Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
العنكبوت
Аль-Анкабут
Паук · Мекканская · 69 аятов
صفحة ٢٠٢
”﴿الم﴾“
تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعانِي أمْثالِها مُسْتَوْفًى عِنْدَ مُفْتَتَحِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
واعْلَمْ أنَّ التَّهَجِّيَ المَقْصُودَ بِهِ التَّعْجِيزُ يَأْتِي في كَثِيرٍ مِن سُوَرِ القُرْآنِ، ولَيْسَ يَلْزَمُ أنْ يَقَعَ ذِكْرُ القُرْآنِ أوِ الكِتابِ بَعْدَ تِلْكَ الحُرُوفِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ هو الغالِبَ في سُوَرِ القُرْآنِ ما عَدا ثَلاثَ سُوَرٍ، وهي فاتِحَةُ سُورَةِ مَرْيَمَ، وفاتِحَةُ هَذِهِ السُّورَةِ، وفاتِحَةُ سُورَةِ الرُّومِ. عَلى أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ لَمْ تَخْلُ مِن إشارَةٍ إلى التَّحَدِّي بِإعْجازِ القُرْآنِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنّا أنْزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]
29:2Страница 396
أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ ٢
Неужели люди полагают, что их оставят и не подвергнут искушению только за то, что они скажут: «Мы уверовали»?
﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنّا وهم لا يُفْتَنُونَ﴾
الِاسْتِفْهامُ في ﴿أحَسِبَ﴾ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ، أيْ إنْكارِ حُسْبانِ ذَلِكَ. و”حَسِبَ“ بِمَعْنى ظَنَّ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ. والمُرادُ بِالنّاسِ كُلُّ الَّذِينَ آمَنُوا، فالقَوْلُ كِنايَةٌ عَنْ حُصُولِ المَقُولِ في نَفْسِ الأمْرِ، أيْ أحَسِبَ النّاسُ وُقُوعَ تَرَكِهِمْ لِأنْ يَقُولُوا آمَنّا، فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُتْرَكُوا﴾ مَفْعُولٌ أوَّلُ لِـ ”حَسِبَ“ . وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يَقُولُوا آمَنّا﴾ شِبْهُ جُمْلَةٍ في مَحَلِّ المَفْعُولِ الثّانِي وهو مَجْرُورٌ بِلامِ جَرٍّ مَحْذُوفٌ مَعَ ”أنْ“ حَذْفًا مُطَّرِدًا، والتَّقْدِيرُ: أحَسِبَ النّاسُ تَرْكَهم غَيْرَ مَفْتُونِينَ لِأجْلِ قَوْلِهِمْ: آمَنّا، فَإنَّ أفْعالَ الظَّنِّ والعِلْمِ لا تَتَعَدّى إلى الذَّواتِ، وإنَّما تَتَعَدّى إلى الأحْوالِ والمَعانِي وكانَ حَقُّها أنْ يَكُونَ مَفْعُولُها واحِدًا دالًّا عَلى حالَةٍ، ولَكِنْ جَرى اسْتِعْمالُ الكَلامِ عَلى أنْ يَجْعَلُوا لَها اسْمَ ذاتٍ مَفْعُولًا، ثُمَّ يَجْعَلُوا ما يَدُلُّ عَلى حالَةٍ لِلذّاتِ مَفْعُولًا ثانِيًا؛ ولِذَلِكَ قالُوا: إنَّ مَفْعُولَيْ أفْعالِ القُلُوبِ أيِ العِلْمِ ونَحْوِهِ أصْلُهُما مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ.
والتَّرْكُ: عَدَمُ تَعَهُّدِ الشَّيْءِ بَعْدَ الِاتِّصالِ بِهِ.
والتَّرْكُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ كانُوا مُخالِطِينَ لِلْمُشْرِكِينَ ومِن زُمْرَتِهِمْ، فَلَمّا آمَنُوا اخْتَصُّوا بِأنْفُسِهِمْ وخالَفُوا أحْوالَ قَوْمِهِمْ، وذَلِكَ مَظِنَّةُ أنْ يَتْرُكَهُمُ المُشْرِكُونَ وشَأْنَهم، فَلَمّا أبى المُشْرِكُونَ إلّا مُنازَعَتَهم طَمَعًا في إقْلاعِهِمْ عَنِ
صفحة ٢٠٣
الإيمانِ وقَعَ ذَلِكَ مِنهم مَوْقِعَ المُباغَتَةِ والتَّعَجُّبِ، وتَقَدَّمَ التَّرْكُ المَجازِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧] أوائِلَ البَقَرَةِ.
و﴿أنْ يَقُولُوا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى نَزْعِ الخافِضِ الَّذِي هو لامُ التَّعْلِيلِ، والتَّقْدِيرُ: لِأجْلِ ﴿أنْ يَقُولُوا آمَنّا﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ حالٌ، أيْ لا يَحْسَبُونَ أنَّهم سالِمُونَ مِنَ الفِتْنَةِ إذا آمَنُوا.
والفِتَنُ والفُتُونُ: فَسادُ حالِ النّاسِ بِالعُدْوانِ والأذى في الأنْفُسِ والأمْوالِ والأهْلِينَ. والِاسْمُ الفِتْنَةُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وبِناءُ فِعْلَيْ ﴿يُتْرَكُوا﴾، ويُفْتَنُونَ لِلْمَجْهُولِ؛ لِلِاسْتِغْناءِ عَنْ ذِكْرِ الفاعِلِ لِظُهُورِ أنَّ الفاعِلَ قَوْمٌ لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ، أيْ أنْ يُتْرَكُوا خالِينَ عَنْ فُتُونِ الكافِرِينَ إيّاهم، لِما هو مَعْرُوفٌ مِنَ الأحْداثِ قُبَيْلَ نُزُولِها، ولِما هو مَعْلُومٌ مِن دَأْبِ النّاسِ أنْ يُناصِبُوا العَداءَ مَن خالَفَهم في مُعْتَقَداتِهِمْ، ومَن تَرَفَّعَ عَنْ رَذائِلِهِمْ. والمَعْنى: أحَسِبَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا أنْ يَتْرُكَهم أعْداءُ الدِّينِ دُونَ أنْ يَفْتِنُوهم. ومَن فَسَّرُوا الفُتُونَ هُنا بِما شَمِلَ التَّكالِيفَ الشّاقَّةَ مِثْلَ الهِجْرَةِ والجِهادِ - قَدِ ابْتَعَدُوا عَنْ مَهْيَعِ المَعْنى واللَّفْظِ، وناكَدُوا ما تَفَرَّعَ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٣] .
وإنَّما لَمْ نُقَدِّرْ فاعِلَ يُتْرَكُوا ويُفْتَنُونَ أنَّهُ اللَّهُ تَعالى تَحاشِيًا مَعَ التَّشابُهِ مَعَ وُجُودِ مَندُوحَةٍ عَنْهُ.
وهَذِهِ الفِتْنَةُ مَراتِبُ، أعْظَمُها التَّعْذِيبُ كَما فُعِلَ بِبِلالٍ وعَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وأبَوَيْهِ.
29:3Страница 396
وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٣
Мы уже подвергли искушению тех, кто был до них. Аллах непременно узнает тех, которые говорят правду, и непременно узнает лжецов.
﴿ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾
انْتِقالٌ إلى التَّنْوِيهِ بِالفُتُونِ لِأجْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ بِأنَّهُ سُنَّةُ اللَّهِ في سالِفِ أهْلِ الإيمانِ، وتَأْكِيدُ الجُمْلَةِ بِلامِ القَسَمِ وحَرْفِ التَّحْقِيقِ لِتَنْزِيلِ المُؤْمِنِينَ حِينَ اسْتَعْظَمُوا ما نالَهم
صفحة ٢٠٤
مِنَ الفِتْنَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ واسْتَبْطَئُوا النَّصْرَ عَلى الظّالِمِينَ، وذُهُولِهِمْ عَنْ سُنَّةِ الكَوْنِ في تِلْكَ الحالَةِ - مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُ أنَّ مَن يُخالِفُ الدَّهْماءَ في ضَلالِهِمْ ويَتَجافى عَنْ أخْلاقِهِمْ ورَذالَتِهِمْ لا بُدَّ أنْ تَلْحَقَهُ مِنهم فِتْنَةٌ.
ولَمّا كانَ هَذا السَّنَنُ مِن آثارِ ما طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ عُقُولَ غالِبِ البَشَرِ وتَفْكِيرَهم غَيْرَ المَعْصُومِ بِالدَّلائِلِ وكانَ حاصِلًا في الأُمَمِ السّالِفَةِ كُلِّها - أسْنَدَ فُتُونَ تِلْكَ الأُمَمِ إلى اللَّهِ تَعالى إسْنادًا مَجازِيًّا؛ لِأنَّهُ خالِقُ أسْبابِهِ كَما خَلَقَ أسْبابَ العِصْمَةِ مِنهُ لِمَن كانَ أهْلًا لِلْعِصْمَةِ مِن مِثْلِهِ، وفي هَذا الإسْنادِ إيماءٌ إلى أنَّ الَّذِي خَلَقَ أسْبابَ تِلْكَ الفِتَنِ قَرِيبِها وبَعِيدِها قادِرٌ عَلى صَرْفِها بِأسْبابٍ تُضادُّها. وإلى هَذا يُشِيرُ دُعاءُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ المَحْكِيُّ في سُورَةِ يُونُسَ ﴿وقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا في الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] فَسَألَ اللَّهَ أنْ يَخْلُقَ ضِدَّ الأسْبابِ الَّتِي غَرَّتْ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ وغَشِيَتْ عَلى قَلْبِهِ بِالضَّلالِ.
والمَقْصُودُ التَّذْكِيرُ بِما لَحِقَ صالِحِي الأُمَمِ السّالِفَةِ مِنَ الأذى والِاضْطِهادِ كَما لَقِيَ صالِحُو النَّصارى مِن مُشْرِكِي الرُّومانِ في عُصُورِ المَسِيحِيَّةِ الأُولى، وقَدْ قَصَّ القُرْآنُ بَعْضَ ذَلِكَ في ”سُورَةِ البُرُوجِ“ .
وحُكْمُها سارٍ في حالِ كُلِّ مَن يَتَمَسَّكُ بِالحَقِّ بَيْنَ قَوْمٍ يَسْتَخِفُّونَ بِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّ نُكْرانَ الحَقِّ أنْواعٌ كَثِيرَةٌ.
والواوُ الدّاخِلَةُ عَلى جُمْلَةِ ولَقَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عاطِفَةً عَلى جُمْلَةِ أحَسِبَ النّاسُ، ويَجُوزُ كَوْنُها عاطِفَةً عَلى جُمْلَةِ وهم لا يُفْتَنُونَ فَتَكُونُ بِمَعْنى الحالِ، أيْ والحالُ قَدْ فَتَنّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ ما قَبْلَها وما تَفَرَّعَ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾، فَلَكَ أنْ تُسَمِّيَ تِلْكَ الواوَ اعْتِراضِيَّةً. وإسْنادُ فِعْلِ فَتَنّا إلى اللَّهِ تَعالى لِقَصْدِ تَشْرِيفِ هَذِهِ الفُتُونِ بِأنَّهُ جَرى عَلى سُنَّةِ اللَّهِ في الأُمَمِ. فالفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وهم لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢]، أيْ يُفْتَنُونَ فَيَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا مِنهم والكاذِبِينَ. والمُفَرَّعُ هو عِلْمُ اللَّهِ الحاصِلُ في
صفحة ٢٠٥
المُسْتَقْبَلِ كَما يَقْتَضِيهِ تَوْكِيدُ فِعْلِ العِلْمِ بِنُونِ التَّوْكِيدِ الَّتِي لا يُؤَكَّدُ بِها المُضارِعُ إلّا مُسْتَقْبَلًا. وهو تَعَلُّقٌ بِالمَعْلُومِ، شَبِيهٌ بِالتَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ لِصِفَتَيِ الإرادَةِ والقُدْرَةِ وإنْ لَمْ يُسَمُّوهُ بِهَذا الِاسْمِ.
والمُرادُ بِالصِّدْقِ هُنا ثَباتُ الشَّيْءِ ورُسُوخُهُ، وبِالكَذِبِ ارْتِفاعُهُ وتَزَلْزُلُهُ؛ وذَلِكَ أنَّ المُؤْمِنِينَ حِينَ قالُوا آمَنّا لَمْ يَكُنْ مِنهم مَن هو كاذِبٌ في إخْبارِهِ عَنْ نَفْسِهِ بِأنَّهُ اعْتَقَدَ عَقِيدَةَ الإيمانِ واتَّبَعَ رَسُولَهُ، فَإذا لَحِقَهُمُ الفُتُونُ مِن أجْلِ دُخُولِهِمْ في دِينِ الإسْلامِ فَمَن لَمْ يَعْبَأْ بِذَلِكَ ولَمْ يَتْرُكِ اتِّباعَ الرَّسُولِ فَقَدْ تَبَيَّنَ رُسُوخُ إيمانِهِ ورِباطَةُ عَزْمِهِ، فَكانَ إيمانُهُ حَقًّا وصِدْقًا، ومَن تَرَكَ الإيمانَ خَوْفَ الفِتْنَةِ فَقَدِ اسْتَبانَ مِن حالِهِ عَدَمُ رُسُوخِ إيمانِهِ وتَزَلْزُلُهُ، وهَذا كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
أُولَئِكَ قَوْمٌ بَأْسُهم غَيْرُ كاذِبٍ
وقَوْلِ الأعْشى في ضِدِّهِ يَصِفُ راحِلَتَهُ:
جُمالِيَّةٍ تَغْتَلِي بِالـرِّدا ∗∗∗ فِ إذا كَذَّبَ الآثِماتُ الهَجِيرا
وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّ لَهم قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢] في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ.
ولَمّا كانَ عِلْمُ اللَّهِ بِمَن يَكُونُ إيمانُهُ صادِقًا عِنْدَ الفُتُونِ ومَن يَكُونُ إيمانُهُ كاذِبًا بِهَذَيْنِ المَعْنَيَيْنِ مُتَقَرِّرًا في الأزَلِ مِن قَبْلِ أنْ يَحْصُلَ الفُتُونُ والصِّدْقُ والكَذِبُ - تَعَيَّنَ تَأْوِيلُ فِعْلِ فَلَيَعْلَمَنَّ بِمَعْنى: فَلَيَعْلَمَنَّ بِكَذِبِ إيمانِهِمْ بِهَذا المَعْنى، فَهو مِن تَعَلُّقِ العِلْمِ بِحُصُولِ أمْرٍ كانَ في عِلْمِ اللَّهِ أنَّهُ سَيَكُونُ، وهو شَبِيهٌ بِتَعَلُّقِ الإرادَةِ المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالتَّعَلُّقِ التَّنْجِيزِيِّ، ولا مانِعَ مِن إثْباتِ تَعَلُّقَيْنِ لِعِلْمِ اللَّهِ تَعالى: أحَدُهُما قَدِيمٌ، والآخَرُ تَنْجِيزِيٌّ حادِثٌ. ولا يُفْضِي ذَلِكَ إلى اتِّصافِ اللَّهِ تَعالى بِوَصْفٍ حادِثٍ؛ لِأنَّ تَعَلُّقَ الصِّفَةِ تَحَقُّقُ مُقْتَضاها في الخارِجِ لا في ذاتِ مَوْصُوفِها، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: ١٤٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ [آل عمران: ١٤٠] في آلِ عِمْرانَ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ العِلْمَ هُنا مُكَنًّى بِهِ عَنْ وعْدِ الصّادِقِينَ ووَعِيدِ الكاذِبِينَ؛ لِأنَّ العِلْمَ سَبَبٌ لِلْجَزاءِ بِما يَقْتَضِيهِ، فَكانَتِ الكِنايَةُ مَقْصُودَةً وهو المَعْنى الأهَمُّ.
صفحة ٢٠٦
وقَدْ عَدَلَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ عَنْ طَرِيقِ التَّكَلُّمِ إلى طَرِيقِ الغَيْبَةِ بِإظْهارِ اسْمِ الجَلالَةِ عَلى أُسْلُوبِ الِالتِفاتِ لِما في هَذا الإظْهارِ مِنَ الجَلالَةِ لِيُعْلَمَ أنَّ الجَزاءَ عَلى ذَلِكَ جَزاءُ مالِكِ المُلْكِ.
وتَعْرِيفُ المُتَّصِفِينَ بِصِدْقِ الإيمانِ بِالمَوْصُولِ والصِّلَةِ الماضَوِيَّةِ لِإفادَةِ أنَّهُمُ اشْتَهَرُوا بِحِدْثانِ صِدْقِ الإيمانِ وأنَّ صِدْقَهم مُحَقَّقٌ.
وأمّا تَعْرِيفُ المُتَّصِفِينَ بِالكَذِبِ بِطَرِيقِ التَّعْرِيفِ بِاللّامِ وبِصِيغَةِ اسْمِ الفاعِلِ فَلِإفادَةِ أنَّهم عُهِدُوا بِهَذا الوَصْفِ وتَمَيَّزُوا بِهِ مَعَ ما في ذَلِكَ مِنَ التَّفَنُّنِ والرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.
رَوى الطَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الم ﴿أحَسِبَ النّاسُ أنْ يُتْرَكُوا﴾ [العنكبوت: ٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَيَعْلَمَنَّ الكاذِبِينَ﴾ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ إذْ كانَ يُعَذَّبُ في اللَّهِ، وأمْثالِهِ عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ، وسَلَمَةَ بْنِ هِشامٍ مِمَّنْ كانُوا يُعَذَّبُونَ بِمَكَّةَ، وكانَ النَّبِيءُ ﷺ يَدْعُو لَهُمُ اللَّهَ بِالنَّجاةِ لَهم ولِلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
29:4Страница 396
أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَسۡبِقُونَاۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ ٤
Неужели те, которые совершают злые деяния, полагают, что они опередят Нас (спасутся от наказания)? Скверно же они судят!
﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾
أُعْقِبَ تَثْبِيتُ المُؤْمِنِينَ عَلى ما يُصِيبُهم مِن فُتُونِ المُشْرِكِينَ وما في ذَلِكَ مِنَ الوَعْدِ والوَعِيدِ بِزَجْرِ المُشْرِكِينَ عَلى ما يَعْمَلُونَهُ مِنَ السَّيِّئاتِ في جانِبِ المُؤْمِنِينَ، وأعْظَمُ تِلْكَ السَّيِّئاتِ فُتُونُهُمُ المُسْلِمِينَ. فالمُرادُ بِالَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ الفاتِنُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ.
وهَذا ووَعِيدُهم بِأنَّ اللَّهَ لا يُفْلِتُهم. وفي هَذا أيْضًا زِيادَةُ تَثْبِيتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهم مِن أعْدائِهِمْ.
فَـ أمْ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ ويُقَدَّرُ بَعْدَها اسْتِفْهامٌ إنْكارِيُّ.
والسَّيِّئاتُ: الأعْمالُ السُّوءُ. وهي التَّنْكِيلُ والتَّعْذِيبُ وفُتُونُ المُسْلِمِينَ.
والسَّبْقُ: مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في النَّجاةِ والِانْفِلاتِ كَقَوْلِ مُرَّةَ بْنِ عَدّاءٍ الفَقْعَسِيِّ:
صفحة ٢٠٧
كَأنَّكَ لَمْ تُسْبَقْ مِنَ الدَّهْرِ مَرَّةً إذا أنْتَ أدْرَكْتَ الَّذِي كُنْتَ تَطْلُبُ
وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلى أنْ نُبَدِّلَ أمْثالَكُمْ﴾ [الواقعة: ٦٠] وقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَكْبَرُوا في الأرْضِ وما كانُوا سابِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٩] ﴿فَكُلًّا أخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠] .
وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾ [الأنفال: ٥٩] في سُورَةِ الأنْفالِ. والمَعْنى: أمْ حَسِبُوا أنْ قَدْ شَفَوْا غَيْظَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ فَهم بِذَلِكَ غَلَبُوا أوْلِياءَنا فَغَلَبُونا !
وجُمْلَةُ ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ ذَمٌّ لِحُسْبانِهِمْ ذَلِكَ وإبْطالٌ لَهُ. فَهي مُقَرِّرَةٌ لِمَعْنى الإنْكارِ في جُمْلَةِ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ فَلَها حُكْمُ التَّوْكِيدِ، فَلِذَلِكَ فُصِّلَتْ.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ هَذا الحُسْبانُ واقِعًا مِنهم، ومَعْنى وُقُوعِهِ أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا ما يُساوِي هَذا الحُسْبانَ؛ لِأنَّهم حِينَ لَمْ يَسْتَطِعِ المُؤْمِنُونَ رَدَّ فِتَنِهِمْ قَدِ اغْتَرُّوا بِأنَّهم غَلَبُوا المُؤْمِنِينَ، وإذْ قَدْ كانَ المُؤْمِنُونَ يَدْعُونَ إلى اللَّهِ دُونَ الأصْنامِ فَمَن غَلَبَهم فَقَدْ حَسِبَ أنَّهُ غَلَبَ مَن يَدْعُونَ إلَيْهِ، وهم لا يَشْعُرُونَ بِهَذا الحُسْبانِ، فافْهَمْهُ.
والحُكْمُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الظَّنِّ والِاعْتِقادِ تَهَكُّمًا بِهِمْ بِأنَّهم نَصَّبُوا أنْفُسَهم مَنصِبَ الَّذِي يَحْكُمُ فَيُطاعُ وما يَحْكُمُونَ مَوْصُولٌ وصِلَتُهُ، أيْ ساءَ الحُكْمُ الَّذِي يَحْكُمُونَهُ.
وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ وارِدَةً في شَأْنِ المُشْرِكِينَ المُؤْذِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَهي تُشِيرُ إلى تَحْذِيرِ المُسْلِمِينَ مِن مُشابِهَتِهِمْ في اقْتِرافِ السَّيِّئاتِ اسْتِخْفافًا بِوَعِيدِ اللَّهِ عَلَيْها؛ لِأنَّهم في ذَلِكَ يَأْخُذُونَ بِشَيْءٍ مِن مُشابَهَةِ حُسْبانِ الِانْفِلاتِ، وإنْ كانَ المُؤْمِنُ لا يَظُنُّ ذَلِكَ ولَكِنَّهُ يُنَزَّلُ مَنزِلَةَ مَن يَظُنُّهُ لِإعْراضِهِ عَنِ الوَعِيدِ حِينَ يَقْتَرِفُ السَّيِّئَةَ.
29:5Страница 396
مَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَأٓتٖۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٥
Если кто надеется на встречу с Аллахом, то ведь срок Аллаха непременно наступит. Он - Слышащий, Видящий.
﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وهْوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾
هَذا مَسُوقٌ لِلْمُؤْمِنِينَ خاصَّةً لِأنَّهُمُ الَّذِينَ يَرْجُونَ لِقاءَ اللَّهِ، فالجُمْلَةُ مُفِيدَةٌ التَّصْرِيحَ بِما أوْمَأ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أنْ يَسْبِقُونا﴾ [العنكبوت: ٤] مِنَ الوَعْدِ بِنَصْرِ المُؤْمِنِينَ عَلى عَدُوِّهِمْ
صفحة ٢٠٨
مُبَيِّنَةٌ لَها؛ ولِذَلِكَ فُصِّلَتْ. ولَوْلا هَذا الوَقْعُ لَكانَ حَقُّ الإخْبارِ بِها أنْ يَجِيءَ بِواسِطَةِ حَرْفِ العَطْفِ. ورَجاءُ لِقاءِ اللَّهِ: ظَنُّ وُقُوعِ الحُضُورِ لِحِسابِ اللَّهِ.
ولِقاءُ اللَّهِ: الحَشْرُ لِلْجَزاءِ؛ لِأنَّ النّاسَ يَتَلَقَّوْنَ خِطابَ اللَّهِ المُتَعَلِّقَ بِهِمْ، لَهم أوْ عَلَيْهِمْ، مُباشَرَةً بِدُونِ واسِطَةٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]، وقَوْلِهِ: ﴿واعْلَمُوا أنَّكم مُلاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وأجَلَ اللَّهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوَقْتَ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ في عِلْمِهِ لِلْبَعْثِ والحِسابِ، فَيَكُونُ مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ، ومُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ: فَإنَّهُ لَآتٍ، فَعَدَلَ إلى الإظْهارِ كَما في إضافَةِ ”أجَلَ“ إلى اسْمِ الجَلالَةِ مِنَ الإيماءِ إلى أنَّهُ لا يُخْلَفُ. والمَقْصُودُ الِاهْتِمامُ بِالتَّحْرِيضِ عَلى الِاسْتِعْدادِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ أجَلَ اللَّهِ الأجَلَ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ لِنَصْرِ المُؤْمِنِينَ وانْتِهاءِ فِتْنَةِ المُشْرِكِينَ إيّاهم بِاسْتِئْصالِ مَساعِيرِ تِلْكَ الفِتْنَةِ، وهم صَنادِيدُ قُرَيْشٍ، وذَلِكَ بِما كانَ مِنَ النَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ ثُمَّ ما عَقِبَهُ إلى فَتْحِ مَكَّةَ فَيَكُونُ الكَلامُ تَثْبِيتًا لِلرَّسُولِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ حِينَ اسْتَبْطَأ المُؤْمِنُونَ النَّصْرَ لِلْخَلاصِ مِن فِتْنَةِ المُشْرِكِينَ حَتّى يَعْبُدُوا اللَّهَ لا يَفْتِنُوهم في عِبادَتِهِ. والمَعْنى عَلَيْهِ: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِالبَعْثِ إيقانًا يَنْبَعِثُ مِن تَصْدِيقِ وعْدِ اللَّهِ بِهِ فَإنَّ تَصْدِيقَكم بِمَجِيءِ النَّصْرِ أجْدَرُ؛ لِأنَّهُ وعَدَكم بِهِ، فَـ ”مِن“ شَرْطِيَّةٌ، وجُعِلَ فِعْلُ الشَّرْطِ فِعْلَ الكَوْنِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِ هَذا الرَّجاءِ مِن فاعِلِ فِعْلِ الشَّرْطِ.
ولِهَذا كانَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ جَوابًا لِقَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ﴾ بِاعْتِبارِ دَلالَتِهِ عَلى الجَوابِ المُقَدَّرِ؛ لِيَلْتَئِمَ الرَّبْطُ بَيْنَ مَدْلُولِ جُمْلَةِ الشَّرْطِ ومَدْلُولِ جُمْلَةِ الجَزاءِ. ولَوْلا ذَلِكَ لاخْتَلَّ الرَّبْطُ بَيْنَ الشَّرْطِ والجَزاءِ؛ إذْ يُفْضِي إلى مَعْنى: مَن لَمْ يَكُنْ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ غَيْرُ آتٍ، وهَذا لا يَسْتَقِيمُ في مَجارِي الكَلامِ، فَلَزِمَ تَقْدِيرُ شَيْءٍ مِن بابِ دَلالَةِ الِاقْتِضاءِ.
وتَأْكِيدُ جُمْلَةِ الجَزاءِ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ لِلتَّحْرِيضِ والحَثِّ عَلى الِاسْتِعْدادِ لِلِقاءِ اللَّهِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي لِقَصْدِ تَحْقِيقِ النَّصْرِ المَوْعُودِ بِهِ تَنْزِيلًا لِاسْتِبْطائِهِ مَنزِلَةَ التَّرَدُّدِ؛ لِقَصْدِ إذْكاءِ يَقِينِهِمْ بِما وعَدَ اللَّهُ ولا يُوهِنُهم طُولُ المُدَّةِ الَّذِي يُضَخِّمُهُ الِانْتِظارُ. وبِهَذا يَظْهَرُ وقْعُ التَّذْيِيلِ بِوَصْفَيِ السَّمِيعُ العَلِيمُ دُونَ غَيْرِهِما مِنَ الصِّفاتِ العُلا؛ لِلْإيماءِ بِوَصْفِ السَّمِيعِ إلى أنَّ اللَّهَ تَعالى سَمِعَ
صفحة ٢٠٩
مَقالَةَ بَعْضِهِمْ مِنَ الدُّعاءِ بِتَعْجِيلِ النَّصْرِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٤]، وكَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ:
«اللَّهُمَّ أنْجِ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، اللَّهُمَّ أنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطْأتَكَ عَلى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِينَ يُوسُفَ» .
والإيماءُ بِوَصْفِ العَلِيمِ إلى أنَّ اللَّهَ عَلِمَ ما في نُفُوسِهِمْ مِنِ اسْتِعْجالِ النَّصْرِ، ولَوْ كانَ المُرادُ مِن أجَلَ اللَّهِ المَوْتَ لَما كانَ وجْهٌ لِلْإعْلامِ بِإتْيانِهِ بَلْهَ تَأْكِيدَهُ، وكَذا لَوْ كانَ المُرادُ مِنهُ البَعْثَ لَكانَ قَوْلُهُ: ﴿مَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ﴾ كافِيًا، فَهَذا وجْهُ ما أشارَتْ إلَيْهِ الآياتُ بِالمَنطُوقِ والِاقْتِضاءِ، والعُدُولُ بِها عَنْ هَذا المَهْيَعِ وإلى ما في ”الكَشّافِ“ و”مَفاتِيحِ الغَيْبِ“ أخْذًا مِن كَلامِ أبِي عُبَيْدَةَ - تَحْوِيلٌ لَها عَنْ مَجْراها وصَرْفٌ لِكَلِمَةِ الرَّجاءِ عَنْ مَعْناها، وتَفْكِيكٌ لِنَظْمِ الكَلامِ عَنْ أنْ يَكُونَ آخِذًا بَعْضُهُ بِحُجَزِ بَعْضٍ.
وإظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في جُمْلَةِ ﴿فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ مَعَ كَوْنِ مُقْتَضى الظّاهِرِ الإضْمارَ؛ لِتَقَدُّمِ اسْمِ الجَلالَةِ في جُمْلَةِ الشَّرْطِ مَن ﴿كانَ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ﴾؛ لِئَلّا يَلْتَبِسَ مُعادُ الضَّمِيرِ بِأنْ يُعادَ إلى ”مَن“؛ إذِ المَقْصُودُ الإعْلامُ بِأجَلٍ مَخْصُوصٍ وهو وقْتُ النَّصْرِ المَوْعُودِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [سبإ: ٢٩] ﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبإ: ٣٠] .
وعَبَّرَ بِفِعْلِ الرَّجاءِ عَنْ تَرَقُّبِ البَعْثِ؛ لِأنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وهم مِمَّنْ يَرْجُو لِقاءَ اللَّهِ لِأنَّهم يَتَرَقَّبُونَ البَعْثَ لِما يَأْمُلُونَ مِنَ الخَيْراتِ فِيهِ. قالَ بِلالٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ احْتِضارِهِ مُتَمَثِّلًا بِقَوْلِ بَعْضِ الأشْعَرِيِّينَ الَّذِينَ وفَدُوا عَلى النَّبِيءِ ﷺ:
غَدًا ألْقى الأحِبَّهْ مُحَمَّدًا وصَحْبَهْ
29:6Страница 396
وَمَن جَٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَٰهِدُ لِنَفۡسِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦
Тот, кто сражается, сражается во благо себе. Воистину, Аллах не нуждается в мирах!
﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ﴾
أيْ ومَن جاهَدَ مِمَّنْ يَرْجُونَ لِقاءَ اللَّهِ، فَلَيْسَتِ الواوُ لِلتَّقْسِيمِ، ولَيْسَ مَن
صفحة ٢١٠
جاهَدَ بِقَسِيمٍ لِمَن كانُوا يَرْجُونَ لِقاءَ اللَّهِ، بَلِ الجِهادُ مِن عَوارِضِ مَن كانُوا يَرْجُونَ لِقاءَ اللَّهِ.
والجِهادُ: مُبالَغَةٌ في الجَهْدِ الَّذِي هو مَصْدَرُ جَهَدَ كَمَنَعَ: إذا جَدَّ في عَمَلِهِ وتَكَلَّفَ فِيهِ تَعَبًا؛ ولِذَلِكَ شاعَ إطْلاقُهُ عَلى القِتالِ في نَصْرِ الإسْلامِ، وهو هُنا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الصَّبْرَ عَلى المَشاقِّ والأذى اللّاحِقَةِ بِالمُسْلِمِينَ لِأجْلِ دُخُولِهِمْ في الإسْلامِ ونَبْذِ دِينِ الشِّرْكِ حَيْثُ تَصَدّى المُشْرِكُونَ لِأذاهم. فَإطْلاقُ الجِهادِ هُنا هو مِثْلُ إطْلاقِهِ في قَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذا: ﴿وإنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي﴾ [العنكبوت: ٨]، ومِثْلُ إطْلاقِهِ في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ وقَدْ قَفَلَ مِن إحْدى غَزَواتِهِ: «رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ» .
وهَذا المَحَلُّ هو المُتَبادِرُ في هَذِهِ السُّورَةِ بِناءً عَلى أنَّها كُلُّها مَكِّيَّةٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ جِهادُ القِتالِ في مَكَّةَ.
ومَعْنى ﴿فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ عَلى هَذا المَحْمِلِ: أنَّ ما يُلاقِيهِ مِنَ المَشاقِّ لِفائِدَةِ نَفْسِهِ، لِيَتَأتّى لَهُ الثَّباتُ عَلى الإيمانِ الَّذِي بِهِ يَنْجُو مِنَ العَذابِ في الآخِرَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالجِهادِ المَعْنى المَنقُولُ إلَيْهِ في اصْطِلاحِ الشَّرِيعَةِ، وهو قِتالُ الكُفّارِ لِأجْلِ نَصْرِ الإسْلامِ والذَّبِّ عَنْ حَوْزَتِهِ، ويَكُونُ ذِكْرُهُ هُنا إعْدادَ نُفُوسِ المُسْلِمِينَ لِما سَيَلْجَئُونَ إلَيْهِ مِن قِتالِ المُشْرِكِينَ قَبْلَ أنْ يَضْطَرُّوا إلَيْهِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهم أوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦] ومُناسِبَةُ التَّعْرِيضِ لَهُ عَلى هَذا المَحْمِلِ هو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنَّ أجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥] تَضَمَّنَ تَرَقُّبًا لِوَعْدِ نَصْرِهِمْ عَلى عَدُوِّهِمْ، فَقَدَّمَ إلَيْهِمْ أنَّ ذَلِكَ بَعْدَ جِهادٍ شَدِيدٍ وهو ما وقَعَ يَوْمَ بَدْرٍ.
ومَعْنى ﴿فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ عَلى هَذا المَحْمِلِ هو مَعْناهُ في المَحْمِلِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الجِهادَ يُدافِعُ صَدَّ المُشْرِكِينَ إيّاهم عَنِ الإسْلامِ، فَكانَ الدَّوامُ عَلى الإسْلامِ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وزِيادَةُ مَعْنًى آخَرَ وهو أنَّ ذَلِكَ الجِهادَ وإنْ كانَ في ظاهِرِ الأمْرِ دِفاعًا عَنْ دِينِ اللَّهِ فَهو أيْضًا بِهِ نَصْرُهم وسَلامَةُ حَياةِ الأحْياءِ مِنهم وأهْلِهِمْ وأبْنائِهِمْ وأساسُ سُلْطانِهِمْ في الأرْضِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم
صفحة ٢١١
وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهم ولَيُبَدِّلَنَّهم مِن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا﴾ [النور: ٥٥] . وقالَ عَلْقَمَةُ بْنُ شَيْبانَ التَّمِيمِيُّ:
ونُقاتِلُ الأعْداءَ عَنْ أبْنَـائِنَـا وعَلى بَصائِرِنا وإنْ لَمْ نُبْصِرْ
والأوْفَقُ بِبَلاغَةِ القُرْآنِ أنْ يَكُونَ المَحْمِلانِ مُرادَيْنِ كَما قَدَّمْنا في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.
والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن ”إنَّما“ هو قَصْرُ الجِهادِ عَلى الكَوْنِ لِنَفْسِ المُجاهِدِ، أيِ الصّالِحِ نَفْسِهِ؛ إذِ العِلَّةُ لا تَتَعَلَّقُ بِالنَّفْسِ بَلْ بِأحْوالِها، أيْ جِهادٍ لِفائِدَةِ نَفْسِهِ لا لِنَفْعٍ يَنْجَرُّ إلى اللَّهِ تَعالى، فالقَصْرُ الحاصِلُ بِأداةٍ إنَّما قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِلتَّنْبِيهِ إلى ما يَغْفُلُونَ عَنْهُ - حِينَ يُجاهِدُونَ الجِهادَ بِمَعْنَيَيْهِ - مِنَ الفَوائِدِ المُنْجَرَّةِ إلى أنْفُسِ المُجاهِدِينَ؛ ولِذَلِكَ عُقِّبَ الرَّدُّ المُسْتَفادُ مِنَ القَصْرِ بِتَعْلِيلِهِ بِأنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ، فَلا يَكُونُ شَيْءٌ مِنَ الجِهادِ لِلَّهِ تَعالى، ولَكِنَّ نَفْعَهُ لِلْأُمَّةِ.
فَمَوْقِعُ حَرْفِ التَّأْكِيدِ هُنا هو مَوْقِعُ فاءِ التَّفْرِيعِ الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ صاحِبُ ”دَلائِلِ الإعْجازِ“ وتَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.
29:7Страница 397
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَحۡسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٧
Тем, которые уверовали и совершали праведные деяния, Мы простим их злодеяния и воздадим за наилучшее из того, что они совершали (или лучшим, чем то, что они совершали; или наилучшим образом за то, что они совершали).
﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ ولَنَجْزِيَنَّهم أحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أنْ يَسْبِقُونا﴾ [العنكبوت: ٤] لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ المَعْطُوفُ عَلَيْها مِنَ التَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، فَعُطِفَ عَلَيْها ما هو وعْدٌ وبِشارَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مَعَ ما أفْضى إلى ذِكْرِ هَذا الوَعْدِ مِن قَوْلِهِ قَبْلَهُ: ﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ [العنكبوت: ٦] فَإنَّ مَضْمُونَ جُمْلَةِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ الآيَةَ يُفِيدُ بَيانَ كَوْنِ جِهادِ مَن جاهَدَ لِنَفْسِهِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن جاهَدَ فَإنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ [العنكبوت: ٦] وسُلِكَ بِها طَرِيقُ العَطْفِ بِاعْتِبارِ ما أوْمَأ إلَيْهِ المَوْصُولُ وصِلَتُهُ مِن أنَّ سَبَبَ هَذا الجَزاءِ الحَسَنِ
صفحة ٢١٢
هُوَ أنَّهم آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وهو عَلى الوَجْهِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِنُكْتَةِ هَذا الإيماءِ.
فالجَزاءُ فَضْلٌ؛ لِأنَّ العَبْدَ إذا امْتَثَلَ أمْرَ اللَّهِ فَإنَّما دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ تَبِعَةَ العِصْيانِ، فَأمّا الجَزاءُ عَلى طاعَةِ مَوْلاهُ فَذَلِكَ فَضْلٌ مِنَ المَوْلى، وغُفْرانُ ما تَقَدَّمَ مِن سَيِّئاتِهِمْ فَضْلٌ عَظِيمٌ؛ لِأنَّهم كانُوا أحِقّاءَ بِأنْ يُؤاخَذُوا بِما عَمِلُوهُ وبِأنَّ إقْلاعَهم عَنْ ذَلِكَ في المُسْتَقْبَلِ لا يَقْتَضِي التَّجاوُزَ عَنِ الماضِي، لَكِنَّهُ زِيادَةٌ في الفَضْلِ.
وانْتَصَبَ ”أحْسَنَ“ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ هو مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مِن فِعْلِ ”لَنَجْزِيَنَّهم“ . والتَّقْدِيرُ: ولَنَجْزِيَنَّهم جَزاءً أحْسَنَ.
وإضافَتُهُ إلى ﴿الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لِإفادَةِ عِظَمِ الجَزاءِ كُلِّهِ، فَهو مُقَدَّرٌ بِأحْسَنِ أعْمالِهِمْ. وتَقْدِيرُ الكَلامِ: لَنَجْزِيَنَّهم عَنْ جَمِيعِ صالِحاتِهِمْ جَزاءَ أحْسَنِ صالِحاتِهِمْ. وشَمِلَ هَذا مَن يَكُونُونَ مُشْرِكِينَ فَيُؤْمِنُونَ ويَعْمَلُونَ الصّالِحاتِ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии