Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:7–13, continued
* الشيخ: لا، عامة وخاصة، يعني قد يكون هذا الإنسان معلوم الحال عندي أثق به، وهو عند الناس مجهول، يتوقفون بأمره، الكلام على الثقة الذي تثق به، لو أن رجلًا قال: إنه رأى الهلال وهو نظره ضعيف وأخبر أنه رأى الهلال، والناس اللي معه ما رأوه؟
* طلبة: لا يقبل قوله يا شيخ.
* الشيخ: ما يقبل قوله، ولو ذكره.
* الطلبة: ما يقبل.
* الشيخ: لأنه ما هو عدل، إي نعم، ما يقبل، ولهذا وقع عند بعض القضاة أنه قد رأى الناس الهلال، فقال شيخ منهم: إني رأيت الهلال، الناس اللي معه أقوى منه بصرًا فقالوا: ما رأيناه، والشيخ هذا (...) دينه وسوء أمانته موثوق به، وأصر على أنه رأى الهلال، فقال القاضي: ادن مني. فدنا منه، فمسح حاجبه، فقال له: انظر. قال: الآن ما رأيته، إي نعم فإذا هي شعرة بيضاء، وهذه من ذكاء القاضي لأنه تأكيد الناس اللي معه ما رأوه وهو رأى، فما يمكن وهو ثقة، ما هو برجل سوء في خبره، لكن قد يخطئ.
ثم يقول: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل ٨].
* يستفاد من هذه الآية أولًا: إثبات كلام الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿نُودِيَ﴾ فإذا قال قائل: الفعل هنا مبني للمجهول لم يبين من المنادي فلا دليل فيه على كلام الله، فما الجواب؟
* الطلبة: (...).
* الشيخ: أولًا: تحقيقها فيه، والثاني أيضًا: قوله لموسى عليه الصلاة والسلام: ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل ٩].
* وفيه دليل على أن كلام الله سبحانه وتعالى بصوت؛ لقوله: ﴿نُودِيَ﴾، والنداء لا يكون إلا بصوت، ففيه رد على طائفتين، مر علينا قولهما بالأمس من؟
* الطلبة: الأشاعرة..
* الشيخ: الأشاعرة والكُلَّابية الذين يقولون: إن كلام الله تعالى معنى قائم بنفسه، وهذا القول باطل وقد مر بنا كثيرًا.
* وفيه دليل على أنه ينبغي لما في المستوقف، الإنسان المستوقف نقول له: أوقف على معنى، لكي يطمئن ويكون قابلًا لما يلقى إليه؛ لأن المستوقف ما يقبل ما يلقى إليه، بمعنى أنه ما يتمكن من قبوله، يؤخذ من قوله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: غيره قبله، ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾؛ لأن إثبات البركة لمن في النار ومن حولها ليزداد به طمأنينة لأهله، ولهذا أول ما خاطبه الله في هذه الآية ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.
* وفيه دليل على تنزيه الله سبحانه وتعالى عما لا يليق به؛ لقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾.
* وفيه دليل على عموم ربوبية الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وهل معه رب آخر؟ لو كان معه ما صار ربًّا للعالمين، لو صار معه ربٌّ آخر لم يكن الله تعالى ربًّا للعالمين، بل ربًّا لبعض العالمين، والله سبحانه وتعالى رب العالمين، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أنه لا يمكن أن يكون مع الله إله آخر عقلًا، وقال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء ٢٢] ولم تفسدا، فدل على امتناع الآلهة، امتناع فسادهما، دل على امتناع تعدد الآلهة، وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون ٩١] وهذا أمر لم (...).
باب وحدانية الله سبحانه وتعالى في ربوبيته معلوم، حتى المشركون في عهد الرسول ﷺ كانوا يقرون بوحدانيته في الربوبية.
* وفيه دليل على ثناء الله تبارك وتعالى على نفسه، وأن ذلك من كماله؛ فإنه أثنى على نفسه بقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أثنى على نفسه بنفي وإثبات أو لا؟ النفي؟
* طالب: سبحان.
* الشيخ: سبحان الله، والإثبات؟
* الطالب: رب العالمين.
* الشيخ: رب العالمين، ومن هنا نعرف أنه لا يتم كمال الأوصاف إلا بهذين الأمرين، وهما النفي والإثبات؛ لأن إثبات الكمالات فقط لا يدل على نفي النقائص، ونفي النقائص فقط لا يدل على إثبات الكمالات، وباجتماعهما يحصل الثناء المطلق، ولهذا قالوا: لا بد من تخلية وتحلية.
* وفيه دليل -في الآية- دليل على أن جميع الخلق مربوبون لله سبحانه وتعالى، يتصرف فيهم بمقتضى ربوبيته؛ لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولهذا حكم الربوبية ما أحد يستطيع أن يخالفه.
* طالب: (...).
* الشيخ: الآن (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا مُوسَى﴾..
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم فيها أن (...) مباركة لقوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.
وفي قوله تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
* أولًا: في الآية دليل على أن تعيين الشخص بالنداء له فائدة، وذكرناها بالأمس، وهي؟
* طلبة: الطمأنينة.
* الشيخ: التطمين والإيناس؛ لأنك إذا قلت: يا فلان اطمأننت بلا شك، تقول: هذا يعرفني ما ينالني بسوء، ولهذا قال: ﴿يَا مُوسَى﴾.
* وفيه دليل على إثبات العزة والحكمة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
* وفيه أيضًا دليل على أنه ينبغي لمن أراد تعيين نفسه أن يبين اسمه؛ لقوله: ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ما قال: أنا مثلًا أنا مكلمك، أنا أنا أو ما أشبه ذلك، بل بين سبحانه وتعالى من الذي يكلمه.
هل فيها إثبات الألوهية لله، قصدي حصر الألوهية في الله؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لأن وصفه بالعزة والحكمة يقتضي أن يكون هو المألوه وحده.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ومن تعرف (...) المبتدأ والخبر؟ هذا حصر له؟
* وفيها أيضًا إثبات الحكم المطلق لله سبحانه وتعالى، ومأخوذة من ﴿الْحَكِيمُ﴾ لأنا ذكرنا أن الحكيم ذو الحكم والحكمة.
* الطلبة: (...).
* الشيخ: نعم إثبات الحكم المطلق لله سبحانه وتعالى من قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾.
﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ [النمل ١٠، ١١].
* أولًا: تفيد هذه الآية العظيمة الدلالة على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى، وهي من قوله: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾؛ لأنه أُمر بإلقائها فألقاها بمجرد وصولها إلى الأرض صارت حية، ولهذا في سورة طه: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ﴾ [طه ٢٠]، (إذا) فجائية تدل على مفاجأة الأمر ووصوله على وجه الفورية.
ففيها دليل واضح على أي شيء؟ على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى، وأنه إذا قال للشيء: كن فإنه يكون.
* وفيه أيضًا دليل على حكمة الله تعالى في آيات الرسل وأنها تناسب العصر؛ لقوله: ﴿تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾؛ لأن هذا أشبه ما يكون، لما تطور تطورًا بالغًا عندهم في ذلك الوقت وهو السحر، فإن أحدًا لو أنه أخذ عصا أمامه ووضعها في الأرض ثم رأيتها حية ماذا تقول؟ تقول: هذا سحر، ولذلك أوتي موسى علية الصلاة والسلام من الآيات ما يقضي على سحرهم.
* وفيه دليل على أن من البلاغة الإيجاز بالحذف، ولا يؤدي هذا قصورا ولا تقتيرًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: منين (...) على الأول؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ هنا فيه ثلاثة وجوه: (﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ﴾ فألقاها ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾ )؛ لأنه لو أُخذ الكلام على ظاهره لقال: وألق عصاك لما أمر بهذا اهتزت وهي في يده وليس الأمر كذلك.
* وفيه أيضًا دليل على أن هذه العصا لم تكن مجرد حيوان يتحرك، ولكنها أبلغ من ذلك ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾، ومعلوم أن الجان بنفسه مروع، الحية بنفسها مروعة، فإذا كانت من عظيم الحيَّات صارت أشر وأبلغ.
* وفيه دليل على جواز الخوف، أو على جواز أن يعتري الأنبياء الخوف ﴿وَلَّى مُدْبِرًا﴾، وأن ذلك لا يعد نقصًا فيهم؛ لأنه من مقتضى الطبيعة البشرية.
وهذا الذي يكون من مقتضى الطبيعة البشرية ما أحد يلام عليه الأنبياء (...) ويعطسون ويبردون ويمرضون ويموتون أيضًا ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف ١١٠].
* وفيه دليل على رحمة الله تبارك وتعالى بنبيه موسى؛ لقوله: ﴿يَا مُوسَى لَا تَخَفْ﴾ فإن هذا من رحمة الله به؛ لأنه إذا قال له وقد علم أنه رب العالمين إذا قال: لا تخف لا يمكن يخاف.
* وفيه دليل على جواز توجيه الأحكام الشرعية إلى الأمور الفقهية، يعني مثل لا تخف، إذا قال قائل: كنت (...) الخوف طبيعي كيف يبتعد عنه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، أنا قصدي هل يتوجه الحكم إلى مثل هذه الأمور الطبيعية؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) يمكن؛ لأن الإنسان (...) الخوف أمر طبيعي (...) يأتي الإنسان غصبًا عليه، لكنه يمكنه معالجته (...).
ولهذا جاء رجل للرسول عليه الصلاة والسلام قال: أوصني، قال: «لا تَغْضَبْ»[[أخرجه البخاري (٦١١٦) من حديث أبي هريرة.]] الغضب من طبيعة الإنسان، لكن معنى «لا تَغْضَبْ» معناه أنك تحاول أن تقلل من غضبك وأن تكون دائمًا هادئًا، ثم إن غضبتَ فلا تنفذ مقتضى هذا الغضب، فهمتم الآن؟
فإذن الأمور الطبيعية البشرية التي هي مقتضى الطبيعة البشرية يجوز أن يوجه الحكم إليها أمرًا أو نهيًا، ويكون ذلك من باب المدافعة أو من باب تقليل الآثار من باب مدافعتها قبل وجودها أو من باب تقليل آثارها، فلا يكون للإنسان أمرًا بما لا يستطيع إلا بعدم الغضب، وهو لا بد أن يغضب، أمر بعدم الخوف وهو لا بد أن يخاف من مظنة الخوف.
* طالب: (...).
* الشيخ: هو لما توجه تلقاء مدين أيش قال؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) النبوة فوق معرفة (...).
* وفيه أيضًا دليل على أن من كان مع الله سبحانه وتعالى فإنه لا ينبغي أن يخاف ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾، (﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ﴾ أي: عندي ﴿الْمُرْسَلُونَ﴾ ).
ولذلك كلما ذكر الإنسان ربه زال عنه الخوف ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال ٤٥] ففي ذكر الله سبحانه وتعالى زوال الخوف والقوة والرغبة في تنفيذ ما أمر الله تعالى به، ولهذا أمر الله به في الجهاد.
* وفيه دليل على أن من ظلم ثم أفاء بعمل صالح، فإن الله تعالى يمحو العمل السيئ بالعمل الصالح؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيم﴾.
وقد مر علينا بالأمس مناسبة هذه الجملة ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ مناسبة ذكرها في هذا المقام ما هو؟
* طالب: لما موسى عليه السلام لما قال له سبحانه وتعالى: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ ذكر خطيئته (...) فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ حتى يطمئن موسى عليه السلام ليرى أن الله قد غفر له.
* الشيخ: وفيه أيضًا إثبات المغفرة والرحمة لله؛ لقوله: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
* وفيه أيضًا أخذ الأحكام من مقتضى أسماء الله تعالى وصفاته، أخذ الأحكام من مقتضى الأسماء والصفات منين نأخذه؟ فإن قوله: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي أغفر له، وهذا حكم، وأخذ الأحكام من مقتضى الأسماء والصفات هذا من أحسن ما يكون من الاستدلال، ذكر أن رجلًا قرأ عند أعرابي: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله والله غفور رحيم) عند أعرابي، فقال الأعرابي وهو ما يقرأ القرآن، قال: أعد الآية، أخطأت فيها. فأعادها مرة ثانية وقال: (فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالًا من الله والله غفور رحيم). قال له: أعد الآية. فأعادها في الثالثة على الصواب، قال: ﴿نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة ٣٨] قال: الآن؛ فإنه عز وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع، قال: صحيح[[ينظر البحر المحيط (٤ / ٢٥٥)، والكشكول (٢ / ١١٢).]].
ويدل على هذا الفهم قوله تعالى في المحاربين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤] إذن معناه إذا علم أن الله غفور رحيم يغفر لهم ويتركون. ولهذا إذا تاب قاطع الطريق قبل القدرة سقط عنه الحد، وهل عاد يلحق به غيره من ذوي الحدود أو لا؟ قلت: لا.
إذن يستفاد من هذا أخذ الأحكام من مقتضى أسماء الله تعالى وصفاته؛ لقوله: ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) وهو لا شك أن الأنبياء ما يعصمون مما لا يخل بالرسالة (...) المنافي للرسالة والشرف والمروءة ما يعصمون منه، لكنهم يعصمون من الإقرار عليه، لا بد أن يوفقوا للتوبة، وهذا هو الفرق بينهم وبين غيرهم، وأظن أنا ذكرنا (...).
يقول: من يفرق بينهم وبين غيرهم من وجهين: من ناحية الذنوب والمعاصي.
أولًا: أنه لا يمكن أن يصدر منهم ما يخل بالرسالة، مثل الكذب والخيانة، ولا بالشرف والمروءة، كالزنا وما أشبهه.
ثانيًا: أنه إذا وقع منهم ما يمكن الوقوع بالمعاصي فإنهم لا يقرون عليه، لا بد أن يحصل لهم ما يوجب تركهم لهذا الشيء؛ لأنهم رسل قدوة (...) على المعاصي، لكانت المعاصي من شرائعهم، وأما القول بالعصمة مطلقًا فلا وجه له، ما فيه عصمة مطلقًا، بل الصواب أنه يحصل منهم ما يحصل ولكنهم لا يُقَرون عليه.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: هو اعترف بأنه ظالم ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ [القصص ١٦]، اعترف بأنه ظالم واعتذر عن ذلك أيضًا بمطلق الشجاعة.
* الطالب: (...) أن موسى قتل نفسًا، يعني ما ظلم نفسه، بل يدافع عن قومه، ليس بظالم، إذا كان يرى إنسان مثلًا فاضل (...) قوم يسلطوا عليه (...).
* الشيخ: ما هو بصحيح، كلامه ما هو بصحيح؛ لأنه (...) في الأرض، وهذا الرجل بالذات بينه وبين الثاني عهد (...) خاصة.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذه مسألة (...) ولكنه خلاف الأولى، ولهذا لامه الله عليها، لكن ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة ٤٣] ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التحريم ١]، هذا مما يدل على أن الأمر وقع من الرسول عليه الصلاة والسلام ولكنه غفر له ما عوقب عليه.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم صحيح هو قولنا، ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ الإشارة إلى أن موسى عليه الصلاة والسلام إشارته بالرسالة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، أصبح النداء ما هو يلزم منه القرب والبعد النداء بصوت مسمع.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) وقد يرفع صوته ولا يفهم منه شيء، (...) يقولون: إن الله ناداه من بعيد ثم قربه نجيًّا، مثلما قال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم ٥٢].
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني الحكم بأنه (...) هذه النار، الله أعلم، ما أدري، لكن لعل هناك حكمة أن المكان هذاك بالذات بالوادي المقدس، أن الوادي هذا مبارك مقدس، فصار ابتداء الوحي من ذاك المكان؛ لأنه كان عليه الصلاة والسلام بعيدًا منه (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم؟ بوضوح (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: وأيش الحكم في البعاد عن (...)؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما يخالف، يمكن الإنسان يتحمل، ولهذا لما اختار موسى قومه سبعين رجلًا وكلم الله تعالى موسى وهم يسمعون، وقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة ٥٥]، الآن ما يتبين لي إلا أنه والله أعلم أن هذا في مكان خاص هو المقدس المبارك، وربما بعد البحث نحصل عليه.
* طالب: (...).
* الشيخ: إلا، من قوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.
* * *
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، مبتدأ الكلام: (﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ﴾ طوق القميص) هذا التفسير للجيب أنه طوق القميص.
وقوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ﴾ اليد كلها تطلق على الكف فقط، ولا تشمل الذراع إلا مقيدة.
والدليل على هذا أن الله تعالى لما قال في التيمم: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ [النساء ٤٣] صار خاصًّا بالكفين، ولما أراد الله تبارك وتعالى الذراع قال في الوضوء: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة ٦] إذن اللي يعطل هذا النص باللغة العربية أن الذي أُمر أن يدخله موسى ليس اليد الذراع، بل الكف (...) في جيبه هكذا.
﴿فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ (تخرج) مجزومة مع أنها فعل مضارع، ولا دخل عليها حرف جازم، لكنها مجزومة بأي شيء؟
* الطلبة: جواب الطلب.
* الشيخ: بجواب الطلب، جواب الطلب اللي هو (أدخل)، ومعروف أنه إذا سقطت الفاء وقصد الجزاء جزم، هذه القاعدة، فاء السببية إذا جاءت بعد الطلب جزم الفعل بها، أو بـ(أن) المضمرة، فإذا سقطت الفاء بعد الطلب وقصد الجزاء جزم.
* الطلبة: جزم.
* الشيخ: جزم، هذه قاعدة معروفة في النحو.
(﴿تَخْرُجْ﴾ -يعني اليد- خلاف لونها من الأدمة ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ ) منين أخذ المؤلف أن لونها الأدمة؟
* الطلبة: من قوله: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ لأنها لو كانت بيضاء من قبل ما قال تخرج بيضاء، فلا بد أنها تغيرت من اللون الأول إلى اللون الثاني.
وقوله: ﴿بَيْضَاءَ﴾ حال من فاعل (تخرج) يعني حال كونها بيضاء.
﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ هذا تقييد؛ لقوله: ﴿بَيْضَاءَ﴾؛ لأن البيضاء قد يكون بياضها سوءًا، مثل البرص فإنه سوء؛ لأنه عَيب يسوء صاحبه، لكنه قال: ﴿مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ إذن بياض ليس كبياض البرص.
ولهذا يقول المؤلف: (﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ برص لها شعاع يغشى البصر آية).
أما قوله: (لها شعاع) فهذا يحتاج إلى دليل، فالله تبارك وتعالى ما ذكر إلا أنها لون، وكفى بذلك آية أن تدخل اليد على لون ثم تخرج بلون آخر، وأما زيادة الشعاع فإن الله تعالى لم يذكره، وليس لنا أن نتجاوز في هذه الأمور ما دل عليه القرآن؛ لأننا ذكرنا فيما سبق أن المسائل الخبرية لا مجال للرأي فيها، المسائل الخبرية ما للرأي فيها مجال، يقتصر فيها على أي شيء؟ على ما جاء به الخبر، فنقول: هي بيضاء وكفى بها آية.
قال المؤلف: (آية ﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ ) (في) للظرفية، فتكون الآية هذه وكذلك آية العصا تكون من جملة التسع وليست زائدة على التسع.
(﴿فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ مرسلًا بها ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ ) عرف موسى آيتين منها، من هذه التسع، وهي؟
* الطلبة: العصا..
* الشيخ: العصا واليد لكن بقي؟
* طلبة: سبع.
* الشيخ: سبع آيات، فما هي الآيات (...).
* طلبة: (...).
* الشيخ: نقول: في تسع آيات آيتان معروفتان الآن، بقية التسع ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ﴾ [الأعراف ١٣٣] هذا كم مع اثنتين؟ سبع ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف ١٣٠] فكم الجميع؟
* طالب: تسع.
* الشيخ: تسع آيات، هذه الآيات التسع.
﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ﴾ ويش هو الطوفان؟
* طالب: الفيضان.
* الشيخ: الفيضان، فيضان الماء، (الجراد) معروف، (القمل).
* طالب: النمل.
* الشيخ: الدودة لا الدودة هي التي تكون في الحبوب، هذه القمل.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، (الضفادع) معروفة، و(الدم)؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: معروف، عاد نشوف الآن، الدم بعض العلماء يقول: إن الدم هذا الماء إذا شربوه فإذا هو دم، وإذا سلمه القبطي إلى الإسرائيلي هذا ماء.
ولكن الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله ذهب أيضًا هذا المذهب، و(الطوفان) الفيضان، وهذا يفسد الزروع قبل خروجها، و(الجراد) يأكل الزروع بعد خروجها، يعني ما تجد شيئًا مزروعًا، هذا يفسده الماء، والخارج يأكله الجراد، وفي المدخر يفسده؟
* طلبة: القمل.
* الشيخ: القمل، أو تفسده الضفادع كذا (...) المأكول والمشروب فقط، واضح؟ (...) إذا أكله الإنسان أو شرب يتحول إلى دم أرسل عليهم الدم أيضًا، وهو النزيف، النزيف: الرعاف، فعلى هذا يكون هؤلاء غذاؤهم فسد وما حصل بالغذاء نجس أيضًا، وهذا الأخير هو معناه السليم؛ لأن كونه من الماء ويصير دم يحصل (...) بالضفادع، الضفادع (...) يدخل جسد الواحد يكون رائحته خبيثة..
أرسل عليهم الدم أيضًا وهو النزيف الرعاف.
فعلى هذا يكون هؤلاء غذاؤهم فسد، وما حصل بالغذاء نجس أيضًا، وهذا الحقيقة هو معنى الدم؛ لأن كونه مع الماء يصير دم يحصل إفساد الماء بالضفادع، الضفادع إذا صار (...) ما يمكن يوجد ضفادع (...) رائحته خبيثة ومنظره خبيث، وما يمكن يضع شفته إلا (...).
الحاصل: أن الصواب ما ذهب إليه الشيخ رحمه الله في التفسير، هذه تسع آيات: ﴿بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف ١٣٠] السنين وأيش معناه؟ الجدب والقحط وهو عدم (...).
وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ [النمل ١١] ليذكّره بما من به عليه من التوبة، ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ﴾ ﴿بَدَّلَ﴾ المؤلف فسّرها بقوله: أتى حُسنًا؛ لأن ظاهره في الحقيقة ما يستقيم به المعنى، بدّل حسنًا بسوء، أيهم المأخوذ؛ لأن (بدّل) تدل على أن هناك بدلًا ومبدلًا منه، فإذا قلت: بدّل حسنًا، وأيش يقول؟
* طالب: بسوء.
* الشيخ: بسوء، يصير الحُسن مدفوع، والسوء مأخوذ، أو لا؟ بدّلت ثوبي بثوبك، أين المأخوذ؟
* طالب: الأخير.
* الشيخ: الأخير،كذا ولَّا لا؟ فهنا ﴿بَدَّلَ حُسْنًا﴾ لو أخذنا بظاهرها معناه: أنه ترك حسنًا وأخذ سوءًا؛ ولهذا فسّر المؤلف قوله: ﴿بَدَّلَ﴾ بـ(أتى).
والدليل على ذلك: أنه لو كان المراد بالتبديل ظاهر معناه ما صحّ أن يُعبَّر بقوله: ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾، لو كان كذلك لقال: بدّل حسنًا بسوء، ما قال: ﴿بَعْدَ﴾، فلما قال: ﴿بَعْدَ سُوءٍ﴾ عُلم أن (بدّل) هنا بمعنى (استبدل)، و(استبدل) بمعنى (أخذ)؛ ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة ٦١]، و(أخذ) -مثلما قال- بمعنى (أتى).
والمعنى من الآية الكريمة: أن من أتى حُسنًا بعد سوءٍ (...).
إي نعم، اسم شرط جازم، وليست اسمًا موصولًا مستثنى؛ لأن الاستثناء هنا منقطع.
﴿مَنْ ظَلَمَ﴾ ﴿ظَلَمَ﴾ فعل الشرط، وجملة ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ جواب الشرط.
أقول: لو قال قائل: ما وجه ارتباط الجواب بالشرط؟
* طالب: أن الظلم وتبديل الظلم بالحسنى يناسب العفو من الله، أو يستحق الغفران والرحمة.
* الشيخ: إي نعم، الجواب على هذا أن نقول: لما ذكر الله سبحانه وتعالى هذين الاسمين؛ ﴿فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فإنه يريد مقتضاهما، فمقتضى المغفرة: أن يغفر لهذا الذي ظلم ثم بدل حُسنًا بعد سوء، ومقتضى الرحمة أيضًا: أن يرحمه.
ونظير هذا قوله تعالى في المحاربين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤] معناه: يسقط عنه الحد؛ لأن هذا مقتضى المغفرة والرحمة، فهنا مقتضى المغفرة والرحمة: أن من بدّل حُسنًا بعد سوء فإن الله تبارك وتعالى يغفر له ويرحمه.
يشمل الرسل وغير الرسل؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، يشمل الرسل وغير الرسل.
ومن ثمَّ حَسُن أن يقول المؤلف ونقول معه أيضًا: إن (إلا) هنا الاستثناء منقطع؛ لأنه يشمل الرسل وغير الرسل.
* * *
* طالب: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤) وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل 12 - 16].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ [النمل ٧].
* أولًا: يستفاد من هذه الآية: حُسْن خلق موسى عليه الصلاة والسلام؛ وذلك لمكالمته لأهله ومراجعته إياهم فيما يَهِمّ الجميع؛ يعني: أنه لم يذهب هو بدون أن يقول لهم هذا القول، مما يدل على أنه يتراجع معهم فيما يهمهم.
* وفي هذا دليل على أن الزوجة من الأهل، وهذا هو القول الصحيح، فعلى هذا آلُ النبي ﷺ يدخل فيه أزواجه؛ لأنهن من الأهل.
وقد اختلف العلماء فيما إذا أوصى الإنسان لأهله أو أوقف لأهله، هل يدخل الزوجات في ذلك أم لا؟
والذين يقولون بعدم الدخول يردّون ذلك إلى العُرف، ويقولون: إن العُرف عند الناس أن الزوجات لسن من الأهل، وإنما الأهل القرابة.
وإذا كان هكذا فإنه يُقال: الزوجات من الأهل، فإذا أوقف الإنسان على أهل فلان أو أوصى لهم دخل فيهم الزوجات بمقتضى اللغة.
ثم إن وُجد عُرفٌ مضطرد ينافي ذلك رجعنا فيه إلى العُرف؛ لأن الصحيح أن الأقوال تُردُّ معانيها إلى أعراف الناس وعاداتهم، فإذا لم يوجد عرف رجعنا إلى الشرع أو اللغة حسب ما يكون ذلك.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، يعني هنا أهل البيت (...).
* وفيه دليل على أن الأحوال البشرية تطرأ حتى على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فإن موسى في تلك الليلة كان قد ضل الطريق ولم يهتدِ إليها، وقد أصابه البرد هو وأهله، والأنبياء والرسل لا يختلفون عن غيرهم إلا بأي شيء؟
* طالب: بالرسالة.
* الشيخ: بالرسالة، ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف ١١٠]، فالأول مماثلة في البشرية، والثاني الاختصاص يوحى إليه بالوحي.
* وفيه أيضًا دليل على أن الإنسان لا يُلام على اتخاذ الوقاية الدافعة أو الرافعة؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾، هذه الوقاية دافعة ولَّا رافعة؟
* طالب: دافعة، رافعة.
* الشيخ: دافعة رافعة؛ رافعة للبرد السابق، ودافعة للبرد اللاحق، فاتخاذ الوقاية الدافعة أو الرافعة لا يُلام عليها الإنسان، بل إنه ربما يُؤمر به أمر إيجاب أو أمر استحباب، حسب ما تقتضيه الحال التي يريد أن يرفعها أو يدفعها.
* وفي الآية دليل على قبول خبر الثقة، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿سَآتِيكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾، فالعمل بخبر الثقة هذا سائغ، وأما من ليس بثقة فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الحجرات ٦].
والناس في هذا المقام ثلاثة أقسام: قسم يوثق به، وقسم لا يوثق به، وقسم محتمل.
الذي لا يُوثق به لا يُقبل، والموثوق به يُقبل، والمجهول أو المحتمل يُتبين أمره، يُتوقف حتى يتبين.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، ﴿سَآتِيكُمْ﴾ هذا يخاطب أهله، ففيه دليل على مخاطبة الواحد بلفظ الجمع، لكن هذه فائدة لغوية.
* طالب: شيخ، خبر الثقة يذكر إذا كان أهله، يعني فلا يشغلون الناس فيكون بين أهل الثقة؟
* الشيخ: الكلام على من يوثق به.
* الطالب: العامة أو الخاصة؟
* الشيخ: لا، عامة وخاصة؛ يعني: قد يكون هذا الإنسان معلوم الحال عندي أثق به، وهو عند الناس مجهول يتوقفون في أمره، الكلام على الثقة الذي تثق به.
لو أن رجلًا قال: إنه رأى الهلال وهو نظره ضعيف، والناس الذين معه ما رأوه؟
* طالب: ما يُقبل قوله.
* الشيخ: ما يُقبل قوله، ولو هو ثقة؟
* الطالب: ولو هو ثقة.
* الشيخ: لأن له عدلًا، إي نعم، ما يُقبل؛ ولهذا وقعت عند بعض القضاة فيما سبق؛ تراءى الناس الهلال فقال شيخ منهم: إني رأيت الهلال، والناس اللي معه أقوى منه بصرًا فقالوا: ما رأيناه، والشيخ هذا في حدِّ دينه وفي أمانته موثوقٌ به، وأصر على أنه رأى الهلال، فقال القاضي: ادنُ مني، فدنا منه فمسح حاجبه، فقال له: انظر، قال: الآن ما رأيته، فإذا هي شعرة بيضاء، وهذا من ذكاء القاضي؛ لأنه قال: كيف الناس ما رأوه وهو رأى؟ هذا ما يمكن، وهو ثقة، ما هو رجل مشكوك في خبره، لكن قد يهم.
﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل ٨].
* يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: إثبات كلام الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿نُودِيَ﴾.
فإذا قال قائل: الفعل هنا مبني للمجهول لم يُبَيَّن من المنادي، فلا دليل فيه على كلام الله، فما الجواب؟
* طالب: مذكور في آية أخرى.
* الشيخ: أولًا ذكره في آية أخرى، والثاني أيضًا قوله في استفتاح الكلام: ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل ٩].
* وفيه دليل على أن كلام الله سبحانه وتعالى بصوت؛ لقوله: ﴿نُودِيَ﴾، والنداء لا يكون إلا بصوت، ففيه رد على طائفتين مر علينا قولهما بالأمس من؟ الأشاعرة والكلَّابية الذين يقولون: إن كلام الله تعالى معنًى قائم بنفسه، وهذا القول باطل بأوجه كثيرة.
* وفيه دليل على أنه ينبغي إيناس المستوحش، الإنسان المستوحش أنك قد تقول له أو تفعل معه ما يؤنسه ليطمئن، ويكون قابلًا لما يُلقى إليه؛ لأن المستوحش ما يقبل ما يلقى عليه؛ بمعنى أنه ما يتمكن من قبوله، يؤخذ من قوله؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: وغيره قبله ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾، فإن إثبات البركة لمن في النار ومن حولها يزداد به طمأنينة بلا شك؛ ولهذا أول ما خاطبه الله في هذه الآية: ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.
* وفيه دليل على تنزيه الله سبحانه وتعالى عمّا لا يليق به؛ لقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾.
* وفيه دليل على عموم ربوبية الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
وهل معه ربٌ آخر؟ لو صار معه ربٌ آخر لم يكن الله تعالى ربًّا للعالمينظ، بل ربًّا لبعض العالمين، والله سبحانه وتعالى ربُّ العالمين، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى أنه لا يمكن أن يكون مع الله إلهًا آخر عقلًا، فقال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ الأنبياء: ٢٢] ولم تفسدا، فدل على امتناع تعدد الآلهة، وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون ٩١]، وهذا أمر لم يحدث.
فإثبات وحدانية الله سبحانه وتعالى في ربوبيته معلومة، حتى المشركون في عهد الرسول ﷺ كانوا يقرون بوحدانية الربوبية.
* وفيه دليل على ثناء الله تبارك وتعالى على نفسه وأن ذلك من كماله، فإنه أثنى على نفسه بقوله: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أثنى على نفسه بنفيٍ وإثبات أو لا؟ النفي ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾، والإثبات ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ومن هنا نعرف أنه لا يتم كمال الأوصاف إلا بهذين الأمرين وهما: النفي والإثبات؛ لأن إثبات الكمالات فقط لا يدل على نفي النقائص، ونفي النقائص فقط لا يدل على إثبات الكمالات، وباجتماعهما يحصل الكمال المطلق؛ ولهذا قالوا: لا بد من تخلية وتحلية.
* وفيه دليل على أن جميع الخلق مربوبون لله سبحانه وتعالى يتصرف فيهم بمقتضى ربوبيته؛ لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ ولهذا حكم الربوبية ما أحد يستطيع أن يخالفه.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، ما يخالف، بس الآن ويش وجهه؟
* الطالب: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الرب مالك يتصرف في ملكه كما يشاء.
* طالب آخر: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، فيها أن (...) مباركة؛ لقوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾.
وفي قوله تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
* أولًا: في الآية دليل على أن تعيين الشخص بالنداء له فائدة وذكرناها بالأمس وهي: التطمين والإيناس؛ لأنك إذا قلت: يا فلان، طمأنته بلا شك؛ لأنه يقول: هذا يعرفني ما ينالني بسوء؛ ولهذا قال: ﴿يَا مُوسَى﴾.
* وفيه دليل على إثبات العزة والحكمة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
* وفيه أيضًا دليل على أنه ينبغي لمن أراد تعيين نفسه أن يبيّن اسمه؛ لقوله: ﴿أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ما قال مثلًا: أنا مكلمك، أنا أنا، أو ما أشبه ذلك، بل بيّن سبحانه وتعالى من الذي يكلمه.
هل فيها حصر الألوهية في الله؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: كيف تعرفها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: يعني معناها وصفه بالعزة والحكمة يقتضي أن يكون هو المألوه وحده؟
* الطالب: أن يكون هو المألوه.
* طالب آخر: ﴿أَنَا اللَّهُ﴾.
* الشيخ: ومن تعريف المبتدأ والخبر أن هذا حصر لفظي.
* وفيه أيضًا: إثبات الحكم المطلق لله سبحانه وتعالى، ومأخوذة من ﴿الْحَكِيمُ﴾؛ لأنا ذكرنا أن الحكيم ذو الحُكم والحكمة.
﴿وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ [النمل ١٠، ١١].
أولًا: في هذه الآية العظيمة الدالة على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى وهي من قوله: ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ﴾؛ لأنه أُمر بإلقائها فألقاها، وبمجرد وصولها إلى الأرض صارت حيّة؛ ولهذا في سورة طه: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ﴾ [طه ٢٠] (إذا) فجائية تدل على مفاجأة الأمر ووقوعه على وجه الفورية.
* ففيها دليل واضح على أي شيء؟ على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى، وأنه إذا قال للشيء: كن، فإنه يكون.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences