Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:133–134
3:133–134Page 67
۞ وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ ١٣٣
And hasten to forgiveness from your Lord and a garden [i.e., Paradise] as wide as the heavens and earth, prepared for the righteous
ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣٤
Who spend [in the cause of Allāh] during ease and hardship and who restrain anger and who pardon the people - and Allāh loves the doers of good;
ثم قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ إلى آخره.
﴿سَارِعُوا﴾ ولم يقل: أسرعوا؛ لأن المفاعلة تكون من اثنين في الغالب، المعنى أنه لِيَسْبِقْ بعضكم بعضًا أو ليسابق بعضكم بعضًا إلى هذا الأمر: المغفرة والجنة، وهذا كقوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد ٢١].
﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ المغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه، وليست هي مجرد التجاوز عن الذنب؛ لأن أصلها من (الْمِغْفَر)، والمغفر ما يوضع على الرأس حال الحرب يتَوقَّى به السهام، وهو مفيد فائدتين وهما: الستر والوقاية، ويدل لهذا قوله تعالى حينما يحاسب عبده في الآخرة ويقرّ العبد بذنوبه فيقول: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[أخرجه البخاري (٢٤٤١) من حديث ابن عمر.]] فالمغفرة إذن أيش؟ ستر الذنب والتجاوز عنه، فمن ستر الله عليه ذنبه في الدنيا فقد غفر له، ولكن لا تتم المغفرة إلا بالتجاوز عن الذنب وعدم العقوبة عليه، وإلا فإن الستر نوع من المغفرة بلا شك، فإن الإنسان لو فُضِح بذنبه -والعياذ بالله- لم يكن هذا مغفرة، لكن إذا سُتِر عليه فإن هذا فيه مهلة أن يجعل الله تعالى الأمر بينه وبين عبده لعله يتوب ولا يُعلَم بذنبه.
﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وكيف نسارع إلى المغفرة؟ المسارعة إلى المغفرة هي المسارعة إلى فعل أسباب المغفرة، المسارعة إلى فعل أسباب المغفرة، وأسباب المغفرة إما استغفار، وإما عمل صالح؛ فالاستغفار أن يقول: اللهم اغفر لي، أستغفر الله، وما أشبه ذلك، وإما عمل صالح؛ لأن من الأعمال الصالحة ما يُكفّر الله به الخطايا مثل: الصلوات الخمس، الجمعة إلى الجمعة، رمضان إلى رمضان، العمرة إلى العمرة، العمل الصالح يُذهِب العمل السيئ، فإذن المسارعة إلى المغفرة هي المسارعة إلى أسباب المغفرة، إما بالاستغفار وهو طلب المغفرة، وإما بالأعمال الصالحة التي تُذهب السيئات.
وقوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا﴾ مغفرة وجنة؛ لأن الإنسان لا تتم سعادته إلا بأمرين: زوال المكروه، وحصول المطلوب، ففي أي شيء يكون زوال المكروه من هذه الآية؟ بالمغفرة.
* الشيخ: حصول المطلوب؟
* الطالب: بالجنة.
* الشيخ: بالجنة، ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا﴾. وقوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا﴾ الجنة هنا هي الدار التي أعدها الله عز وجل لأوليائه، أعدها الله للمتقين، والمتقون المؤمنون هم أولياء الله، هذه هي الجنة، أما الجنة في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ﴾ [البقرة ٢٦٥] فهي البستان، ففرْق، جنة الدنيا هي البساتين، جنة الآخرة هي الدار التي أعدها الله عز وجل لأوليائه، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولا يمكن للإنسان أن يتصوّر ما في الجنة من النعيم، أما جنات الدنيا فكل إنسان يتصور ذلك، كل إنسان يمكن أن يتصور جنة فلان أو فلان؛ يعني بستانه على صفة كذا وكذا، لكن جنة الآخرة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وقوله: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ في الآية الثانية: ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد ٢١] والفرق بينهما: أن التشبيه هنا بليغ، وأما التشبيه هناك فليس ببليغ، يعني من حيث الاصطلاح وإلا كل القرآن بليغ؛ لأنهم يقولون: التشبيه مؤكَّد غير مؤكد، وبليغ غير بليغ، إذا ذُكرت أداة التشبيه فهو غير بليغ، فإذا حُذِفت أداة التشبيه ووجه الشبه صار بليغًا، هنا حُذِفت أداة التشبيه ووجه الشبه، أما إذا ذُكِرت أداة التشبيه فإنه يسمى تشبيهًا مرسلًا، وإذا ذُكِر وجه الشبه صار مرسلًا غير مؤكد، أظنكم تعرفون هذا في البلاغة؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ما يخالف. نقول: فلان كالبحر كرمًا، وإن شئت فقل: في الكرم، هذا التشبيه فيه كل الأركان الأربعة؛ لأن التشبيه له أركان أربعة مثل القياس: مشبَّه، مشبَّه به، أداة تشبيه، وجه الشبه، فإذا قلت: فلان كالبحر كرمًا، أو في الكرم لا بأس، فهنا التشبيه ذُكِرت فيه الأركان الأربعة، باعتبار ذِكْر أداة التشبيه يُسمى مرسلًا، وباعتبار ذكر وجه الشبه يسمى غير بليغ؛ يعني أن هذا أدنى أنواع التشبيه، فلان إذا ذُكِر المشبّه والمشبّه به وأداة التشبيه ووجه الشبه، فهذا أدنى أنواع التشبيه، إذا حُذفت أداة التشبيه وذُكِر وجه الشبه صار مؤكدًا، لكنه غير بليغ؛ لأنك إذا قلت: فلان بحر، أكدت أنه بحر، في الكرم، نقصته شوي، فإذا حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه صار تشبيهًا بليغًا، إذا قلت: فلان بحر، فإذا قلت: رأيت بحرًا يعطي الدراهم بلا عدّ، صار هذا أبلغ من الأول، أبلغ، ويسمى هذا استعارة، معروف عندكم. على كل حال ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ هذا التشبيه ما نوعه؟
* الطلبة: بليغ.
* الشيخ: بليغ؛ لأنه حذفت منه أداة التشبيه ووجه الشبه فيكون بليغًا. ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ وأيش معنى ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾؟ يعني كعرض السماء والأرض، لكن هل يلزم من هذا أن تكون مالئة للسماء والأرض؟ أو أنها كعرض السماء والأرض وإن كانت هي في محلّ آخر؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: الثاني، ولذلك شكَّك بعض العلماء في الأحاديث التي فيها «أن رجلًا من اليهود سأل النبي ﷺ قال: » ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ «، كيف تكون عرضها السماوات والأرض؟ أين السماوات والأرض إذا كانت هي عرضها عرض السماوات والأرض؟ فقال الرسول: «أَيْنَ يَكُونُ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ؟» »[[ أخرجه الطبري (٦ /٥٥) من حديث عمر بن الخطاب موقوفًا عليه، وعزاه ابن كثير للبزار مرفوعًا.]]. فهذا الحديث في رفعه نظر، لماذا؟ لأن الآية لا تدل على أن الجنة ملأت السماوات والأرض وصارت في محلهما، بل تدل على أن عرضها عرض السماوات والأرض وإن كانت هي فوقهم، ولذلك نقول: إن الجنة فوق السماوات والأرض كلها، كما ثبت ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَعْلَى الْجَنَّةِ، وَمِنْهُ تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهَا، أَوْ: وَفَوْقُهَا -رُوِيَ بِالْوَجْهَيْنِ- عَرْشُ الرَّحْمَنِ»[[أخرجه البخاري (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة.]]. وهذا يدل على أن الجنة فوق السماوات، وأما النار فهي في أسفل السافلين، وعلى هذا فلا يكون في الآية إشكال إطلاقًا. ويحتمل أن نقول: إن هذا اليهودي أراد أن يُلَبِّس ويُشَبِّه في القرآن ويتبع ما تشابه، وإن النبي ﷺ -إذا صح الحديث- أجابه على وجه يُبْهَت فيه ولا يتكلم، وعلى مقتضى أيش؟ على مقتضى عقله، فقال: «أَيْنَ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ؟». وعلى كل حال فإن معنى الآية الكريمة أن هذه الجنة عرضها عرض السماوات والأرض، وطولها؟ قال بعض أهل العلم: إنه إذا كان عرضها السماوات والأرض فطولها أعظم وأعظم؛ لأن العادة أن العرض؟
* طالب: أقصر.
* الشيخ: دون الطول، ولكن الصحيح أن عرضها واحد، ليس لها عرض وطول؛ وذلك لأنها مستديرة وليست مربعة، وإذا كانت كذلك فإن عرضها يكون طولها، هذا هو الصحيح الذي صحّحه جماعة من أهل العلم.
﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ الجملة في ﴿أُعِدَّتْ﴾ هل هي في محل جر صفة لجنة، أم في محل نصب حالًا من الجنة؟
* طالب: صفة للجنة.
* الشيخ: يعني في محل جر؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: صفة للجنة، هل يجوز أن تكون في محل نصب حالًا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لماذا؟ مع أن الجنة نكرة.
* طالب: لأنها وصفت الجنة وُصِفَت ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾.
* الشيخ: والنكرة إذا وُصِفت جاز أن تأتي منها الحال.
﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ من الذي أعدها؟
* طلبة: الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: أعدها الله عز وجل، وقد بيَّن الله ذلك في آيات أخرى مثل قوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة ١٠٠] فالْمُعِد هو الله، ولكنه ذُكِر بصيغة المجهول ليوافق قوله فيما سبق: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾. المتقون هم الذين اتخذوا وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
ثم ذكر الله من صفاتهم فقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٣٤، ١٣٥].
هذه أوصافهم، أولًا: الوصف الأول: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ وحينئذٍ قد يسأل سائل: كيف بدأ بالإنفاق دون ذكر الصلاة مثلًا، والصلاة أهم من الإنفاق؟ لأنه لما نهى عن أكل الربا أضعافًا مضاعفة بدأ بضده، ضد أكل الربا وهو الإنفاق، وهذا كقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم ٣٩] فإنه لما قال: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ بدأ بذكر الإنفاق في صفات المتقين؛ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ ينفقون ماذا؟ حُذِف المفعول ليكون دالًّا على العموم، أي: ينفقون كل ما يمكن إنفاقه من أعيان ومنافع وجاه وغير ذلك، فإن الإنسان قد ينفق أعيانًا كالثياب، ودراهم كالنقود مثلًا، وكذلك قد يُنفق منافع؛ بأن يُعير شخصًا ما ينتفع به هذا المستعير، وجاهًا بأن يتوسط لشخص أو يشفع له، فالإنفاق هنا عام: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾، و﴿فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ ﴿السَّرَّاءِ﴾: ما يَسُرّ، و﴿الضَّرَّاءِ﴾: ما يَضُرّ، يعني في حال الرخاء وفي حال الشدة ينفقون، ولم يبين على مَن ينفقون، ولكن الله قد بيَّن في سورة البقرة قال: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة ٢١٥]. فينفق في جهات الخير لا في جهات الشر؛ لأنه لو أنفق في جهات الشر لخرج عن وصف المتقين، والله سبحانه وتعالى ذكر الإنفاق هنا وصفًا لمن؟ للمتقين، فلا بد أن يكون إنفاقهم فيما يُرضِي الله.
إذا قال قائل: ﴿فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾، أما في السراء والسعة والرخاء فالإنفاق وجيه، وأما في الضراء فكيف يكون الإنفاق؟ فالجواب: أنه يجب أن نعلم أن الإنفاق ليس خاصًّا بالإنفاق على البعيد عنك، بل هو عام يشمل حتى الإنفاق على ابنك وبنتك وأمك وأبيك وزوجتك بل ونفسك، حتى الإنفاق على النفس يؤجَر الإنسان عليه ويكون صدقة، «قال النبي عليه الصلاة والسلام لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كلمة جامعة نافعة مانعة، قال: «وَاعْلَمْ أَنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُهُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ». أو: «فِي فِي امْرَأَتِكَ»[[حديث متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٢٩٥)، ومسلم (١٦٢٨ / ٥) من حديث سعد بن أبي وقاص.]]. إذن نقول في الضراء: هل يمكن الإنفاق في الضراء؟ الجواب: نعم، ينفق، قد يكون الإنسان في أشد العسر وينفِق على أهله وزوجته بل وعلى نفسه.
قال: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ الكَظْم معناه: المنع مع ألم وتأثّر، الكظم يعني يكظم بألم وشدة وتأثر، والغيظ قيل: إنه أشد الغضب، أشد الغضب؛ يعني أنهم إذا غضبوا وثاروا حبَسوا غيظهم، ومعلوم أن من أشد ما يكون على الإنسان أن يحبس غيظه، ويعرف ذلك مَن يكون سريع الغضب، فإنه إذا أراد أن يكظم الغيظ يجد شدة عظيمة كأن أحدًا يصرعه صَرَعًا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟» » قالوا: الذي لا يُصرَع -والصَّرَع معناه الطرح- قال: «إِنَّمَا الصُّرَعَةُ مَنْ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٠٨ / ١٠٦) من حديث ابن مسعود.]]. هذا هو الصرعة الذي إذا ثارت نفسه ملكها؛ ولهذا قال: ﴿الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ يعني إذا فعل بهم إنسان ما يغيظهم فإنهم يكظمون على شدة ومعاناة وألم، ويدل على أن الكظم فيه شدة ومعاناة قولُ النبي ﷺ: «إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢٨٩)، ومسلم (٢٩٩٤ / ٥٦) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]. ولهذا يجد بعض الناس إذا أراد التثاؤب يجد شدة عظيمة في منع فتح فمه، مع أن المشروع أن تكظم وألا تفتح الفم، وقد ذكر بعض العلماء شيئًا يُيَسِّر لك الكظم، قال: إذا أصابك التثاؤب فعضَّ شفتك السفلى. عَضَّ شفتك السفلى إذا عضَضْتها لم يمكن فتح الفم، بس أخشى أنه يُكَوِّر الإنسان ويقطعها، على كل حال هذه لا شك أنها فيها علاج. إذن الكظم معناه الحبس لكن بشدة ومعاناة، والغيظ أشد الغضب، وإذا كانوا يكظمون الغيظ وهو أشد الغضب فما بالك بما دونه، ولكن الحالة العليا هي كظم الغيظ.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أقول: ذكرنا في قول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ أنه ترَك الصلاة؛ لأنه لما ذكر الربا بدأ بهذا، أقول: أحسن الله إليك ما يكون هذا يعني بدأ بهذا وما بعده؛ لأن هذا فيما يتعلق بحقوق الناس، فلو تأملنا مثلًا الإنفاق في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين كل هذا مما يتعلق بالناس.
* الشيخ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾.
* الطالب: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾.
* الشيخ: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران ١٣٥].
* طالب: إي، يعني هذا فيما يتعلق بالناس بعضهم البعض، أما الصلاة؟
* الشيخ: إي نعم، نعم هذا فيما يتعلق بالناس، والربا ظلم للناس، وهذه الأشياء إحسان إلى الناس.
* طالب: أحسن الله إليك، هل يمكن الجمع بين الله ورسوله في ضمير واحد في أمر شرعي؟
* الشيخ: يمكن، فقد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى» ». ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه قاله خطيب من الخطباء فقال: «بِئْسَ خَطِيبُ الْقَوْمِ أَنْتَ»[[أخرجه مسلم (٨٧٠ / ٤٨) من حديث عدي بن حاتم، ولفظه: «بِئْسَ الخَطِيبُ أَنْتَ».]]
* الطالب: يعني ذمه؟
* الشيخ: ذمه لأن المقام يقتضي أن يُفَصّل؛ لأنك ربما تتكلم بهذا عند أناس ولا يفهمون تسوية الرسول بالله، لكن عند قوم آخرين قد يفهمون، والخُطبة يجب فيها مراعاة حال المخاطَب، فلهذا ذمه الرسول عليه الصلاة والسلام لأجل هذا.
* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، ذكرنا أن المغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، المجاهِر بالذنب هل يتجاوز الله عنه؟
* الشيخ: إذا استغفر غفر الله له.
* الطالب: وهو مجاهر؟
* الشيخ: إي نعم، لكن إذا استغفر هل يمكن أن يفعل الذنب؟ إذا استغفر ما هو فاعل الذنب، الذي يقول: اللهم اغفر لي، أو أستغفر الله، ثم يفعل الذنب فإن حاله كحال المستهزئ بالله عز وجل، أليس كذلك؟ كما لو قلت لشخص مثلًا: أريد أن تسمح لي أنا والله أسُبّك فاسمح لي: يا فاسق، يا سارق، يا ظالم، يا مرابي، أنت تطلب منه السماح ولكن تصفه بأوصاف العيب، يعد هذا استهزاء وسخرية، ولهذا لا تجد إنسانًا يستغفر الله حقًّا إلا وهو تارك للمعاصي.
* طالب: شيخ، بارك الله فيك، استدارة الجنة الدليل على استدارة الجنة؟ مستديرة وليست بالطول؟
* الشيخ: إي نعم، قال العلماء: دليل ذلك أنه قال: «فَإِنَّهُ وَسَطُ الْجَنْةِ» »[[أخرجه البخاري (٢٧٩٠) من حديث أبي هريرة.]]. ولا يمكن أن يكون وسط الشيء إلا وأطرافه متساوية؛ لأنه لو كان الطول أطول ما صار وسط، صار جانب الطول أوسع.
* طالب: الشيء المربع يمكن يكون له وسط.
* الشيخ: إي نعم، المربع يمكن.
* الطالب: يتساوى من جميع (...).
* الشيخ: يمكن له وسط.
* طالب آخر: لا، لا، ما يتساوى.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: هو يضيف: يتساوى، أقول: لا، لا يتساوى من جميع الجهات.
* الشيخ: إي، يتساوى بس في الطول والعرض لكن الزوايا ما تتساوى، الأركان ما تتساوى.
* طالب: شيخ، لما ذكر الله تعالى حكم الربا أعقبه بـ: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ما هي الحكمة من ذكر هذه الآية بعد ذكر الربا؟
* الشيخ: ما هو بواضح؟ مر علينا في سورة البقرة: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة ٢٧٥] يعني أن الربا من أسباب دخول النار، وهذه فائدة ينبغي أن تُذكر في الفوائد.
* طالب: معنى ذلك أنه كافر يا شيخ؟
* الشيخ: لا، ما هو كافر كفرًا مخرج عن الملة، لكن لا شك أنه نوع من الكفر.
* طالب: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ يدخل فيه حتى لو كان كظم غيظه وهو لا يقدر على إنفاذ الغيظ؟ رجل ضعيف؟
* الشيخ: إي، لا، هذا لا يُمدح في الحقيقة، هذا عاجز كالعافي عن شخص وهو لا يقدر على الانتقام منه ما يُمدح هذا عليه.
* الطالب: عامة في الآية، الآية عامة؟
* الشيخ: إي، لكن الآية في سياق المدح، فمتى يكون مدحًا؟ إذا كان قادرًا على التنفيذ، أما إنسان عاجز والله يقول: أنا لو أقدر لفعلت وفعلت.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، الجنة التي أُخرِج منها آدم هي الجنة المذكورة في الآية؟
* الشيخ: الجنة التي أُخرِج منها آدم فيها خلاف بين العلماء، منهم من قال: إنها جنة الخلد، ومنهم من قال: إنها جنة الدنيا، ولكن الأقرب أنها جنة الخلد، ولا يعارض هذا أن من دخل الجنة فإنه لا يخرج منها، بل هذا مخصوص، أخرجه الله لحكمة أرادها، كما أن الرسول دخلها لما عُرِج به دخل الجنة ومع ذلك خرج منها.
* طالب: جنة الفردوس يا شيخ وجنة عدن وجنة الخلد، هل هذه نقول: أنواع جنّات أو درجات؟
* الشيخ: لا، هذه أوصاف، أوصاف لموصوف واحد إلا الفردوس فالرسول بيَّن بأنه أعلى الجنة، ولكنها أوصاف، هي جنة الخلد وجنة العدن وجنة المأوى.
* طالب: نحن قلنا يا شيخ: إن المغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، ولكن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة ١٠٥] فما الموقف من ذلك؟
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: هذه الآية يا شيخ كأن السؤال يوم القيامة سيكون على رؤوس الأشهاد، فما يتحقق ستر الذنب؟ ومن ثَم إن المغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه.
* الشيخ: نعم، صحيح.
* الطالب: لكن الآية يا شيخ؟
* الشيخ: أيّ آية؟
* الطالب: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾؟
* الشيخ: ويش الإشكال؟
* الطالب: الإشكال كأنه معارضة؟
* الشيخ: أبدًا ما فيه معارضة، إذا غفر الله للإنسان ما اطّلع عليه أحد، لكن هؤلاء المنافقون، المنافقون ﴿سَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، أما الله عز وجل فيراه في كل حال ولا شك، أما الرسول والمؤمنون فإما أن يروه بأعينهم وإما أن يروه بإطلاع الله لهم كما قال الله: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء ١٠٨] فقد يُطْلِع الله عز وجل الرسول ﷺ والمؤمنين على أعمال المنافقين، وهم لم يروه.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك. الآيات يا شيخ في سياق غزوة أحد يعني ما هي المناسبة ذكر الربا عقب غزوة أحد؟
* الشيخ: إي نعم، والله لعل المناسبة -والله أعلم- أنه لما ذكر غزوة أحد وهي في المدينة، وفيها كثير من اليهود الذين يتعاملون بالربا ناسب أن يذكر بعد ذلك -أو في أثناء ذلك- مسألة الربا التي كانت هي من شأن اليهود، والمنافقون أيضًا حصل منهم في غزوة أحُد أنهم رجعوا، كل ذلك حرصًا على الدنيا، والمنافق لا يُبالي أن يتعامل بالربا؛ لأنه لا يخاف الآخرة. والله أعلم.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أصحاب المعاصي اليوم إذا نصحته يقول: أسأل الله أن يتوب عليَّ، وهو في نفسه مرتكِب المعصية، إما حالق لحيته أو يشرب دخان أو مسبل ثوبه، فهذا يكون مستهزئ، أو تقول له: أنت مستهزئ الآن؟
* الشيخ: نعم، يصح أن نقول له: يا أخي، هذا سخرية، كيف أنت مُصرّ على المعصية وتقول: اللهم اهدني؟! إذا كنت تريد الهداية فاسعَ لها، لو أن شخصًا قال: أسأل الله أن يرزقني ولدًا صالحًا ولكن لم يتزوج، ويش يكون هذا؟
* طالب: هذا مستهزئ.
* الشيخ: هل يمكن يوجد ولد بلا زوجة؟! ما يمكن، أيضًا لا يمكن يوجد توبة من الله إلا إذا تاب الإنسان: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٨] فلا بد من أن تُحَقِّق هذه التوبة إما بعمل صالح يمحو الذنب، وإما بالاستغفار من هذا الذنب.
* طالب: يا شيخ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ من صفات.. يعني عطف على (الذين) وهو ليس صلة للذين، صلته: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾؟
* الشيخ: نعم، حرف عطف، هذا من باب عطف الصفات مثلًا: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى ٢، ٣].
* * *
* طالب: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦)﴾ [آل عمران ١٣٤ - ١٣٦].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾. قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا﴾.
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا﴾ فيها قراءة أخرى ما هي؟
* طالب: وسارعوا؟
* الشيخ: ﴿إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾.
* الطالب: ما ذكرناه.
* الشيخ: ما ذكرناه؟
* الطالب: إي نعم.
* طالب آخر: بدون واو: ﴿سَارِعُوا﴾ .
* الشيخ: بدون الواو، بدون الواو.
* طلبة: ما ذكرناه.
* الشيخ: طيب وده منين جابه؟! على كل حال هي قراءة: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ بدون واو، مر علينا بعد مثلها في البقرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ [البقرة ١١٥، ١١٦] فيها حذف الواو: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ . وهذا يعتبر نادرًا في الحقيقة؛ لأن الغالب أن القراءات لا تختلف في الكلمات فضلًا عن الحروف، أما هذه ففيها إسقاط حرف العطف. معنى المسارعة؟
* طالب: المسارعة المبادرة.
* الشيخ: هل لهذه الآية نظير في القرآن؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ .
* الشيخ: لا.
* طالب: قوله سبحانه وتعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد ٢١].
* الشيخ: في هذه الآية دليل على أن الجنة موجودة؟
* طالب: قوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾.
* الشيخ: هذا يدل على أنها موجودة، لا.
* طالب: قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾.
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾؛ لأن الإعداد بمعنى التهيئة. أورد يهودي على النبي ﷺ -إن صح الحديث- إشكالًا في هذه الآية؟
* طالب: كما سمعت قول الله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ قال: أين تكون السماوات والأرض؟
* الشيخ: لا، أين تكون النار؟ أين تكون النار؟ فماذا كان جواب الرسول؟
* طالب: كان جواب النبي ﷺ: «أَيْنَ يَكُونُ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ؟».
* الشيخ: إذا جاء النهار، طيب هل هذا الإيراد واجب؟
* طالب: كيف واجب؟
* الشيخ: بمعنى أنه وارد على الآية أو غير وارد؟
* الطالب: لا، ليس واردًا.
* الشيخ: لماذا؟
* الطالب: لأنه الآية تُشَبِّه جنة عرضها كعرض السماوات والأرض، فيدل على أن الجنة مكانها منفصل عن مكان النار، يعني يا شيخ أنا أقصد أن الآية.
* الشيخ: أنا أقصد هل هذا اليهودي الذي أورد هذا، هل إيراده صحيح أو من باب التلبيس والتشبيه والتشكيك؟
* الطالب: الإيراد نعم، صحيح.
* الشيخ: صحيح.
* الطالب: لأنه قال: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فكأنه أخذ مسافتها.
* طالب: أقول: يا شيخ، لا يلزم من ذلك أن تكون الجنة مالئة للسماء والأرض.
* الشيخ: يعني معناها أن الله لم يقل: ملؤها السماوات والأرض، أو: ملء لسماوات والأرض، قال: ﴿عَرْضُهَا﴾، وكما أني لو شبهت مثلًا بيتًا ببيت، قلت: هذا البيت عرض بيت فلان، هل يلزم أن يكون بيتي قد ملأ بيت فلان؟ لا. طيب إذا قلنا بذلك فهل هذه عِلّة توجب ضعف الحديث؟ لأن مثل هذا الإيراد لا يورده إلا إنسان مُلبِّس، أو نقول: إن الرسول قال:« «أَيْنَ النَّهَارُ إِذَا كَانَ اللَّيْلُ؟» » من باب قطع النزاع؟
* طالب: لعلّه الأول.
* الشيخ: إي نعم، بعض العلماء أعلَّ الحديث بهذا، وقال: إن الآية لا تدل على إيراد هذا اليهودي، ولكن لو سلّمنا جدلًا أن الحديث صحيح، فلماذا؟
* طالب: قطعًا للنزاع، الرسول عليه الصلاة والسلام خاطب هذا اليهودي بقدر عقله أو إيراده.
* الشيخ: فقال له: «أَيْنَ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ؟». ونظير ذلك محاجة إبراهيم.
* الطالب: عندما خرجت الشمس فقال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام ٧٦].
* الشيخ: لا، حين قال: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة ٢٥٨] ولا ذهب يعالجه في أنه لا يحيي ولا يميت، بل عدل إلى شيء يقطع النزاع ولا يمكنه أن يجادل.
قوله تعالى: ﴿الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾، ويش معنى الكاظمين؟
* طالب: الكاتمين الغيظ.
* الشيخ: الكاتمين، والغيظ ما هو؟
* الطالب: شدة الغضب.
* الشيخ: شدة الغضب؛ لأن الغضب ثوران الدم أو فوران الدم يريد أن يخرج فيكتمه الإنسان على مضض. كذا؟
طيب قوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ يعني الذين يكظمون أشد الغضب، وإذا كانوا يكظمون أشد الغضب فأسهل الغضب من باب أولى؛ لأن كظم الغضب ليس بالأمر الهيّن على النفوس لا سيما عند الإنسان العصبي، فإنه من أشد ما يكون، ولهذا قال النبي ﷺ: «مَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟». قالوا: الذي لا يُصرع، قال: «إِنَّمَا الصُّرَعَةُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» »[[أخرجه مسلم (٢٦٠٨ / ١٠٦) من حديث ابن مسعود.]]. وفي رواية أخرى: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦١١٤)، ومسلم (٢٦٠٩ / ١٠٧) من حديث أبي هريرة.]]. وصدق النبي عليه الصلاة والسلام، كم من إنسان لا يملك نفسه عند الغضب، فتجده مثلًا يكسر ماله، يُطلّق زوجته، ربما يلطم نفسه، وربما يُسقط نفسه من علو، المهم أن الغضب شديد، جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم حتى لا يدري ما يقول، ولهذا كان أصح أقوال أهل العلم أن من غضب غضبًا لا يملك نفسه به فإنه لا عبرة بقوله أيًّا كان، سواء كان طلاقًا أو خلعًا أو لعنًا أو قذفًا أو غير ذلك فإنه لا عبرة به؛ لأنه ليس له قصد، وبعض الناس -نسأل الله العافية- إذا غضب تغيب عنه الدنيا، لا يرى مَن أمامه أبدًا، ولا يسمع قول من يتكلم، ربما يتكلم بكلام مكروه، ويصيحون به وهو لا يسمعهم من شدة غضبه، ولهذا نقول: إن الغضب ثلاثة أقسام: أول، وغاية، ووسط، بداية وغاية ووسط، البداية لا تؤثر؛ لأن كل إنسان يغضب. والغاية لا حكم لها، لا حكم لها بمعنى أن كل ما صدر عن الغاضب فإنه لا حكم له، وذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه: إغاثة اللهفان في عدم وقوع طلاق الغضبان: أن ذلك بالاتفاق.
والثالث: الوسط، هذا محل خلاف بين العلماء، والصحيح أنه لا حكم لقوله وأن طلاقه لا يقع.
قال: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ العفو: ترْك المؤاخذة على الذنب، والمعنى: هم الذين إذا أساء إليهم أحد قابلوا إساءته بالعفو، وخير من ذلك أن يقابلوه بالإحسان، لكن بشرط أن يكون لديهم قدرة على الانتقام، أما من عفا لعدم القدرة على الانتقام فهذا عفو العاجز الذي لا يحمد عليه، بل يكون عفوه هذا عجزًا مذمومًا، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء ١٤٩] فأنتم إن عفوتم عن السوء قد تعفون عن قُدرة وقد تعفون عن عجز، أما الله عز وجل فإنه يعفو عن قدرة، وهذا هو محلّ المدح، أما مجرد العفو ليس بمدح حتى يكون عفوًا عن قدرة، فترك المؤاخذة على الذنب عفو وهو محمود، وخير منه أيش؟ الإحسان، ولكن يشترط في الأمرين أن يكون ذلك عن قدرة لا عن عجز، أما عن العجز فإنه مذمة، ولهذا قال الشاعر يذم قبيلته:
لَكِنَّ قَوْمِي وَإِنْ كَانُوا ذَوِي حَسَبٍ ∗∗∗ لَيْسُوا مِنَ الشَّرِّ فِي شَيْءٍ وَإِنْ هَانَا؎يَجْزُونَ مِنْ ظُلْمِ أَهْلِ الظُّلْمِمَغْفِـــــــــرَةً ∗∗∗ وَمِنْ إِسَاءَةِ أَهْلِ السُّوءِإِحْسَانَـــــــــــــا
لماذا؟
* الطلبة: لضعفهم.
* الشيخ: لضعفهم وعجزهم، ولهذا قال:
فَلَيْتَ لِي بِهِمُ قَوْمًا إِذَا رَكِبُوا ∗∗∗ شَنُّوا الْإِغَارَةَ فُرْسَانًاوَرُكْبَانَا
فالحاصل أن قوله: ﴿الْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ يعني الذين لا يؤاخذون الناس بما أساؤوا به إليهم، بل ربما يحسنون إليهم ولكن أيش؟ عن قدرة، أما العفو عن عجز فليس بعفو في الحقيقة، بل هو عجز لا يُمدح عليه الإنسان، قال: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾.
وقوله: ﴿عَنِ النَّاسِ﴾ عام شامل، ولكنه ليس على عمومه بالاتفاق، فإن الإساءة إذا كانت في حق الله فهي لله وليس لأحد أن يعفوَ عنها، فلو زنى رجل بمحرَم رجل وأراد أن يعفوَ عنه، قلنا: لا يمكن، الحق ليس إليك، والله عز وجل يقول: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور ٢]، أما إذا كان حقًّا للإنسان ليس فيه شائبة حق لله فهذا يُنظر فيه، ليس على عمومه بل يُنظر فيه، إن اقتضت المصلحة العفو فالعفو خير، وإن اقتضت المصلحة المؤاخذة فالمؤاخذة خير، وإن لم تقتضِ المصلحة لا هذا ولا هذا بأن تساوى الأمران فالعفو خير؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة ٢٣٧] والدليل على هذا أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠] فعُلم منه أن من عفا بدون إصلاح فلا أجر له، بل قد يأثم على عفوه، مثال ذلك: رجل اعتدى عليه شخص شِرّير، كلما عفا الناس عنه ازداد شرًّا، فهنا العفو خير ولَّا المؤاخذة خير؟
* طلبة: المؤاخذة خير.
* الشيخ: المؤاخذة خير، بل قد تجد إنسانًا آخر اعتدى على شخص لكنه رجل معروف بالاستقامة -أعني المعتدِي- رجل معروف بالاستقامة وعدم الاعتداء، لكن بدَرَتْ منه بادرة فحصلت منه الإساءة، فهنا أيش؟
* الطلبة: العفو.
* الشيخ: العفو أولى، ولا سيما إذا جاء هذا المعتدي يعتذر ويتعهد ألا يعود أو ما أشبه ذلك.
الثالث: رجل اعتدى على آخر وهو شرير، لكنه لم يبلغ في الشر غايته؛ يعني أحيانًا وأحيانًا، فهنا أيش؟
* الطلبة: العفو.
* الشيخ: العفو أفضل؛ لأنه يتساوى الأمران، فالعفو هنا أفضل.
وقوله: ﴿الْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ يشمل حتى عن الكفار إذا لم يكونوا حربيين، فإن الإنسان إذا عفا عنهم فيما يتعلق بحقه الخاص، وكان في العفو إصلاح فإنه يدخل تحت الآية الكريمة.
قال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ والله يحب المحسنين: يعني الذين يحسنون إلى الناس، وهل المراد بذلك المحسنين فيما سبق أو المحسنين فيما يُستقبل؟ بمعنى: هل إن قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ عائد على قوله: ﴿لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ وأن هؤلاء من المحسنين، أو أنه لما ذكر العفو -وهو إسقاط الإنسان حقه عن المؤاخذة- ذكر حالًا أخرى أكمل منها وهي الإحسان فقال: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ يعني فإذا أحسنوا مع العفو كان ذلك سببًا لمحبة الله.
* طالب: الآخر، الثاني.
* الشيخ: الثاني له وجه، والأول أعم؛ لأننا إذا قلنا: (المتقين) هل هم محسنون؟ نعم، لا شك أن المتقي محسن إذا كان كما وصف النبي عليه الصلاة والسلام: «يَعْبُدُ اللَّهَ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]. و﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ﴾ الإنفاق؟
* طلبة: إحسان.
* الشيخ: إحسان. كظم الغيظ؟
* طلبة: إحسان.
* الشيخ: إحسان. العفو عن الناس؟
* طلبة: إحسان.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences