Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:35–44, continued
انتقل إلى ما هو أعظم؛ إلى حال يستحقون التوبيخ عليها أشد، فالإضراب هنا للانتقال منين؟ من سيءٍ إلى أسوأ، ومن خفيف إلى أغلظ منه، يعني معناه: أن هؤلاء ليسوا تاركين للاعتبار بما شاهدوا، بل إنهم أبلغ من ذلك ﴿لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾، وفسَّر المؤلف الرجاء بالخوف؛ لأن الرجاء يأتي بمعنى الخوف، مثل قول الله تعالى عن نوح: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح ١٣].
ولكن إتيان الرجاء في موضع الخوف لا يكون إلا حيث تعذر أن يُفَسَّر بمعناه الحقيقي، وهنا لا يتعذَّر؛ لأن معنى ﴿لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ يعني: لا يؤملونه، ما يؤملون ولا يقرون به؛ لأن مَن لا يؤمل شيئًا لا يُقِرُّ به. وكأن المؤلف رحمه الله حمله على معنى الخوف؛ لأن حاله تقتضي أنهم لا يخافون؛ إذ لو خافوا لأقرُّوا وآمنوا.
ولكن يقال أيضًا: الرجاء، لو كان يرجون هذا النشور ويؤملونه لعملوا له؛ لأنهم قيل لهم: إن صدقتم الرسل فلكم كذا، وإن كذبتم الرسل فعليكم كذا، فهم مَوْعُودون ومُتَوعَّدون، فلا يتعيَّن أن نحمل الرجاء على الخوف، بل لا ينبغي ما دام للرجاء بمعناه الحقيقي، ما دام له محل فإنه يجب أن يُحْمَلَ على معناه الأصلي.
فنقول: ﴿لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾؛ أي: لا يؤملون النشور الذي فيه ما وعدتهم به الرسل من كرامة الله سبحانه وتعالى وإدخال الجنة. وهذا أشد من عدم اعتبارهم بما رأوا من إهلاك المكذبين، حيث ينكرون البعث الذي دلَّ عليه العقل، فالعقل يدل على أن للناس بعثًا، ولهذا يقرِّرُ الله تبارك وتعالى هذا المعنى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة ٣٦]؛ يعني: لا يُؤْمَرُ ولا يُنْهَى ولا يُجَازى، هذا سفهٌ، لو كانت هذه الخليقة التي خلقها الله، وأرسل إليها الرسل، وأباح دماء بعضهم لبعض وأموالهم ونساءهم لأجل الدين الذي بعث به الرسل، وهذا القتال العظيم بينهم والعداوة والبغضاء، لو كانت لا لشيء إلا أن الإنسان يحيى ويموت، ماذا يكون هذا الفعل؟
* طالب: سفهًا.
* الشيخ: يكون سفهًا يُنَرَّه الله عنه، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص ٨٥]، ما أنزل الله هذا القرآن إلا لمعادٍ يكون الناس يوم القيامة يرجعون إليه، ثم يُجازون بأعمالهم، فالعقل دلَّ على أنه لا بُدَّ من بعثٍ، ولا بُدَّ من جزاء، ومع ذلك هؤلاء ينكرونه.
و﴿لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ بحُججٍ واهيةٍ باطلةٍ؛ مثل: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨]، هذه حجة ولَّا ما هي حجة؟ هي شُبهةٌ في الواقع، شُبهةٌ باطلةٌ، ولذلك أبطلها الله في الآيات التي بعدها من نحو عشرة أوجه، هذا الإنكار المبني على استبعاد عقله، لذلك أبطله الله تعالى كما يظهر من القصة من نحو عشرة أوجه؛ أولها: ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس ٧٩]، هذا يكفي العاقل، هي ما كانت هذه العظام ماء مهينًا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ماء مهينًا، بل قبل ذلك لم تكن شيئًا مذكورًا، ثم خلقها الله إلى عظام، فالذي أحياها أول مرَّة قادر على إعادتها، وهو عقلًا أهون من الابتداء ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧].
على كل حال لسنا بصدد الإثبات لهذا الشيء، لكن أقول: إن هؤلاء الذين لا يرجون نشورًا مع قيام الأدلة على وجوده لا شك في سفههم، وأنهم ليسوا على صواب.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ﴾ [الفرقان ٤١]، منتقلًا إلى حالة أخرى يقابل بها هؤلاء المشركون رسول الله ﷺ.
(﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ مهزوءًا به) ﴿يَتَّخِذُونَكَ﴾ يُصيِّرونك ويجعلونك مهزوءًا به، وتجدون الآن أن الآية فيها حصرٌ طريقه النفي والإثبات؛ يعني: ما يجعلون لك أي حال من الأحوال إلا الهزء، و﴿هُزُوًا﴾ مصدر، لكنه يقول المؤلف: (مهزوءًا به) يعني أنه بمعنى اسم المفعول. والمصدر بمعنى اسم المفعول كثير ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٤]، ويش وجه الاستدلال بهذه الآية اللي استدللت بها الآن ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، ويش وجه الاستدلال بالآية التي ذكرت؟
* الطالب: يعني أن (...).
* الشيخ: إي، وجه الاستدلال السؤال أحيانًا يُرَادُ به التنبيه والاستخبار، فهنا نقول: وجه الاستدلال أن قوله: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، (حمل) مصدر بمعنى محمول، فهو مصدر بمعنى اسم المفعول، وفي الحديث عن النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري بنحوه (٢٦٩٧)، ومسلم واللفظ له (١٧١٨/ ١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]]؛ يعني: مردودٌ.
هنا ﴿هُزُوًا﴾ مصدر، لكنه بمعنى اسم المفعول على رأي المؤلف. ويمكن أن يقال: إنه على بابه؛ مصدر، ويكون من باب المبالغة، كأنه ما جعل الرسول محلًّا للهزء؛ يعني مهزوءًا به، به جعلوه نفسه هو نفس الهزء، وهذا من باب المبالغة، كما تقول: فلان عدل، وفلان رضا، يعني من باب المبالغة، كأنه هو العدل لا أنه محل العدل، وكأنه الرضا لا محل الرضا، وكذلك: فلان ثقة؛ لأن (ثقة) مصدر بمعنى موثوق به لكنه من باب المبالغة.
المعنى: أن هؤلاء ما يرون الرسول عليه الصلاة والسلام إلا محل استهزاء -والعياذ بالله- كأنه لعبة عندهم، يقولون: (﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ في دعواه محتقرِين له عن الرسالة).
﴿أَهَذَا﴾ الاستفهام هنا للتحقيق، وهو متضمِّنٌ للنفي؛ يعني ما يمكن أن يبعث مثل هذا الرجل. وهذا كقولهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١]، ولا شك أن هذا من جملة الشبه التي يحتجون بها، وهي لا تنطلي على أحد؛ لأننا نعلم أن محمدًا ﷺ أعظم الخلق وأحقهم بالرسالة، فإن الله تعالى يقول: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، فللرسالة محلٌّ، فهذا النبي ﷺ نؤمن بأنه أعظم الخلق وأحقهم بالرسالة، ولهذا جعلها الله فيه، جعل فيه أعظم الرسالات، فهو أعظم من كل ما يقترفونه، لكن تعرفون أن المكابر والمكذب يأتي بكل شُبهةٍ سواء كانت حقيقة أم غير حقيقة.
وقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي﴾ (هذا) اسمُ إشارةٍ للقريب ولَّا للبعيد؟
* طالب: للقريب.
* الشيخ: للقريب، احتقارًا أيضًا؛ لأن اسم الإشارة يأتي للقريب أحيانًا للاحتقار، وأحيانًا للتعظيم والمودة، وكذلك اسم الإشارة في البعيد يأتي لما هو قريب من باب التعظيم، مثل: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ البقرة: ٢]، ويش يعني بـ﴿الْكِتَابُ﴾؟
* طالب: القرآن.
* الشيخ: لكنه أتى بـ﴿ذَلِكَ﴾ اسم إشارة للبعيد تنبيهًا لعلوِّ مرتبته.
هم أتوا بـ(هذا) للتحقير؛ يعني: أهذا القريب الذي لدينا ونتصوره ونشاهده، أهذا يُبْعَثُ رسولًا؟! هكذا يقولون.
وأردفوا ذلك: (﴿إِنْ﴾ مخففة من الثقيلة، واسمها محذوف؛ أي إنه ﴿كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾ يصرفنا ﴿عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان ٤٢]) بئس الصبرُ هذا!
﴿إِنْ كَادَ﴾ يعني: قَرُبَ، و﴿إِنْ﴾ يقول المؤلف: (إنها مُخَفَّفة من الثقيلة)؛ لأن (إنْ) -كما تعرفون- لها معانٍ كثيرة، والذي يُعَيِّنها السياق؛ تأتي نافية، وتأتي شرطية، وتأتي زائدة.
* طالب: وناصبة.
* الشيخ: لا، ما تأتي ناصبة، اللي تأتي ناصبة (أنْ). لكن هنا مخففة من الثقيلة؛ لأن أصلها (إنَّ) فخُفِّفَت، وإذا خُفِّفَت من الثقيلة لزم أن يكون اسمها محذوفًا، ما نقول: مستتر؛ لأن الاستتار يكون بالفعل أو بما هو بمعناه، لكن نقول: محذوف، والتقدير: إنه ﴿كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾.
و﴿كَادَ﴾ بمعنى: قَرُبَ، والصواب أن (كاد) تأتي بمعنى قرُبَ، سواءٌ كانت منفية أو مستترة. وأما قول بعض النحويين: إن نفيها إثبات وإثباتها نفي، فليس بصحيح كما حققه ابن هشام في المغني، بل هي دائمًا بمعنى القرب، يعني: لقد قرب أن يضلنا عن آلهتنا، لكن منع من هذا مانع وهو الصبر عليها، فهم الآن -في الحقيقة- يقرُّون أن رسالة الرسول عليه الصلاة والسلام خطيرة بالنسبة إليهم، ولَّا لا؟ خطيرة، لكنهم يتمدحون بأنهم ذوو صبرٍ بالغ عظيم ﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾؛ يعني: على عبادتها، لكان الرسول عليه الصلاة والسلام يضلنا. والصواب: أنه لو تركوها لكان الرسول قد هداهم الله به، أليس كذلك؟ نعم، وليتهم لم يصبروا هذا الصبر؛ فإن هذا الصبر صبر عن معصية الله ولَّا على معصية الله؟
* طلبة: على معصية الله.
* الشيخ: على معصية الله، وهو مذمومٌ، لا شك أنه مذموم.
﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ صارت الآن الجملة هذه أقول: إنها تدل على أنهم يقرون بخطر رسالة النبي ﷺ عليهم أو لا؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: ولكنهم يتمدحون بالصبر عليها، وأنه مع قوة تأثير الرسالة هم صبروا على آلهتهم فلم يضلهم النبي عليه الصلاة والسلام.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، مُقرِّين بخطر الرسالة، ولإقرارهم بخطر الرسالة بذلوا مُهَجَهم ورِقابَهم لقتال الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم لو كانوا يعرفون ما هي مؤثرة ما احتاجوا إلى أنهم يخرجون لقتال الرسول، كان قالوا: هين هذا مثل المجنون اللي ما يؤثر ولا (...).
﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ أي: معبوداتنا. والآلهة تُطْلَقُ على المعبود، لكن تُطْلَقُ إطلاقًا مجازيًّا على المعبود بغير حق، وإطلاقًا حقيقيًّا على المعبود بحق، ولهذا الرسل صلى الله عليهم وسلم يقولون لأقوامهم: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف ٥٩]، ويش معنى ﴿مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾؟ أي: من معبودٍ حقيقةً غير الله، أما معبوداتكم التي تعبدونها فهذه معبودات لكنها ليست حقًّا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، نحن الآن صحيح التعبير هذا خطأ ما دام قلنا: لا مجاز في القرآن، لكن تنزلًا على حسب كلامهم، هم يدعون أنها آلهة، ولكنها حقًّا ليست آلهة.
* الطالب: نعتبر بما (...)؟
* الشيخ: التعبير الصحيح أن نقول: ﴿عَنْ آلِهَتِنَا﴾، سموها آلهة باعتقادهم، وإلَّا فليست آلهة.
﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾؛ يعني: حبسنا أنفسنا عليها (لصرَفَنا عنها).
استفدنا من قول المؤلف: (لصرفنا) أن ﴿لَوْلَا﴾ شرطية، وأن جوابها محذوف.
﴿أَنْ صَبَرْنَا﴾ ويش محلها من الإعراب؟ ما كنت أريد أن أعربها، لكن لما أنه تعرض...، ويش محل ﴿أَنْ صَبَرْنَا﴾ من الإعراب؟
* طالب: مصدر لفعل (...).
* طالب آخر: بتأويل مصدر.
* الشيخ: إي، ويش محلها من الإعراب؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: خبر المبتدأ.
* طالب آخر: مبتدأ لخبر محذوف وجوبًا.
* الشيخ: مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا. (...)
(لصرَفَنا عنها)، أو الأصح أن نقول: لأضلَّنا عنها؛ لأنهم يقولون: ﴿لَيُضِلُّنَا﴾؟ لأضلَّنا عنها. ﴿لَوْلَا﴾ صبرُنا موجودٌ على هذه الآلهة لأضلَّنا عنها، وبعد، وبعد، (لولا) غالبًا حذف الخبر حتمٌ.
(لولا) هذه شرطية، وتأتي غير شرطية؟
* طالب: إي نعم، تأتي.
* الشيخ: ويش (...)؟
* الطالب: للتحضيض.
* الشيخ: للتحضيض، ومرَّت علينا قريبًا في هذه السورة. وكون (لولا) وهي لفظ واحد يأتي أحيانًا بمعنى التحضيض، وأحيانًا بمعنى الشرط، وكذلك (إنْ) وغيرها من الحروف، هذا مما يؤيد ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وأنه لا مجاز في اللغة، وأن الذي يُعيِّنُ المعنى ويجعله حقيقة أو غيرَ حقيقة؟
* طالب: السياق.
* الشيخ: السياق، فالكلمة في سياقها أو الجملة في سياقها حقيقةً ما تحتمل غير ما يُراد، وإن كانت -مثلًا- تُطْلَق إطلاقًا آخر في معانٍ أخرى. فالسياق في الحقيقة، المعاني للكلمات كما يدلُّ عليه كلام الشيخ، ليست المعاني في الكلمات صفات ذاتيةً، ما هي صفاتٌ ذاتية، وإنما هي صفات إضافية. ويش معنى إضافية؟ أي بحسب ما تضاف إليه؛ يعني بحسب السياق.
وبذلك نتخلص من الإشكال الذي يَرِدُ علينا كثيرًا في بعض كلمات في القرآن، حيث (...) المجاز تأتينا كلمات أو جمل تُشْكِل علينا، فإذا قلنا بهذا القول، وقلنا: إن المعاني للألفاظ ليست من الصفات الذاتية، وإنما هي من الصفات الإضافية التي يعيِّنها أي شيء؟
* طالب: السياق.
* الشيخ: السياق، نتخلص بهذا، ونقول مثلًا: ﴿جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء ٢٤]، ﴿جَنَاحَ﴾ إذا أضيف للطائر صار له معنًى، وإذا أضيف إلى ﴿الذُّلِّ﴾ صار له معنًى.
﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف ٧٧]، الإرادة إذا أضيفت إلى الإنسان صار لها معنًى، وإذا أضيفت للحيوان صار لها معنًى، وإذا أضيفت للجماد صار لها معنًى. بحسب الإضافات، وحينئذٍ نتخلَّص، ما نقول: الإرادة الأصل أن تكون حقيقة لذوي الشعور، فإذا أضيفت إلى غيرهم صارت مجازًا، ما حاجة أن نقول هكذا.
* طالب: كيف تكون للجماد؟
* الشيخ: تكون للجماد ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾، معناه: مايلٌ للانقضاض.
* طالب: بالنسبة لـ﴿لَوْلَا﴾، قد يكون التفريق بين التحضيض والظرفية بأنها إذا دخلت على الفعل صارت (...)، فلا يحتاج إلى..
* الشيخ: صارت للتحضيض.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: فلا يحتاج لتعيين السياق.
* الشيخ: كيف؟ إلا، وجودها بجانب الفعل جعلها للتحضيض، ووجودها بجانب الجملة الاسمية جعلها للشرطية، إي نعم.
(﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾، قال الله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ عيانًا في الآخرة، ﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أخطأُ طريقًا أَهُمْ أم المؤمنون؟) لو قال: (أَمِ الرسول) -لأن (...) الرسول ﷺ- لكان أولى.
﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾، يقول المؤلف: (عيانًا في الآخرة)، وهذا ليس بلازم أن يكون في الآخرة، يُقَيَّد في الآخرة ما هو لازم، نقول: إنهم يرون العذاب متى؟ في الآخرة وعند الموت يشاهدونه، وإذا قالوا: إنهم تابوا عند الموت فالتوبة لا تنفعهم ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ [النساء ١٨].
﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾، هم أمِ الرسول عليه الصلاة والسلام.
وفي جملة قوله: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ فيها من التهديد ما هو ظاهر؛ يعني سوف يعلمون في تلك الحال هل هم الأضل أم الرسول ﷺ الأضل. وما هو الواقع؟
* طلبة: هم الأضل.
* الشيخ: سيعلمون إذا رأوا العذاب أنهم هم الأضل.
قال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان ٤٣] ﴿أَرَأَيْتَ﴾، الخطاب للرسول ﷺ؛ لأن السياق يدلُّ عليه، ولا أظنه هنا يصح أن نجعله لكل من يتأتَّى خطابه؛ لأن قوله: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ إنما يناسب من؟ الرسول عليه الصلاة والسلام، كقوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢٢].
وهنا ﴿أَرَأَيْتَ﴾ يقول: (بمعنى أخبِرْني)، كيف (بمعنى أخبرني) الرؤية هي الخبر؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لكن أريد لازمه؛ يعني: هل رأيت فأخبِرْني؛ هذا المعنى، وهذا هو السبب الذي جعل العلماء يفسِّرون ﴿أَرَأَيْتَ﴾ بمعنى أخبرني؛ لأن المقصود بالاستفهام عن الرؤية هنا ليس مجرد هل رأيت ولَّا ما رأيت، بل المراد لازمها وهو الإخبار؛ يعني إذا كنت رأيت فأخبرني.
وهنا (رأيت) يقولون: إنها تنصب مفعولين، ولا بد أن يكون المفعول الثاني منهما جملة استفهامية. نشوف اللي عندنا في الآية: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾، المفعول الأول؟
* طالب: ﴿مَنِ﴾.
* الشيخ: ﴿مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ﴾. والمفعول الثاني جملةُ ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾. هذا ما ذكره المؤلف.
وفي القرآن لها أمثلة ولَّا لا؟
* طالب: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى﴾ [العلق ٩].
* الشيخ: لا، ما هي بمعنى أخبِرْني.
* طالب: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف ٦٣].
* الشيخ: إي، ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾.
* طالب: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم ١٩].
* الشيخ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم ١٩، ٢٠].
* الطالب: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾ [النجم ٣٣، ٣٤].
* الشيخ: إي نعم، كثيرة، لكن أحيانًا يُذْكَرُ المفعول الثاني، وكثيرًا يُحْذَفُ يحذف المفعول الثاني؛ لدلالة السياق عليه.
﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾، ما يمكن يصير الجواب: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ﴾ [النجم ٢١]، ما يمكن، لكن المعنى: هل تغنيكم شيئًا؟ هل تنفعكم؟ هل تستحق أن تعبد؟ وما أشبه ذلك. وللبحث بقية تأتي إن شاء الله.
* طالب: على رأي النحاة (...)، فهنا تصبح القضية (...)؟
* الشيخ: نعم، يقول: أعلمت هذا فأخبرني به.
* الطالب: نعم.
* الشيخ: الله أكبر، سبحان الله العظيم! القرآن -سبحان الله العظيم- ما هو مثل بقية الكلام، تجد استفهامات، أمرًا، تحديات في السياق، وهذا من إعجازه في الحقيقة، يعني ما تجد كلامًا.. لأن كل هذه الاختلافات في الكلام توجب إثارة الإنسان وإقباله، ولكنه كما أسلفنا فيمن يقرأه عن قلب، أما من يقرأه عن بصرٍ فقط بدون بصيرة فهذا ما يستفيد منه.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم ٤٩]، تكرار ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ مرتين (...)، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾؟
* الشيخ: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [آل عمران ١٨٨]، التكرار هذا يكون لفائدة وغرضٍ، فهنا ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ فيها خلاف: هل هي الأُولى أو أنها ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ غير الأولى؟ ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ هذا التنزيل، فيكون من باب التكرار توكيدًا. وإن كان ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ يعني: من قبل هذا الأمر الذي حدث لهم، ما هو من قبل أن يُنَزَّل، من قبل حالهم، فلا يكون فيها تكرار.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: فكيف يعني؟ فهل معناه أنه (...)؟
* الشيخ: (...) الإيمان عند الموت إلا إنسان سريرته باطلة، أما الإنسان الذي عمله صالح ومبني على عقيدة صحيحة ما يمكن، لكنه على خطر؛ لأنه يُخْشَى أن يكون عمله مبنيًّا على سريرة باطلة.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، إذا عايَنَ الإنسان ما ينفعه التوبة.
* الطالب: طيب، ولا ينفع أن نقول: (...)؟
* الشيخ: لو أضله؟ ويش لون؟
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: نحن نقول: ما يمكن يضله؛ لأن الله يقول: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم ٢٧]. إنما يكون الإضلال عند الموت بناءً على أن الإنسان في عبادته غير مستقيم، كما جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٠٧)، ومسلم (١١٢ / ١٧٩) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.]].
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، هو لا بد أن تكون السريرة باطلة؛ لأننا نعلم أن الإنسان لو بنى عمله على عقيدة سليمةٍ سواء بالإخلاص أو بغير الإخلاص، إنما ما يمكن أن الله يخذل المؤمن أبدًا، المؤمن حقيقة. وهذا هو ما كنا ندعو إليه دائمًا؛ بأن نحرص على عمل القلب، أما عمل الجوارح فإنها مثل السُّور؛ يعني الأعمال الظاهرة عمل الجوارح هي بمنزلة السُّور للبستان، تحميه وتحيطه، وأما العمل الأساسي فهو عمل القلب. قلنا: يحرص دائمًا على أن يكون الإنسان مطهرًا قلبه مُصلحًا لقلبه، هذا أهم شيء. والأعمال الظاهرة هذه في الحقيقة رسوم مصلحة ومنمِّية؛ مثل السقي للبستان، والرسول عليه الصلاة والسلام شبَّه أعظم العبادات الظاهرة -وهي الصلاة- بالنهر الذي يطهِّر الإنسان من أوساخه[[أخرج مسلم (٦٦٧/ ٢٨٦) عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟» قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا».]]. فهذه ثقالات للقلب، مادة ينتفع بها القلب، إنما الأصل هو القلب.
ولهذا يجب علينا دائمًا أن نشوف قلوبنا: أحيانًا يكون في القلب سريرة الحسد مثلًا، سريرة الحسد هذه ما هي هينة؛ لأنها موروثة عمن؟ عن اليهود، فهل ترضى أن تكون شبيهًا لليهود؟ ما أحد يرضى، ومع ذلك تجدها في قلوب كثير من المؤمنين موجودة. مسألة الرياء في العبادة أو في المظهر. (...)
بعد أن بيَّن أمثلة لكفار قريش من الأمم الذين أهلكهم الله تبارك وتعالى بسبب تكذيبهم للرسل، وبيَّن أن من هذه الأمم من كانوا أتوا عليها، وهي قرية قوم لوط التي أُمْطِرَت مطَرَ السوء.
ثم انتقل الله سبحانه وتعالى بعد ذلك إلى ما هو أقبح وأشد في التوبيخ، وهو كونهم ﴿لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾؛ يعني لا يرجون بعثًا، فلا يؤمِّلونه ولا يخافونه.
ثم انتقل الله سبحانه وتعالى بعد هذا إلى حال هؤلاء مع الرسول عليه الصلاة والسلام الذي كان يجب علينا أن نجلَّه ونعظِّمه ونوقِّره، بأن هؤلاء المكذبين اتخذوه هزوًا، وأن قوله: (اتخذوه هزوًا) أشد وأبلغ من قوله: هزِءوا به؛ يعني: جعلوه كأنه صورة يُهْزَأ بها، لكن لو قال: استهزؤوا به، صار فعلًا، والفعل مطلقٌ يدل على المرة الواحدة، بخلاف الأول اللي جعلوه كالصورة التي يُهْزَأ بها.
ثم بيَّن أنه مع اتخاذهم إيَّاه هزوًا أنهم يسخرون به في القول، يقولون: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ احتقارًا له، ثم يفتخرون مع احتقارهم له بأنهم صبروا على آلهتهم، وأن دعوة النبي ﷺ كان لها تأثيرٌ قويٌّ، لولا أنهم صبروا عليها؛ على آلهتهم لكانوا متأثرين بها ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾.
ثم توعَّدهم الله سبحانه وتعالى بأنهم حين يرون العذاب سيعلمون من هو أضل؛ هم أمِ النبي ﷺ.
ثم ذكَرَ الله سبحانه وتعالى استفهامًا مُشْربًا بالتعجب فيمن اتخذه إلهه هواه، فقال: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾.
وسبق لنا بالنسبة لـ﴿أَرَأَيْتَ﴾ أنها بمعنى أخبِرْني، وأن هذا ليس هو المعنى الحقيقي لها، لكنه معنًى لازم للرؤية التي بمعنى العلْمِ؛ فإن المستفهم لا يريد من المخاطب إذا قال: (أرأيت) لا يريد أن يستفهم عن كونه رأى، إنما يريد أن يستفهم عن لازم هذه الرؤية وهي الإخبار، ولهذا يقولون: إنها بمعنى (أخبِرْني) من باب إطلاق الملزوم للازم.
أما بالنسبة لإعرابها، فقد ذكرنا أمس؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم.
* الطالب: الأول التمني.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: (...)، ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾.
* الشيخ: إي نعم، وهذا التركيب: ﴿أَرَأَيْتَ﴾ يأتي كثيرًا في القرآن، ويكون ناصبًا لمفعولين الأول منهما اسم، والثاني منهما جملة استفهامية أو قسمية. والمفعول الأول -انتبهوا لإعرابها لأنها مشكلة- المفعول الأول قلنا: إنه يكون اسمًا؛ إما مذكورًا وإما محذوفًا، فصار الآن المفعول الأول اسمًا؛ إما مذكورًا، أو محذوفًا، هذا واحد. المفعول الثاني جملة إما استفهامية أو قسمية. مفهوم هذا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: طيب، التاء في ﴿أَرَأَيْتَ﴾ فاعل، وقد يلحقها ضمير لمجرد الدلالة على المخاطب، ولا محل له من الإعراب، نقول: حرف خطاب لا محل له من الإعراب، تلحقها الكاف اللي هي حرف خطاب وليس لها محل من الإعراب.
ولنضرب لهذا أمثلة: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٦٢]، هذه أين المفعول الأول؟ ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾؟
* طلبة: (...).
الشيخ: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٦٢]؟
* طالب: ﴿هَذَا الَّذِي﴾.
* الشيخ: ﴿هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ﴾ هذا المفعول الأول، والمفعول الثاني الجملة القسمية: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ﴾، ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾، مفهوم؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: والكاف ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾: حرف خطاب، لا محل لها من الإعراب، إذن المفعول الأول الآن موجود، والمفعول الثاني جملة قسمية موجودة.
﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام ٤٦] أين المفعول الأول؟
* طالب: محذوف.
* الشيخ: محذوف؛ لأنه ما يمكن يكون جملة المفعول الأول، فهو إذن محذوف: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾... ﴿مَنْ إِلَهٌ﴾، محذوف تقديره: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ حالكم؛ يعني: أخبروني عن حالكم ﴿إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾ إلى آخره، وجملة ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ هذا هو المفعول الثاني.
﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام ٤٧]، هنا فيها كاف الخطاب ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾ التاء للمفرد، والمخاطب جماعة ولّا واحد؟
* طالب: جماعة.
* الشيخ: ويش الدلالة على أنهم جماعة؟
* طالب: الميم.
* الشيخ: الكاف والميم ﴿أَرَأَيْتَكُمْ﴾، ومفعولها الأول محذوف، ومفعولها الثاني: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾، فالخلاصة الآن أن إعراب هذه نقول: إن ﴿أَرَأَيْتَ﴾ [الفرقان ٤٣]، معناها: أَخْبِرني، وهذا المعنى لازم، وليس هو المعنى الحقيقي لـ﴿أَرَأَيْتَ﴾؛ لأن رأى بمعنى علم، وأما إعرابها فإنها فاعل، التاء في ﴿أَرَأَيْتَ﴾ فاعل، وتكون مفردة دائمًا، أو مجموعة مثل: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ﴾ [الأنعام ٤٦]، أو مثناة: أرأيتما إن كان كذا وكذا؟
وربما تلحق الكاف للدلالة على المخاطب وتبقى التاء مفردة؛ هذا بالنسبة بـ﴿أَرَأَيْتَ﴾، أما مفعولها أو معمولها، فإنها تنصب مفعولين: الأول منهما اسم محذوف أو مذكور، والثاني منهما جملة استفهامية أو قسمية.
نشوف اللي معنا الآن في الآية الكريمة: (﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان ٤٣] أَيْ: مَهْوِيَّهُ).
المؤلف فسر (هوى) بمعنى مَهْوِي، يعني فسر المصدر بمعنى اسم المفعول؛ يعني اتخذ إلهه هذا الحجرَ مثلًا أو هذه الشجرة، يعني جعل الإله الشجرة، والشجرة أو الحجر هي الهوى ولّا مَهْوِي؟
* طالب: مَهْوي.
* الشيخ: مَهْوِي؛ ولهذا فسر الهوى بالمَهْوِي؛ لأنه يريد أن يجعل الإله هنا هو المعبود.
ولكن الصواب أن الآية على ظاهرها، وأن الإله هو الهوى، يعني معنى ذلك أنه جعل المتبوع الهوى، وكون الإنسان يتبع غيره سواء هوى نفسه أو غيره، كونه يتبع غيره؛ هذا من اتخاذه إلهًا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣١]، «فقال عدي بن حاتم: يا رسول الله إنا لسنا نعبدهم؟ قال: «أَلَيْسَ يُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَّلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟» قال: بلى، قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[[أخرج الطبراني في الكبير (٢١٨)، والبيهقي في الكبرى (٢٠٣٥٠)، بسنديهما من حديث عن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: «يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك، فطرحته، فانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة، فقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١] حتى فرغ منها، فقلت: إنا لسنا نعبدهم، فقال: «أليس يُحَرِّمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حَرَّم الله فتستحلونه؟»، قلت: بلى، قال: «فتِلْك عِبَادَتهُم».]].
فإذن نقول: الآية على ظاهرها، يعني أن الإله هو الهوى نفسه، والهوى يقوده إلى عبادة الشجر والحجر ويقوده إلى استحلال الزنا وإلى استحلال الربا وإلى غير ذلك، فعليه الأولى، وأيش الأولى؟ جعل الآية على ظاهرها، وألا تصرف إلى المعبود خلافًا للمؤلف.
وقوله: (قُدِّمَ الْمَفْعُول الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ أَهَمّ)، كيف المفعول الثاني؟ وين المفعول الثاني؟
أصله: من اتخذ هواه إلهه، فالهوى هو المُتَّخَذ لا الإله، المتخذ إلهًا هو الهوى، لا الإله مُتخذًا هوى، الإله ما اتخذ هوًى، ولكن الهوى مُتَّخَذٌ إلهًا؛ فلهذا قال المؤلف: إنه قدم المفعول؛ لأنه أهم؛ يعني لأنه هو محل التعجب، محل التعجب أن يكون هذا الشيء إلهًا، هذا محل التعجب، لا محل التعجب مجرد الهوى، مجرد الهوى ليس محل تعجب، إنما محط التعجب أن يُتخَذ إلهًا.
فعلى هذا نقول: المفعول الأول ﴿إِلَهَهُ﴾ [الفرقان ٤٣]، والثاني: ﴿هَوَاهُ﴾ [الفرقان ٤٣].
قال: (وَجُمْلَة ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ [الفرقان ٤٣] مَفْعُول أَوَّل لِرَأَيْتَ).
قوله: (جملة ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ )، كلامه صحيح ولّا غير صحيح؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: صحيح كلامه ولّا لا؟
* الطالب: ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ مفعول أول؟
* الشيخ: إي، يقول: جملة ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ مفعول أول.
* الطالب: لو قلنا: إنه يكون مفردًا فليس الكلام صحيحًا.
* الشيخ: وإن قلت: ما يكون مفردًا؟
* الطالب: فكلامه صحيح، ولكن ما (...).
* الشيخ: إي، لكن هل يُعبر عن الموصول وصلته بجملة؛ لأن ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ سواء قلت: إنه مفرد، وهو على كل حال مفرد مثل ما قلت، ما فيها قولان إلا على طريقة ابن جني (...).
﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ هل يُعبر عن الموصول وصلته بالجملة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، لكن هل يُعبر عنه بأنه جملة؟ إذا قلت مثلًا: قدم الذي سافر، هل تقول: (الذي سافر) جملة؟ لا؛ لأن الاسم الموصول مفرد، لكن صلته جملة، ويدل على ذلك أن اسم الموصول يقع فاعلًا، والفاعل ما يمكن يكون جملة، تقول: جاء الذي سافر، (الذي) فاعل وليس يكون جملة.
وعلى هذا فيكون في قوله: (جملة ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ ) فيه تسامح، والصواب أن يُقال: و﴿مَنِ﴾ في قوله: ﴿مَنِ اتَّخَذَ﴾ مفعول أول لـ(رأيت).
والثاني: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان ٤٣]، الاستفهام هنا للنفي؛ يعني: فلن تكون عليه وكيلًا؛ أي: (حَافِظًا تَحْفَظهُ مِن اتِّبَاع هواه) يعني: لست وكيلًا عليه، وإذا لم تكن وكيلًا عليه فلست مسؤولًا عنه، وإذا كان هذا الكلام للنبي ﷺ فمن دونه أولى، فنحن لسنا وكلاء على من عصوا الله ولا على من فسقوا عن أمره، إنما علينا، ويش علينا؟
* طالب: البلاغ.
* الشيخ: البلاغ والدعوة، وعلى الله سبحانه وتعالى الحساب: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد ٤٠]، وبهذا نعرف أنه لا ينبغي للإنسان أن يحزن على ضلال من ضل إذا كان قد قام بما أوجب الله عليه من البلاغ والدعوة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل ١٢٧]، وقال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣] يعني: مهلك نفسك ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، إلى آيات كثيرة في هذا المعنى، وأن الإنسان لا يحزن؛ لأن ضلال من ضل بفعل الله سبحانه وتعالى، وفعله تعالى لحكمة؛ ولهذا قال أهل العلم: إننا ننظر إلى أهل المعاصي نظرين؛ نظرًا شرعيًّا ونظرًا كونيًّا، فالنظر الشرعي: نحاول إلزامهم بما أوجب الله ونعاقبهم على ذلك، نعزِّرهم بما يليق بهم، ونقيم الحدود عليهم، ولا نرحمهم في ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور ٢]، هذا النظر الشرعي، نظر قوة وحزم.
أما النظر الثاني: النظر القدري الكوني، فإننا نرق لهم ونرحمهم، أن الله سبحانه وتعالى ابتلاهم بهذا الأمر، ومن الناس من يتحمل هذا وهذا، ومن الناس من لا يتحمل إلا واحدًا منهما، وأيهما أكمل؟ اللي يتحمل هذا وهذا أكمل، لكن من الناس من لا يتحمل الأمر القدري، وتجده يغضب ويصير عنده غيره ينفعل فيها انفعالًا بالغًا، ويندفع اندفاعًا كثيرًا، ومن الناس من ينظر إلى الأمر القدري ويقول: هذا بقضاء الله وقدره، ولا يكون عنده غيرة أبدًا إطلاقًا، وهذا أيضًا خطأ.
فالواجب على المرء أن ينظر إلى الأمور من النافذتين: نافذة القدر ونافذة الشرع؛ ليكون مستقيمًا، وهذا هو العدل.
إذن من ضل من الناس فلسنا وكلاء عليه، ولكن له علينا أي شيء؟ الدعوة إلى الله ومحاولة إصلاحه فيما نستطيع، نعم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: هذا الحزن على القريب، هذا من باب الرقة -في الحقيقة- والرحمة، وهو يجب مع هذا أن يكون عنده حزم في الدعوة إلى الله وتبليغه لشرعه وإقامة ما يجب، إقامته من الحدود على هذا المخالف؛ لأن بعض الناس يرق لقريبه وصاحبه وأخيه وما أشبه ذلك، ولا يقوم بالواجب بالنسبة لتأديبه ومحاولة إصلاحه، وهذا خطأ.
يقول المؤلف: (لا)، أيش معنى (لا)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إشارة إلى أن الاستفهام هنا بمعنى النفي، يعني: لن تكون عليه وكيلًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences