāh].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] .
رَبَطَ بَيْنَ السُّجُودِ والِاقْتِرابِ مِنَ اللَّهِ كَما قالَ: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فاسْجُدْ لَهُ وسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦] وقَوْلُهُ في وصْفِ أصْحابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم: ﴿تَراهم رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا﴾ [الفتح: ٢٩]، فَقَوْلُهُ: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورِضْوانًا﴾، في مَعْنى يَتَقَرَّبُونَ إلَيْهِ يُبَيِّنُ قَوْلَهُ: ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ .
وَهَذا مِمّا يَدُلُّ لِأوَّلِ وهْلَةٍ أنَّ الصَّلاةَ أعْظَمُ قُرْبَةٍ إلى اللَّهِ، حَيْثُ وجَّهَ إلَيْها الرَّسُولُ ﷺ مِن أوَّلِ الأمْرِ، كَما بَيَّنَ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] .
وَقالَ ﷺ: «أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ إلى اللَّهِ وهو ساجِدٌ» .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences