Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
ص
Сад
Сод · Мекканская · 88 аятов
﴿والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ الواوُ لِلْقَسَمِ أقْسَمَ بِالقُرْآنِ قَسَمَ تَنْوِيهٍ بِهِ.
ووُصِفَ بِ ”ذِي الذِّكْرِ“ لِأنَّ (ذِي) تُضافُ إلى الأشْياءِ الرَّفِيعَةِ فَتَجْرِي عَلى مُنْتَصَفٍ مَقْصُودٍ التَّنْوِيهُ بِهِ.
والذِّكْرُ: التَّذْكِيرُ، أيْ تَذْكِيرُ النّاسِ بِما هم عَنْهُ غافِلُونَ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالذِّكْرِ ذِكْرُ اللِّسانِ وهو عَلى مَعْنى: الَّذِي يُذَكِّرُ، بِالبِناءِ لِلنّائِبِ، أيْ والقُرْآنِ المَذْكُورِ، أيِ المَمْدُوحِ المُسْتَحَقِّ الثَّناءَ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] أيْ شَرَفُكم.
وقَدْ تَرَدَّدَ المُفَسِّرُونَ في تَعْيِينِ جَوابِ القَسَمِ عَلى أقْوالٍ سَبْعَةٍ أوْ ثَمانِيَةٍ، وأحْسَنُ ما قِيلَ فِيهِ هُنا أحَدُ وجْهَيْنِ: أوَّلُهُما أنْ يَكُونَ مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ حَرْفُ ص فَإنَّ المَقْصُودَ
صفحة ٢٠٤
مِنهُ التَّحَدِّي بِإعْجازِ القُرْآنِ وعَجْزِهِمْ عَنْ مُعارَضَتِهِ بِأنَّهُ كَلامٌ بِلُغَتِهِمْ، ومُؤَلَّفٌ مِن حُرُوفِها فَكَيْفَ عَجَزُوا عَنْ مُعارَضَتِهِ. فالتَّقْدِيرُ: والقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ أنَّهُ لَمِن عِنْدِ اللَّهِ لِهَذا عَجَزْتُمْ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ. وثانِيهِما: الَّذِي أرى أنَّ الجَوابَ مَحْذُوفٌ أيْضًا دَلَّ عَلَيْهِ الإضْرابُ الَّذِي في قَوْلِهِ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ [ص: ٢] بَعْدَ أنْ وُصِفَ القُرْآنُ بِ ذِي الذِّكْرِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ الوَصْفَ يُشْعِرُ بِأنَّهُ ذِكْرٌ ومُوقِظٌ لِلْعُقُولِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ لَذِكْرٌ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ يَجْحَدُونَ أنَّهُ ذِكْرٌ ويَقُولُونَ: سِحْرٌ مُفْتَرًى وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ حَقٌّ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]، فَجَوابُ القَسَمِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، ولَيْسَ حَرْفُ ص هو المُقْسَمَ عَلَيْهِ مُقَدَّمًا عَلى القَسَمِ، أيْ لَيْسَ دَلِيلُ الجَوابِ مِنَ اللَّفْظِ بَلْ مِنَ المَعْنى والسِّياقِ.
والغَرَضُ مِن حَذْفِ جَوابِ القَسَمِ هُنا الإعْراضُ عَنْهُ إلى ما هو أجْدَرُ بِالذِّكْرِ وهو صِفَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا القُرْآنَ عِنادًا أوْ شِقاقًا مِنهم.
38:2Страница 453
بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٖ وَشِقَاقٖ ٢
Однако те, которые не веруют, пребывают в гордыне и разладе с истиной.
﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ و(بَلِ) لِلْإضْرابِ الإبْطالِيِّ وهَذا نَوْعٌ مِنَ الإضْرابِ الإبْطالِيِّ نَبَّهَ عَلَيْهِ الرّاغِبُ في مُفْرَداتِ القُرْآنِ وأشارَ إلَيْهِ في الكَشّافِ، وتَحْرِيرُهُ أنَّهُ لَيْسَ إبْطالًا مَحْضًا لِلْكَلامِ السّابِقِ بِحَيْثُ يَكُونُ حَرْفُ (بَلْ) فِيهِ بِمَنزِلَةِ حَرْفِ النَّفْيِ كَما هو غالِبُ الإضْرابِ الإبْطالِيِّ، ولا هو إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ، ولَكِنَّ هَذا إبْطالٌ لِتَوَهُّمٍ يَنْشَأُ عَنِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ إذْ دَلَّ وصْفُ القُرْآنِ بِ ”﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص: ١]“ أنَّ القُرْآنَ مُذَكِّرٌ سامِعِيهِ تَذْكِيرًا ناجِعًا، فَعَقَّبَ بِإزالَةِ تَوَهُّمِ مَن يَتَوَهَّمُ أنَّ عَدَمَ تَذَكُّرِ الكُفّارِ لَيْسَ لِضَعْفٍ في تَذْكِيرِ القُرْآنِ ولَكِنْ لِأنَّهم مُتَعَزِّزُونَ مُشاقُّونَ، فَحَرْفُ (بَلِ) في مِثْلِ هَذا بِمَنزِلَةِ حَرْفِ الِاسْتِدْراكِ، والمَقْصُودُ مِنهُ تَحْقِيقُ أنَّهُ ذُو ذِكْرٍ، وإزالَةُ الشُّبْهَةِ الَّتِي قَدْ تَعْرِضُ في ذَلِكَ.
ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ﴾ [ق: ١] ﴿بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ق: ٢]، أيْ
صفحة ٢٠٥
لَيْسَ امْتِناعُهم مِنَ الإيمانِ بِالقُرْآنِ لِنَقْصٍ في عُلُوِّهِ ومَجْدِهِ ولَكِنْ لِأنَّهم عَجِبُوا أنْ جاءَهم بِهِ رَجُلٌ مِنهم.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ (بَلِ) إضْرابَ انْتِقالٍ مِنَ الشُّرُوعِ في التَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ إلى بَيانِ سَبَبِ إعْراضِ المُعْرِضِينَ عَنْهُ؛ لِأنَّ في بَيانِ ذَلِكَ السَّبَبِ تَحْقِيقًا لِلتَّنْوِيهِ بِالقُرْآنِ كَما يُقالُ: دَعْ ذا وخُذْ في حَدِيثٍ. .، كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
فَدَعْ ذا وسَلِّ الهَمَّ عَنْكَ بِجَسْرَةٍ ذُمُولٍ إذا صامَ النَّهارُ وهَجَّرا
وقالَ زُهَيْرٌ:
دَعْ ذا وعَدِّ القَوْلَ في هَرَمٍ ∗∗∗ خَيْرِ البُداةِ وسَيِّدِ الحَضَرِ
وقَوْلِ الأعْشى:
فَدَعْ ذا ولَكِنْ ما تَرى رَأْيَ كاشِحٍ ∗∗∗ يَرى بَيْنَنا مِن جَهْلِهِ دَقَّ مَنشَمِ
وقَوْلِ العَجّاجِ:
دَعْ ذا وبَهِّجْ حَسَبًا مُبَهَّجا
ومَعْنى ذَلِكَ أنَّ الكَلامَ أخَذَ في الثَّناءِ عَلى القُرْآنِ ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْ ذَلِكَ إلى ما هو أهَمُّ وهو بَيانُ سَبَبِ إعْراضِ المُعْرِضِينَ عَنْهُ لِاعْتِزازِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ وشِقاقِهِمْ، فَوَقَعَ العُدُولُ عَنْ جَوابِ القَسَمِ اسْتِغْناءً بِما يُفِيدُ مُفادَ ذَلِكَ الجَوابِ.
وإنَّما قِيلَ ”الَّذِينَ كَفَرُوا“ دُونَ (الكافِرُونَ) لِما في صِلَةِ المَوْصُولِ مِنَ الإيماءِ إلى الإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم في عِزَّةٍ وشِقاقٍ. والعِزَّةُ تَحُومُ إطْلاقاتُها في الكَلامِ حَوْلَ مَعانِي المَنَعَةِ والغَلَبَةِ والتَّكَبُّرِ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ جارِيًا عَلى أسْبابٍ واقِعَةٍ فَهي العِزَّةُ الحَقِيقِيَّةُ، وإنْ كانَ عَنْ غُرُورٍ وإعْجابٍ بِالنَّفْسِ فَهي عِزَّةٌ مُزَوَّرَةٌ، قالَ تَعالى ﴿وإذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أخَذَتْهُ العِزَّةُ بِالإثْمِ﴾ [البقرة: ٢٠٦]، أيْ أخَذَتْهُ الكِبْرِياءُ وشِدَّةُ العِصْيانِ، وهي هُنا عِزَّةٌ باطِلَةٌ أيْضًا لِأنَّها إباءٌ مِنَ الحَقِّ وإعْجابٌ بِالنَّفْسِ. وضِدُّ العِزَّةِ الذِّلَّةُ، قالَ تَعالى ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] وقالَ السَّمَوْألُ أوْ غَيْرُهُ:
وما ضَرَّنا أنّا قَلِيلٌ وجارُنا ∗∗∗ عَزِيزٌ وجارُ الأكْثَرِينَ ذَلِيلُ
صفحة ٢٠٦
و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ مُسْتَعارَةٌ لِقُوَّةِ التَّلَبُّسِ بِالعِزَّةِ. والمَعْنى: مُتَلَبِّسُونَ بِعِزَّةٍ عَلى الحَقِّ.
والشِّقاقُ: العِنادُ والخِصامُ. والمُرادُ: وشِقاقٌ لِلَّهِ بِالشِّرْكِ ولِرَسُولِهِ ﷺ بِالتَّكْذِيبِ. والمَعْنى: أنَّ الحائِلَ بَيْنَهم وبَيْنَ التَّذْكِيرِ بِالقُرْآنِ هو ما في قَرارَةِ نُفُوسِهِمْ مِنَ العِزَّةِ والشِّقاقِ.
38:3Страница 453
كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ فَنَادَواْ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٖ ٣
Как же много поколений погубили Мы до них! Они взывали, но уже было поздно для того, чтобы уклониться.
﴿كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ فَنادَوْا ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ العِزَّةَ عَنِ الحَقِّ والشِّقاقَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ﷺ مِمّا يُثِيرُ في خاطِرِ السّامِعِ أنْ يَسْألَ عَنْ جَزاءِ ذَلِكَ فَوَقَعَ هَذا بَيانًا لَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ [ص: ٢]، وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ص: ٤] .
وكانَ هَذا البَيانُ إخْبارًا مُرْفَقًا بِحُجَّةٍ مِن قَبِيلِ قِياسِ تَمْثِيلٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ”مِن قَبْلِهِمْ“ يُؤْذِنُ بِأنَّهم مِثْلُهم في العِزَّةِ والشِّقاقِ، ومُتَضَمِّنًا تَحْذِيرًا مِنَ التَّرَيُّثِ عَنْ إجابَةِ دَعْوَةِ الحَقِّ، أيْ يَنْزِلُ بِهِمُ العَذابُ فَلا يَنْفَعُهم نَدَمٌ ولا مَتابٌ كَما لَمْ يَنْفَعِ القُرُونَ مِن قَبْلِهِمْ. فالتَّقْدِيرُ: سَيُجازَوْنَ عَلى عِزَّتِهِمْ وشِقاقِهِمْ بِالهَلاكِ كَما جُوزِيَتْ أُمَمٌ كَثِيرَةٌ مِن قَبْلِهِمْ في ذَلِكَ، فَلْيَحْذَرُوا ذَلِكَ فَإنَّهم إنْ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ العَذابِ لَمْ يَنْفَعْهم مَتابٌ كَما لَمْ يَنْفَعِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مَتابٌ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَذابِ.
و(كَمْ) اسْمٌ دالٌّ عَلى عَدَدٍ كَثِيرٍ. و”مِن قَرْنٍ“ تَمْيِيزٌ لِإبْهامِ العَدَدِ، أيْ: عَدَدًا كَثِيرًا مِنَ القُرُونِ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِالمَفْعُولِيَّةِ لِ ”أهْلَكْنا“ .
والقَرْنُ: الأُمَّةُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ أنْشَأْنا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٢]، و”مِن قَبْلِهِمْ“ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا جُعِلَ صِفَةً لِ ”قَرْنٍ“ مُقَدَّمَةً عَلَيْهِ فَوَقَعَتْ حالًا، وإنَّما قُدِّمَ لِلِاهْتِمامِ بِمَضْمُونِهِ لِيُفِيدَ الِاهْتِمامَ إيماءً إلى أنَّهم أُسْوَةٌ لَهم في العِزَّةِ والشِّقاقِ وأنَّ ذَلِكَ سَبَبُ إهْلاكِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِ ”أهْلَكْنا“ عَلى أنَّهُ ظَرْفُ لَغْوٍ، وقُدِّمَ عَلى مَفْعُولِ فِعْلِهِ
صفحة ٢٠٧
مَعَ أنَّ المَفْعُولَ أوْلى بِالسَّبْقِ مِن بَقِيَّةِ مَعْمُولاتِ الفِعْلِ لِيَكُونَ تَقْدِيمُهُ اهْتِمامًا بِهِ إيماءً إلى الإهْلاكِ كَما في الوَجْهِ الأوَّلِ.
وفَرَّعَ عَلى الإهْلاكِ أنَّهم نادَوْا فَلَمْ يَنْفَعْهم نِداؤُهم، تَحْذِيرًا مِن أنْ يَقَعَ هَؤُلاءِ في مِثْلِ ما وقَعَتْ فِيهِ القُرُونُ مِن قَبْلِهِمْ إذْ أضاعُوا الفُرْصَةَ فَنادَوْا بَعْدَ فَواتِها فَلَمْ يُفِدْهم نِداؤُهم ولا دُعاؤُهم.
والمُرادُ بِالنِّداءِ في ”فَنادَوْا“ نِداؤُهُمُ اللَّهَ تَعالى تَضَرُّعًا، وهو الدُّعاءُ كَما حُكِيَ عَنْهم في قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبَّنا اكْشِفْ عَنّا العَذابَ إنّا مُؤْمِنُونَ﴾ [الدخان: ١٢] .
وقَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا أخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالعَذابِ إذا هم يَجْأرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٤] .
وجُمْلَةُ ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، والواوُ واوُ الحالِ، أيْ نادَوْا في حالٍ لا حِينَ مَناصٍ لَهم.
و(لاتَ) حَرْفُ نَفْيٍ بِمَعْنى لا المُشَبَّهَةِ بِ (لَيْسَ)، و(لاتَ) حَرْفٌ مُخْتَصٌّ بِنَفْيِ أسْماءِ الأزْمانِ وما يَتَضَمَّنُ مَعْنى الزَّمانِ مِن إشارَةٍ ونَحْوِها.
وهِيَ مُرَكَّبَةٌ مِن (لا) النّافِيَةِ وُصِلَتْ بِها تاءٌ زائِدَةٌ لا تُفِيدُ تَأْنِيثًا لِأنَّها لَيْسَتْ هاءً وإنَّما هي كَزِيادَةِ التّاءِ في قَوْلِهِمْ: رُبَّتْ وثُمَّتْ.
والنَّفْيُ بِها لِغَيْرِ الزَّمانِ ونَحْوِهِ خَطَأٌ في اللُّغَةِ وقَعَ فِيهِ أبُو الطَّيِّبِ إذْ قالَ:
لَقَدْ تَصَبَّرْتُ حَتّى لاتَ مُصْطَبَرٍ والآنَ أُقْحِمُ حَتّى لاتَ مُقْتَحَمِ
وأغْفَلَ شارِحُو دِيوانِهِ كُلُّهم وقَدْ أدْخَلَ (لاتَ) عَلى غَيْرِ اسْمِ زَمانٍ.
وأيًّا ما كانَ فَقَدْ صارَتْ (لا) بِلُزُومِ زِيادَةِ التّاءِ في آخِرِها حَرْفًا مُسْتَقِلًّا خاصًّا بِنَفْيِ أسْماءِ الزَّمانِ فَخَرَجَتْ عَنْ نَحْوِ: رُبَّتْ وثُمَّتْ.
وزَعَمَ أبُو عُبَيدٍ القاسِمُ بْنُ سَلامٍ أنَّ التّاءَ في ﴿ولاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ مُتَّصِلَةٌ بِ ”حِينَ“ وأنَّهُ رَآها في مَصاحِفَ عُثْمانَ مُتَّصِلَةً بِ ”حِينَ“ وزَعَمَ أنَّ هَذِهِ التّاءَ
صفحة ٢٠٨
تَدْخُلُ عَلى: حِينٍ وأوانٍ وآنٍ، يُرِيدُ أنَّ التّاءَ لاحِقَةٌ لِأوَّلِ الِاسْمِ الَّذِي بَعْدَ (لا) ولَكِنَّهُ لَمْ يُفَسِّرْ لِدُخُولِها مَعْنًى. وقَدِ اعْتَذَرَ الأيِمَّةُ عَنْ وُقُوعِ التّاءِ مُتَّصِلَةً بِ (حِينَ) في بَعْضِ نُسَخِ المُصْحَفِ الإمامِ بِأنَّ رَسْمَ المُصْحَفِ قَدْ يُخالِفُ القِياسَ، عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يُوجَدُ في غَيْرِ المُصْحَفِ الَّذِي رَآهُ أبُو عُبَيدٍ مِنَ المَصاحِفِ المُعاصِرَةِ لِذَلِكَ المُصْحَفِ والمَرْسُومَةِ بَعْدَهُ.
والمَناصُ: النَّجاءُ والفَوْتُ، وهو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، يُقالُ: ناصَّهُ، إذا فاتَهُ.
والمَعْنى: فَنادَوْا مُبْتَهِلِينَ في حالٍ لَيْسَ وقْتَ نَجاءٍ وفَوْتٍ، أيْ قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ الهَلاكُ كَما قالَ تَعالى ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ﴾ [غافر: ٨٥] .
38:4–5Страница 453
وَعَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡۖ وَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا سَٰحِرٞ كَذَّابٌ ٤
Они удивились тому, что к ним явился предостерегающий увещеватель из них самих, и неверующие сказали: «Это - лживый колдун!
أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ ٥
Неужели он обратил богов в Единственного Бога? Воистину, это - нечто удивительное!».
﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا في عِزَّةٍ وشِقاقٍ﴾ [ص: ٢] فَهو مِنَ الكَلامِ الواقِعِ الإضْرابِ لِلِانْتِقالِ إلَيْهِ كَما وقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ق والقُرْآنِ المَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ق: ١] .
والمَعْنى: أنَّهُ اسْتَقَرَّ في نُفُوسِهِمُ اسْتِحالَةُ بَعْثَةِ رَسُولٍ مِنهم فَذَلِكَ سَبَبٌ آخَرُ لِانْصِرافِهِمْ عَنِ التَّذَكُّرِ بِالقُرْآنِ.
والعَجَبُ حَقِيقَتُهُ: انْفِعالٌ في النَّفْسِ يَنْشَأُ عَنْ عِلْمٍ بِأمْرٍ غَيْرِ مُتَرَقِّبٍ وُقُوعُهُ عِنْدَ النَّفْسِ، ويُطْلَقُ عَلى إنْكارِ شَيْءٍ نادِرٍ عَلى سَبِيلِ المَجازِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣] في سُورَةِ هُودٍ، فَإنَّ مَحَلَّ العِتابِ هو كَوْنُ امْرَأةِ إبْراهِيمَ أحالَتْ أنْ تَلِدَ وهي عَجُوزٌ، وكَذَلِكَ إطْلاقُهُ هُنا. والمَعْنى: وأنْكَرُوا وأحالُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهم.
صفحة ٢٠٩
والمُنْذِرُ: الرَّسُولُ، أيْ مُنْذِرٌ لَهم بِعَذابٍ عَلى أفْعالٍ هم مُتَلَبِّسُونَ بِها.
وعَبَّرَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ بِوَصْفِ المُنْذِرِ: ووُصِفَ بِأنَّهُ مِنهم لِلْإشارَةِ إلى سُوءِ نَظَرِهِمْ مِن عَجَبِهِمْ؛ لِأنَّ شَأْنَ النَّذِيرِ أنْ يَكُونَ مِنَ القَوْمِ مِمَّنْ يَنْصَحُ لَهم، فَكَوْنُهُ مِنهم أوْلى مِن أنْ يَكُونَ مِن غَيْرِهِمْ.
ثُمَّ إنْ كانَ التَّبْعِيضُ المُسْتَفادُ مِن حَرْفِ (مِن) مُرادًا بِهِ أنَّهُ بَعْضُ العَرَبِ أوْ بَعْضُ قُرَيْشٍ فَأمْرُ تَجْهِيلِهِمْ في عَجَبِهِمْ مِن هَذا النَّذِيرِ بَيِّنٌ، وإنْ كانَ مُرادًا بِهِ أنَّهُ بَعْضُ البَشَرِ وهو الظّاهِرُ فَتَجْهِيلُهم لِأنَّ مَن كانَ مِن جِنْسِهِمْ أجْدَرُ بِأنْ يَنْصَحَ لَهم مِن رَسُولٍ مِن جِنْسٍ آخَرَ كالمَلائِكَةِ، وهَذِهِ جَدارَةٌ عُرْفِيَّةٌ.
وهَذا العَجَبُ تَكَرَّرَ تَصْرِيحُهم بِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ فَهو مُسْتَقِرٌّ في قَرارَةِ نُفُوسِهِمْ، وهو الأصْلُ الدّاعِي لَهم إلى الإعْراضِ عَنْ تَصْدِيقِهِ فَلِذَلِكَ ابْتُدِئَتْ بِهِ حِكايَةُ أقْوالِهِمُ الَّتِي قالُوها في مَجْلِسِ شَيْخِ الأباطِحِ كَما تَقَدَّمَ في ذِكْرِ سَبَبِ النُّزُولِ.
* * *
﴿وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾
بَعْدَ أنْ كُشِفَ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ نُفُوسُهم مِنَ العِزَّةِ والشِّقاقِ وإحالَةِ بَعْثَةِ رَسُولٍ لِلْبَشَرِ مِن جِنْسِهِمْ، حُوسِبُوا بِما صَرَّحُوا بِهِ مِنَ القَوْلِ في مَجْلِسِهِمْ ذَلِكَ، إشارَةً بِهَذا التَّرْتِيبِ إلى أنَّ مَقالَتَهم هَذِهِ نَتِيجَةٌ لِعَقِيدَتِهِمْ تِلْكَ.
وفِي قَوْلِهِ ”الكافِرُونَ“ وضْعُ الظّاهِرِ مَوْقِعَ المُضْمَرِ وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ وقالُوا هَذا ساحِرٌ إلَخْ، وهَذا لِقَصْدِ وصْفِهِمْ بِأنَّهم كافِرُونَ بِرَبِّهِمْ مُقابَلَةً لِما وصَمُوا بِهِ النَّبِيءَ ﷺ فَوُصِفُوا بِما هو شَتْمٌ لَهم يَجْمَعُ ضُرُوبًا مِنَ الشَّتْمِ تَأْصِيلًا وتَفْرِيعًا وهو الكُفْرُ الَّذِي هو جِماعُ فَسادِ التَّفْكِيرِ وفاسِدِ الأعْمالِ.
ولَفَظُ ”هَذا“ أشارُوا بِهِ إلى النَّبِيءِ ﷺ، اسْتَعْمَلُوا اسْمَ الإشارَةِ لِتَحْقِيرِ مِثْلِهِ في قَوْلِهِ ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]، وإنَّما قالُوا مَقالَتَهم هَذِهِ حِينَ انْصِرافِهِمْ مِن مَجْلِسِ أبِي طالِبٍ المَذْكُورِ في سَبَبِ نُزُولِ السُّورَةِ، جَعَلُوا النَّبِيءَ ﷺ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِمَحْضَرِهِ كَأنَّهُ حاضِرٌ حِينَ الإشارَةِ إلَيْهِ.
صفحة ٢١٠
وجَعَلُوا حالَهُ سِحْرًا وكَذِبًا لِأنَّهم لَمّا لَمْ تَقْبَلْ عُقُولُهم ما كَلَّمَهم بِهِ زَعَمُوا ما لا يَفْهَمُونَ مِنهُ (مِثْلَ كَوْنِ الإلَهِ واحِدًا، أوْ كَوْنِهِ يُعِيدُ المَوْتى أحْياءً) سِحْرًا إذْ كانُوا يَأْلَفُونَ مِنَ السِّحْرِ أقْوالًا غَيْرَ مَفْهُومَةٍ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وزَعَمُوا ما يَفْهَمُونَهُ ويُحِيلُونَهُ مِثْلَ ادِّعاءِ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ كَذِبًا.
وبَيَّنُوا ذَلِكَ بِجُمْلَتَيْنِ: إحْداهُما ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾، والثّانِيَةُ جُمْلَةُ ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ [ص: ٨] .
فَجُمْلَةُ ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾، أيْ حَيْثُ عَدُّوهُ مُباهِتًا لَهم بِقَلْبِ الحَقائِقِ والأخْبارِ بِخِلافِ الواقِعِ.
والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ التَّعَجُّبِيِّ ولِذَلِكَ أتْبَعُوهُ بِما هو كالعِلَّةِ لِقَوْلِهِمْ ”ساحِرٌ“ وهو ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ أيْ يُتَعَجَّبُ مِنهُ كَما يُتَعَجَّبُ مِن شَعْوَذَةِ السّاحِرِ.
وعُجابٌ: ”وصْفُ الشَّيْءِ الَّذِي يُتَعَجَّبُ مِنهُ كَثِيرًا“ لِأنَّ وزْنَ فُعالٍ بِضَمِّ أوَّلِهِ يَدُلُّ عَلى تَمَكُّنِ الوَصْفِ مِثْلَ: طُوالٌ، بِمَعْنى المُفْرِطِ في الطُّولِ، وكُرامٌ بِمَعْنى الكَثِيرِ الكَرَمِ، فَهو أبْلَغُ مِن كَرِيمٍ، وقَدِ ابْتَدَأُوا الإنْكارَ بِأوَّلِ أصْلٍ مِن أُصُولِ كُفْرِهِمْ، فَإنَّ أُصُولَ كُفْرِهِمْ ثَلاثَةٌ: الإشْراكُ، وتَكْذِيبُ الرَّسُولِ ﷺ، وإنْكارُ البَعْثِ والجَزاءِ في الآخِرَةِ.
38:6–7Страница 453
وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُواْ وَٱصۡبِرُواْ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٞ يُرَادُ ٦
Знатные люди из их числа удалились со словами: «Ступайте и терпите за ваших богов. Воистину, это - некий замысел (или нечто желанное).
مَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِي ٱلۡمِلَّةِ ٱلۡأٓخِرَةِ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا ٱخۡتِلَٰقٌ ٧
Мы не слышали об этом в последней религии. Это - не что иное, как вымысел.
﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهم أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكم إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ الِانْطِلاقُ حَقِيقَتُهُ: الِانْصِرافُ والمَشْيُ، ويُسْتَعْمَلُ اسْتِعْمالَ أفْعالِ الشُّرُوعِ لِأنَّ الشّارِعَ يَنْطَلِقُ إلَيْهِ، ونَظِيرُهُ في ذَلِكَ: ذَهَبَ بِفِعْلِ كَذا، كَما في قَوْلِ النَّبَهانِيِّ:
فَإنْ كُنْتَ سَيِّدَنا سُدْتَنا وإنْ كُنْتَ لِلْخالِ فاذْهَبْ فَخَلْ
صفحة ٢١١
وكَذَلِكَ قامَ في قَوْلِهِ تَعالى ”﴿إذْ قامُوا فَقالُوا﴾ [الكهف: ١٤]“ في سُورَةِ الكَهْفِ.
وقِيلَ: إنَّ الِانْطِلاقَ هُنا عَلى حَقِيقَتِهِ، أيْ وانْصَرَفَ المَلَأُ مِنهم عَنْ مَجْلِسِ أبِي طالِبٍ.
والمَلَأُ: سادَةُ القَوْمِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: قائِلُ ذَلِكَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ. وقالَ غَيْرُ ابْنِ عَطِيَّةَ: إنَّ مِنَ القائِلِينَ أبا جَهْلٍ، والعاصِيَ بْنَ وائِلٍ، والأسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ.
و(أنِ) تَفْسِيرِيَّةٌ لِأنَّ الِانْطِلاقَ إنْ كانَ مَجازًا فَهو في الشُّرُوعِ فَقَدْ أُرِيدَ بِهِ الشُّرُوعُ في الكَلامِ فَكانَ فِيهِ مَعْنى القَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فاحْتاجَ إلى تَفْسِيرٍ بِكَلامٍ مَقُولٍ، وإنْ كانَ الِانْطِلاقُ عَلى حَقِيقَتِهِ فَقَدْ تَضَمَّنَ انْطِلاقَهم عَقِبَ التَّقاوُلِ بَيْنَهم بِكَلامِهِمُ الباطِلِ ”هَذا ساحِرٌ“ إلى قَوْلِهِ ”عُجابٌ“ يَقْتَضِي أنَّهُمُ انْطَلَقُوا مُتَحاوِرِينَ في ماذا يَصْنَعُونَ. ولَمّا أُسْنِدَ الِانْطِلاقُ إلى المَلَأِ مِنهم عَلى أنَّهم ما كانُوا لِيَنْطَلِقُوا إلّا لِتَدْبِيرٍ في ماذا يَصْنَعُونَ فَكانَ ذَلِكَ مُقْتَضِيًا تَحاوُرًا وتُقاوُلًا، احْتِيجَ إلى تَفْسِيرٍ بِجُمْلَةِ ﴿أنِ امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ إلَخْ.
والأمْرُ بِالمَشْيِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حَقِيقَةً، أيِ انْصَرِفُوا عَنْ هَذا المَكانِ مَكانِ المُجادَلَةِ، واشْتَغِلُوا بِالثَّباتِ عَلى آلِهَتِكم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَجازًا في الِاسْتِمْرارِ عَلى دِينِهِمْ كَما يُقالُ: كَما سارَ الكِرامُ، أيِ اعْمَلْ كَما عَمِلُوا، ومِنهُ سُمِّيَتِ الأخْلاقُ والأعْمالُ المُعْتادَةُ سِيرَةً.
والصَّبْرُ: الثَّباتُ والمُلازَمَةُ، يُقالُ: صَبَرَ الدّابَّةَ إذا رَبَطَها، ومِنهُ سُمِّيَ الثَّباتُ عِنْدَ حُلُولِ الضُّرِّ صَبْرًا لِأنَّهُ مُلازَمَةٌ لِلْحِلْمِ والأناةِ بِحَيْثُ لا يَضْطَرِبُ بِالجَزَعِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ [الفرقان: ٤٢] .
وحَرْفُ (عَلى) يَدُلُّ عَلى تَضْمِينِ ”اصْبِرُوا“ مَعْنى: اعْكُفُوا واثْبُتُوا، فَحَرْفُ (عَلى) هُنا لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ وهو التَّمَكُّنُ، مِثْلَ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥]، ولَيْسَ هو حَرْفَ (عَلى) المُتَعارَفَ تَعْدِيَةُ فِعْلِ الصَّبْرِ بِهِ في نَحْوِ قَوْلِهِ ﴿اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ﴾ [ص: ١٧] فَإنَّ ذَلِكَ بِمَعْنى (مَعَ)، ولِذَلِكَ يَخْلُفُهُ اللّامُ في مِثْلِ ذَلِكَ المَوْقِعِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [القلم: ٤٨]، ولا بُدَّ هُنا مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ عَلى عِبادَةِ
صفحة ٢١٢
آلِهَتِكم، فَلا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ إنْ كانَ مَجازًا فَهو في الشُّرُوعِ فَقَدْ أُرِيدَ بِهِ الشُّرُوعُ في الكَلامِ فَكانَ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْأمْرِ بِالصَّبْرِ عَلى آلِهَتِهِمْ لِقَصْدِ تَقْوِيَةِ شَكِّهِمْ في صِحَّةِ دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّها شَيْءٌ أرادَهُ لِغَرَضٍ، أيْ لَيْسَ صادِقًا ولَكِنَّهُ مَصْنُوعٌ مُرادٌ مِنهُ مَقْصِدٌ كَما يُقالُ: هَذا أمْرٌ دُبِّرَ بِلَيْلٍ، فالإشارَةُ بِ ”هَذا“ إلى ما كانُوا يَسْمَعُونَهُ في المَجْلِسِ مِن دَعْوَةِ النَّبِيءِ ﷺ إيّاهم أنْ يَقُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما سَمِعْنا بِهَذا في المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ مِن كَلامِ المَلَأِ. والإشارَةُ إلى ما أُشِيرَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾، أيْ هَذا القَوْلُ وهو جَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا.
والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنَّ هَذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ لِأنَّ عَدَمَ سَماعِ مِثْلِهِ يُبَيِّنُ أنَّهُ شَيْءٌ مُصْطَنَعٌ مُبْتَدَعٌ.
وإعادَةُ اسْمِ الإشارَةِ مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِقَصْدِ زِيادَةِ تَمْيِيزِهِ. وفي قَوْلِهِ ”بِهَذا“ تَقْدِيرُ مُضافٍ، أيْ بِمِثْلِ هَذا الَّذِي يَقُولُهُ.
ونَفِيُ السَّماعِ هُنا خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ كِنايَةً عَنِ الِاسْتِبْعادِ والِاتِّهامِ بِالكَذِبِ.
والمِلَّةُ: الدِّينُ، قالَ تَعالى ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقالَ ﴿إنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ واتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٧] في سُورَةِ يُوسُفَ.
والآخِرَةُ: تَأْنِيثُ الآخِرُ وهو الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ تَقَرَّرَتْ فِيها أمْثالُهُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] .
والمَجْرُورُ مِن قَوْلِهِ ﴿فِي المِلَّةِ الآخِرَةِ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الإشارَةِ بَيانًا لِلْمَقْصُودِ مِنَ الإشارَةِ مُتَعَلِّقًا بِفِعْلِ ”سَمِعْنا“ . والمَعْنى: ما سَمِعْنا بِهَذا قَبْلَ اليَوْمِ فَلا نَعْتَدُّ بِهِ. ويَجُوزُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِ ”المِلَّةِ الآخِرَةِ“ دِينَ النَّصارى، وهو عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأصْحابِهِ، وعَلَيْهِ فالمُشْرِكُونَ اسْتَشْهَدُوا عَلى بُطْلانِ تَوْحِيدِ الإلَهِ بِأنَّ دِينَ النَّصارى الَّذِي قَبْلَ الإسْلامِ
صفحة ٢١٣
أثْبَتَ تَعَدُّدَ الآلِهَةِ، ويَكُونُ نَفْيُ السَّماعِ كِنايَةً عَنْ سَماعِ ضِدِّهِ وهو تَعَدُّدُ الآلِهَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يُرِيدُوا بِ ”المِلَّةِ الآخِرَةِ“ المِلَّةَ الَّتِي هم عَلَيْها ويَكُونُ إشارَةً إلى قَوْلِ مَلَأِ قُرَيْشٍ لِأبِي طالِبٍ في حِينِ احْتِضارِهِ حِينَ قالَ لَهُ النَّبِيءُ ﷺ «يا عَمِّ قُلْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ. فَقالُوا لَهُ جَمِيعًا: أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ» . فَقَوْلُهم ”في المِلَّةِ الآخِرَةِ“ كِنايَةٌ عَنِ اسْتِمْرارِ انْتِفاءِ هَذا إلى الزَّمَنِ الأخِيرِ فَيَعْلَمُ أنَّ انْتِفاءَهُ في مِلَّتِهِمُ الأوْلى بِالأحْرى.
وجُمْلَةُ ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ”ما سَمِعْنا بِهَذا“ وهَذا هو المُتَحَصَّلُ مِن كَلامِهِمُ المَبْدُوءِ بِ ﴿امْشُوا واصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ فَهَذِهِ الجُمْلَةُ كالفَذْلَكَةِ لِكَلامِهِمْ.
والِاخْتِلاقُ: الكَذِبُ المُخْتَرَعُ الَّذِي لا شُبْهَةَ لِقائِلِهِ.
38:8Страница 453
أَءُنزِلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ مِنۢ بَيۡنِنَاۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّن ذِكۡرِيۚ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ ٨
Неужели среди нас Напоминание ниспослано только ему одному?». О нет! Они сомневаются в Моем Напоминании (Коране). О нет! Они еще не вкусили мучений.
﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ مِن كَلامِ عُمُومِ الكافِرِينَ المَحْكِيِّ بِقَوْلِهِ ﴿وقالَ الكافِرُونَ هَذا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ [ص: ٤] فَيَكُونُ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ [ص: ٥]، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ بَيانًا لِجُمْلَةِ ”كَذّابٌ“، لِأنَّ تَقْدِيرَهُ: هَذا كَذّابٌ إذْ هو خَبَرٌ ثانٍ لِ ”كانَ“، ولِكَوْنِهِ بَيانًا لِلَّذِي قَبْلَهُ لَمْ يُعْطَفْ عَلَيْهِ، ويَكُونُ ما بَيْنَهُما مِن قَوْلِهِ ﴿وانْطَلَقَ المَلَأُ مِنهُمْ﴾ [ص: ٦] إلى قَوْلِهِ ﴿إنْ هَذا إلّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص: ٧] اعْتِراضًا بَيْنَ جُمْلَتَيِ البَيانِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ كَلامِ المَلَأِ واسْتُغْنِيَ بِهِ عَنْ بَيانِ جُمْلَةِ ”كَذّابٌ“ لِأنَّ نُطْقَ المَلَأِ بِهِ كافٍ في قَوْلِ الآخَرِينَ بِمُوجَبِهِ فاسْتَغْنَوْا عَنْ بَيانِ جُمْلَةِ ”كَذّابٌ“ .
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، ومَناطُ الإنْكارِ هو الظَّرْفُ ”مِن بَيْنِنا“ وهو في مَوْضِعِ حالٍ مِن ضَمِيرِ ”عَلَيْهِ“، فَأنْكَرُوا أنْ يُخَصَّ مُحَمَّدٌ ﷺ بِالإرْسالِ وإنْزالِ القُرْآنِ دُونَ غَيْرِهِ مِنهم، وهَذا هو المَحْكِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] أيْ مِن مَكَّةَ أوِ الطّائِفِ، ولَمْ يُرِيدُوا بِهَذا الإنْكارِ
صفحة ٢١٤
تَجْوِيزَ أصْلِ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ، وإنَّما مُرادُهُمُ اسْتِقْصاءُ الِاسْتِبْعادِ، فَإنَّهم أنْكَرُوا أصْلَ الرِّسالَةِ كَما اقْتَضاهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وعَجِبُوا أنْ جاءَهم مُنْذِرٌ مِنهُمْ﴾ [ص: ٤] وغَيْرُهِ مِنَ الآياتِ، وهَذا الأصْلُ الثّانِي مِن أُصُولِ كُفْرِهِمُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا﴾ [ص: ٥] وهو أصْلُ إنْكارِ بَعْثَةِ رَسُولٍ مِنهم.
* * *
﴿بَلْ هم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا جَوابًا عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِن بَيْنِنا﴾ أيْ لَيْسَ قَصْدُهُمُ الطَّعْنَ في اخْتِصاصِكَ بِالرِّسالَةِ ولَكِنَّهم شاكُّونَ في أصْلِ إنْزالِهِ، فَتَكُونُ (بَلْ) إضْرابًا إبْطالِيّا تَكْذِيبًا لِما يَظْهَرُ مِن إنْكارِهِمْ إنْزالَ الذِّكْرِ عَلَيْهِ مِن بَيْنِهِمْ عَلى ما تَقَدَّمَ، أيْ إنَّما قَصْدُهُمُ الشَّكُ في أنَّ اللَّهَ يُوحِي إلى أحَدٍ بِالرِّسالَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى ﴿فِي شَكٍّ مِن ذِكْرِي﴾ شَكًّا مِن وُقُوعِهِ. والشَّكُّ يُطْلَقُ عَلى اليَقِينِ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ والتَّقْيِيدِ فَيَكُونُ كَمَعْنى قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ انْتِقالًا مِن خَبَرٍ عَنْهم إلى خَبَرٍ آخَرَ فَيَكُونُ اسْتِئْنافًا وتَكُونُ (بَلْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ، والمَعْنى: وهم في شَكٍّ مِن ذِكْرِي، أيْ في شَكٍّ مِن كُنْهِ القُرْآنِ، فَمَرَّةً يَقُولُونَ: افْتَراهُ، ومَرَّةً يَقُولُونَ: شِعْرٌ، ومَرَّةً: سِحْرٌ، ومَرَّةً: أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ومَرَّةً: قَوْلُ كاهِنٍ.
فالمُرادُ بِالشَّكِّ حَقِيقَتُهُ أيِ التَّرَدُّدُ في العِلْمِ.
وإضافَةُ الذِّكْرِ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ وهو اللَّهُ تَعالى إضافَةُ تَشْرِيفٍ ولِتَحْقِيقِ كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
والذِّكْرُ عَلى هَذا الوَجْهِ هو عَيْنُ المُرادِ مِن قَوْلِهِ ﴿أأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ وإنَّما وقَعَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالظّاهِرِ دُونَ الضَّمِيرِ تَوَصُّلًا إلى التَّنْوِيهِ بِهِ بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ.
و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، جُعِلَتْ مُلابَسَةُ الشَّكِّ إيّاهم بِمَنزِلَةِ الظَّرْفِ المُحِيطِ بِمَحْوَيْهِ في أنَّهُ لا يَخْلُو مِنهُ جانِبٌ مِن جَوانِبِهِ.
و(مِن) في قَوْلِهِ ”مِن ذِكْرِي“ ابْتِدائِيَّةٌ لِكَوْنِ الشَّكِّ صِفَةً لَهم، أيْ نَشَأ لَهُمُ
صفحة ٢١٥
الشَّكُّ مِن شَأْنِ ذِكْرِي، أيْ مِن جانِبِ نَفْيِ وُقُوعِهِ، أوْ في جانِبِ ما يَصِفُونَهُ بِهِ.
* * *
﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ أتْبَعَ ذَلِكَ الإضْرابَ بِإضْرابٍ آخَرَ يُبَيِّنُ أنَّ الَّذِي جَرَّأهم عَلى هَذا الشِّقاقِ أنَّهم لَمّا تَأخَّرَ حُلُولُ العَذابِ بِهِمْ ظَنُّوا وعِيدَهُ كاذِبًا فَأخَذُوا في البَذاءَةِ والِاسْتِهْزاءِ، ولَوْ ذاقُوا العَذابَ لَألْقَمَتْ أفْواهُهُمُ الحَجَرَ.
و(لَمّا) حَرْفُ نَفْيٍ بِمَعْنى (لَمْ) إلّا أنَّ في (لَمّا) خُصُوصِيَّةً، وهي أنَّها تَدُلُّ عَلى المَنفِيِّ بِها مُتَّصِلِ الِانْتِفاءِ إلى وقْتِ التَّكَلُّمِ بِخِلافِ (لَمْ) فَلِذَلِكَ كانَ النَّفْيُ بِ (لَمّا) قَدْ يُفْهَمُ مِنهُ تَرَقُّبُ حُصُولِ المَنفِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَمّا يَدْخُلِ الإيمانُ في قُلُوبِهِمْ﴾ [الحجرات: ١٤] في سُورَةِ الحُجُراتِ: ما في (لَمّا) مِن مَعْنى التَّوَقُّعِ دالٍّ عَلى أنَّ هَؤُلاءِ قَدْ آمَنُوا فِيما بَعْدُ، أيْ دالٍ بِطَرِيقِ المَفْهُومِ الحاصِلِ مِن مَعْنى غايَةِ النَّفْيِ إلى زَمَنِ التَّكَلُّمِ، أيْ لا أضْمَنُ ما بَعْدَ ذَلِكَ، وقَدْ ذاقُوا عَذابَ السَّيْفِ يَوْمَ بَدْرٍ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ بِأرْبَعِ سِنِينَ.
وإضافَةُ (عَذابِ) إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ لِاخْتِصاصِهِ بِاللَّهِ لِأنَّهُ مُقَدِّرُهُ وقاضٍ بِهِ عَلَيْهِمْ ولِوُقُوعِهِ عَلى حالَةٍ غَيْرِ جارِيَةٍ عَلى المُعْتادِ، إذِ الشَّأْنُ أنْ يَسْتَأْصِلَ الجَيْشُ القَوِيُّ الجَيْشَ القَلِيلَ.
وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا لِلْفاصِلَةِ، وأُبْقِيَتِ الكَسْرَةُ دَلِيلًا عَلَيْها، وهو حَذْفٌ كَثِيرٌ في الفَواصِلِ والشِّعْرِ عَلى نَحْوِ حَذْفِها مِنَ المُنادى.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии