Ibn 'UthayminAl‑An'am · 6:35–37

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-An'am 6:35–37

6:35Page 131

وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكَ إِعۡرَاضُهُمۡ فَإِنِ ٱسۡتَطَعۡتَ أَن تَبۡتَغِيَ نَفَقٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ سُلَّمٗا فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأۡتِيَهُم بِـَٔايَةٖۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمۡ عَلَى ٱلۡهُدَىٰۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٣٥

And if their evasion is difficult for you, then if you are able to seek a tunnel into the earth or a stairway into the sky to bring them a sign, [then do so]. But if Allāh had willed, He would have united them upon guidance. So never be of the ignorant.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ لا شك أن (كان) تحتاج إلى اسم وخبر، و(كبر) تحتاج إلى فاعل، فهل نقول: إن (كان) اسمها ضمير الشأن مستتر، و(كبر عليك إعراضهم) خبرها، أو نقول: إن (إعراضهم) تنازع فيه؛ (كان) تطلبه اسمًا، و(كبر) تطلبه فاعلًا، يحتمل هذا وهذا، ولكن الأول أوجه، يعني: فإن كان الشأن في هذا الأمر أنه كبر عليك إعراضهم، أي عظم عليك إعراضهم، وذلك بما كان في نفسك من الحزن والأسى، فحاول أن يهتدوا على يدك، ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ يعني فافعل، ولكن ليس عليك إلا الصبر.

وهذه الجملة: ﴿إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ أتى بعدها جملة شرطية أخرى ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ﴾، وهذا من تداخل الجملتين الشرطيتين، فتكون الجملة الثانية في محل جزم جواب الجملة الأولى، وهذا يوجد حتى في القرآن وفي كلام العرب:

أما في القرآن؛ كهذه الآية، وكما في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الواقعة ٨٦، ٨٧] هذا شرط داخل شرط.

ومنه في قول العرب:

إِنْ تَسْتَغِيثُوا بِنَا إِنْ تُذْعَرُوا تَجِدُوا ∗∗∗ ..................................

فعل الشرط الأول، ثم الثاني قيد فيه، و(تجدوا) هي جواب الشرط.

المهم ﴿إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ هذه جملة شرطية، الجملة الأولى، يعني الجملة شرطية في ضمن جملة شرطية أخرى، الأولى: ﴿إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾، الثانية: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾.

جواب الجملة الثانية محذوف، التقدير: فافعل ولن يمكنك ذلك، فإذا كان لا يمكنك فإنه لا يمكنك أن تأتي بالآيات التي اقترحوها، وإذا كان لا يمكنك فلا تحزن عليهم؛ لأن الإنسان لا يحزن إلا على شيء يمكنه أن يفعله ولم يفعل.

﴿كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ﴾ أي: عظم عليك وشق عليك.

﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ﴾ أي: قدرت على ﴿أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: تطلب نفقًا في الأرض، والنفق هو السرداب يُحفَر في الأرض ويدخل الإنسان فيه ليصل إلى أعماق الأرض، فالآية هنا فتأتيهم بآية، ﴿أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾ تبتغي سُلَّمًا في السماء أي مصعدًا تصعد إلي الجو ﴿فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾.

فبيّن الله عز وجل له النزول والارتفاع، لا يستطيع أن ينزل إلى نفق في الأرض فيستخرج الآيات، ولا أن يصعد إلى السماء فيأتي بالآيات. واضح المعنى؟ واضح.

إذا كان لا يمكنك هذا وهو معلوم للجميع، فإنه لا يمكنك أن تأتي بما اقترحوه من الآيات، كما قال عز وجل في آية أخرى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [العنكبوت ٥٠] ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ (لو) شرطية، فعل الشرط (جاء) جوابه (لجمع)، لكن أين المفعول في (شاء)؟ هل نقدره مطابقًا للفظ الجواب، أو نقدره بمعنى آخر؟

قدره بعضهم بقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ هدايتهم ﴿لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾، وقدره آخرون بقولهم: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ أن يجمعهم على الهدى ﴿لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾. أيهما أنسب؟ الثاني أو الأول؟

الثاني، أن نقدر المحذوف مطابقًا للموجود، أي: ولو شاء الله أن يجمعهم على الهدى. وجمعهم على الهدى أعظم من مجرد الهداية؛ لأنهم قد يهتدون ولا يجتمعون.

وهذا أيضًا ينبغي لنا أن نطرده في كل ما كان مشابهًا. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [البقرة ٢٥٣] ماذا نقدر؟ ولو شاء الله ألا يقتتلوا ما اقتتلوا. فتقدير الشيء مطابقًا للموجود أولى من تقدير شيء غير مطابق، ولا نعلم هل الله أراده أم لا، فما بين أيدينا هو المتعين.

إذن ولو شاء الله أن يجمعهم على الهدى لجمعهم؛ لأن القلوب بيد الله عز وجل، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [هود ١١٨]؛ أي: على دين الإسلام. ﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد ٣١] لأن الأمر كله بيده عز وجل.

﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ نهي مؤكد بأيش؟ النهي هنا مؤكد بأيش؟ ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ بنون التوكيد، يعني: ينهاه الله عز وجل نهيًا مؤكدًا ألا يكونن من الجاهلين.

والجهل نوعان: جهل سفاهة وجهل انتفاء علم، أيهما المراد؟ الثاني بلا شك.

مثال الجهل الذي هو السفاهة: قول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء ١٧] بسفاهة، وليس المراد بالجهالة انتفاء العلم؛ لأن انتفاء العلم يَرتفِع به الحرج والإثم.

إذن ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ بأيش؟ أي: من الذين لا يعلمون سنن الله عز وجل في خلقه.

فإن قال قائل: هل يلزم من نهيه تبارك وتعالى نبيه عن أن يكون من الجاهلين أن يكون النبي ﷺ فَعَلَ فِعْلَ الجاهليين؟

الجواب: لا، كما في قوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة ١٤٧]، وقال عز وجل: ﴿إِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس ٩٤]

فلا يلزم من هذا الشرط أن يقع المشروط، أعني ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر ٦٥] وأشباهها.

﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ أي: من ذوي الجهل الذين لا يعرفون سنن الله في خلقه، انتبه فأنت يا محمد لست جاهلًا حتى يكبر عليك إعراضهم، وحتى تحزن لعدم إيمانهم؛ لأن ذلك من حكمة الله عز وجل.

نعود إلى استخراج الفوائد:

* في هذا من الفوائد: أن النبي ﷺ قد عظم عليه إعراض المدعوين إلى الإسلام.

هل هذا انتصار لنفسه أو رغبة في هداية عباد الله؟

الثاني بلا شك، وهذا من تمام نصحه للأمة عليه الصلاة والسلام.

* ومن فوائد هذه الآية: أن الإنسان ينبغي له ألا يهون عليه إعراض الناس، بل يكون كبيرًا في نفسه، لكن لا تعصب لما هو عليه، ولكن أيش؟ من أجل مصلحة الآخرين، إذا رأينا مثلًا رجلًا عالمًا عابدًا كريمًا لكنه في الأسماء والصفات على غير ما يرام، فهل يشق علينا هذا أو لا يشق؟ نعم يشق، لا شك أنه يشق علينا. وإذا نظرنا إليه بعين القدر رحمناه وقلنا: سبحان الله، كيف يكون هذا الرجل الفاضل على عقيدة غير سليمة؟! نرحمه، فهو حقيقة؛ لأنه محروم، لكن إذا نظرنا إليه بعين الشرع فإننا نجادله، فإن رجع إلى الحق فهذا المطلوب، وإن لم يرجع فإننا نفعل به كما قال الشافعي رحمه الله: حكمي في أهل الكلام أن يُضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب، والسنة وأقبل على علم الكلام.

رجل زانٍ، زنا، وهو من علية القوم، ومن أهل الخير، إذا نظرنا إليه بعين القدر نعم رحمناه ورققنا له؛ كيف يصدر الزنا من هذا؟! لكن إذا نظرنا إليه بعين الشرع أقمنا عليه الحد ولا نرأف به، كما قال عز وجل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور ٢] ما قال: في قدر الله، قال: فِي دِينِ اللَّهِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النور ٢]، أفهمتم؟ ولهذا جاء في الحديث، وإن كان فيه نظر: «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّا الْحُدُودَ»[[أخرجه أبو داود (٤٣٧٥) من حديث عائشة.]].

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى قد يبين الشيء المستحيل بضرب مثل له دون أن يذكره بعينه، وجهه أن الله قال: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾. يعني: فافعل بدلًا من أن يقول: وإن كان كبر عليك إعراضهم فإنهم لن يؤمنوا؛ لأن هذا هو المتوقع؛ أن يقول: إن كان كبر عليك إعراضهم فإنهم لن يؤمنوا، لكن الله تعالى ضرب مثلًا، حتى يكون مقنعًا للرسول عليه الصلاة والسلام ولغيره أيضًا.

* ومن فوائد في هذه الآية: أن نقول -وانتبهوا-: الملاجئ قسمان: إما نفق في الأرض، وإما صعود في السماء، هل يستقيم هذا؟ أو نقول: طلب الشواهد قد يكون من الأرض وقد يكون من السماء؟ طلب الشواهد للصحة؛ صحة ما يقول الإنسان؟

الظاهر أن الثاني أولى؛ لأن الله إنما قال له ذلك لا لأجل أن يلجأ، ولكن من أجل أن يأتي بما يشهد له، ولهذا قال: ﴿فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا بد لكل نبي من آية، وهذا من حكمة الله عز وجل، أرأيتم لو جاء رجل في غير هذه الأمة وادعى أنه رسول، وقال: أنا رسول، ومنهجي كذا، وعقيدتي كذا، وعبادتي كذا، فأطيعوني. بدون أي آية، هل يكون هذا من الحكمة، أو لا؟ ليس من الحكمة. ومن كذبه فهو معذور، وإلا لكان كل كاذب دجال يدعي أنه نبي أو ربما يدعي أنه رب.

إذن الآيات فيها نصر للرسل، ورحمة بالمرسَل إليهم حتى يؤمنوا عن يقين.

* ومن فوائد هذه الآيات الكريمة: أن الهداية والضلالة بيد الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات مرتبة من مراتب الإيمان بالقدر، وهي المشيئة؛ أن الله تعالى قد شاء جميع أفعال العباد. ومراتب القدر مرت علينا أظن كثيرًا، وهي أربع:

العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. مجموعة في قول الشاعر:

عِلْمٌ كِتَابَةُ مَوْلَانَا مَشِيئَتُهُ ∗∗∗ وَخَلْقُهُ وَهْوَ إِيجَادٌ وَتَكْوِينُ

هذه المراتب الأربع.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في جعل الناس صنفين: مؤمنين وكافرين.

وهذا أمر لا بد منه؛ لأنه لولا الكفر لم يُعرف قدر الإيمان، ولولا الإيمان لم يُعرَف قُبح الكفر، أليس كذلك؟ كما أنه لولا الحلو ما عُرف المر، وهذا واضح. إذا لم يكن هناك أشياء متضادة ما عرف فضل الأشياء المحمودة، ثم إنه لولا اختلاف الناس في الإيمان والكفر ما قامت راية الجهاد؛ لأنهم كلهم إما مؤمنون وإما كافرون، فمن يجاهد؟

لولا هذا الاختلاف ما قام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الناس سيكونون كلهم إما على منكر وإما على معروف.

لولا هذا الاختلاف ما قامت الدعوة إلى الله عز وجل؛ لأنهم إن كانوا مؤمنين كلهم لم يحتاجوا إلى دعوة، وإن كانوا كافرين ما دعوا، واضح؟ إذن من الحكمة: أن الله جعل الخلق صنفين، لكن قد يقول قائل: إذا كان أحد الناس من الصنف الآخر الكافر، أفلا يكون في هذه ظلم له؟

وهذا قد يرد على النفس ما دمنا نقول: إن الكفر بمشيئة الله، وإن الله عز وجل بحكمته قسم الناس إلى قسمين، أفلا يقول الكافر: إن هذا ظلم لي؟

فالجواب: لا، كما قال بعض أهل السنة وهو يجادل معتزليًّا لما قال: أرايت إن منعني الهدى وقضى علي بالشقاء، فهل أساء إليّ أم لم يسئ إلي؟

فقال له السني: إن منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو فضله فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

أعيد السؤال الأول: أرأيت إن منعني الهدى وقضى علي بالشقاء أحسن إليّ أم أساء؟

فقال له: إن منعك ما هو لك فقد أساء، وإن منعك ما هو فضله فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ [الأنعام ٢١]. هذا الاستفهام بمعنى؟

* الطالب: هذا الاستفهام بمعنى النفي، والمعنى لا أحد أظلم.

* الشيخ: لا أحد أظلم، ما هي فائدة الإتيان بالاستفهام عن النفي؟

* الطالب: تأكيد النفي.

* الشيخ: تأكيد النفي، وغير؟

* الطالب: أي: لا أحد أظلم من هذا.

* الشيخ: وغير؟

* الطالب: حصره في هذا.

* الشيخ: لا، كيف كان أبلغ في النفي؟

* طالب: يكون مشربًا بالتحدي يعني.

* الشيخ: يكون مشربًا للتحدي، يعني متضمنًا للتحدي، كأنه يقال: إن كنت صادقًا فبيِّن لي من هو أظلم.

طيب يرد مثل هذه العبارة في ذنب آخر غير هذا، مثل قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة ١١٤] فكيف نجيب؟

* الطالب: نجيب -أحسن الله إليك يا شيخ- بأن هذا خاص بهذا الذنب، أي في منع المساجد لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله، وهذا افتراء على الله الكذب، وكل واحد خاص به.

* الشيخ: يعني: معناها أن منع محل العبادة، أو المعاملة، أو الدراسة، أعظمها من منع مساجد الله أن يُذكَر فيها اسمه، فيكون هذا أمرًا نسبيًّا. طيب والافتراء أعظمه؟

* طالب: أعظمه من افترى الله الكذب أو كذب بآياته.

* الشيخ: الافتراء على الله كذبًا. هل هناك وجه آخر؟

* طالب: أن كل هذه اشتركت في الأظلمية، وكل مقام بحسبه.

* الشيخ: طيب، تقول: كلها اشتركت في أنها أظلم شيء نعم، وكل شيء وعقوبته.

قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام ٢١] قد وجدنا من أفلح وهو ظالم؟

* طالب: يظهر أنهم قد أفلحوا في الدنيا، لكن لا نعرف في الحقيقة أمرهم، قد يصبهم من الأمور النفسية والباطنية ما لا نعرف، فأما في الآخرة لا شك أنهم سوف يحاسبون على ما فعلوا في الدنيا، لم يفلحوا.

* الشيخ: نعم، يعني كأنك تقول: الفلاح أنواع، هؤلاء وإن أفلحوا ظاهرًا وحسيًّا فإنهم لم يفلحوا في الباطن، تجد نفوسهم في حسرة، في حزن، في ألم، نعم. أو يقال شيء آخر: ﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ يعني فلاحًا مطلقًا لا ينتكسون بعده، أو يقال: ﴿لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ في الآخرة؛ لأنه لو قُدر أن هؤلاء لم يصابوا بأمراض، ولم ينتكسوا عن الفلاح، فوراءهم اليوم الآخر، لا يفلحون فيه.

إذن النفي يكون محمولًا على أحد الوجوه الثلاثة.

* * *

قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [الأنعام ٢٥] الضمير يعود على من؟

* طالب: على هؤلاء المكذبين.

* الشيخ: على هؤلاء المكذبين. طيب هل ينتفعون بهذا الاستماع أو لا؟

* الطالب: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ [الأنعام ٢٥].

* الشيخ: الجواب نعم ولّا لا؟

* الطالب: لا ينتفعون.

* الشيخ: لا ينتفعون. الدليل؟

* الطالب: قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [الأنعام ٢٥].

* الشيخ: تمام ثلاثة أشياء. طيب ما هي نهاية مجادلتهم؟

* الطالب: مذكورة في الآية.

* الشيخ: ما هي؟

* الطالب: أنهم يقولون في النهاية قولًا جحدوا به واستيقنته أنفسهم: إن هذا إلا أساطير الأولين.

* الشيخ: المكابرة، نهاية المجادلة المكابرة. قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام ٢٥] واضح؟

مثل ما يوجد الآن بين أهل البدع وأهل السنة، تجد الواحد منهم يقول: نحن ما ثبت عندنا هذا، حتى لو كان في البخاري ومسلم، ما ثبت عندنا هذا، أو يقول فيما يحتج به لبدعته: هذا عندنا ثابت بنقل الرواة العدول، وهذا أكثر ما يكون في الرافضة. ولهذا يقال: إن بعضهم زاد في القرآن الكريم نحو الثلث وحذف من القرآن الكريم، وهذه مكابرة مشكلة، المكابر لا تستطيع أن تقنعه أبدًا لكن قد يهديه الله عز وجل. إذن هؤلاء المجادلون المكابرون نهاية أمرهم أن يقولوا: هذا أساطير الأولين، وليس وحيًا، ولا نعترف به.

ما الفرق بين ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ و﴿يَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾؟

* طالب: ﴿يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ ينهون الناس أن يأتوا إليه، ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ ينأون بأنفسهم أن يسمعوه.

* الشيخ: نعم، أي يبعدون بأنفسهم وينهون الناس عن الاستماع إلى الرسول ﷺ. طيب الضرر في هذه الحال عليهم أو على الرسول؟

* الطالب: ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.

* الشيخ: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ بارك الله فيك، قوله عز وجل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام ٢٧] الخطاب لمن؟

* طالب: الخطاب للنبي ﷺ في الأصل، وأمته تبع له.

* الشيخ: أو لكل من يتأتى خطابه هنا، يعني لو ترى أيها الرائي، أو أيها الإنسان، بقطع النظر بكون هذا للرسول ﷺ.

﴿وُقِفُوا عَلَى النَّارِ﴾ [الأنعام ٢٧] من يوقفهم عليها؟

* طالب: الله عز وجل.

* الشيخ: الله عز وجل بواسطة الملائكة. طيب قولهم: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ﴾ [الأنعام ٢٧] ما معناها؟

* طالب: أي يتمنون أن يرجعوا إلى الدنيا، فلا يكذبون بما جاء (...) جاءت به الرسل.

* الشيخ: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ﴾ على النصب، يعني يتمنون الرجوع إلى الدنيا مع كونهم لا يكذبون.

طيب فيها قراءة ثانية، ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ﴾ والحال أننا لا نكذب، والفرق بين المعنيين أن الأول تمنوا أن يردوا إلى الدنيا ولا يكذبوا بآيات الله، فهو داخل في التمني، أما الثانية: ﴿وَلَا نُكَذِّبُ﴾ فهم تمنوا أن يردوا إلى الدنيا ثم وعدوا ألا يكذبوا بآيات ربهم. طيب هل صدقهم الله بما قالوا؟

* طالب: لا.

* الشيخ: الدليل؟

* الطالب: كذبهم الله عز وجل ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٨].

* الشيخ: نعم ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، إذن قولهم: لا نكذب هذا وعد كاذب. هل في هذا ما يدل على أن الناس يتكلمون يوم القيامة؟

* طالب: نعم.

* الشيخ: نعم، وجهه؟

* الطالب: أنهم يقولون.

* الشيخ: أنهم يقولون، وأنهم يتمنون، والناس في الآخرة كحالهم في الدنيا، يعني أنهم عندهم عقول يجادلون ويدافعون عن أنفسهم.

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ [الأنعام ٣١] ما معنى تكذيبهم بلقاء الله؟

* طالب: إنكارهم البعث.

* الشيخ: إنكارهم البعث، يعني أنهم يكذبون بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦] طيب وما خسرانها؟ هل هو في الدنيا ولّا في الآخرة؟

* الطالب: خسرانهم في الآخرة.

* الشيخ: وفي الدنيا؟

* الطالب: في الدنيا أيضًا خسرانين..

* الشيخ: في الدنيا والآخرة؛ لأنهم لم يستفيدوا في وجودهم في الدنيا شيئًا، واضح؟ وهذا حق، هم الخاسرون في الدنيا وفي الآخرة.

قولهم: ﴿يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ [الأنعام ٣١] فما معناها؟

* الطالب: ﴿يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ للندم يقولون هذا، للندم على ما فاتهم من قبول الإيمان، قالوا ذلك ندمًا وتحسرًا على تفريطهم في الإيمان.

* الشيخ: على تفريطهم في الدنيا حيث لم يستغلوا الأوقات فيما يرضي الله.

لو قال لك قائل: ﴿يَا حَسْرَتَنَا﴾، هل الحسرة تنادى؟

* الطالب: (يا) هنا للتنبيه.

* الشيخ: للتنبيه، ماذا تقولون؟

* طلبة: صحيح.

* الشيخ: صحيح؛ لأن (يا) إذا دخلت على ما لا يمكن أن يصلح للنداء فهي للتنبيه، ومثلها قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس ٢٦]، ومثل الآية السابقة ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام ٢٧]. طيب، أحسنت.

قوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ [الأنعام ٣١] هل هذا على حقيقته؟

* طالب: نعم في الآخرة على حقيقته.

* الشيخ: في الآخرة على حقيقته، يعني تجعل هذه الأوزار بمنزلة الأشياء المحسوسة التي تحمل على الظهور زيادة في فضحهم وتعذيبهم.

6:36Page 132

۞ إِنَّمَا يَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسۡمَعُونَۘ وَٱلۡمَوۡتَىٰ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ ٣٦

Only those who hear will respond. But the dead1 - Allāh will resurrect them; then to Him they will be returned.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ [الأنعام ٣٦] يستجيب ويجيب معناهما واحد.

والجملة فيها حصر، طريقه (إنما)، يعني: ما يستجيب لدعوتك يا محمد إلا الذين يسمعون.

والمراد بالسماع هنا: سماع الانقياد والقبول، وليس سماع الإدراك؛ لأن سماع الإدراك يدخل فيه البر والفاجر، والمؤمن والكافر. ويدل على ذلك -أي: على التفريق بين سماع القبول والإذعان وسماع الإدراك- قوله تبارك تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١] أي: لا يستجيبون وينقادون، يقول عز وجل: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ (الذين) إعرابها فاعل (يستجيب).

﴿الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ ثم قال: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام ٣٦] هذه جملة مستأنفة لا يصح أن تعطف على ما سبق ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾.

الموتى: جمع ميت، وهل المراد موتى القلوب أو موتى الأجسام؟

في ذلك قولان للعلماء:

بعضهم قال: الموتى يبعثهم الله أي موتي القلوب، وهم الكفار يبعثهم الله فيجازيهم.

وبعضهم قال: الموتى موتى الأجساد يبعثهم الله؛ ردًّا على الذين ينكرون البعث.

وإذا كانت الآية تحتمل معنيين ليس أحدهما أظهر من الآخر، ولا منافاة بينهما فما القاعدة؟

أن تحمل عليهما جميعًا، فالموتى من هؤلاء الكفار سيبعثهم الله ويجازيهم. والموتى موتى الأجساد الذين فارقت أرواحهم أجسادهم سوف يبعثهم الله، فيكون في الآية تهديد ووعيد، ورد على من ينكرون البعث، ﴿يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: يخرجهم من قبورهم يوم القيامة.

﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ يعني: ثم بعد البعث يرجعون إلى الله عز وجل، ويكون أمرهم إلى الله تعالى، وفي ذلك الوقت ليس هناك مخاصم ولا مجادل.

في هذه الآية الكريمة حصر الاستجابة لدعوة الرسل بالذين أيش؟ يسمعون سماع إدراك ولّا سماع قبول وإذعان؟ سماع قبول وإذعان.

* ومن فوائد هذه الآية: أنهم كلما صار الإنسان أسمع لكلام الله ورسوله صارت استجابته أقوى، مأخوذ من القاعدة المعروفة: أن ما علق على وصف فإنه يزداد قوة بحسب هذا الوصف الذي علق عليه الحكم؛ مثال ذلك قوله عز وجل: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص ٢٦]، فكلما كان أقوى كان أخير وأنفع، وكذلك الأمان؛ كلما كان آمن فهو أخير، المهم من هذه القاعدة المفيدة: كل شيء علق على وصف فإنه يزداد قوة بحسب قوة ذلك الوصف.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات البعث، وهو -أعني الإيمان بالبعث- أحد أركان الإيمان الستة التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم جبريل حينما قال: أخبرني عن الإيمان. قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) من حديث عمر بن الخطاب. ]].

* ومنها أيضًا: أن هؤلاء الكفار بمنزلة الموتى؛ وذلك لأنهم لا ينتفعون بما يسمعون، كما أن الميت لا ينتفع بما يسمع، جثة، فكذلك هؤلاء الكفار.

* ومنها: تهديد أولئك الكفار الذين لا يسمعون بأن الله سيبعثهم ثم يجازيهم.

* ومنها: قدرة الله عز وجل الكاملة، وذلك بالبعث، والبعث الذي يكون ليس يأتي كالإحياء شيئًا فشيئًا، فتجد البشر وغير البشر يخرج صغيرًا ثم ينمو حتى يأتي كاملًا، البعث يبعثون كلهم في لحظة واحدة، اقرأ قول الله عز وجل: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]، وقال عز وجل: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس ٥٣]، وقال عز وجل: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر ٥٠].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المرجع في النهاية إلى الله عز وجل؛ لقوله: ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [الأنعام ٣٦]، وهذا الرجوع فيه حصر، طريقه تقديم المعمول في قوله: ﴿إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾، وفائدة هذا التقديم -أعني تقديم المعمول في هذه الآية- لفظية ومعنوية:

أما المعنوية فهي إفادة الحصر، وأنه لا مرجع إلا إلى الله. وأما اللفظية فلتتناسب رؤوس الآيات؛ لأن تناسب رؤوس الآيات من البلاغة، انظر إلى سورة طه كلها آخرها الألف إلا قليلًا، لما جاء ذكر موسى وهارون قدّم هارون على موسى لتتناسب الآيات، وإلا من المعلوم أن موسى أفضل من هارون.

6:37Page 132

وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةٗ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٧

And they say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" Say, "Indeed, Allāh is Able to send down a sign, but most of them do not know."

ثم قال الله عز وجل: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ [الأنعام ٣٧]، ﴿قَالُوا﴾ أي: المعاندون المكذبون للرسول المتعنتون، ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ وهم يريدون بذلك الآيات التي اقترفوها، مثل قولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ [الإسراء ٩٠ - ٩٣]، ومع ذلك يقولون: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء ٩٣] نعم، وغير ذلك من الآيات التي اقترحوها، ولكن من حكمة الله عز وجل أنه قطع هذا الباب وسد هذا الباب، أعني باب الاقتراح على الله عز وجل، فإنما الآيات عند من؟ عند الله سبحانه وتعالى، هو الذي يأتي بها وليست اقتراح الخلق، والخلق إذا اقترحوا آية معينة ثم أتوا بها فلم يؤمنوا هلكوا، هذه سنة الله عز وجل.

ولا يرد على هذا أن قريشًا قالوا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أرنا آية يا محمد. فأشار إلى القمر فانشق نصفين[[متفق عليه، البخاري (٣٦٣٦)، ومسلم (٢٨٠٠ / ٤٣) من حديث ابن مسعود.]].

قال أهل العلم: إنما لم يهلكوا لأنهم لم يقترحوا آية.

هذه سنة الله عز وجل.

ولا يرد على هذا: «أن قريشًا قالوا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: أرنا آية يا محمد، فأشار إلى القمر فانشق نصفين»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٣٦)، ومسلم (٢٨٠٠ / ٤٣) بنحوه من حديث عبد الله بن مسعود.]]، قال أهل العلم: إنما لم يُهلكوا؛ لأنهم لم يقترحوا آية معينة، ولو اقترحوا آية معينة ثم جاءت ولم يؤمنوا لهلكوا، هكذا قرر أهل العلم رحمهم الله.

وقوله: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الأنعام ٣٧] ﴿آيَةٌ﴾ أي: علامة تدل على صدقه وصحة رسالته، وهنا نقف لنبين أن بعض العلماء -وما أكثرهم- يعبِّرون عن آيات الرسل بالمعجزات، وهذا نقص عظيم؛ لأننا لو سمينا المعجزات لورد علينا ما يفعله السحرة؛ فإن السحرة يفعلون ما يعجز البشر، لكن (آية) تحدد المعنى وهو: العلامة على صدقه وصحة رسالته؛ ولذلك لا تجد في القرآن أن الله عبَّر عن آيات الرسل بالمعجزات أبدًا، إنما يعبر عنها بأيش؟ بالآيات.

وقوله: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ يعنون بذلك الله عز وجل، وفي هذا التعبير تكبُّر وتعالٍ؛ حيث قالوا: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ ولم يقولوا: من الله، كأنهم في شق والرسولُ ﷺ مع الله في شق آخر، ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ ما قالوا: من ربنا، ولا: من الله.

قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ ليس بعاجز على أن ينزل آية، بل هو قادر، لما طلب الحواريون من عيسى أن ينزل عليهم مائدة من السماء هل قدر الله عليها؟ نعم، قدر الله عليها، على قول من يقول: إنها نزلت، وكذلك آيات الرسل الحسية والمعنوية كلها من عند الله، فهو قادر على أن ينزل آية، ولكنه لا يريد أن يأتي بما يطلبه هؤلاء؛ لأنه لو جاءت الآيات حسب الاقتراح لكان كل واحد يقترح ما يرى أنه آية، وقد يقترح ما يري أنه آية وليس بآية؛ لذلك نقول: الآيات عند الله عز وجل؛ ولهذا قال: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾، ولكنه يريد أو لا يريد؟ لا يريد، وإذا لم يرد لم يكن.

﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون أن الله عز وجل هو الذي ينزل الآيات، وهو قادر على أن يأتي بآية وقادر على ألَّا يأتي بآية، فهم جهلة، ولو كان عندهم علم لعلموا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يمكن أن يأتي بالآية، بل الذي يأتي بها هو الله.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: تعنت هؤلاء المكذبين؛ حيث احتجوا بهذا أن الله لم ينزل عليهم آية، ولكن هل هذه الدعوى حق أو باطل؟ واللهِ إنها باطل، آيات النبي ﷺ مشاهدة معلومة، من آياته العظيمة هذا القرآن الذي جعل كبار قريش يتسللون لواذًا في الليل ليستمعوا قراءة النبي ﷺ؛ لأنها سحرت ألبابهم وأعجبتهم إعجابًا كثيرًا لكنهم معاندون.

كذلك آيات كثيرة حسية مثل ما حصل لعمه أبي طالب من البركات في أهله وماله بسبب حضانته للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

كذلك أيضًا صد أعدائه عنه عليه الصلاة والسلام، ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس ٩]، والآيات كثيرة يعرفونها لكنهم أيش؟ مستكبرون.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: استكبار هؤلاء وترفعهم؛ حيث قالوا: ﴿مِنْ رَبِّهِ﴾ لم يقولوا: من ربنا، ولم يقولوا: من الله، كأنهم في جانب والرسولُ صلى الله عليه وعلى آله وسلم واللهُ في جانب آخر.

* من فوائد الآية الكريمة: انتصار الله عز وجل للنبي ﷺ؛ حيث يدافع عنه لما قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾، لا شك أن هذا يوجب ضغطًا على الرسول عليه الصلاة والسلام، فالله تعالى يجيب عنه انتصارًا له ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات قدرة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾، هذه القدرة قدرة كاملة لا يلحقها شيء من العجز؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤]، فلكمال علمه وقدرته لا يعجزه شيء؛ لأن العجز عن الشيء سببه؛ إما الجهل وإما الضعف، فالله عليم قدير.

هذه القدرة تتعلق بكل شيء، على كل شيء قدير، ولا تبحث كما بحث المتكلمون المتعمقون المتنطعون هل تتعلق بالممكن والواجب والمستحيل، أو بالممكن والواجب فقط دون المستحيل؟ هذا كلام فاضٍ، فالله عز وجل أطلق قدرته، والله على كل شيء قدير.

فيه عبارة لبعضهم يقولون: خص العقل ذاته فليس عليه بقادر، كلام فاضٍ؛ لأن العقل دلَّ على أن الله لا يقدر على نفسه، أفهمتم؟ وهذا يعني تعطيل الله عز وجل عن كل فعل؛ لأنه ما يقدر يفعل أي شيء فيما يتعلق بنفسه، ونحن نقول: إن الله على كل شيء قدير.

فإذا قال قائل: هل تقول: إن الله يقدر على أن يهلك نفسه؟ نسأل الله العافية، فالجواب نقول: إن الله سبحانه وتعالى أثبت لنفسه الكمال من كل وجه، والهلاك نقص، فلا يمكن، وهذا السؤال غير وارد، لكن المتكلمين يوردونه حتى يصلوا إلى أن القدرة لا تتعلق بالمستحيل.

يُذْكَر أن الشيطان يضع كرسيه على البحر ويرسل جنوده يضلون الناس، فإذا مات العابد لم يكترث بذلك، وإذا مات العالم فإنه يفرح فرحًا عظيمًا، فقال له جنوده: كيف تفرح هذا الفرح بموت العالم، والعابد لا تكترث به؟ قال: لأن العالم أضر عليَّ من العابد، العابد إذا مات لم يفقده إلا نفسه، والعالم تفقده الأمة، فالعالم إذا اهتدى هدى الله به أمة، والعابد في مسجده.

وإن شئتم ضربت لكم مثلًا يقال: إنه أرسل إلى العابد وقال له: فلان، هل يستطيع الله عز وجل أن يجعل السماوات والأرض كلها في بيضة، هل يستطيع؟ هل يقدر؟ العابد قال: لا، السماوات كلها في بيضة -يقول بعقله العابد، أنا أقول عنه، يعني أنا ما أعرف- يقول: أنا لو بقيت ببيضة ما حملته، كيف السماوات والأرض؟ ما يصير، قال: خير، راح للعالم قال له: هل يقدر أن الله يجعل السماوات والأرض في بيضة؟ قال: نعم، إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن، فيكون، فجاء المندوب قال: يلَّا، شوفوا هذا العابد كفر وهو لا يعلم، أنكر قدرة الله عز وجل، وهذاك آمن، إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: كن، فيكون.

على كل حال أنا قصدي أن هذه المسائل التعمق فيها غلط، أثبت ما أثبته الله لنفسه، وهو أن الله على كل شيء قدير، وأعرض عما سوى ذلك.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أفعال الله عز وجل مقرونة بمشيئته؛ بمعنى أن ما لم يشأه لم يكن وإن كان قادرًا عليه؛ لقوله: ﴿قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾ يعني: ولكنه لم يشأ.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أكثر هؤلاء المنكرين المكذبين لا يعلمون حقيقة الأمر؛ لأنهم لم يتفكروا، ولو تفكروا لعلموا لكنهم معرضون.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском