Ибн АшурАн‑Наба · 78:1–7

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

النبإ

Ан-Наба

Весть · Мекканская · 40 аятов

78:1–3Страница 582

عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ ١

О чем они расспрашивают друг друга?

عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلۡعَظِيمِ ٢

О великой вести,

ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ مُخۡتَلِفُونَ ٣

относительно которой они расходятся во мнениях.

﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ ﴿الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ .

افْتِتاحُ الكَلامِ بِالِاسْتِفْهامِ عَنْ تَساؤُلِ جَماعَةٍ عَنْ نَبَأٍ عَظِيمٍ افْتِتاحُ تَشْوِيقٍ ثُمَّ تَهْوِيلٍ لِما سَيُذْكَرُ بَعْدَهُ، فَهو مِنَ الفَواتِحِ البَدِيعَةِ لِما فِيها مِن أُسْلُوبٍ عَزِيزٍ غَيْرِ مَأْلُوفٍ، ومِن تَشْوِيقٍ بِطَرِيقَةِ الإجْمالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ المُحَصِّلَةِ لِتَمَكُّنِ الخَبَرِ الآتِي بَعْدَهُ في نَفْسِ السّامِعِ أكْمَلَ تَمَكُّنٍ.

وإذا كانَ هَذا الِافْتِتاحُ مُؤْذِنًا بِعَظِيمِ أمْرٍ كانَ مُؤْذِنًا بِالتَّصَدِّي لِقَوْلٍ فَصْلٍ فِيهِ، ولَمّا كانَ في ذَلِكَ إشْعارٌ بِأهَمِّ ما فِيهِ خَوْضُهم يَوْمَئِذٍ يُجْعَلُ افْتِتاحَ الكَلامِ بِهِ مِن بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ.

صفحة ٧

ولَفْظُ (﴿عَمَّ﴾) مُرَكَّبٌ مِن كَلِمَتَيْنِ هُما: حَرْفُ (عَنْ) الجارُّ، و(ما) الَّتِي هي اسْمُ اسْتِفْهامٍ بِمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ، ويَتَعَلَّقُ (عَمَّ) بِفِعْلِ (يَتَساءَلُونَ) فَهَذا مُرَكَّبٌ. وأصْلُ تَرْتِيبِهِ: يَتَساءَلُونَ عَنْ ما؛ فَقُدِّمَ اسْمُ الِاسْتِفْهامِ لِأنَّهُ لا يَقَعُ إلّا في صَدْرِ الكَلامِ المُسْتَفْهَمِ بِهِ، وإذْ قَدْ كانَ اسْمُ الِاسْتِفْهامِ مُقْتَرِنًا بِحَرْفِ الجَرِّ الَّذِي تَعَدّى بِهِ الفِعْلُ إلى اسْمِ الِاسْتِفْهامِ وكانَ الحَرْفُ لا يَنْفَصِلُ عَنْ مَجْرُورِهِ؛ قُدِّما مَعًا فَصارَ: (عَمّا يَتَساءَلُونَ) .

وقَدْ جَرى الِاسْتِعْمالُ الفَصِيحُ عَلى أنَّ (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةَ إذا دَخَلَ عَلَيْها حَرْفُ الجَرِّ يُحْذَفُ الألِفُ المَخْتُومَةُ هي بِهِ تَفْرِقَةً بَيْنَها وبَيْنَ (ما) المَوْصُولَةِ.

وعَلى ذَلِكَ جَرى اسْتِعْمالُ نُطْقِهِمْ، فَلَمّا كَتَبُوا المَصاحِفَ جَرَوْا عَلى تِلْكَ التَّفْرِقَةِ في النُّطْقِ، فَكَتَبُوا (ما) الِاسْتِفْهامِيَّةَ بِدُونِ ألِفٍ حَيْثُما وقَعَتْ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فِيمَ أنْتَ مِن ذِكْراها﴾ [النازعات: ٤٣] فَبِمَ تُبَشِّرُونَ لِمَ أذِنْتَ لَهم عَمَّ يَتَساءَلُونَ مِمَّ خُلِقَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقْرَأْها أحَدٌ بِإثْباتِ الألِفِ إلّا في الشّاذِّ.

ولَمّا بَقِيَتْ كَلِمَةُ (ما) بَعْدَ حَذْفِ ألِفِها عَلى حَرْفٍ واحِدٍ، جَرَوْا في رَسْمِ المُصْحَفِ عَلى أنَّ مِيمَها الباقِيَةَ تُكْتَبُ مُتَّصِلَةً بِحَرْفِ (عَنْ)؛ لِأنَّ (ما) لَمّا حُذِفَ ألِفُها بَقِيَتْ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ فَأشْبَهَ حُرُوفَ التَّهَجِّي، فَلَمّا كانَ حَرْفُ الجَرِّ الَّذِي قَبْلَ (ما) مَخْتُومًا بِنُونٍ والتَقَتِ النُّونُ مَعَ مِيمِ (ما)، والعَرَبُ يَنْطِقُونَ بِالنُّونِ السّاكِنَةِ الَّتِي بَعْدَها مِيمٌ مِيمًا ويُدْغِمُونَها فِيها، فَلَمّا حُذِفَتِ النُّونُ في النُّطْقِ جَرى رَسْمُهم عَلى كِتابَةِ الكَلِمَةِ مَحْذُوفَةَ النُّونِ تَبَعًا لِلنُّطْقِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِمَّ خُلِقَ﴾ [الطارق: ٥] وهو اصْطِلاحٌ حَسَنٌ.

والتَّساؤُلُ: تَفاعُلٌ، وحَقِيقَةُ صِيغَةِ التَّفاعُلِ تُفِيدُ صُدُورَ مَعْنى المادَّةِ المُشْتَقَّةِ مِنها مِنَ الفاعِلِ إلى المَفْعُولِ، وصُدُورَ مِثْلِهِ مِنَ المَفْعُولِ إلى الفاعِلِ، وتَرِدُ كَثِيرًا لِإفادَةِ تَكَرُّرِ وُقُوعِ ما اشْتُقَّتْ مِنهُ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: ساءَلَ، بِمَعْنى سَألَ، قالَ النّابِغَةُ:

أُسائِلُ عَنْ سُعْدى وقَدْ مَرَّ بَعْدَنا عَلى عَرَصاتِ الدّارِ سَبْعٌ كَوامِلُ

وقالَ رُوَيْشِدُ بْنُ كَثِيرٍ الطّائِيُّ:

يا أيُّها الرّاكِبُ المُزْجِي مَطِيَّتَهُ ∗∗∗ سائِلْ بَنِي أسَدٍ ما هَذِهِ الصَّوْتُ

صفحة ٨

وتَجِيءُ لِإفادَةِ قُوَّةِ صُدُورِ الفِعْلِ مِنَ الفاعِلِ، نَحْوُ قَوْلِهِمْ: عافاكَ اللَّهُ، وذَلِكَ إمّا كِنايَةٌ أوْ مَجازٌ، ومَحْمَلُهُ في الآيَةِ عَلى جَوازِ الِاحْتِمالاتِ الثَّلاثَةِ، وذَلِكَ مِن إرادَةِ المَعْنى الكِنائِيِّ مَعَ المَعْنى الصَّرِيحِ، أوْ مِنِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ، وكِلا الِاعْتِبارَيْنِ صَحِيحٌ في الكَلامِ البَلِيغِ فَلا وجْهَ لِمَنعِهِ.

فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً في حَقِيقَتِها بِأنْ يَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا سُؤالَ مُتَطَلِّعٍ لِلْعِلْمِ؛ لِأنَّهم حِينَئِذٍ لَمْ يَزالُوا في شَكٍّ مِن صِحَّةِ ما أُنْبِئُوا بِهِ، ثُمَّ اسْتَقَرَّ أمْرُهم عَلى الإنْكارِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُسْتَعْمَلَةً في المَجازِ الصُّورِيِّ؛ يَتَظاهَرُونَ بِالسُّؤالِ وهم مُوقِنُونَ بِانْتِفاءِ وُقُوعِ ما يَتَساءَلُونَ عَنْهُ، عَلى طَرِيقَةِ اسْتِعْمالِ فِعْلِ ”يَحْذَرُ“ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ [التوبة: ٦٤] فَيَكُونُونَ قَصَدُوا بِالسُّؤالِ الِاسْتِهْزاءَ.

وذَهَبَ المُفَسِّرُونَ فَرِيقَيْنِ في كِلْتا الطَّرِيقَتَيْنِ، يُرَجِّحُ كُلُّ فَرِيقٍ ما ذَهَبَ إلَيْهِ، والوَجْهُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى كِلْتَيْهِما؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا مُتَفاوِتِينَ في التَّكْذِيبِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمّا نَزَلَ القُرْآنُ كانَتْ قُرَيْشٌ يَتَحَدَّثُونَ فِيما بَيْنَهم؛ فَمِنهم مُصَدِّقٌ ومِنهم مُكَذِّبٌ.

وعَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: هو سُؤالُ اسْتِهْزاءٍ أوْ تَعَجُّبٍ، وإنَّما هم مُوقِنُونَ بِالتَّكْذِيبِ.

فَأمّا التَّساؤُلُ الحَقِيقِيُّ فَأنْ يَسْألَ أحَدٌ مِنهم غَيْرَهُ عَنْ بَعْضِ أحْوالِ هَذا النَّبَأِ، فَيَسْألُ المَسْؤُولُ سائِلَهُ سُؤالًا عَنْ حالٍ آخَرَ مِن أحْوالِ النَّبَأِ؛ إذْ يَخْطُرُ لِكُلِّ واحِدٍ في ذَلِكَ خاطِرٌ غَيْرُ الَّذِي خَطَرَ لِلْآخَرِ، فَيَسْألُ سُؤالَ مُسْتَثْبِتٍ، أوْ سُؤالَ كَشْفٍ عَنْ مُعْتَقَدِهِ، أوْ ما يُوصَفُ بِهِ المُخْبَرُ بِهَذا النَّبَأِ، كَما قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبإ: ٨] وقالَ بَعْضٌ آخَرُ: ﴿أإذا كُنّا تُرابًا وآباؤُنا أإنّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل: ٦٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [النمل: ٦٨] .

وأمّا التَّساؤُلُ الصُّورِيُّ فَأنْ يَسْألَ بَعْضُهم بَعْضًا عَنْ هَذا الخَبَرِ سُؤالَ تَهَكُّمٍ واسْتِهْزاءٍ، فَيَقُولُ أحَدُهم: هَلْ بَلَغَكَ خَبَرُ البَعْثِ ؟ ويَقُولُ لَهُ الآخَرُ: هَلْ سَمِعْتَ ما

صفحة ٩

قالَ ؟ فَإطْلاقُ لَفْظِ التَّساؤُلِ حَقِيقِيٌّ؛ لِأنَّهُ مَوْضُوعٌ لِمِثْلِ تِلْكَ المُساءَلَةِ، وقَصْدُهم مِنهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ بَلْ تَهَكُّمِيٌّ.

والِاسْتِفْهامُ بِما في قَوْلِهِ: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ﴾ لَيْسَ اسْتِفْهامًا حَقِيقِيًّا، بَلْ هو مُسْتَعْمَلٌ في التَّشْوِيقِ إلى تَلَقِّي الخَبَرِ نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ﴾ [الشعراء: ٢٢١] .

والمُوَجَّهُ إلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ مِن قَبِيلِ خِطابِ غَيْرِ المُعَيَّنِ.

وضَمِيرُ (يَتَساءَلُونَ) يَجُوزُ أنَّ يَكُونَ ضَمِيرَ جَماعَةِ الغائِبِينَ مُرادًا بِهِ المُشْرِكُونَ ولَمْ يَسْبِقْ لَهم ذِكْرٌ في هَذا الكَلامِ، ولَكِنَّ ذِكْرَهم مُتَكَرِّرٌ في القُرْآنِ فَصارُوا مَعْرُوفِينَ بِالقَصْدِ مِن بَعْضِ ضَمائِرِهِ وإشاراتِهِ المُبْهَمَةِ، كالضَّمِيرِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ﴾ [ص: ٣٢] (يَعْنِي: الشَّمْسَ)، ﴿كَلّا إذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ [القيامة: ٢٦] (يَعْنِي: الرُّوحَ)، فَإنْ جَعَلْتَ الكَلامَ مِن بابِ الِالتِفاتِ، فالضَّمِيرُ ضَمِيرُ جَماعَةِ المُخاطَبِينَ.

ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلًا في غَيْرِ طَلَبِ الفَهْمِ حَسُنَ تَعْقِيبُهُ بِالجَوابِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ فَجَوابُهُ مُسْتَعْمَلٌ بَيانًا لِما أُرِيدَ بِالِاسْتِفْهامِ مِنَ الإجْمالِ لِقَصْدِ التَّفْخِيمِ؛ فَبُيِّنَ جانِبُ التَّفْخِيمِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم عَلى مَن تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١] فَكَأنَّهُ قِيلَ: هم يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانِ بْنِ ثابِتٍ:

لِمَنِ الدّارُ أقْفَرَتْ بِمَعانِ ∗∗∗ بَيْنَ أعْلى اليَرْمُوكِ والصَّمّانِذاكَ مَغْنى لِآلِ جَفْنَةَ في الدَّهْرِ ∗∗∗ وحَقٌّ تَقَلُّبُ الأزْمانِ

والنَّبَأُ: الخَبَرُ، قِيلَ: مُطْلَقًا فَيَكُونُ مُرادِفًا لِلَفْظِ الخَبَرِ، وهو الَّذِي جَرى عَلَيْهِ إطْلاقُ القامُوسِ والصِّحاحِ واللِّسانِ.

وقالَ الرّاغِبُ: ”النَّبَأُ الخَبَرُ ذُو الفائِدَةِ العَظِيمَةِ، يَحْصُلُ بِهِ عِلْمٌ أوْ غَلَبَةُ ظَنٍّ، ولا يُقالُ لِلْخَبَرِ نَبَأٌ حَتّى يَتَضَمَّنَ هَذِهِ الأشْياءَ الثَّلاثَةَ ويَكُونَ صادِقًا“ اهـ. وهَذا فَرْقٌ حَسَنٌ، ولا أحْسَبُ البُلَغاءَ جَرَوْا إلّا عَلى نَحْوِ ما قالَ الرّاغِبُ، فَلا يُقالُ لِلْخَبَرِ عَنِ الأُمُورِ المُعْتادَةِ نَبَأٌ، وذَلِكَ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ مَوارِدُ اسْتِعْمالِ لَفْظِ النَّبَأِ في كَلامِ البُلَغاءِ، وأحْسَبُ أنَّ الَّذِينَ أطْلَقُوا مُرادَفَةَ النَّبَأِ لِلْخَبَرِ راعَوْا ما يَقَعُ في بَعْضِ كَلامِ النّاسِ مِن

صفحة ١٠

تَسامُحٍ بِإطْلاقِ النَّبَأِ بِمَعْنى مُطْلَقِ الخَبَرِ لِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ أوِ المَجازِ المُرْسَلِ بِالإطْلاقِ والتَّقْيِيدِ، فَكَثُرَ ذَلِكَ في الكَلامِ كَثْرَةً عَسُرَ مَعَها تَحْدِيدُ مَواقِعِ الكَلِمَتَيْنِ، ولَكِنَّ أبْلَغَ الكَلامِ لا يَلِيقُ تَخْرِيجُهُ إلّا عَلى أدَقِّ مَواقِعِ الِاسْتِعْمالِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] في سُورَةِ الأنْعامِ وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٧] .

والعَظِيمُ حَقِيقَتُهُ: كَبِيرُ الجِسْمِ ويُسْتَعارُ لِلْأمْرِ المُهِمِّ؛ لِأنَّ أهَمِّيَّةَ المَعْنى تُتَخَيَّلُ بِكِبَرِ الجِسْمِ في أنَّها تَقَعُ عِنْدَ مُدَّكِرِها، كَمَرْأى الجِسْمِ الكَبِيرِ في مَرْأى العَيْنِ، وشاعَتْ هَذِهِ الِاسْتِعارَةُ حَتّى ساوَتِ الحَقِيقَةَ.

ووَصْفُ النَّبَأِ بِالعَظِيمِ هُنا زِيادَةٌ في التَّنْوِيهِ بِهِ؛ لِأنَّ كَوْنَهُ وارِدًا مِن عالَمِ الغَيْبِ زادَهُ عِظَمَ أوْصافٍ وأهْوالٍ، فَوُصِفَ النَّبَأُ بِالعَظِيمِ بِاعْتِبارِ ما وُصِفَ فِيهِ مِن أحْوالِ البَعْثِ فِيما نَزَلَ مِن آياتِ القُرْآنِ قَبْلَ هَذا، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص: ٦٧] ﴿أنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٨] في سُورَةِ ”ص“ .

والتَّعْرِيفُ في (النَّبَأِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ فَيَشْمَلُ كُلَّ نَبَأٍ عَظِيمٍ أنْبَأهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِهِ، وأوَّلُ ذَلِكَ إنْباؤُهُ بِأنَّ القُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ، وما تَضَمَّنَهُ القُرْآنُ مِن إبْطالِ الشِّرْكِ، ومِن إثْباتِ بَعْثِ النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَما يُرْوى عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِن تَعْيِينِ نَبَأٍ خاصٍّ يُحْمَلُ عَلى التَّمْثِيلِ؛ فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو القُرْآنُ، وعَنْ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ: هو البَعْثُ يَوْمَ القِيامَةِ.

وسَوْقُ الِاسْتِدْلالِ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ [النبإ: ٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَنّاتٍ ألْفافًا﴾ [النبإ: ١٦] يَدُلُّ دِلالَةً بَيِّنَةً عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ (النَّبَأِ العَظِيمِ) الإنْباءُ بِأنَّ اللَّهَ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ.

وضَمِيرُ ﴿هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ يَجْرِي فِيهِ الوَجْهانِ المُتَقَدِّمانِ في قَوْلِهِ: يَتَساءَلُونَ واخْتِلافُهم في النَّبَأِ اخْتِلافُهم فِيما يَصِفُونَهُ بِهِ، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] وقَوْلِ بَعْضِهِمْ: هَذا كَلامُ مَجْنُونٍ، وقَوْلِ بَعْضِهِمْ: هَذا كَذِبٌ، وبَعْضِهِمْ: هَذا سِحْرٌ، وهم أيْضًا مُخْتَلِفُونَ في مَراتِبِ إنْكارِهِ؛ فَمِنهم مَن يَقْطَعُ بِإنْكارِ البَعْثِ، مِثْلَ الَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ:

صفحة ١١

﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٧] ﴿أفْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبإ: ٨]، ومِنهم مَن يَشُكُّونَ فِيهِ، كالَّذِينَ حَكى اللَّهُ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْتُمْ ما نَدْرِي ما السّاعَةُ إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ.

وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ في صِلَةِ المَوْصُولِ دُونَ أنْ يَقُولَ: الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، لِتُفِيدَ الجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ أنَّ الِاخْتِلافَ في أمْرِ هَذا النَّبَأِ مُتَمَكِّنٌ مِنهم ودائِمٌ فِيهِمْ، لِدِلالَةِ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ.

وتَقْدِيمُ (عَنْهُ) عَلى (مُعْرِضُونَ) لِلِاهْتِمامِ بِالمَجْرُورِ، ولِلْإشْعارِ بِأنَّ الِاخْتِلافَ ما كانَ مِن حَقِّهِ أنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ، مَعَ ما في التَّقْدِيمِ مِنَ الرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.

78:4Страница 582

كـَلَّا سَيَعۡلَمُونَ ٤

Но нет, они узнают!

﴿كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾

كَلّا حَرْفُ رَدْعٍ وإبْطالٍ لِشَيْءٍ يَسْبِقُهُ غالِبًا في الكَلامِ يَقْتَضِي رَدْعَ المَنسُوبِ إلَيْهِ وإبْطالَ ما نُسِبَ إلَيْهِ، وهو هُنا رَدْعٌ لِلَّذِينَ يَتَساءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ العَظِيمِ الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ التَّساؤُلُ مِنَ المَعانِي المُتَقَدِّمَةِ، وإبْطالٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ يَتَساءَلُونَ مِن تَساؤُلٍ مَعْلُومٍ لِلسّامِعِينَ.

فَمَوْقِعُ الجُمْلَةِ مَوْقِعُ الجَوابِ عَنِ السُّؤالِ، ولِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ طَرِيقَةُ السُّؤالِ والجَوابِ.

والكَلامُ وإنْ كانَ إخْبارًا عَنْهم فَإنَّهُمُ المَقْصُودُونَ بِهِ، فالرَّدْعُ مُوَجَّهٌ إلَيْهِمْ بِهَذا الِاعْتِبارِ.

والمَعْنى: إبْطالُ الِاخْتِلافِ في ذَلِكَ النَّبَأِ وإنْكارُ التَّساؤُلِ عَنْهُ، ذَلِكَ التَّساؤُلُ الَّذِي أرادُوا بِهِ الِاسْتِهْزاءَ وإنْكارَ الوُقُوعِ، وذَلِكَ يُثْبِتُ وُقُوعَ ما جاءَ بِهِ النَّبَأُ وأنَّهُ حَقٌّ؛ لِأنَّ إبْطالَ إنْكارِ وُقُوعِهِ يُفْضِي إلى إثْباتِ وُقُوعِهِ.

والغالِبُ في اسْتِعْمالِ (كَلّا) أنْ تُعَقَّبَ بِكَلامٍ يُبَيِّنُ ما أجْمَلَتْهُ مِنَ الرَّدْعِ والإبْطالِ؛ فَلِذَلِكَ عُقِّبَتْ هُنا بِقَوْلِهِ: (سَيَعْلَمُونَ) وهو زِيادَةٌ في إبْطالِ كَلامِهِمْ بِتَحْقِيقِ أنَّهم سَيُوقِنُونَ بِوُقُوعِهِ ويُعاقَبُونَ عَلى إنْكارِهِ؛ فَهُما عِلْمانِ يَحْصُلانِ لَهم بَعْدَ المَوْتِ: عِلْمٌ بِحَقِّ وُقُوعِ البَعْثِ، وعِلْمٌ في العِقابِ عَلَيْهِ.

صفحة ١٢

ولِذَلِكَ حُذِفَ مَفْعُولُ (سَيَعْلَمُونَ) لِيَعُمَّ المَعْلُومَيْنِ، فَإنَّهم عِنْدَ المَوْتِ يَرَوْنَ ما سَيَصِيرُونَ إلَيْهِ، فَقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ الكافِرَ يَرى مَقْعَدَهُ فَيُقالُ لَهُ: هَذا مَقْعَدُكَ حَتّى تُبْعَثَ»، وفي الحَدِيثِ: «القَبْرُ رَوْضَةٌ مِن رِياضِ الجَنَّةِ أوْ حُفْرَةٌ مِن حُفَرِ النّارِ»، وذَلِكَ مِن مَشاهِدِ رُوحِ المَقْبُورِ، وهي مِنَ المُكاشَفاتِ الرُّوحِيَّةِ، وفُسِّرَ بِها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ﴾ [التكاثر: ٦] ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٧] .

فَتَضَمَّنَ هَذا الإبْطالُ وما بَعْدَهُ إعْلامًا بِأنَّ يَوْمَ البَعْثِ واقِعٌ، وتَضَمَّنَ وعِيدًا، وقَدْ وقَعَ تَأْكِيدُهُ بِحَرْفِ الِاسْتِقْبالِ الَّذِي شَأْنُهُ إفادَةُ تَقْرِيبِ المُسْتَقْبَلِ.

ومِن مَحاسِنِ هَذا الأُسْلُوبِ في الوَعِيدِ أنَّ فِيهِ إيهامًا بِأنَّهم سَيَعْلَمُونَ جَوابَ سُؤالِهِمُ الَّذِي أرادُوا بِهِ الإحالَةَ والتَّهَكُّمَ، وصَوَّرُوهُ في صُورَةِ طَلَبِ الجَوابِ، فَهَذا الجَوابُ مِن بابِ قَوْلِ النّاسِ: الجَوابُ ما تَرى لا ما تَسْمَعُ.

78:5Страница 582

ثُمَّ كـَلَّا سَيَعۡلَمُونَ ٥

Еще раз нет, они узнают!

﴿ثُمَّ كَلّا سَيَعْلَمُونَ﴾ .

ارْتِقاءٌ في الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ؛ فَإنَّ (ثُمَّ) لَمّا عَطَفَتِ الجُمْلَةَ فَهي لِلتَّرْتِيبِ الرَّتَبِيِّ، وهو أنَّ مَدْلُولَ الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها أرْقى رُتْبَةً في الغَرَضِ مِن مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها، ولَمّا كانَتِ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ (ثُمَّ) مِثْلَ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَ (ثُمَّ) تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ مَضْمُونُ الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَ (ثُمَّ) أرْقى دَرَجَةً مِن مَضْمُونِ نَظِيرِها. ومَعْنى ارْتِقاءِ الرُّتْبَةِ أنَّ مَضْمُونَ ما بَعْدَ (ثُمَّ) أقْوى مِن مَضْمُونِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَ (ثُمَّ)، وهَذا المَضْمُونُ هو الوَعِيدُ، فَلَمّا اسْتُفِيدَ تَحْقِيقُ وُقُوعِ المُتَوَعَّدِ بِهِ بِما أفادَهُ التَّوْكِيدُ اللَّفْظِيُّ - إذِ الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ (ثُمَّ) أكَّدَتِ الجُمْلَةَ الَّتِي قَبْلَها - تَعَيَّنَ انْصِرافُ مَعْنى ارْتِقاءِ رُتْبَةِ مَعْنى الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ هو أنَّ المُتَوَعَّدَ بِهِ الثّانِيَ أعْظَمُ مِمّا يَحْسَبُونَ.

وضَمِيرُ (سَيَعْلَمُونَ) في المَوْضِعَيْنِ يَجْرِي عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في ضَمِيرِ (يَتَساءَلُونَ)، وضَمِيرِ (فِيهِ مُخْتَلِفُونَ) .

78:6Страница 582

أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ مِهَٰدٗا ٦

Разве Мы не сделали землю ложем,

﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾

لَمّا كانَ أعْظَمُ نَبَأٍ جاءَهم بِهِ القُرْآنُ إبْطالَ إلَهِيَّةِ أصْنامِهِمْ وإثْباتَ إعادَةِ خَلْقِ أجْسامِهِمْ، وهُمُ الأصْلانِ اللَّذانِ أثارا تَكْذِيبَهم بِأنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ وتَألُّبَهم عَلى

صفحة ١٣

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَرْوِيجَهم تَكْذِيبَهُ، جاءَ هَذا الِاسْتِئْنافُ بَيانًا لِإجْمالِ قَوْلِهِ: ﴿عَنِ النَّبَإ العَظِيمِ﴾ [النبإ: ٢] ﴿الَّذِي هم فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبإ: ٣] .

وسَيَجِيءُ بَعْدَهُ تَكْمِلَتُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كانَ مِيقاتًا﴾ [النبإ: ١٧] .

وجَمَعَ اللَّهُ لَهم في هَذِهِ الآياتِ لِلِاسْتِدْلالِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ بِالِانْفِرادِ بِالخَلْقِ، وعَلى إمْكانِ إعادَةِ الأجْسادِ لِلْبَعْثِ بَعْدَ البِلى بِأنَّها لا تَبْلُغُ مَبْلَغَ إيجادِ المَخْلُوقاتِ العَظِيمَةِ.

ولِكَوْنِ الجُمْلَةِ في مَوْقِعِ الدَّلِيلِ لَمْ تُعْطَفْ عَلى ما قَبْلَها.

والكَلامُ مُوَجَّهٌ إلى مُنْكِرِي البَعْثِ وهُمُ المُوَجَّهُ إلَيْهِمُ الِاسْتِفْهامُ، فَهو مِن قَبِيلِ الِالتِفاتِ؛ لِأنَّ تَوْجِيهَ الكَلامِ في قُوَّةِ ضَمِيرِ الخِطابِ بِدَلِيلِ عَطْفِ ﴿وخَلَقْناكم أزْواجًا﴾ [النبإ: ٨] عَلَيْهِ.

والِاسْتِفْهامُ في ﴿ألَمْ نَجْعَلِ﴾ تَقْرِيرِيٌّ، وهو تَقْرِيرٌ عَلى النَّفْيِ كَما هو غالِبُ صِيَغِ الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ أنْ يَكُونَ بَعْدَهُ نَفْيٌ، والأكْثَرُ كَوْنُهُ بِحَرْفِ (لَمْ)، وذَلِكَ النَّفْيُ كالإعْذارِ لِلْمُقَرَّرِ إنْ كانَ يُرِيدُ أنْ يُنْكِرَ، وإنَّما المَقْصُودُ التَّقْرِيرُ بِوُقُوعِ جَعْلِ الأرْضِ مِهادًا لا بِنَفْيِهِ بِحَرْفِ النَّفْيِ لِمُجَرَّدِ تَأْكِيدِ مَعْنى التَّقْرِيرِ.

فالمَعْنى: أجَعَلْنا الأرْضَ مِهادًا، ولِذَلِكَ سَيُعْطَفُ عَلَيْهِ ﴿وخَلَقْناكم أزْواجًا﴾ [النبإ: ٨]، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ. ولا يَسَعُهم إلّا الإقْرارُ بِهِ، قالَ تَعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]، وحاصِلُ الِاسْتِدْلالِ بِالخَلْقِ الأوَّلِ لِمَخْلُوقاتٍ عَظِيمَةٍ أنَّهُ يَدُلُّ عَلى إمْكانِ الخَلْقِ الثّانِي لِمَخْلُوقاتٍ هي دُونَ المَخْلُوقاتِ الأُولى، قالَ تَعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ أكْبَرُ مِن خَلْقِ النّاسِ﴾ [غافر: ٥٧] - أيِ الثّانِي - ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧] .

وجَعْلُ الأرْضِ: خَلْقُها عَلى تِلْكَ الحالَةِ؛ لِأنَّ كَوْنَها مِهادًا أمْرٌ حاصِلٌ فِيها مِنَ ابْتِداءِ خَلْقِها ومِن أزْمانِ حُصُولِ ذَلِكَ لَها مِن قَبْلِ خَلْقِ الإنْسانِ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ.

والمَعْنى: أنَّهُ خَلَقَها في حالِ أنَّها كالمِهادِ؛ فالكَلامُ تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ.

صفحة ١٤

والتَّعْبِيرُ بِ (نَجْعَلْ) دُونَ: نَخْلُقُ؛ لِأنَّ كَوْنَها مِهادًا حالَةٌ مِن أحْوالِها عِنْدَ خَلْقِها أوْ بَعْدَهُ بِخِلافِ فِعْلِ الخَلْقِ، فَإنَّهُ يَتَعَدّى إلى الذّاتِ غالِبًا أوْ إلى الوَصْفِ المُقَوِّمِ لِلذّاتِ نَحْوَ ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [الملك: ٢] .

والمِهادُ: بِكَسْرِ المِيمِ، الفِراشُ المُمَهَّدُ المُوَطَّأُ، وزِنَةُ الفِعالِ فِيهِ تَدُلُّ عَلى أنَّ أصْلَهُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ لِلْمُبالَغَةِ. وفي القامُوسِ: إنَّ المِهادَ يُرادُ في المَهْدِ الَّذِي يُجْعَلُ لِلصَّبِيِّ. وعَلى كُلٍّ فَهو تَشْبِيهٌ لِلْأرْضِ بِهِ؛ إذْ جَعَلَ سَطْحَها مُيَسَّرًا لِلْجُلُوسِ عَلَيْها والِاضْطِجاعِ وبِالأحْرى المَشْيِ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى إبْداعِ الخَلْقِ والتَّيْسِيرِ عَلى النّاسِ، فَهو اسْتِدْلالٌ يَتَضَمَّنُ امْتِنانًا، وفي ذَلِكَ الِامْتِنانِ إشْعارٌ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى؛ إذْ جَعَلَ الأرْضَ مُلائِمَةً لِلْمَخْلُوقاتِ الَّتِي عَلَيْها، فَإنَّ الَّذِي صَنَعَ هَذا الصُّنْعَ لا يُعْجِزُهُ أنْ يَخْلُقَ الأجْسامَ مَرَّةً ثانِيَةً بَعْدَ بِلاها.

والغَرَضُ مِنَ الِامْتِنانِ هُنا تَذْكِيرُهم بِفَضْلِ اللَّهِ لَعَلَّهم أنْ يَرْعَوُوا عَنِ المُكابَرَةِ ويُقْبِلُوا عَلى النَّظَرِ فِيما يَدْعُوهم إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ تَبْلِيغًا عَنِ اللَّهِ تَعالى.

ومُناسَبَةُ ابْتِداءِ الِاسْتِدْلالِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ بِخَلْقِ الأرْضِ أنَّ البَعْثَ هو إخْراجُ أهْلِ الحَشْرِ مِنَ الأرْضِ فَكانَتِ الأرْضُ أسْبَقَ شَيْءٍ إلى ذِهْنِ السّامِعِ عِنْدَ الخَوْضِ في أمْرِ البَعْثِ، أيْ: بَعْثِ أهْلِ القُبُورِ.

وجَعْلُ الأرْضِ مِهادًا يَتَضَمَّنُ الِاسْتِدْلالَ بِأصْلِ خَلْقِ الأرْضِ عَلى طَرِيقَةِ الإيجازِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُتَعَرَّضْ إلَيْهِ بَعْدُ عِنْدَ التَّعَرُّضِ لِخَلْقِ السَّماواتِ.

78:7Страница 582

وَٱلۡجِبَالَ أَوۡتَادٗا ٧

а горы - колышками?

﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾

عَطْفٌ عَلى ﴿الأرْضَ مِهادًا﴾ [النبإ: ٦] فالواوُ عاطِفَةُ (الجِبالَ) عَلى (الأرْضَ)، وعاطِفَةُ (أوْتادًا) عَلى (مِهادًا)، وهَذا مِنَ العَطْفِ عَلى مَعْمُولَيْ عامِلٍ واحِدٍ وهو وارِدٌ في الكَلامِ الفَصِيحِ وجائِزٌ بِاتِّفاقِ النَّحْوِيِّينَ؛ لِأنَّ حَرْفَ العَطْفِ قائِمٌ مَقامَ العامِلِ.

والأوْتادُ: جَمْعُ وتَدٍ، بِفَتْحِ الواوِ وكَسْرِ المُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ. والوَتَدُ: عُودٌ غَلِيظٌ شَيْئًا، أسْفَلُهُ أدَقُّ مِن أعْلاهُ، يُدَقُّ في الأرْضِ لِتُشَدَّ بِهِ أطْنابُ الخَيْمَةِ ولِلْخَيْمَةِ أوْتادٌ كَثِيرَةٌ

صفحة ١٥

عَلى قَدْرِ اتِّساعِ دائِرَتِها، والإخْبارُ عَنِ الجِبالِ بِأنَّها أوْتادٌ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ: كالأوْتادِ.

ومُناسَبَةُ ذِكْرِ الجِبالِ دَعا إلَيْها ذِكْرُ الأرْضِ، وتَشْبِيهُها بِالمِهادِ الَّذِي يَكُونُ داخِلَ البَيْتِ، فَلَمّا كانَ البَيْتُ مِن شَأْنِهِ أنْ يَخْطُرَ بِبالِ السّامِعِ مِن ذِكْرِ المِهادِ كانَتِ الأرْضُ مُشَبَّهَةً بِالبَيْتِ عَلى طَرِيقَةِ المَكْنِيَّةِ، فَشُبِّهَتْ جِبالُ الأرْضِ بِأوْتادِ البَيْتِ تَخْيِيلًا لِلْأرْضِ مَعَ جِبالِها بِالبَيْتِ ومِهادِهِ وأوْتادِهِ.

وأيْضًا فَإنَّ كَثْرَةَ الجِبالِ النّاتِئَةِ عَلى وجْهِ الأرْضِ قَدْ يَخْطُرُ في الأذْهانِ أنَّها لا تُناسِبُ جَعْلَ الأرْضِ مِهادًا، فَكانَ تَشْبِيهُ الجِبالِ بِالأوْتادِ مُسْتَمْلَحًا بِمَنزِلَةِ حُسْنِ الِاعْتِذارِ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجِبالُ مُشَبَّهَةً بِالأوْتادِ في مُجَرَّدِ الصُّورَةِ مَعَ هَذا التَّخْيِيلِ كَقَوْلِهِمْ: رَأيْتُ أُسُودًا غابُها الرِّماحُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجِبالُ مُشَبَّهَةً بِأوْتادِ الخَيْمَةِ في أنَّها تَشُدُّ الخَيْمَةَ مِن أنْ تَقْلَعَها الرِّياحُ أوْ تُزَلْزِلَها، بِأنْ يَكُونَ في خَلْقِ الجِبالِ لِلْأرْضِ حِكْمَةٌ لِتَعْدِيلِ سَبْحِ الأرْضِ في الكُرَةِ الهَوائِيَّةِ؛ إذْ نُتُوُّ الجِبالِ عَلى الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ يَجْعَلُها تَكْسِرُ تَيّارَ الكُرَةِ الهَوائِيَّةِ المُحِيطَةِ بِالأرْضِ فَيَعْتَدِلُ تَيّارُهُ حَتّى تَكُونَ حَرَكَةُ الأرْضِ في كُرَةِ الهَواءِ غَيْرَ سَرِيعَةٍ.

عَلى أنَّ غالِبَ سُكّانِ الأرْضِ وخاصَّةً العَرَبُ لَهم مَنافِعُ جَمَّةٌ في الجِبالِ؛ فَمِنها مَسايِلُ الأوْدِيَةِ، وقَراراتُ المِياهِ في سُفُوحِها، ومَراعِي أنْعامِهِمْ، ومُسْتَعْصَمُهم في الخَوْفِ، ومَراقِبُ الطُّرُقِ المُؤَدِّيَةِ إلى دِيارِهِمْ إذا طَرَقَها العَدُوُّ، ولِذَلِكَ كَثُرَ ذِكْرُ الجِبالِ مَعَ ذِكْرِ الأرْضِ.

فَكانَتْ جُمْلَةُ ﴿والجِبالَ أوْتادًا﴾ إدْماجًا مُعْتَرِضًا بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿ألَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهادًا﴾ [النبإ: ٦] وجُمْلَةِ ﴿وخَلَقْناكم أزْواجًا﴾ [النبإ: ٨] .

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English