Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:7–13
27:7–13Page 377
إِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهۡلِهِۦٓ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا سَـَٔاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ ءَاتِيكُم بِشِهَابٖ قَبَسٖ لَّعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ ٧
[Mention] when Moses said to his family, "Indeed, I have perceived a fire. I will bring you from there information or will bring you a burning torch that you may warm yourselves."
فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَنۢ بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنۡ حَوۡلَهَا وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨
But when he came to it, he was called, "Blessed is whoever is at the fire and whoever is around it. And exalted is Allāh, Lord of the worlds.
يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّهُۥٓ أَنَا ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٩
O Moses, indeed it is I - Allāh, the Exalted in Might, the Wise."
وَأَلۡقِ عَصَاكَۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهۡتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنّٞ وَلَّىٰ مُدۡبِرٗا وَلَمۡ يُعَقِّبۡۚ يَٰمُوسَىٰ لَا تَخَفۡ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ ٱلۡمُرۡسَلُونَ ١٠
And [he was told], "Throw down your staff." But when he saw it writhing as if it were a snake, he turned in flight and did not return.1 [Allāh said], "O Moses, fear not. Indeed, in My presence the messengers do not fear.
إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسۡنَۢا بَعۡدَ سُوٓءٖ فَإِنِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١
Otherwise, he who wrongs, then substitutes good after evil - indeed, I am Forgiving and Merciful.
وَأَدۡخِلۡ يَدَكَ فِي جَيۡبِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٖۖ فِي تِسۡعِ ءَايَٰتٍ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَقَوۡمِهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ١٢
And put your hand into the opening of your garment [at the breast]; it will come out white without disease. [These are] among the nine signs [you will take] to Pharaoh and his people. Indeed, they have been a people defiantly disobedient."
فَلَمَّا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَٰتُنَا مُبۡصِرَةٗ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ١٣
But when there came to them Our visible signs, they said, "This is obvious magic."
﴿لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ إلى آخر القصة.
وهذا من جملة ما يلقاه النبي ﷺ من القرآن وهي قصص الأنبياء.
وفائدة ذكر هذه القصص ما ذكره الله تبارك وتعالى في سورة يوسف: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١] عبرة نعتبر بها في أحكامها وفي عواقبها.
ولهذا الصحيح أن ما ذكر من هذه القصص من الأحكام فإنه يجوز لنا أن نتبعه وأن نقتدي به؛ لقول الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام ٩٠].
كذلك نعتبر بما جرى من العواقب لمن؟ للرسل وأتباعهم، وما جرى من العواقب لمخالفيهم، ومعلوم أن عاقبة الأولين عاقبة محمودة وعاقبة الآخرين عاقبة سيئة.
فمن جملة القصص التي كثر ذكرها في القرآن قصة موسى، ولا غرو أن تكثر في السور المدنية؛ لأن المدينة كان بها طائفة من اليهود؛ حتى يتبين أمرهم، ولهذا فصلت أحوالهم كثيرًا في سورة البقرة، وأما ذكر قصة موسى في السور المكية كهذه فإن فائدتها التوطئة والتمهيد للنبي ﷺ حتى يكون على بصيرة من أمرهم.
وهذا التوجيه، وهو الاستعداد للمستقبل، سلكه النبي ﷺ أخذًا بتوجيه القرآن حينما قال لمعاذ بن جبل: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩ / ٣١) من حديث ابن عباس.]].
﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ﴾ وأظننا تكلمنا على موسى عليه الصلاة والسلام وأنه موسى بن عمران، وأنه أفضل أنبياء بني إسرائيل.
(﴿لِأَهْلِهِ﴾ زوجته عند مسيره من مدين إلى مصر).
يقول: (زوجته): ألا يحتمل أن يكون زوجته وأمه وأباه وما أشبه ذلك؟
* طالب: بعيد.
* الشيخ: لماذا؟
لأنه خرج من مصر وحيدًا، خرج وحيدا ثم التقى بالمرأتين، ثم اتصل بأبيهما، ثم زوجه على أن يأجره ثمان حجج وانتهت الحجج، ثم سار بأهله (زوجته عند مسيره من مدين إلى مصر).
وبهذه المناسبة بعض الناس يظنون أن صاحب مدين هو شعيب النبي، وليس كذلك فإن بينه وبين موسى برهة من الزمن، وإنما صاحب مدين رجل من أهل مدين، هذا هو الصحيح بلا شك.
قال: (﴿إِنِّي آنَسْتُ﴾ أبصرت من بعيد ﴿نَارًا﴾ ).
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ليس بنبي، إي نعم.
﴿إِذْ قَالَ﴾: ﴿إِنِّي آنَسْتُ﴾ جملة (إني آنست) هذه مقول القول، ولهذا كسرت (إن).
وقال: (﴿آنَسْتُ﴾ أبصرت من بعيد).
(آنس) بمعنى أبصر، وكونها من بعيد ما يدل عليه اللفظ في الحقيقة، اللهم إلا أن يقال: إن الإيناس إنه لا يدل على القرب بسبب أنه يدل على الخفاء، والخفاء في النار ما يكون إلا إذا كانت بعيدة.
وقوله: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ السين للتنفيس، وقد ذكرنا فيما سبق أنها إذا دخلت على الجملة -وهي طبعًا لا تدخل إلا على المضارع- تفيد أمرين، هما؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طلبة: القرب.
* الشيخ: القرب، والثاني؟
* طالب: التحقق.
* الشيخ: والتحقق، القرب والتحقق، ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ آتيكم ولا أتيكم؟
* طالب: آتيكم.
* الشيخ: ويش الفرق بين آتيكم وأتيكم؟ آتيكم أي: أعطيكم، وأتيكم بمعنى أجيئكم، هكذا يصير ولّا خطأ؟ أو آتيكم بمعنى أجيئكم؟
* طالب: آتى بمعنى أعطى وأتى بمعنى الاثنين: أجيئكم وأعطيكم.
* الشيخ: طيب زين، وأوتيكم بمعنى أعطيكم، نصرفها الآن نحن في غير الآية، أتيت مضارعه.
* طالب: يأتي.
* الشيخ: يأتي لا أتيت.
* الطالب: آتي.
* الشيخ: آتي، كذا آتيت.
* الطالب: أوتي.
* الشيخ: إي نعم أوتي، إذن فآتيكم بمعنى أجيئكم على كل حال، والإنسان أول ما يتبادر إلى ذهنه (...) بمعنى أجيئكم وهنا قال: ﴿سَآتِيكُمْ﴾ وفي آية أخرى: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ﴾ [طه ١٠] فهل بينهما فرق أم هما بمعنى واحد، وإن قلنا بالفرق فما الجمع؟ إذن بينهم فرق.
* طالب: بينهم فرق.
* الشيخ: ما الجمع؟ القصة واحدة.
* طالب: إي نعم، لكن هناك (...).
* الشيخ: طيب.
* طالب: قوله: ﴿سَآتِيكُمْ﴾ عندما كان في البعد.
* الشيخ: في أيش؟
* الطالب: عندما كان في البعد، أما قوله: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ﴾ عندما قرب إليها.
* الشيخ: لا، هو يخاطبهم، يخاطب أهله.
* الطالب: عندما اقترب من النار؟
* الشيخ: لا.
* طالب: أن القصص تروى بالمعنى.
* الشيخ: ما يخالف، المعنى مختلف الآن، إذا قلنا: هذه للترجي وهذه للتحقيق.
* طالب: من قوي رجاؤه يقينًا قال: سآتيكم، يوم يئس قال: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ﴾ [طه ١٠].
* الشيخ: أو بالعكس، كان بالأول يترجى ثم قوي، هكذا قال بعضهم، لكن يمكن أن تكون بمعنى واحد بدون اختلاف؛ لأن (لعل) تأتي للتوقع، ولّا لا؟ ذكرنا فيما سبق في النحو أن (لعل) تكون للترجي والإشفاق والتعليل والتوقع، ولو صار للتوقع صار معناها التوكيد، أما إذا قلنا: إن (لعل) للرجاء، فهو رجا أولًا ثم قوي وجزم به وقال: سآتيكم.
وقوله: (﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ عن حال الطريق وكان قد ضلها).
هذا واضح أن الخبر اللي يريد خبر من يدله على الطريق؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان قد ضله.
(﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾ بالإضافة للبيان وتركها) ترك الإضافة؛ يعني قراءتين: ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابِ قَبَسٍ﴾ ، أو ﴿بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾، أما (بشهابِ قبسٍ) فهي للبيان كما قال المؤلف، والإضافة إذا كانت للبيان فهي على تقدير (مِن)، مثلما يقال: خاتمُ حديدٍ أي: خاتم مِن حديد. فهنا (شهابِ قبسٍ) أي: شهاب من قبس كذا؛ لأنها بيانية، وإذا جعلناها (شهابٍ قبسٍ) صارت (قبس) صفة لـ(شهاب)، صفة مبينة أيضًا، فيكون الإضافة والقطع بمعنًى واحد.
وفي قوله: ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾: ﴿أَوْ آتِيكُمْ﴾ هل (أو) هذه مانعة جمع أو مانعة خلو؟
* طالب: مانعة خلو.
* الشيخ: ويش الفرق بينهم؟
* الطالب: مانعة الجمع معناها أنه لا بد أن يحدث أحد هذين الأمرين.
* الشيخ: أنه ما يكون إلا أحد الأمرين إما هذا أو هذا، ومانعة الخلو؟
* الطالب: مانعة الخلو: أن لا يخلو الأمر من واحد منهما، وقد..
* الشيخ: أو منهما جميعًا.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: مانعة الخلو معناه أنه ما يخلو الأمر من واحد منهما، أو منهما جميعًا كذا؟ وهي تشبه قول النحويين: إن (أو) تأتي للإباحة وللتخيير، وهناك قالوا: الإباحة والتخيير إذا كانت في سياق الطلب، تقول مثلًا: تزوج هندًا أو أختها، هذه (أو) ويش هي له؟ للتخيير ما تأتي للإباحة. جالس فلانًا أو فلانًا، هذه للإباحة، كُلْ خبزًا أو رزًّا، للإباحة، اللي للإباحة ما تمنع الجمع، واللي للتخيير تمنع الجمع، وإذا كانت (أو) في خبر فإنهم يسمونها مانعة خلو أو مانعة جمع.
إذن هي مانعة خلو، بمعنى أنه يمكن يأتيهم بالأمرين جميعًا، الدلالة أيش بعد؟ والشهاب القبس.
وفهم من هذا الكلام ﴿آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ أن الليلة كانت باردة، وما أحوج الضال للطريق في ليلة باردة، ما أحوجه إلى نار يصطلي بها وإلى أهل نار يخبرونه عن الطريق؛ لأن النار معلوم أنها ما تكون وحدها ولَّا لا؟ لا بد أن عندها أحدًا يخبر.
قال: ﴿أَوْ آتِيكُمْ﴾ (أي: شعلة نار في رأس فتيلة أو عود).
هذا الشهاب القبس، القبس الذي يقتبس منه، وهذه تكون كما قال المؤلف: (شعلة نار في رأس فتيلة أو عود).
﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل ٧] (لعل) هنا أيش معناها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، للتعليل، (لعل) للتعليل، أي: لأجل أن تصطلوا بها.
(والطاء بدل من تاء الافتعال)
اصطلى أصله اصتلى بالتاء على وزن افتعل، لكن أبدلت التاء أيش؟ طاء، لسبب صرفي.
(﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ والطاء بدل من تاء الافتعال من صلي بالنار بكسر اللام وفتحها -صلى- تستدفئون من البرد)
وما أحلى النار التي يصطلي بها الإنسان في حال البرد، ولهذا يقول المثل: (النار فاكهة الشتاء والمكذب يصطلي)، صحيح وهذا مشاهد.
ذهب موسى عليه الصلاة والسلام وبقي أهله في هذا المكان، وذهب هو وحده إلى النار لعله يأتيهم بالخبر أو بالشهاب، ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ﴾ ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا﴾ (...) فيها حذف، والتقدير: فذهب فلما جاءها، ويسمى هذا الإيجاز إيجاز الحذف؛ لأن الإيجاز عندهم في البلاغة إما إيجاز قصر وإما إيجاز حذف، فإذا كانت الجملة القصيرة تشتمل على معانٍ كثيرة بدون حذف يسمى إيجاز قصر؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة ١٧٩] هذه جملة مختصرة، لكنها تتضمن معاني كثيرة، يسمي علماء البيان يسمون هذا إيجاز قصر، وهو أن تكون الجملة قصيرة لكنها متضمنة لمعانٍ كثيرة.
إيجاز الحذف معناه: قصر الجملة، لكن الجملة نفسها ما تتضمن معاني كثيرة إلا بتقدير أشياء محذوفة، هذا من إيجاز الحذف.
وأمثلته في القرآن كثيرة، مثل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة ١٨٤] فيها إيجاز حذف، ويش التقدير؟ فأفطر فعدة من أيام أخر.
* * *
قال: (﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ﴾ أي: بأن ﴿بُورِكَ﴾ أي: بارك الله ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ أي: موسى ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي: الملائكة أو العكس).
﴿نُودِيَ﴾ المنادي هو الله عز وجل، الدليل أنه في آية أخرى صرح بذلك ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ﴾ [مريم ٥٢] فالمنادي هو الله سبحانه وتعالى.
وقوله: (﴿أَنْ﴾ أي: بأن) أفادنا المؤلف رحمه الله أن (أن) هنا مخففة من الثقيلة، حينما قدر الباء؛ لأن تقدير الباء يدل على أن ما بعدها مؤول بمصدر.
وهناك قول آخر: يجعلون (أن) هنا تفسيرية مثل: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧]. ويقولون: إن (نودي) متضمن لمعنى القول دون حروفه، و(أن) إذا سبقت بما يتضمن معنى القول دون حروفه فهي تفسيرية، ولكن من حيث المعنى واحد، إنما الاختلاف في الإعراب.
﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ قال الشارح أو المفسر: (أي: بارك الله ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ )، قدّر هذا ليبين أن فاعل البركة من؟ الله، وأن (بارك) يتعدى بنفسه: بارك الله فلانًا كما يقال: بارك الله في فلان، فهو يتعدى بنفسه ويتعدى بحرف الجر.
* طالب: في غير اللغة العربية.
* الشيخ: لا، الآن لما سيقت باللغة العربية أخذت حكم اللغة العربية.
* الطالب: أن تفسيرية على أن..
* الشيخ: أنا فهمت كلامك، هذا ما يصلح؛ لأن التفسير في الحقيقة لكل الكلام، ترجمة الكلام الذي وقع من الله سبحانه وتعالى لموسى في كل الجمل هذه ما هو بس في قوله: ﴿بُورِكَ﴾ في كل جملة.
يقول المؤلف رحمه الله: (بارك الله ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ ).
(من) إعرابها بدون تقدير المفسر اسم موصول في محل رفع نائب فاعل.
وقوله: (﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ أي: موسى ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أي: الملائكة أو العكس) ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ الملائكة، ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ موسى.
واحتمال ثالث: أن يكون ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ موسى ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ البلاد التي حول هذه النار؛ لأنها بلاد الشام مباركة، أو ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ أهله، كل ذلك فيه احتمال.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، حول النار.
قوله: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ فيه إشكال في الحقيقة؛ لأن (في) للظرفية والنار ظرف، فهل موسى في النار؟
المؤلف قدر لهذا، قال رحمه الله: (وبارك يتعدى بنفسه وبالحرف، ويقدر بعد في مكان). يعني: من في مكان النار؛ لأنه لو كان في النار حقيقة لاحترق، ولكن يقدر مكان.
فإذا قيل: ما الفائدة من قوله: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ وحذف المكان؟
قلنا: الفائدة من ذلك -والله أعلم- شيئان: الشيء الأول: القرب التام منها.
والشيء الثاني: أن شعاع النار قد وصل هذا القريب منها، يعني النار كما هو واضح لها شعاع، الإنسان القريب منها يكون في نفس الشعاع، فكأنه لقرب ووصول شعاع النار إليه صار كأنه فيها نفسها، ولّا ما هو في نفس الشعلة، هذا ما يمكن، هذا -والله أعلم- الحكمة من كون الله سبحانه وتعالى قال: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾.
* طالب: (...) في النار؟
* الشيخ: إي.
* طالب: حقيقية؟
* الشيخ: حقيقة هذا هو الأصل.
* طالب: (...) نار باعتقاد موسى يا شيخ.
* الشيخ: لا، لكن ما لنا أن نقول إلا ما قال الله، والله تعالى على كل شيء قدير، هذه النار عاد ما وقودها؟ ما ندري، ما لنا أن نتكلم.
* طالب: كثير من المفسرين يكثرون حول هذا الموضوع ويقولون: أراد أن يأخذ منها شيئًا فاتجهت إليه ثم انقلبت إلى نور وهكذا.
* الشيخ: شوفوا بارك الله فيكم يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩] فكل علم يأتينا عن هؤلاء الأمم من غير القرآن أو صحيح السنة فليس بشيء، غاية ما هنالك أن يكون من أقوال بني إسرائيل التي لا تصدق ولا تكذب.
ولهذا القصص ما يجوز أن نتعدى فيها القرآن إلا ما جاءت به السنة؛ لأن قوله: ﴿لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ ويش معناه؟ قطع أي خبر يأتي من غير طريق الله؛ لأنه لو كان هناك أخبار صحيحة تأتي من غير الله لكان الله يعلمها، وهؤلاء المخبرون أيضًا يعلمونها، والله تعالى حصر ﴿لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾، وهذا من أقوى طرق الحصر الذي هو النفي والإثبات ﴿لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾.
فهذه الآية تبين لنا أن كل ما يقال في هذه القصة، وكذلك في قصة سليمان وداود وغيرهم: إنها مسائل إن كان الشرع ينافيها أو مقام النبوة ينافيها فهي باطلة وكذب كما في قصة داود اللي مر علينا: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ إلى آخره [ص: ٢٣].
وإن كان إنه ما يكذبه موقفنا فيها أن نقول: لا نصدق ولا نكذب، أما أن نفسر بها كلام الله فهذا لا يجوز أن يفسر بها كلام الله.
﴿وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ معلوم للجميع أن (سبحان) اسم مصدر، وأن عامله محذوف دائمًا، وأنه ملازم للإضافة، كل هذا شيء معلوم، وأن معنى (سبحان الله) أي: تنزيه الله سبحانه وتعالى عن كل نقص وعيب، لكن هل هي الجملة هنا خبرية بمعنى الطلب أو خبرية على ظاهرها؟
يقول بعض المفسرين: إنها تعجيب لموسى يعني بمعنى: اعجب وسبح الله سبحانه وتعالى عما لا يليق به، وأن هذا الأمر الذي رأيت والكلام الذي سمعت ما هو إلا كلام رب العالمين: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل ٨].
فعلى هذا تكون الجملة الخبرية هنا من حيث المعنى طلبية، أي: سبح الله رب العالمين عما لا يليق به، وإذا قلنا: إنها على ظاهرها صار معناه ثناء من الله عز وجل المكلم المنادي ثناء من الله على نفسه، أي المعنيين أشمل؟
* طالب: الخبري.
* طلبة: الأول.
* الشيخ: الأول، الطلبية؛ لأنها تتضمن إذا أمر بها موسى تتضمن أن الله أهل لها، فهذا هو الخبر، وتتضمن زيادة ثانية وهي تعجيب موسى عليه الصلاة والسلام واعتقاده بأن الله سبحانه وتعالى منزه عن كل عيب.
وقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أيش معنى الرب؟
* طلبة: المالك المتصرف.
* الشيخ: المالك المتصرف، لكنها أيضًا متضمنة لمعنى أدق وهو التربية، فهو سبحانه وتعالى يربي مع كونه مدبرًا خالقًا متصرفًا.
والعالمين كل من سوى الله فهو من العالمين، وسموا عالمين، قيل: لأنهم علم على خالقهم، علم ودليل عليه، فإن كل ما في الكون شاهد بوحدانية الله تبارك وتعالى وبما تقتضيه هذه الأكوان من معاني ربوبيته سبحانه وتعالى.
* طالب: (...) معناها.
* الشيخ: معناها أنه يربي عباده تربية حسية ومعنوية، فالتربية الحسية مثلا لنضرب مثلًا بالإنسان كونه في الخلقة يتطور من شيء إلى شيء عقلًا وجسمًا وفكرًا، هذه تربية، هذا الطفل الصغير لو فرضنا أن هذا الطفل الصغير أن عقله كالكبير، يمكن أن يعيش؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: ما يمكن يعيش؛ لأنه ما يتحمل الأشياء التي تقابله، فهذا الطفل لو فرضنا أنه في عقل الكبير، كان لو مثلًا تستحيي أمه تروح عنه ما يستقر أبداً، وكان يبدأ يدبر ويزين ويسوي كذا ويزين كذا، ما هو بلائق، كذلك بالعكس لو كان الكبير بعقل الصغير ما استطاع أن يعمل شيئًا، وهكذا أيضًا الطعام يأتي إلى الإنسان شيئًا فشيئًا، هذه من التربية الحسية، والتربية المعنوية ظاهر أن الله سبحانه وتعالى يربي عباده بالعلم النافع شيئًا فشيئًا.
* * *
(﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) يَا مُوسَى﴾ من جملة ما نودي، ومعناه تنزيه الله من السوء) يقصد معنى التسبيح (﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ﴾ أي الشأن ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ) هذا تفسير الضمير.
ضمير الشأن هو ضمير يتصل ويفسر بالجملة التي بعده، فعلى هذا يكون أنه هذا الشأن، و﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هذه تفسير لهذا الضمير.
أما من حيث الإعراب فإننا نقول: (إن) حرف توكيد ينصب الاسم ويرفع الخبر.
والهاء ﴿إِنَّهُ﴾ اسمها، و﴿أَنَا اللَّهُ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل رفع خبر (إن).
وقال بعض المفسرين: ﴿إِنَّهُ أَنَا﴾ فرأوا أن الهاء ضمير لا ضمير شأن، ضمير حقيقي للمتكلم.
ثم قال: ﴿أَنَا﴾ يعني: إن الذي يكلمك أنا.
ثم بين هذا الضمير بقوله: ﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ لكن ما سلكه المؤلف أقرب وإن كان الثاني محتملًا، وفهمتم الفرق بين المعنيين، الثاني يقول: إن (إن) حرف توكيد (...) ويرفع الخبر، والهاء اسمها وليس ضمير شأن، و(أنا) خبره، يرون (أنا) هي الخبر، والأول يرون ﴿أَنَا اللَّهُ﴾ هو الخبر، يعني أن الله قال لموسى: ﴿إِنَّهُ أَنَا﴾ يعني: إن الذي يكلمك أنا.
وكلمة: ﴿إِنَّهُ أَنَا﴾ هل يتبين من هو؟ ما يتبين، ولهذا نهي أن يقول الإنسان إذا استأذن عند الباب وقيل له: من؟ فقال: أنا، إذن (أنا) هنا مبهمة بينت بقوله: ﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
* طالب: يستقيم هذا المعنى.
* الشيخ: يعني يستقيم، لكن الأول أقوم ﴿إِنَّهُ﴾ أي الشأن ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فهذا الذي قدر المؤلف أحسن من الذي قدره بعض المفسرين مثل الزمخشري.
* طالب: قلت: ﴿اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (...).
* الشيخ: تصير بيانًا للضمير ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ و﴿الْعَزِيزُ﴾ خبر، و﴿الْحَكِيمُ﴾ خبر ثانٍ، وهي بيان لـ(أنا).
﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قال: الله، ابتدأ بالألوهية، والله تبارك وتعالى هو الاسم العلم على الله الذي لا يسمى به غيره، وجميع ما يأتي من أسماء الله دائمًا تجدونها تبعًا لهذا الاسم، دائمًا يصدر أسماء الله بكلمة الله؛ لأنه العَلم الذي لا يسمى به غيره، ثم تأتي الأسماء بعد ذلك تابعة له.
والعزيز أيش معناه؟
* طالب: القوي الذي لا يغلب.
* الشيخ: القوي الذي لا يغلب، بل هو الغالب، وقيل: إن العزة تنقسم إلى ثلاثة أقسام، ما هي؟
* طالب: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة المكانة..
* الشيخ: لا.
* طالب: عزة قهر وعلو (...).
* الشيخ: لا، عزة الامتناع، وقالوا: إنها مشتقة من الأرض العزاز، الأرض العزاز يعني الصلبة القوية، ونحن نسميها باللغة العامية عزى، نحذف الزاي الثانية. فالعزيز معناه: هو القوي الغالب الذي لا يغلب، إذا قلنا بهذه الثلاثة أتينا بالمعاني الثلاثة..
* طالب: عزة قهر..
* الشيخ: والقدر والامتناع.
وقوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ تقدم لنا الكلام عليه، وإنما ذكر الله له ذلك ليشعره بأن مآله للعز، وأن ما سيوحى إليه فهو حكمة؛ لأن الصادر من العزيز يكون عزيزًا، ومن الحكيم يكون حكمة.
* * *
﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ [النمل ١٠] عصاه، ما هي العصا التي معه؟
عصا يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، عصا عادية، فإضافتها إلى موسى عليه الصلاة والسلام إضافة مملوك إلى مالكه، وليس مخصوصًا إلى من اختص به، أي أن هذا العصا ليس له اختصاص وأنه عصا من جوهر معين أو ما أشبه ذلك، هو عصا عادي.
(﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ فألقاها، ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ ) هذا أيضًا من إيجاز الحذف كما مر، ودائمًا القصص يكون فيها إيجاز حذف؛ لأن المحذوف دائمًا يكون معلومًا من السياق، فيكون حذفه سهلًا وميسرًا.
وقد قال ابن مالك -رحمه الله- في الألفية قاعدة من أفيد ما يكون، هو ذكرها في باب المبتدأ، وهي صالحة لكل شيء، قال:
وَحَــذْفُ مَــا يُـعْـلَـمُ جَــائِــزٌ كَـــمَــا ∗∗∗ تَقُولُ: زَيْدٌ بَعْدَ: مَـنْعِـنْـدَكُـمَـا
(وحذف ما يعلم جائز) هذه قاعدة.
قال: (فألقاها، ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ تتحرك).
ولكن تفسير الاهتزاز بمطلق التحرك فيه نظرٌ؛ لأن الاهتزاز أبلغ من التحرك، كأن الاهتزاز فيه نوع من القوة والاضطراب.
(﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ حيّة خفيفة) وقيل: حية عظيمة، وقيل: الذكر من الحيات الجان، وأيًّا كان فإنها صارت هذه العصا اللي كانت بيده عصا ألقاها فصارت حية تهتز وتتحرك وتضطرب مثل الجان، يعني الحية العظيمة.
* طالب: خفية.
* الشيخ: لا عندك خفيفة.
* طالب: (...) الجان.
* الشيخ: يطلق على هذا وهذا، من الأسماء المشتركة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: قوله تعالى في سورة طه: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه ٢٠].
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، نفس الشيء القصة واحدة.
* طالب: يا شيخ ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ [النمل ١٠] الأقوال التي في الإيجاز؟
* الشيخ: لا، ما فيه إيجاز، الإيجاز في قوله: ﴿فَأَلْقَاهَا﴾ تقدير فألقاها إيجاز.
* الطالب: ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾.
* الشيخ: إلا ﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ فألقاها.
* الطالب: طيب تفسير فألقاها؟
* الشيخ: لا، هذه جملة محذوفة.
* الطالب: (...) الآية.
* الشيخ: نعم، ﴿أَلْقِ عَصَاكَ﴾ تفسيرها: ضع عصاك.
* الطالب: فـ﴿أَلْقِ عَصَاكَ﴾ الآية..
* الشيخ: ما هي تفسير هذه، فـ﴿أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ لو أخذنا الآية بظاهرها لكانت تهتز وهي بيده قبل أن يلقيها، لكن الآية لا بد فيها من شيء محذوف، فألقاها فإذا هي تهتز.
* طالب: يعني ما يكون الإيجاز عند قوله: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾.
* الشيخ: قبله، عنده يعني قبله، مثلما قدرها المؤلف.
* الطالب: الإيجاز يكون هناك كلام محذوف فيكون بينه إيجاز.
* الشيخ: هذا (فألقاها) محذوف.
* الطالب: هو الذي محذوف.
* الشيخ: إي هو المحذوف، ولا بد من تقديره؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لما قال: ﴿أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾، لو أخذنا بظاهر القرآن كان لما أمر أن يلقي عصاه اهتزت، فلا بد من تقدير شيء.
﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا﴾ (ولى) هذه جواب (لما)، و(مدبرًا) حال.
﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾ يعني هاربًا، ولهذا يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ (يرجع) لماذا ولى؟
* طلبة: خوفًا.
* الشيخ: خوفًا من هذا؛ لأن هذا بطبيعة البشر أن إنسانًا ألقى عصاه وصار حية تسعى لا بد أن يخاف، لا سيما وأنه عليه الصلاة والسلام ما علم أنه سيرسل وأنه رسول، إنما كلمه الله سبحانه وتعالى وإلى الآن ما صار شيء.
فالحاصل أن هذه طبيعة البشر، لا بد أن يولي، وليس في هذا نقص للنبي ﷺ؛ لأن الأمور البشرية تعتري الرسل وغيرهم، ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام ينسى في أعظم العبادات؛ في الصلاة، ويقول: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٠١)، ومسلم (٥٧٢ / ٨٩) من حديث ابن مسعود. ]] وليس في هذا أي قدح للرسل.
(﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ فقال الله تعالى له: ﴿يَا مُوسَى لا تَخَفْ﴾ منها).
فقال الله تعالى: ﴿يَا مُوسَى﴾ هذه فيها أيضًا إيجاز بالحذف، ونحن نقول باختصار: جميع القصص ولا سيما القصص الطويلة غالبًا يكون فيها إيجاز حذف، وأحيانًا تكون جملة، وأحيانًا تكون جملًا، وسيأتينا إن شاء الله في القصص التي في السورة التي تلي هذه شيء كثير من هذا.
* طالب: (...) قول المؤلف (...).
* الشيخ: هذا معنى الجان.
قال: ﴿يَا مُوسَى لا تَخَفْ﴾ وناداه باسمه ليطمئنه؛ لأن الإنسان اللي يناديك وهو يعرفك تطمئن إليه أكثر، لم يقل: يا هذا لا تخف، أو يا مولي لا تخف، بل قال: ﴿يَا مُوسَى﴾؛ لأنه معلوم أن اللي يعرفك تطمئن إليه أكثر ولَّا لا؟
الآن لو مثلًا رأيت عدوًّا ظننته عدوًّا ثم هربت منه فقال: يا فلان، يا فلان، تطمئن ولَّا لا؟ تطمئن أكثر؛ لأنك تقول: هذا أعرفه ما ينالني بسوء.
(﴿يَا مُوسَى لا تَخَفْ﴾ منها) والتقييد بـ(منها) الذي أوجب للمؤلف أن يأتي به هو ظاهر السياق؛ لأن الظاهر أن موسى ﷺ إنما هرب منها فقال: ﴿لا تَخَفْ﴾.
(﴿إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ﴾ عندي ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ من حية وغيرها) معلوم، الذي بحضرة الله عز وجل ما يمكن يخاف من شيء؛ لأنه في كنف الله تعالى وفي جواره، فلا يمكن أن يخاف وهو عند الله.
وقوله: ﴿إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ هذا أيضًا فيه بشارة لموسى ﷺ بأنه عند الله وأنه من المرسلين، ومعلوم أنه إذا بشر بمثل هذه البشارة سوف يزول عنه الخوف نهائيًّا، وسوف يحل مكان الخوف أمن ومكان الذعر سرور ﴿لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾.
* طالب: هذه العصا هي التي ضرب بها البحر؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: ما تغيرت؟
* الشيخ: ما تغيرت، وهي التي ألقاها أيضًا للسحرة وأكلت سحرهم.
* * *
(﴿لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ من حية وغيرها ﴿إِلَّا﴾ لكن ﴿مَنْ ظَلَمَ﴾ نفسه ﴿ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا﴾ أتاه ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾ أي: تاب ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أقبل التوبة وأغفر له).
سبحان الله العظيم! قد يقول قائل: ما لهذه الجملة وللكلام الذي قيل: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾، لكن موسى عليه الصلاة والسلام لما قال الله له: ﴿إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ لعله تذكر أنه قد وقع منه خطيئة، ويش الخطيئة؟
* طالب: أنه قتل..
* الشيخ: أنه قتل نفسًا، وكأنه عندما يتذكر هذا قد يستبعد في نفسه أن يكون من الرسل، فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ ليذكره بما من به عليه من التوبة.
﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾. (بدل) المؤلف فسرها بقوله: أتى حسنًا؛ لأن ظاهره في الحقيقة ما يستقيم به المعنى، بدل حسنًا بسوء، أيهم المأخوذ؟ (...) بدل حسنًا بسوء؛ لأن (بدل) تدل على أن هناك بدلًا ومبدلًا منه، فإذا قلت: بدل حسنًا ويش هو به؟ بسوء، يصير الحسن مدفوعًا، والسوء مأخوذًا، أو لا؟ (بدلت ثوبي بثوبه) أين المأخوذ؟
* طالب: الأخير.
* الشيخ: الأخير، كذا ولًّا لا؟ فهنا بدل حسنًا لو أخذنا بظاهرها معناه أنه ترك حسنًا وأخذ سوءًا. ولهذا فسر المؤلف قوله: ﴿بَدَّلَ﴾ بـ(أتى).
والدليل على ذلك: أنه لو كان المراد بالتبديل ظاهر معناه، أو ظاهر معناه ما صح أن يعبر بقوله: ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾، لو كان كذلك لقال: بدل حسنًا بسوء، ما قال: ﴿بَعْدَ﴾، فلما قال: ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾ علم أن ﴿بَدَّلَ﴾ هنا بمعنى استبدل، واستبدل بمعنى أخذ، ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة ٦١] وأخذ مثلما قال بمعنى أتى. والمعنى من الآية الكريمة: أن من أتى حسنًا بعد سوء (...) جزمًا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، اسم شرط جازم، وليست اسمًا موصولا مستثنى؛ لأن الاستثناء هنا منقطع.
﴿مَنْ ظَلَمَ﴾ (ظلم) فعل الشرط، وجملة ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
* الطالب: جواب الشرط.
* الشيخ: جواب الشرط، أقول: لو قال قائل: ما وجه ارتباط الجواب بالشرط؟
* طالب: نقول (...) بالحسنى (...) لكن بالعقل (...) أو قال: الرحمة أو يستحق الغفران والرحمة.
* الشيخ: إي نعم، الجواب على هذا نقول: لما ذكر الله سبحانه وتعالى هذين الاسمين: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فإنه يريد مقتضاهما، فمقتضى المغفرة أن يغفر لهذا الذي ظلم ثم بدل حسنًا بعد سوء، ومقتضى الرحمة أيضًا أن يرحمه.
ونظير هذا قوله تعالى في المحاربين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤] يعني معناه يسقط عنهم الحد؛ لأن هذا مقتضى المغفرة والرحمة، فهنا مقتضى المغفرة والرحمة أن من بدل حسنًا بعد سوء فإن الله تبارك وتعالى يغفر له ويرحمه، يشمل الرسل وغير الرسل؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم يشمل الرسل وغير الرسل، نعم يشمل الرسل وغيرهم، ومن ثم حسن أن يقول المؤلف ونقول معه أيضًا: إن (إلا) هنا الاستثناء؟
* طلبة: منقطع.
* الشيخ: منقطع؛ لأنه يشمل الرسل وغير الرسل.
* * *
* طالب: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤) وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل ١٢ - ١٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل ٧].
* أولًا: يستفاد من هذه الآية: حسن خلق موسى عليه الصلاة والسلام، وذلك لمسالمته لأهله ولمراجعته إياهم لما يهم الجميع، يعني أنه لم يذهب هو بدون أن يقول لهم هذا القول؛ مما يدل على أنه يتراجع معهم لما يهمهم.
* وفي هذا دليل على أن الزوجة من الأهل، وهذا هو القول الصحيح، فعلى هذا آل النبي ﷺ يدخل فيهم أزواجه؛ لأنها من الأهل.
وقد اختلف العلماء فيما إذا أوصى الإنسان بأهله أو أوقف لأهله، هل يدخل الزوجات في ذلك أم لا؟
والذين يقولون بعدم الدخول يردون ذلك إلى العرف، ويقولون: إن العرف عند الناس أن الزوجات ليسوا من الأهل وإنما الأهل القرابة.
وإذا كان هكذا فإنه يقال: الزوجات من الأهل، فإذا أوقف الإنسان على أهل فلان أو أوصى لهم دخل فيهم الزوجات بمقتضى اللغة، ثم إن وجد عرف مضطرد لما في ذلك رجعنا فيه إلى العرف؛ لأن الصحيح من الأقوال يرد إلى أعراف الناس وعاداتهم، ترد معانيها إلى أعراف وعاداتهم، فإذا لم يوجد عرف رجعنا إلى الشرع أو اللغة حسب ما يكون ذلك، وفي هذا دليل..
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم؛ لأن هنا أهل البيت (...).
* وفيه دليل على أن الأحوال البشرية تطرأ حتى على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن موسى في تلك الليلة كان قد ضل الطريق ولم يهتد إليه، وقد أصابه البرد هو وأهله، والأنبياء والرسل لا يختلفون عن غيرهم إلا في أي شيء؟
* طلبة: في الرسالة.
* الشيخ: في الرسالة ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف ١١٠] فالأول: المماثلة في البشرية، والثاني: الاختصاص ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾ بالوحي.
* وفيه أيضًا دليل على أن الإنسان لا يلام على اتخاذ الوقاية الدافعة أو الرافعة؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ هذه الوقاية دافعة ولّا رافعة؟
* طالب: دافعة.
* طالب آخر: رافعة.
* طالب آخر: دافعة رافعة.
* الشيخ: دافعة رافعة، رافعة للبرد السابق ودافعة للبرد اللاحق، فاتخاذ الوقاية الدافعة أو الرافعة لا يلام عليها الإنسان، بل إنه ربما يؤمر به أمر إيجاب أو أمر استحباب حسب ما تقتضيه الحال التي يريد أن يرفعها أو يدفعها.
وفي الآية دليل على قبول خبر الثقة، منين تؤخذ؟
* طالب: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾.
* الشيخ: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ والعمل بخبر الثقة هذا سائغ، وأما من ليس بثقة فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات ٦].
(...) في هذا المقام ثلاثة أقسام: قسم يوثق به وقسم لا يوثق به وقسم محتمل.
الذي لا يوثق به لا يقبل، والموثوق به يقبل، والمجهول أو المحتمل يتبين عنه يتوقف حتى يتبين.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم ﴿سَآتِيكُمْ﴾ هذا يخاطب أهله، ففيه دليل على مخاطبة الواحد بلفظ الجمع، لكن هذا فائدة لغوية.
* طالب: خبر الثقة (...) فيكون بين أهله ثقة.
* الشيخ: الكلام على من يوثق به.
* الطالب: عامة يا شيخ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences