Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:35–44, continued
نحن الآن إذا كابدنا واحدًا في الدعوة إلى الله لمدة دقيقة واحدة تطاولناه، نعم: لماذا لم يُسْتَجَبْ من أول مرة؟ قلنا له: والرسل عليهم الصلاة والسلام الذين وعدهم الله بالنصر ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر ٥١]، يُكابِدون أقوامهم، ثم لا يؤمن إلا القليل منهم.
فالحاصل أننا نقول: هؤلاء القرون العظيمة الكثيرة كلها أهلكها الله عز وجل بتكذيبها لرسلهم، أفلا يكون قادرًا على أن يهلك المكذبين للرسول؟ بلى، هو قادر عليه، وهذا هو الذي حصل، لكن الله تعالى جعل إهلاك أعداء الرسول عليه الصلاة والسلام على يد الرسول ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة ١٤، ١٥]، هذه المصالح العظيمة لو أهلكت قريش بعذاب من عند الله تحصل ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، ولهذا إذا هلك عدوك على يديك كان أشفى لك، أليس كذلك؟ وأشد سرورًا وفرحًا أن الله يهلكه على يدك. أما إذا هلك بعذاب من الله، فهذا لا شك أن الله كفاك شره، ولكن كونه على يدك أبلغ وأشد فرحًا وسرورًا.
﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ [الفرقان ٣٩] ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾، سنسأل: لماذا نصبت ﴿وَكُلًّا﴾ والاسم إذا ابتدئ به يكون مبتدأ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: مفعول.
* الشيخ: ويش هو اللي مفعول؟
* الطالب: ﴿ضَرَبْنَا﴾.
* الشيخ: لا، ﴿ضَرَبْنَا لَهُ﴾، كان يقول: (وكلٍّ)؛ لأن ﴿لَهُ﴾ جار ومجرور.
* طالب: على ﴿نُوحٍ﴾.
* الشيخ: لا، يعني ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ [الفرقان ٣٧] ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا﴾، ما يصح.
* الطالب: بعد ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: مفعول لفعل متأخِّر ﴿تَبَّرْنَا﴾.
* الشيخ: لا؛ لأن ﴿تَبَّرْنَا﴾ فيها مفعول.
هذا يسمونه باب الاشتغال، وباب الاشتغال يكون الفعل منصوبًا بالعامل بعده، أو بعامل مقدَّرٍ مناسب. هنا ما يصلح بالعامل بعده؛ لأن العامل بعده متعدٍّ بحرف الجر، إذن لا بد أن نُقدِّر فعلًا مناسبًا، والتقدير: وأنذرنا كلًّا ﴿ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾، فهو مفعول لفعل محذوف، وهو من باب الاشتغال.
وإنما ترجح النصب هنا؛ لأنه معطوف على جملة فعلية، وباب الاشتغال من مرجحات النصب فيه أن يُعْطَفَ على جملة فعلية.
(﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ في إقامة الحجة) ﴿ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ يعني: بيَّنا له الأمثال؛ يعني الوقائع التي أوقعها الله تعالى بمن قبلهم، كل أمة تُنْذَرُ بمن قبلها ويُضْرَبُ لها المثل، يقال: هذا مثل المكذِّبين، حصل عليهم كيت وكيت. فكل أمة أنذرها الله تمام الإنذار بحيث لا يبقى لها حجة، لا أمة محمد عليه الصلاة والسلام ولا غيرهم.
(﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ في إقامة الحُجَّة عليهم، فلا نهلكهم إلا بعد الإنذار)، وهذا من عدْلِ الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله قادر على أن يُهْلِك عباده بمجرد معصيتهم؛ إذ إنه قد أخذ عليهم العهد والميثاق الفطري أو الحسي -على الخلاف في ذلك- بأنه ربهم وأنهم عابدون له، ولكن مع ذلك ما يهلك أحدًا إلا بعد بعث الرسل ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]، فلم يَكِلِ اللهُ العباد إلى فطرهم ولا إلى العهد الذي أخذه عليهم، وإنما بعث إليهم رسلًا مبشرين ومنذرين.
بعد هذا البعث هل يبقى لأحد حُجة؟ ما يبقى، حتى المحتجون بالقدر لا يستطيعون أن يحتجوا به مع إقامة الحجة عليهم بالرسل، ولهذا لو كان القدرُ حُجَّة لم تنتفِ بإرسال الرسل؛ إذ القدر قائم مع وجود الرسل، فلو كان القدر حُجة للعاصين ما كان إرسال الرسل حُجة على الخلق؛ لأنهم يقولون: يا ربنا، القدر موجود حتى مع إرسال الرسل، فهو لنا حُجة. ولكن ما دام أن الناس قد أُنْذِروا وأُوتوا بالآيات، ما من رسول إلا أوتي ما على مثله يؤمن البشر، كل الرسل أيضًا ما أتوا بس للناس يقولون: أنا رسول، افعل كذا، حتى لو جاء إنسان وقال: أنا رسول، افعل كذا، ولم يأت بآيات، فللناس الحجة في أن يردوا قوله، يقولون: أبدًا، هات بينة أنك رسول وإلا ما نقبل.
لكن مع ذلك ما من رسول إلا أتى بآية يؤمن على مثلها البشر، ثم مع ذلك أنذروا؛ فشعيب كما أشرنا سابقًا قال لقومه: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ [هود ٨٩]، وهود قال لقومه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [الأعراف ٦٩]، وصالح قال لقومه: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ﴾ [الأعراف ٧٤]، فكل رسول يضرب المثل لقومه بمن سبقهم، إذن فالحُجة قائمة.
(﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ أهلكنا إهلاكًا بتكذيبهم أنبياءهم). هذه ﴿وَكُلًّا﴾ نريد من يعربها لنا؟ أعربها لنا: ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾؟
* طالب: فذكرنا كلًّا.
* الشيخ: لا.
* الطالب: معطوفة.
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، هذان رأيان؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: جيب الرأي الثالث ونشوف، إذا كان لك انتقل الأمر إلى غيرك. من يعرف إعرابه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: من باب الاشتغال؟
* طالب: مفعول مقدم.
* الشيخ: نعم، مفعول مقدم لـ﴿تَبَّرْنَا﴾، ترى باب الاشتغال على اسمه، يكون العامل مشتغلًا بضميره؛ بضمير ما سبقه، هذا باب الاشتغال، يعني إذا قلت: زيدًا ضربتُ، لا يصير من باب الاشتغال؛ لأن العامل الآن ما اشتغل بضميره، يكون هذا من باب المفعول المقدم؛ زيدًا ضربتُ. لكن إذا قلت: زيدٌ ضربتُه، صار الآن من باب الاشتغال، إن شئت فارفعه على أنه مبتدأ، والجملة بعده خبر، وإن شئت فانصبه؛ زيدًا ضربتُه.
لكن مثلما قلت لكم أمس أو قبل أمس: إن الاشتغال تجري فيه الأحكام الخمسة؛ تارة يجب النصب، وتارة يجب الرفع، وتارة يترجح الرفع، وتارة يترجح النصب، وتارة يتساوى الأمران. وهو الأصل فيه الرفع، هذا أصله، لكن إذا كان الفعل لم يشتغل بالضمير صار السابق مفعولًا، ما يصير من باب الاشتغال.
فهنا لو قال الله عز وجل: وكلًّا تبرناه تتبيرًا، لصارت من باب الاشتغال؛ لأن العامل اشتغل بضميره، لكن قال: ﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾، فيكون من باب تقدم المفعول لا من باب الاشتغال.
* طالب: والأول؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا﴾؟
* الشيخ: ﴿لَهُ﴾، الضمير ﴿لَهُ﴾، تعود إلى (كل) فقد اشتغل بضمير لكن بواسطة حرف الجر.
(﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ أهلكنا إهلاكًا)، وإعادة المصدر هنا يعني الإتيان بالمصدر للتوكيد؛ كقوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء ١٦٤]، ﴿تَكْلِيمًا﴾ فضلة في هذا السياق، لو قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ﴾ فهمنا الموضوع، لكن ﴿تَكْلِيمًا﴾ من باب التوكيد. وأما التنكير فهو للتعظيم، يعني تتبيرًا لا بقاء معه؛ هلاكًا لا بقاء معه، كامل، وهو كذلك.
(﴿وَلَقَدْ أَتَوْا﴾ [الفرقان ٤٠] أي: مَرَّ كُفَّار مكة، ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ مصدر (سَاءَ)؛ أي: بالحجارة وهي عُظْمَى قُرَى قوم لُوط، فأهلك اللهُ أهلهَا لفعلهم الفاحشة).
يقول المؤلف: (مرَّ كفَّار مكة)، (مرَّ) تفسير لـ(أتى)، (كفَّار مكة) تفسير للضمير؛ للواو، يعني أن كفار مكة مروا على القرية التي أمطرت مطر السوء، وهي قرية قوم لوط.
وقول المؤلف: (وهي عُظْمَى قُرى قوم لوط)، (عُظْمى قُرى) يستفاد منه: أن القرى أكثر من واحدة، وقد قيل: إنها سبع قُرى، ولكن ظاهر القرآن أنها قرية واحدة، مثلما قال الله تعالى في الرسل: ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ إلى آخره [العنكبوت: ٣١، ٣٢]، فكون القرآن يأتي باسم قرية واحدة، لا ينبغي لنا أن نقول: إنها أكثر من واحدة إلا بدليل ثابت عن الرسول ﷺ. وما جاء عن بني إسرائيل في ذلك -أي في أنها سبع قرى- فهو مقبول ولَّا مرفوض؟ هذا مرفوض؛ لأن دلالة كتاب الله عز وجل تدل على -ظاهرُه- أنها قرية واحدة، فعلينا أن نتمسك بهذا الظاهر ما لم يوجد دليل ينفي هذا الظاهر، إن وجد دليل فنعم، أما مجرد أخبار بني إسرائيل فليست مقبولة في هذا الموضع.
قال: ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ﴾، و(القرية) اسم للبلد سواء كان كبيرًا أو صغيرًا، بل لو كان أُمًّا للقرى فهو قرية: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد ١٣].
نحن مثلًا نزعل إذا قيل: عنيزة قرية، وبريدة قرية، والرياض قرية، لكن هذا الزعل بالحقيقة بناء على اللغة العرفية؛ أن القريةَ اسم للبلد الصغير والمدينةَ اسم للبلد الكبيرة؛ ولذلك بعضهم يحترز، يقول: بلدية مدينة عُنيزة، بلدية مدينة بريدة، بلدية مدينة الرس، ما حاجة تجيب (...) إضافات، بلدية الرس، بلدية عنيزة، بلدية بريدة، بلدية الرياض، ما حاجة، لكن كل خوفًا من أن يكون عيبًا عليهم أن تُسَمى قرية، ولكنا نحن نقول: أم القرى، سماها الله تعالى قرية، وكفى بذلك أسوة. وإنما سُمِّيَ البلد قرية لأنه من: القَرْي؛ يعني الجمع؛ إذ إنه يجمع أناسًا، فالناس يجتمعون فيه، فلذلك سُمِّي قرية.
* طالب: بالنسبة للقرية التي وردت في القرآن (...)؟
* الشيخ: لا، نحن نجيب دليل على أن قُرى قوم لوط سبعٌ، ما هو معناه أننا نجيب دليلًا على أن البلد تُسَمَّى قرية.
* الطالب: أنا فاهم الكلام هذا، لكن..
* الشيخ: إذا فهمت صار ما فيه إشكال.
* الطالب: لا، إذا (...)؟
* الشيخ: لا، أقول: إن المؤلف وكثيرًا من المفسرين يقولون: إن قوم لوط ليست قرية واحدة، قرى متعددة، فنحن نقول: لا، هي قرية واحدة ما لم يوجد دليل.
* الطالب: لأنه -يا شيخ- مشكل علي (...)، كيف نجيب دليلًا على القرآن؟
* الشيخ: لا، نجيب دليلًا على تعددها؛ لأن ظاهر القرآن أنها قرية واحدة، فإذا قال قائل: إنها سبعُ قُرى، نقول له: هات الدليل. إذا جاء بدليل، لو فُرِضَ أن المسألة فيها دليل صريح صحيح، فإنه يمكن أن يقال كما قال المؤلف، يُذْهَب إلى ما ذهب إليه المؤلف، فيقال: المُراد بالقرية هنا (عُظْمى القُرى)، ولكن نحن نقول: ما حاجة إلى أن نقول: (عُظْمى القُرى)، بل نقول: هي قرية واحدة، ولا مانع من أن الله يرسل رسولًا إلى قرية واحدة، بل كان فيما سبق يوجد رسولان في أمة واحدة؛ موسى وهارون كانا في أمة واحدة، وداود وسليمان، وزكريا ويحيى، وهكذا كثير.
وقوله: ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ المطر نوعان: مطر سوء؛ يعني عذاب يسوء الممطَرين، ومطر رحمة يسرُّهم، فالغيث الذي ينزل من السماء بالماء، هذا مطر رحمة، وإذا كان يضر صار مطر سوء.
وقرية قوم لوط أُمْطِرَت بمطر سوء. ما هو المطر الذي أمطرت به؟ ﴿حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [هود ٨٢] والعياذ بالله، ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ معلمة ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات ٣٤] الذين جاوزوا حدَّهم. وهذا المطر -والعياذ بالله- جعَلَ عاليها سافلها (...) هذا المطر جعل عاليها سافلها، ويش لون؟
* طالب: قُلِبَت.
* الشيخ: ما في القرآن أنها قُلِبَت، يعني ليس في القرآن ولا آية واحدة تدل على أنها قُلِبَت.
* طالب: الحديث الذي (...) رفعها جبريل عليه السلام حتى سمع (...).
* الشيخ: إي، هذا أنَّى له الصحة! لو صح لكان الأمر واضحًا، لكن جعل عاليها سافلها؛ لأن الحجارة هذه لما ضربتها صارت المباني تتهدَّم، فصار أعلاها أسفلها. هذه الحجارة -والعياذ بالله- التي دمرتها بهذا التدمير يقول الله تعالى فيها: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود ٨٣]؛ يعني: من الذين يفعلون هذا الفعل ليست ببعيد منهم.
ولهذا ذهب بعض الصحابة رضي الله عنهم أن فاعل الفاحشة هذه يُفْعَل به هكذا؛ يُلْقَى من شاهقٍ ويُرْمَى بالحجارة، بناءً على أنها رُفِعَت، ثم قُلِبَت، ثم أُتْبِعَت بالحجارة.
وقال بعض العلماء: بل إنهم يرجمون رجمًا بالحجارة بدون أن يلقوا من الشاهق، بناءً على أنه لم يثبت أنها رُفِعَت وقُلِبَت.
وعلى كل حال فهذه الفاحشة المنكَرةُ التي عبَّر الله عنها بـ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف ٨٠]، الزنا قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢]، شوف: ﴿كَانَ فَاحِشَةً﴾، يعني: فاحشة من الفواحش.
وأما هذا فقال لهم نبيهم: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف ٨٠] (أل)، ودخول (أل) عليها يدل على أنها قد بلغت في الفحش غايته، وهو كذلك، وهذا لأن الفِطَرَ تنفر منها: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]، شوف يعني تقريع وتوبيخ -والعياذ بالله- تترك ما خُلِقَ لك إلى ما لم يُخْلَقْ لك، فتأتي -والعياذ بالله- الذكَر؟!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وقد أجمع الصحابة رضي الله عنهم على أن فاعل هذه الفاحشة يُقْتَل فاعلًا كان أو مفعولًا إذا كان قد بلَغَ.
لكنهم اختلفوا في قتله؛ فمنهم من قال: يُحْرَق، ومنهم من قال: يُرْجَم بالحجارة، ومنهم من قال: يُلْقَى من على شاهق، وذلك لقول النبي ﷺ: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٤٦٢) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. ]].
ولا يُشْتَرَط أن يكون مُحْصَنًا، الزِّنا ما يُرْجَم ويُعْدَم إلا المحصَن، أما هذا فإنه لا يُشْتَرَط فيه الإحصان، متى كان بالغًا عاقلًا وجَبَ إعدامُه.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم؛ وذلك لأن هذا الفعل المنكَر ما يمكن التحرُّز منه في الحقيقة، الزنا يمكن التحرز منه، ويمكن مراقبة من حاول الزنا، فإنك لو رأيت رجلًا مع امرأة تقول: ما هذه المرأة؟ لكن لو رأيت رجلًا مع ولد، ما يمكن تقول، ما هو مستغرب.
فلذلك من أجل أن فساده خفيٌّ لا يمكن التحرُّز منه صار لا يمكن إصلاح الخلق إلا بإعدامه، وهو مصلحة له ومصلحة لغيره؛ أما كونه مصلحة له، فإن الحد كفارة، ولأنه إذا بقي في الدنيا متماديًا في هذه الفاحشة صار يزداد إثمًا، فنحن في الحقيقة قد قطعنا الطريق على الشيطان بالنسبة لهذا الرجل، ثم هو أيضًا إصلاح لغيره.
وهذا القول الذي ذكره شيخ الإسلام وأجمعت عليه الصحابة رضي الله عنهم هو القول المتعين، لا سيما إذا كثر هذا الأمر؛ لأنه كلما كثرت الفاحشة وجب أن تقابل بعقوبة أشد، إلا ما حدده الشرع فيجب الوقوف عليه. وتجدون أن عمر رضي الله عنه لما أكثر الناس من شرب الخمر ماذا صنع؟ زاد الضعف إلى ثمانين[[أخرج مالك (٢٤٤٢) عن ثور بن زيد الديلي أن عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل، فقال له علي بن أبي طالب: نرى أن تجلده ثمانين؛ فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى. أو كما قال: فجلد عمر في الخمر ثمانين.]]، ولما كثر الطلاق الثلاث في عهده عاقب المطلقين بتنفيذ قولهم[[أخرج مسلم (١٤٧٢/ ١٤) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.]].
* طالب: أمضاه.
* الشيخ: أمضاه عليهم.
فعلى هذا نقول: إنه إذا كثرت هذه الفاحشة وجب على ولاة الأمور أن يكونوا أشدَّاءَ على فاعليها، وأن يقتلوهم إعدامًا بدون أي توقف؛ لأن ذلك هو الذي يُصْلِح الخلق، وإلا انتشارها مثلما قلنا: إنه ما يمكن التحرُّز منها، وانتشارها عظيم، كل واحد مثلًا -والعياذ بالله- مُبْتَلًى بهذا الأمر يمسك أي صبي ويعاشره ويفعل به الفاحشة، ليس مثل النساء. هذا هو القول الصحيح المتعين.
فيه قول آخر كما أشرنا إلى أن حكم اللواط حكم الزنا، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو ضعيف. فعلى هذا إن كان الفاعل محصنًا والمفعول به محصنًا ويش وجب؟ وجب القتل؛ الرجم، وإلا فالجلد والتغريب.
وذهب بعض العلماء إلى أنه يُعزَّر تعزيرًا بدون حدٍّ، قال: لأن هذا لم يثبت عنده الحديث: «فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٤٦٢) من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.]]، وليس فيه حدٌّ ثابت، فيُرْجَع فيه إلى التعزير. والتعزير إذا قلنا بأن ولي الأمر له أن يعزر بالقتل فما دونه صار قتل اللائط والملوط به عائدًا إلى اجتهاد الإمام.
وذهب بعض العلماء إلى أنه ليس فيه حدٌّ ولا تعزير، لكنه حرام.
* طالب: حُجَّته؟
* الشيخ: حُجَّته يقول: إنه يكتفى بالنفور الفطري عن العقوبة الرادعة؛ يعني أن هذا أمْرٌ فطري النفور منه، فلا يحتاج إلى عقوبة رادعة، ولهذا جعل الشرع في شرب الخمر عقوبة؛ لأن النفوس تميل إليه، ولم يجعل في شرب البول عقوبة؛ لأن النفوس تنفر منه بالطبيعة، فهذا مثله.
فيقال: هذا رجُلٌ -الحقيقةَ- سليمٌ ولا يعرف الواقع، فإذا كانت فطرته سليمة تنفر من هذا الأمر، فإن هناك فطرًا مقلوبة تهوى هذا الأمر وتميل إليه، فماذا نصنع بهذه الفطر؟
ثم إن قوله: إن شرب البول لا تعزير فيه لأن النفوس تنفر منه، غير مُسلَّمٍ، فلو أن رجلًا ابتلي بشرب البول نخليه يشرب من بول الناس ولَّا نُعزِّره؟ نعزره ونمنعه من ذلك، وإن كانت الفطرة تأبى هذا الأمر، إي نعم.
فالحاصل أن الأقوال هذه الأربعة أصحها القول الأول.
* طالب: إذا كان في إجماع صحابة، أجمعوا على القتل؟
* الشيخ: إي نعم، هم الحقيقة الإجماع ما هو إجماع قطعي، يعني فيه سكوت، سكوتي، والإجماع السكوتي ليس إجماعًا قطعيًّا.
واعلم أن الزنا كما قسَّمه الرسول عليه الصلاة والسلام وكذلك اللواط أنواع: زنا الفرج، ولواط الفرج، وفيه أيضًا زنا العين ولواط العين، وفيه أيضًا زنا الأذن ولواط الأذن، وزنا اليد ولواط اليد، وزنا الرِّجل ولواط الرِّجل.
يعني لا تظن أن اللواط خاص بالفعل؛ بالفرج، بل حتى العين، لو أن أحدًا تلذَّذ بالنظر إلى أمردٍ، قلنا: هذا الرجل تلوط به، لكن تلوط به فعلًا ولَّا نظرًا؟ نظرًا. ولذلك يجب الحذر من هذا الأمر، حتى إن النووي وجماعة من أهل العلم قالوا: إنه لا يجوز النظر مطلقًا إلى الأمرد الحسن؛ إلحاقًا له بالمرأة. ولكن الصواب أنه يجوز، إلا مع التلذذ بذلك فهذا حرام.
* طالب: قوله (...) فيه دليل؟
* الشيخ: وين؟
* الطالب: يعني أن (...).
* الشيخ: نحن ما بدأنا بالاستنباطات، لكن ما يخالف.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، من أُكْرِهَ على فعل الفاحشة فلا شيء عليه، لا في هذا ولا في غيره؛ لأنه من شروط إقامة الحد أن يكون غير مكره، حتى المرأة لو أكرهت على الزنا ما يُقام الحد عليها.
وهذا هو الذي أوجب لبعض أهل العلم أن المرأة إذا حملت لا تُحَدُّ، قال: لأنه يحتمل أن تكون مُكرهةً (...)، وهذا الاحتمال يدرأ الحد.
ولكن الصحيح أن المرأة إذا حملت وليس لها زوج ولا سيِّد يُقام عليها الحد؛ لأن خطبة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وقوله: إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف[[أخرج البخاري -واللفظ له- (٦٨٢٩)، ومسلم اللفظ له (١٦٩١/ ١٥) عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال عمر: لقد خشيت أن يطول بالناس زمان، حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف. ]]، أمام الناس ولا أحد أنكر عليه. فهي يُقام عليها الحد، لكن إن ادَّعت شُبهةً، يعني تؤخذ الآن ويقال: يلَّا أقيموا الحد عليها، لكن إن ادَّعت شُبهةً ممكنة ارتفع عنها الحدُّ؛ لأن الأمر محتمل، وكثير من النساء تُغْلب على نفسها ويُفْعَل بها الفاحشة.
* طالب: (...) قوم لوط عليه السلام فيه فاحشة اللواط، هل هي مشتقة من (...)؟
* الشيخ: إي نعم، يعني كونه يقال: لوطي أو لواط، نسبة إلى قوم لوط.
لكن فيه إشكال هنا؛ أن النسبة صارت إلى المضاف إليه وهو نبيُّهم، فيقال -والله أعلم-: إن السبب في ذلك أن هذه الفاحشة اختُصَّت بها هذه الأمة، ولهذا قال لهم نبيهم: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف ٨٠]، ما أحد سبق عليها، يعني أول من سنَّ هذه الفاحشة -والعياذ بالله- هم قوم لوط، وعلى هذا فعليهم وزْرُها ووزرُ من عمل بها إلى يوم القيامة، نسأل الله السلامة.
* طالب: طيب، منشأ اللغة العربية (...)، أول ما نشأت اللغة العربية، إذا قلنا: إن لغة آدم سريانية؟
* الشيخ: أول ما نشأت من العرب العاربة حينما جاؤوا إلى مكة القحطانيون واتصلوا بإسماعيل ونشأ بينهم صار عربيًّا، ولهذا بنو إسماعيل هم العرب المستعرِبة.
وقطعًا اللغة العربية مثل غيرها يدخل عليها تطورات وتحسينات، مثلما أن بعد الفتوح دخل عليها تغييرات (...)، كذلك فيما سبق دخل عليها تطورات وتحسينات حتى وصلت إلى الكمال في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام.
* طالب: في الآية السابقة، آية (...)؟
* الشيخ: يعني ما ذكرنا فوائد الآيات؟
* الطالب: إلا ذكرت.
* الشيخ: إي.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفرقان ٣٧]، قوله: ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾.
* الطالب: إي.
* الشيخ: هذا إظهار في موضع الإضمار، ما قال: أعتدنا لهم، وذكرنا أن فيه فوائد. كأن الأخ يعرفها؟
* طالب: ما كتبتها.
* الشيخ: ما كتبتها ولَّا في رأسك؟ الذي ينبغي لطالب العلم أنه يكتب؛ إمَّا في ورقته، أو في رأسه. ويش تقول؟
* طالب: فائدة الإظهار.
* الشيخ: فائدة الإظهار في مقام الإضمار؟
* الطالب: للعموم.
* الشيخ: طيب، إرادة العموم.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، لانطباق الوصف على هؤلاء؛ يعني: تسجيل هذا الوصف أو ما دلَّ عليه على هؤلاء، طيب.
* طالب: بيان عدْلِ الله عز وجل؛ أنه لم يعذبهم إلا أنهم ظالمون.
* الشيخ: إي، إظهار العلة يعني؟
* الطالب: العلة يعني.
* الشيخ: زين.
* الطالب: وتنبيه المخاطب (...).
* الشيخ: تنبيه المخاطب، زين. هذه فوائدها.
فمثلًا في الأول قلنا: إرادة العموم؛ لأنه إذا قال: وأعتدنا لهم عذابًا أليمًا، صار العذاب الأليم لهم فقط، لكن ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ لهم ولغيرهم. هذه واحدة.
والثاني: تسجيل هذا الوصف عليهم؛ لأنه وصفهم بأنهم ظالمون.
والثالث: إظهار الحكمة من هذه العقوبة، وهي أنهم كانوا ظالمين.
والرابع: تنبيه المخاطب، لكن ترى المراد بالمخاطَب اللي يكون قلبه فيه حياة، وإلا اللي يمر القرآن سَدَا ترى ما ينتبه، إظهار في موضع الإضمار، التفات، تنبيه، كله واحد عنده، لكن كلامنا الذي يقرأ بتدبر لا بد أن ينتبه؛ كيف تغيَّر السياق؟ كيف عُدِلَ عن الضمير إلى الظاهر.
* طالب: ما نقول: إنه ما ينبغي أن يُسْمَّى لواطًا (...)، وإنما نقول ما ورد في الحديث: عمل قومِ لوطٍ.
* الشيخ: هذا طيب الحقيقة، لكن أنا أشوف العلماء الكبار يقولون هذا؛ كابن القيم وشيخ الإسلام ومن قبلهم ومن بعدهم.
* الطالب: (...)، أو أنه مشتق؟
* الشيخ: لا، أبدًا، إلا قوم لوط.
* الطالب: قوله تعالى عن سليمان: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل ١٦].
* الشيخ: سليمان؟
* الطالب: إي، (...)، ﴿مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ هل للطير منطِقٌ؟ ثم قال بعد بآيات: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل ١٨].
* الشيخ: إي.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إلى الآن هي تنطق، ولهذا قال: ﴿عُلِّمْنَا﴾ [النمل ١٦]، (...).
مَن هم أصحاب الرَّس؟
* طالب: هم القوم الذين أهلكهم الله عز وجل (...).
* الشيخ: أحسنت. وما الصحيح في هذه المسألة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكن ماذا نقول يعني؟ إذا قلنا: ليسوا قوم شعيب، هل هم غيرهم؟
* الطالب: نعم، هم القوم الذين قتلوا نبيهم.
* الشيخ: إي، لكن ماذا نقول؟ هل يعني نمسك عن التعيين ونقول: إن هؤلاء ما عيَّنهم الله، فلسنا بحاجة إلى التعيين؟
* الطالب: تقصد (...)؟
* الشيخ: لا، يعني لو قال لنا قائل: هل هم معروفون -مثلًا- لديكم أو لا؟
* طالب: لا، المعروفون هم المسلمون الأوائل (...).
* الشيخ: إنما الآن معروفون ولَّا لا؟
* الطالب: لا، (...) أنهم أصحاب بئر.
* الشيخ: أصحاب الرس هذا معلوم من القرآن، لكن هل -مثلًا- معيَّنون قال: من هم؟ وأين مكانهم وكذا؟ يعني هل نعرف قبيلتهم ونعرف مكانهم ونعرف رسولهم؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: لا؛ لأن الله ما عيَّنهم، فالأَولى السكوت.
قوله: ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾، هذه الإضافة شو المراد بها؟
* طالب: يعني أصحاب البئر.
* الشيخ: أصحاب البئر، لكن ويش المقصود بالإضافة؟
* الطالب: قيل: لأن البئر انهار عليهم.
* الشيخ: أو بهم؟
* الطالب: انْهَارَ بهم، وقيل: إنهم كانوا يقطنون حوله، فأضيفوا إليه؛ أضيفوا إلى هذا البئر الذي (...).
* الشيخ: نعم؛ لأنه (...).
* طالب: (...)، إما إضافته للعقوبة، وإما إلى مكانه.
* الشيخ: إي.
* الطالب: فإذا قيل: إنهم هم من حول البئر ساكنون، فهم نسبوا إليه (...).
* الشيخ: إي، وخسَفَ الله بهم وببئرهم؟
* الطالب: وببئرهم، (...).
* الشيخ: هذه من باب الإضافة للعقوبة.
* الطالب: للعقوبة.
* الشيخ: طيب.
* الطالب: (...)؛ لأنهم يقطنون حولها.
* الشيخ: المعنى الثاني ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾، مُضافة إلى فعلهم وأنهم رسُّوا نبيهم؛ يعني دفنوه فيها. نحن قلنا: إن الإضافة هنا إما لكذا وإما لكذا؛ لأن العلماء افترقوا في هذا (...)، منهم من قال: سموا أصحاب الرس؛ لأنهم كانوا حول هذه البئر، فخسف الله بهم وببئرهم، وقيل: إنهم أصحاب الرس؛ لأنهم رسُّوا نبيهم؛ يعني دفنوه. وذهب ابن جرير إلى أن المراد بهم أصحاب الأخدود الذين ذكروا في البروج.
قوله: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ﴾، ما المراد بالقَرن؟
* طالب: قيل: إنه الزمن.
* الشيخ: يُطلَق على الزَّمن، ما هو قِيلَ. ويُطْلَق؟
* الطالب: ويُطْلَق على الدهر.
* الشيخ: الدهر والزمن معناهما واحد.
* الطالب: ويُطْلَق على (...).
* الشيخ: لا، على الزمن عاد على الخلاف في تقدير هذا الزمن، يُطْلَق على الجيل؛ يعني على الأمة التي تكون في عصر واحد وعلى مصر واحد. أيهما أنسب بالنسبة للآية الكريمة؟
* طالب: على الجيل.
* الشيخ: على الجيل؛ لأن المراد إهلاكهم، والإهلاك يكون للأُمَّة لا للزمن.
ما معنى قول الله تعالى: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾؟
* طالب: يعني: أنذرنا.
* الشيخ: إي، أنذرنا كلًّا، لكن وأيش معنى: ﴿ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾؟
* طالب: ﴿ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾؛ أي: أنذرناه بما (...).
* الشيخ: المكذِّبين.
* الطالب: المكذبين.
* الشيخ: أحسنت، تمام. ضرب الأمثال معناه ذكر (...) في حالهم، بمعنى أننا أنذرناهم بذكر ما جرى للأمم السابقين الذين هم مثلهم في التكليف، فهلكوا.
ما المراد بـ﴿الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾؟
* طالب: المراد قوم لوطٍ.
* الشيخ: قوم لوطٍ. ما نوع هذا المطر الذي سمَّاه الله مطر سوء؟
* الطالب: حجارة من سجيل.
* الشيخ: حجارة من سجيل، نعم.
اشتهر عند أهل العلم أن القرى كانت سبعًا، فما رأيك؟ هل هي سبع؟
* طالب: (...) القرآن قرية واحدة.
* الشيخ: وأنها واحدة. طيب، إذا قلنا بما قاله الكثير من أهل العلم، فكيف نفسر قوله: ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ﴾؟
* طالب: أي: عُظْمى القرى.
* الشيخ: إي، عُظْمى القرى؛ لأن ما دونها تابع لها.
﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾، هذه الجملة مؤكدة ولَّا غير مؤكدة؟
* طالب: نعم، مؤكدة.
* الشيخ: مؤكدَة بكم مؤكِّدٍ؟
* الطالب: بثلاثة مؤكدات؛ اللام، وقد، والقسَم.
* الشيخ: والقسم المقدَّر. طيب، وهذا المقصود بالتوكيد تقرير الأمر الواقع، يعني أنه ليس الخبر كالمعاينة، فهم الآن يعاينون ما حلَّ بهذه القرية من عذاب الله سبحانه وتعالى؛ لأنهم يمضون عليها ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨].
يقول الله عز وجل: (﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ في سفرهم إلى الشام، فيعتبرون، والاستفهام للتقرير).
عندنا ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾، هذه تأتي في القرآن كثيرًا: (أَفَلَمْ) (أَوَلَمْ)، يعني: يأتي حرف الاستفهام الهمزة، وبعده حرف عطف، فاختلف النحويون في ذلك؛ فمنهم من يقول: إن حرف الاستفهام داخل على جملة مقدَّرة مفهومة من السياق، تقدَّر حسب ما يليها. ومنهم من قال: إن حرف الاستفهام داخل على الجملة المذكورة، لكن محله بعد حرف العطف، فمثلًا: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ يقولون: أصلها (فألم يكونوا يرونها)، فقُدِّمت أداة الاستفهام؛ لأن لها الصدارة.
فالآن أمامنا رأيان فيما إذا وُجِدَ حرف استفهام بعده حرف عطف، هل يكون داخلًا على الجملة المذكورة مُقدَّمًا على حرف العطف؟ أو يكون داخلًا على جملة مُقدَّرة تُسْتَفاد من السياق؟
كيف نُقدِّر ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ على الرأي الثاني الذين يقولون: إنه داخل على جملة مُقدَّرة مفهومة من السياق؟
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف نقدر؟
* طالب: (...) فلم يكونوا.
* الشيخ: إي، أَعَموا، فلم يكونوا يرونها؛ لأن انتفاء الرؤية معناها العمى.
وعلى الرأي الثاني ما يحتاج إلى تقدير، نقول التقدير: فألم يكونوا يرونها. والأول رأي سيبويه، والثاني رأي الكسائي. وأيهما أهون وأسلم؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: الثاني أهونُ وأسلمُ.
* طالب: تدخل الفاء عليها (...).
* الشيخ: لأنه في الحقيقة في بعض الأحيان تأتيك أمثلة ما تستطيع أن تقدر هذا المحذوف ولا كيف تقدره. ثم إن الأصل عدم التقدير والحذف، هذا هو الأصل. ونحن إذا ذهبنا إلى الرأي الثاني لم نرتكب إلا شيئًا واحدًا فقط، وهو تقديم الهمزة عن مكانها، وهذا شيء بسيط، فالذي ينبغي سلوكه أن نقول: إن همزة الاستفهام هنا داخلة على الجملة الموجودة بدون تقدير، لكنها مُقدَّرة بعد حرف العطف، إلا أنها قُدِّمَت لأجل الصدارة.
وهنا ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾، إذا دخلت همزة الاستفهام على (لم) فالمراد به التقرير، ومعنى التقرير: حمل المخاطب على الإقرار. مثلًا: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١]، أيش نقول بالهمزة؟ الاستفهام التقريري أو للاستفهام المراد به التقرير، المهم أن هذه ليست للاستفهام الاستخبار، ما هو بالله يسأل، ولكنه يقرر أنه شرح له صدره، فنقول: الاستفهام هنا للتقرير. وما معنى التقرير؟
* طالب: الإثبات.
* الشيخ: لا، ما هو بس الإثبات وفقط، حمل المخاطب على الإقرار؛ يعني إن كان هذا الشيء متقررًا، فيجِبُ عليك أن تُقِرَّ به.
* طالب: إذا تلاها (...)؟
* الشيخ: إي نعم، طيب.
نقول: هي للاستفهام التقريري؛ أي: حمل المخاطب على الإقرار، وكأن هذا أمْرٌ لا يمكن إنكاره؛ لأنه معلوم له.
في الآية الكريمة: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾، نقول: الاستفهام للتقرير؛ يعني أنهم قد رأوها، إذا كان بمعنى التقرير فإنه يُقدَّرُ بفعل ماضٍ مقرونٍ بـ(قد)، يعني مثلًا: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَك﴾ [الشرح ١] معناه: قد شرحنا لك، لكنها أبلغ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَك﴾.
﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ معناه؟
* طالب: قد رأوها.
* الشيخ: قد رأوها، لكن الإتيان بالاستفهام أبلغ؛ لأنه يحمل المخاطب على أن يقر، وهذا أبلغ من أن أُخْبِرَه بأمْرٍ على سبيل التحقيق بـ(قد).
﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾، يعني معناه: أنهم قد رأوها وهم يُقرُّون بذلك، ولا يمكنهم إنكاره، ويرونها، يقول المؤلف في وقت الرؤية: (في سفرهم إلى الشام، فيعتبرون) وهذا صحيح أن الإنسان إذا عاين آثار العذاب يكون أشد في يقينه وتصديقه؛ لأنه ليس الخبر كالمعاينة.
وإبراهيم ﷺ لا يشك أن الله تعالى قادر على إحياء الموتى، ومع ذلك قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة ٢٦٠]، وقال النبي ﷺ: «نَحْنُ أَوْلَى بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٧٢)، ومسلم (١٥١/ ٢٣٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وجئت بهذا الحديث لأجل أن نفهم معناه حقيقة، ويش معنى «نَحْنُ أَوْلَى بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ»؟
لو أخذنا بظاهره لقلنا: إن إبراهيم قد شكَّ ونحن قد شككنا ونحن أولى بالشك منه، ولكن ليس المراد بذلك، ويش المراد؟
* طالب: مؤكدٌ أنه لم يشكَّ إبراهيم، لكن لو كان.. يعني هذا تأكيد على أنه لم يشك؛ لأننا يعني بمعنى أنه لو حصل منه شك فنحن أولى بذلك، لكنه ما حصل منه شكٌّ.
* الشيخ: يعني كما أننا نتيقَّن أن الله يحيي الموتى وقادر عليها، فإبراهيم أولى باليقين، ولو كان ثمة شكٌّ لكنا أَوْلى به من ذلك، إي نعم.
﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾، بيَّن لنا عن القرية هذه، موجودة الآن؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذه مدائن صالح، لكن قرية لوط البحر الميت، البحر الميت هذا يقولون: إنه هو مكان قُرى قوم لوط، إنه صار بحيرة مالحة.
* طالب: فيها قولان.
* الشيخ: ما أدري واللهِ إن كان فيها قولان، إنما الآن عندي قول واحد.
* طالب: صحة القول هذا؟
* الشيخ: أقول: هذا مشهور، مشهور أن هذا البحر الميت أنه هو محل قرية قوم لوط.
يقول: (﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ﴾ لا يخافون ﴿نُشُورًا﴾ ) (بل) للإضراب، وكأنه إضراب عن توبيخ إلى أشد منه.
﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ قلنا: الاستفهام للتقرير، والإنسان الذي يرى الشيء ثم لا يعتبر به مستحقٌّ للتوبيخ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences