Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
الإنفطار
Аль-Инфитар
Раскалывание · Мекканская · 19 аятов
82:1–5Страница 587
إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتۡ ١
Когда небо расколется,
وَإِذَا ٱلۡكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتۡ ٢
когда тела небесные осыплются,
وَإِذَا ٱلۡبِحَارُ فُجِّرَتۡ ٣
когда моря перельются и смешаются (или высохнут),
وَإِذَا ٱلۡقُبُورُ بُعۡثِرَتۡ ٤
когда могилы перевернутся,
عَلِمَتۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ وَأَخَّرَتۡ ٥
тогда каждая душа узнает, что она совершила и что оставила после себя.
﴿إذا السَّماءُ انْفَطَرَتْ﴾ ﴿وإذا الكَواكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ ﴿وإذا البِحارُ فُجِّرَتْ﴾ ﴿وإذا القُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ .
الِافْتِتاحُ بِـ إذا افْتِتاحٌ مُشَوِّقٌ لِما يَرِدُ بَعْدَها مِن مُتَعَلِّقِها الَّذِي هو جَوابُ ما في إذا مِن مَعْنى الشَّرْطِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ سُورَةِ ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١]، سِوى أنَّ الجُمَلَ المُتَعاطِفَةَ المُضافَ إلَيْها هي هُنا أقَلُّ مِنَ اللّاتِي في سُورَةِ التَّكْوِيرِ؛ لِأنَّ المَقامَ لَمْ يَقْتَضِ تَطْوِيلَ الإطْنابِ كَما اقْتَضاهُ المَقامُ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ وإنْ كانَ في كِلْتَيْهِما مُقْتَضٍ لِلْإطْنابِ لَكِنَّهُ مُتَفاوِتٌ؛ لِأنَّ سُورَةَ التَّكْوِيرِ مِن أوَّلِ السُّوَرِ نُزُولًا كَما عَلِمْتَ آنِفًا.
وأمّا سُورَةُ الِانْفِطارِ فَبَيْنَها وبَيْنَ سُورَةِ التَّكْوِيرِ أرْبَعٌ وسَبْعُونَ سُورَةً تَكَرَّرَ في بَعْضِها إثْباتُ البَعْثِ والجَزاءِ والإنْذارِ وتَقَرَّرَ عِنْدَ المُخاطَبِينَ فَأغْنى تَطْوِيلُ الإطْنابِ والتَّهْوِيلِ.
و(إذا) ظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ مُتَضَمِّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ.
والمُعْرِبُونَ يَقُولُونَ: خافِضٌ لِشَرْطِهِ مَنصُوبٌ بِجَوابِهِ، وهي عِبارَةٌ حَسَنَةٌ جامِعَةٌ.
والقَوْلُ في الجُمَلِ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْها إذا مِن كَوْنِها جُمَلًا مُفْتَتَحَةً بِمُسْنِدٍ إلَيْهِ مُخْبَرٍ عَنْهُ بِمَسْنَدٍ فِعْلِيٍّ دُونَ أنْ يُؤْتى بِالجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ ودُونَ تَقْدِيرِ أفْعالٍ مَحْذُوفَةٍ قَبْلَ الأسْماءِ، لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ وتَقْوِيَةِ الخَبَرِ.
صفحة ١٧١
وكَذَلِكَ القَوْلُ في تَكْرِيرِ كَلِمَةِ (إذا) بَعْدَ حُرُوفِ العَطْفِ كالقَوْلِ في جُمَلِ ﴿إذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١] .
وانْفَطَرَتْ: مُطاوِعُ فَطَرَ، إذا جُعِلَ الشَّيْءُ مَفْطُورًا، أيْ: مَشْقُوقًا ذا فُطُورٍ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ المُلْكِ.
وهَذا الِانْفِطارُ: انْفِراجٌ يَقَعُ فِيما يُسَمّى بِالسَّماءِ، وهو ما يُشْبِهُ القُبَّةَ في نَظَرِ الرّائِي يَراهُ تَسِيرُ فِيهِ الكَواكِبُ في أُسْماتٍ مَضْبُوطَةٍ تُسَمّى بِالأفْلاكِ تُشاهَدُ بِاللَّيْلِ، ويُعْرَفُ سَمْتُها في النَّهارِ، ومُشاهَدَتُها في صُورَةٍ مُتَماثِلَةٍ مَعَ تَعاقُبِ القُرُونِ تَدُلُّ عَلى تَجانُسِ ما هي مُصَوَّرَةٌ مِنهُ فَإذا اخْتَلَّ ذَلِكَ وتَخَلَّلَتْهُ أجْسامٌ أوْ عَناصِرُ غَرِيبَةٌ مِن أصْلِ نِظامِهِ تَفَكَّكَتْ تِلْكَ الطِّباقُ ولاحَ فِيها تَشَقُّقٌ، فَكانَ عَلامَةً عَلى انْحِلالِ النِّظامِ المُتَعَلِّقِ بِها كُلِّهِ.
والظّاهِرُ أنَّ هَذا الِانْفِطارَ هو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالِانْشِقاقِ أيْضًا في سُورَةِ الِانْشِقاقِ وهو حَدَثٌ يَكُونُ قَبْلَ يَوْمِ البَعْثِ وأنَّهُ مِن أشْراطِ السّاعَةِ؛ لِأنَّهُ يَحْصُلُ عِنْدَ إفْسادِ النِّظامِ الَّذِي أقامَ اللَّهُ عَلَيْهِ حَرَكاتِ الكَواكِبِ وحَرَكَةَ الأرْضِ وذَلِكَ يَقْتَضِيهِ قَرْنُهُ بِانْتِثارِ الكَواكِبِ وتَفَجُّرِ البِحارِ وتَبَعْثُرِ القُبُورِ.
وأمّا الكَشْطُ الَّذِي تَقَدَّمَ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير: ١١] فَذَلِكَ عَرَضٌ آخَرُ يَعْرِضُ لِلسَّماواتِ يَوْمَ الحَشْرِ فَهو مِن قَبِيلِ اللَّهِ تَعالى ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥] .
والِانْتِثارُ: مُطاوِعُ النَّثْرِ ضِدَّ الجَمْعِ وضِدَّ الضَّمِّ، فالنَّثْرُ هو رَمْيُ أشْياءَ عَلى الأرْضِ بِتَفَرُّقٍ.
وأمّا التَّفَرُّقُ في الهَواءِ فَإطْلاقُ النَّثْرِ عَلَيْهِ مَجازٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] . فانْتِثارُ الكَواكِبِ مُسْتَعارٌ لِتَفَرُّقِ هَيْئاتِ اجْتِماعِها المَعْرُوفَةِ في مَواقِعِها، أوْ مُسْتَعارٌ لِخُرُوجِها مِن دَوائِرِ أفْلاكِها وسُمُوتِها فَتَبْدُو مُضْطَرِبَةً في الفَضاءِ بَعْدَ أنْ كانَتْ تَلُوحُ كَأنَّها قارَّةٌ، فانْتِثارُها تَبَدُّدُها وتَفَرُّقُ مُجْتَمَعِها، وذَلِكَ مِن آثارِ اخْتِلالِ قُوَّةِ الجاذِبِيَّةِ الَّتِي أُقِيمَ عَلَيْها نِظامُ العالَمِ الشَّمْسِيُّ.
وتَفْجِيرُ البِحارِ انْطِلاقُ مائِها مِن مُسْتَواهُ وفَيَضانُهُ عَلى ما حَوْلَها مِنَ الأرْضِينَ
صفحة ١٧٢
كَما يَتَفَجَّرُ ماءُ العَيْنِ حِينَ حَفْرِها لِفَسادِ كُرَةِ الهَواءِ الَّتِي هي ضاغِطَةٌ عَلى مِياهِ البِحارِ وبِذَلِكَ التَّفْجِيرِ يَعُمُّ الماءُ عَلى الأرْضِ فَيَهْلِكُ ما عَلَيْها ويَخْتَلُّ سَطْحُها.
ومَعْنى بُعْثِرَتِ: انْقَلَبَ باطِنُها ظاهِرَها، والبَعْثَرَةُ: الِانْقِلابُ، ويُقالُ: بَعْثَرَ المَتاعَ إذا قَلَبَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ. قالَ في الكَشّافِ: ”بَعْثَرَ مُرَكَّبٌ مِنَ البَعْثِ مِن راءٍ ضُمَّتْ إلَيْهِ“ . وقالَ البَيْضاوِيُّ: ”قِيلَ: إنَّ بَعْثَرَ مُرَكَّبٌ مِن بَعَثَ وراءِ الإثارَةِ كَبَسْمَلَ“ اهـ. ونُقِلَ مِثْلُهُ عَنِ السُّهَيْلِيِّ. وأنَّ بَعْثَرَ مَنحُوتٌ مِن بَعْثٍ وإثارَةٍ مِثْلَ بَسْمَلَ، وحَوْقَلَ، فَيَكُونُ في بَعْثَرَ مَعْنى فِعْلَيْنِ بَعَثَ وأثارَ، أيْ: أخْرَجَ وقَلَبَ، فَكَأنَّهُ قَلْبٌ لِأجْلِ إخْراجِ ما في المَقْلُوبِ.
والَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ أيِمَّةُ اللُّغَةِ أنَّ مَعْنى بَعْثَرَ: قَلَبَ بَعْضَ شَيْءٍ عَلى بَعْضِهِ.
وبُعْثِرَتِ القُبُورُ: حالَةٌ مِن حالاتِ الِانْقِلابِ الأرْضِيِّ والخَسْفِ خُصَّتْ بِالذِّكْرِ مِن بَيْنِ حالاتِ الأرْضِ لِما فِيها مِنَ الهَوْلِ بِاسْتِحْضارِ حالَةِ الأرْضِ وقَدْ ألْقَتْ عَلى ظاهِرِها ما كانَ في باطِنِ المَقابِرِ مِن جُثَثٍ كامِلَةٍ ورُفاتٍ، فَإنْ كانَ البَعْثُ عَنْ عَدَمٍ كَما مالَ إلَيْهِ بَعْضُ العُلَماءِ أوْ عَنْ تَفْرِيقٍ كَما رَآهُ بَعْضٌ آخَرُ، فَإنَّ بَعْثَ الأجْسادِ الكامِلَةِ يَجُوزُ أنْ يُخْتَصَّ بِالبَعْثِ عَنْ تَفْرِيقٍ ويُخْتَصَّ بَعْثُ الأجْسادِ البالِيَةِ والرِّمَمِ بِالكَوْنِ عَنْ عَدَمٍ.
وجُمْلَةُ ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ جَوابٌ لِما في إذا مِن مَعْنى الشَّرْطِ، ويَتَنازَعُ التَّعَلُّقُ بِهِ جَمِيعَ ما ذُكِرَ مِن كَلِماتِ إذا الأرْبَعِ. وهَذا العِلْمُ كِنايَةٌ عَنِ الحِسابِ عَلى ما قَدَّمَتِ النُّفُوسُ وأخَّرَتْ.
وعِلْمُ النُّفُوسِ بِما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ يَحْصُلُ بَعْدَ حُصُولِ ما تَضَمَّنَتْهُ جُمَلُ الشَّرْطِ بِـ (إذا) إذْ لا يَلْزَمُ في رَبْطِ المَشْرُوطِ بِشَرْطِهِ أنْ يَكُونَ حُصُولُهُ مُقارِنًا لِحُصُولِ شَرْطِهِ؛ لِأنَّ الشُّرُوطَ اللُّغَوِيَّةَ أسْبابٌ وأماراتٌ ولَيْسَتْ عِلَلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ.
وصِيغَةُ الماضِي في قَوْلِهِ: انْفَطَرَتْ وما عُطِفَ عَلَيْهِ مُسْتَعْمَلَةٌ في المُسْتَقْبَلِ تَشْبِيهًا لِتَحْقِيقِ وُقُوعِ المُسْتَقْبَلِ بِحُصُولِ الشَّيْءِ في الماضِي.
وإثْباتُ العِلْمِ لِلنّاسِ بِما قَدَّمُوا وأخَّرُوا عِنْدَ حُصُولِ تِلْكَ الشُّرُوطِ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ
صفحة ١٧٣
بِعِلْمِهِمْ بِذَلِكَ الَّذِي كانَ في الحَياةِ الدُّنْيا، فَنَزَلَ مَنزِلَةَ عَدَمِ العِلْمِ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في قَوْلِهِ: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] في سُورَةِ التَّكْوِيرِ.
و(نَفْسٌ) مُرادٌ بِهِ العُمُومُ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أحْضَرَتْ﴾ [التكوير: ١٤] في سُورَةِ التَّكْوِيرِ.
و﴿ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾: هو العَمَلُ الَّذِي قَدَّمَتْهُ النَّفْسُ، أيْ: عَمِلَتْهُ مُقَدَّمًا وهو ما عَمِلَتْهُ في أوَّلِ العُمُرِ، والعَمَلُ الَّذِي أخَّرَتْهُ، أيْ: عَمِلَتْهُ مُؤَخَّرًا أيْ: في آخِرِ مُدَّةِ الحَياةِ، أوِ المُرادُ بِالتَّقْدِيمِ بِالمُبادَرَةِ بِالعَمَلِ، والمُرادُ بِالتَّأْخِيرِ مُقابِلُهُ وهو تَرْكُ العَمَلِ.
والمَقْصُودُ مِن هَذَيْنِ تَعْمِيمُ التَّوْفِيقِ عَلى جَمِيعِ ما عَمِلَتْهُ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُنَبَّأُ الإنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وأخَّرَ﴾ [القيامة: ١٣] في سُورَةِ ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيامَةِ﴾ [القيامة: ١] .
والعِلْمُ يَتَحَقَّقُ بِإدْراكِ ما لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا مِن قَبْلُ وبِتَذَكُّرِ ما نُسِيَ لِطُولِ المُدَّةِ عَلَيْهِ كَما تَقَدَّمَ في نَظِيرِهِ في سُورَةِ التَّكْوِيرِ. وهَذا وعِيدٌ بِالحِسابِ عَلى جَمِيعِ أعْمالِ المُشْرِكِينَ، وهُمُ المَقْصُودُ بِالسُّورَةِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذا ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الإنفطار: ٩] ووَعْدٌ لِلْمُتَّقِينَ، ومُخْتَلَطٌ لِمَن عَمِلُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا.
82:6–8Страница 587
يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِيمِ ٦
О человек! Что ввело тебя в заблуждение относительно твоего Великодушного Господа,
ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ ٧
Который сотворил тебя и сделал твой облик совершенным и соразмеренным?
فِيٓ أَيِّ صُورَةٖ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ ٨
Он сложил тебя в том облике, в каком пожелал.
﴿يا أيُّها الإنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَّلَكَ﴾ ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِأنَّ ما قَبْلَهُ بِمَنزِلَةِ المُقَدِّمَةِ لَهُ لِتَهْيِئَةِ السّامِعِ لِتَلَقِّي هَذِهِ المَوْعِظَةِ؛ لِأنَّ ما سَبَقَهُ مِنَ التَّهْوِيلِ والإنْذارِ يُهَيِّئُ النَّفْسَ لِقَبُولِ المَوْعِظَةِ، إذِ المَوْعِظَةُ تَكُونُ أشَدَّ تَغَلْغُلًا في القَلْبِ حِينَئِدٍ لِما يَشْعُرُ بِهِ السّامِعُ مِنِ انْكِسارِ نَفْسِهِ ورِقَّةِ قَلْبِهِ، فَيَزُولُ عَنْهُ طُغْيانُ المُكابَرَةِ والعِنادِ فَخَطَرَ في النُّفُوسِ تَرَقُّبُ شَيْءٍ بَعْدَ ذَلِكَ.
والنِّداءُ لِلتَّنْبِيهِ تَنْبِيهًا يُشْعِرُ بِالِاهْتِمامِ بِالكَلامِ والِاسْتِدْعاءِ لِسَماعِهِ فَلَيْسَ النِّداءُ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ إذْ لَيْسَ مُرادًا بِهِ طَلَبُ إقْبالٍ ولا هو مُوَجَّهٌ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ أوْ جَماعَةٍ مُعَيَّنَةٍ بَلْ مِثْلُهُ يَجْعَلُهُ المُتَكَلِّمُ مُوَجَّهًا لِكُلِّ مَن يَسْمَعُهُ بِقَصْدٍ أوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ.
فالتَّعْرِيفُ في الإنْسانِ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، وعَلى ذَلِكَ حَمَلَهُ جُمْهُورُ
صفحة ١٧٤
المُفَسِّرِينَ، أيْ: لَيْسَ المُرادُ إنْسانًا مُعَيَّنًا، وقَرِينَةُ ذَلِكَ سِياقُ الكَلامِ مَعَ قَوْلِهِ عَقِبَهُ ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ وإنَّ عَلَيْكم لَحافِظِينَ﴾ [الإنفطار: ٩] الآيَةَ.
وهَذا العُمُومُ مُرادٌ بِهِ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ بِدَلالَةِ وُقُوعِهِ عَقِبَ الإنْذارِ بِحُصُولِ البَعْثِ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الإنفطار: ٩] فالمَعْنى: يا أيُّها الإنْسانُ الَّذِي أنْكَرَ البَعْثَ ولا يَكُونُ مُنْكِرُ البَعْثِ إلّا مُشْرِكًا؛ لِأنَّ إنْكارَ البَعْثِ والشِّرْكَ مُتَلازِمانِ يَوْمَئِذٍ فَهو مِنَ العامِّ المُرادِ بِهِ الخُصُوصُ بِالقَرِينَةِ أوْ مِنَ الِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ؛ لِأنَّ جُمْهُورَ المُخاطَبِينَ في إبْداءِ الدَّعْوَةِ الإسْلامِيَّةِ هُمُ المُشْرِكُونَ.
وما في قَوْلِهِ: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ﴾ اسْتِفْهامِيَّةٌ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي غَرَّ المُشْرِكَ فَحَمَلَهُ عَلى الإشْراكِ بِرَبِّهِ وعَلى إنْكارِ البَعْثِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءٍ: الإنْسانُ هُنا الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وعَنْ عِكْرِمَةَ المُرادُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: المُرادُ أبُو الأشَدِّ بْنُ كَلَدَةَ الجُمَحِيُّ، وعَنِ الكَلْبِيِّ ومُقاتِلٍ: نَزَلَتْ في الأسْوَدِ بْنِ شَرِيقٍ.
والِاسْتِفْهامُ مَجازٌ في الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ مِنَ الإشْراكِ بِاللَّهِ، أيْ: لا مُوجِبَ لِلشِّرْكِ وإنْكارِ البَعْثِ إلّا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ غُرُورًا غَرَّهُ عَنّا كِنايَةً عَنْ كَوْنِ الشِّرْكِ لا يَخْطُرُ بِبالِ العاقِلِ إلّا أنْ يَغُرَّهُ بِهِ غارُّهُ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الغُرُورُ مَوْجُودًا ومُحْتَمَلٌ أنْ لا يَكُونَ غُرُورٌ.
والغُرُورُ: الإطْماعُ بِما يَتَوَهَّمُهُ المَغْرُورُ نَفْعًا وهو ضُرٌّ. وفِعْلُهُ قَدْ يُسْنَدُ إلى اسْمِ ذاتِ المُطْمَعِ حَقِيقَةً مِثْلَ ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ أوْ مَجازًا نَحْوَ ﴿وغَرَّتْكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا﴾ [الجاثية: ٣٥] فَإنَّ الحَياةَ زَمانُ الغُرُورِ، وقَدْ يُسْنَدُ إلى اسْمِ مَعْنًى مِنَ المَعانِي حَقِيقَةً نَحْوَ ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا في البِلادِ﴾ [آل عمران: ١٩٦] . وقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
أغَرَّكِ مِنِّي أنَّ حُبَّكِ قاتِلِي
أوْ مَجازًا نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿زُخْرُفَ القَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: ١١٢] .
ويَتَعَدّى فِعْلُهُ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، وقَدْ يُذْكَرُ مَعَ مَفْعُولِهِ اسْمُ ما يَتَعَلَّقُ الغُرُورُ بِشُئُونِهِ فَيَعَدّى إلَيْهِ بِالباءِ، ومَعْنى الباءِ فِيهِ المُلابَسَةُ كَما في قَوْلِهِ: ولا يَغُرَّنَّكم بِاللَّهِ الغَرُورُ
صفحة ١٧٥
أيْ: لا يَغُرَّنَّكم غُرُورًا مُتَلَبِّسًا بِشَأْنِ اللَّهِ، أيْ: مُصاحِبًا لِشُئُونِ اللَّهِ مُصاحِبَةً مَجازِيَّةً ولَيْسَتْ هي باءَ السَّبَبِيَّةِ كَما يُقالُ: غَرَّهُ بِبَذْلِ المالِ، أوْ غَرَّهُ بِالقَوْلِ. وإذا كانَتِ المُلابَسَةُ لا تُتَصَوَّرُ ماهِيَّتُها مَعَ الذَّواتِ، فَقَدْ تَعَيَّنَ في باءِ المُلابَسَةِ إذا دَخَلَتْ عَلى اسْمِ ذاتٍ أنْ يَكُونَ مَعَها تَقْدِيرُ شَأْنٍ مِن شُئُونِ الذّاتِ يُفْهَمُ مِنَ المَقامِ، فالمَعْنى هُنا: ما غَرَّكَ بِالإشْراكِ بِرَبِّكَ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ الآيَةَ فَإنَّ مُنْكِرَ البَعْثِ يَوْمَئِذٍ لا يَكُونُ إلّا مُشْرِكًا.
وإيثارُ تَعْرِيفِ اللَّهِ بِوَصْفِ رَبِّكَ دُونَ ذِكْرِ اسْمِ الجَلالَةِ لِما في مَعْنى الرَّبِّ مِنَ المُلْكِ والإنْشاءِ والرِّفْقِ، فَفِيهِ تَذْكِيرٌ لِلْإنْسانِ بِمُوجِباتِ اسْتِحْقاقِ الرَّبِّ طاعَةَ مَرْبُوبِهِ فَهو تَعْرِيضٌ بِالتَّوْبِيخِ.
وكَذَلِكَ إجْراءُ وصْفِ الكَرِيمِ دُونَ غَيْرِهِ مِن صِفاتِ اللَّهِ لِلتَّذْكِيرِ بِنِعْمَتِهِ عَلى النّاسِ ولُطْفِهِ بِهِمْ، فَإنَّ الكَرِيمَ حَقِيقٌ بِالشُّكْرِ والطّاعَةِ.
والوَصْفُ الثّالِثُ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الصِّلَةُ ﴿فَعَدَلَكَ في أيِّ صُورَةٍ﴾ جامِعٌ لِكَثِيرٍ مِمّا يُؤْذِنُ بِهِ الوَصْفانِ الأوَّلانِ، فَإنَّ الخَلْقَ والتَّسْوِيَةَ والتَّعْدِيلَ وتَحْسِينَ الصُّورَةِ مِنَ الرِّفْقِ بِالمَخْلُوقِ، وهي نِعَمٌ عَلَيْهِ وجَمِيعُ ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالتَّوْبِيخِ عَلى كُفْرانِ نِعْمَتِهِ بِعِبادَةِ غَيْرِهِ.
وذُكِرَ عَنْ صالِحِ بْنِ مِسْمارٍ قالَ: ”بَلَغَنا أنَّ النَّبِيءَ ﷺ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: غَرَّهُ جَهْلُهُ“ . ولَمْ يَذْكُرْ سَنَدًا.
وتَعْدادُ الصِّلاتِ وإنْ كانَ بَعْضُها قَدْ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ البَعْضِ، فَإنَّ التَّسْوِيَةَ حالَةٌ مِن حالاتِ الخَلْقِ، وقَدْ يُغْنِي ذِكْرُها عَنْ ذِكْرِ الخَلْقِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [البقرة: ٢٩]، ولَكِنْ قُصِدَ إظْهارُ مَراتِبِ النِّعْمَةِ. وهَذا مِنَ الإطْنابِ المَقْصُودِ بِهِ التَّذْكِيرُ بِكُلِّ صِلَةٍ والتَّوْقِيفُ عَلَيْها بِخُصُوصِها، ومِن مُقْتَضَياتِ الإطْنابِ مَقامُ التَّوْبِيخِ.
والخَلْقُ: الإيجادُ عَلى مِقْدارٍ مَقْصُودٍ.
والتَّسْوِيَةُ: جَعْلُ الشَّيْءِ سَوِيًّا، أيْ: قَوِيمًا سَلِيمًا، ومِنَ التَّسْوِيَةِ جَعْلُ قُواهُ ومَنافِعِهِ الذّاتِيَّةِ مُتَعادِلَةً غَيْرَ مُتَفاوِتَةٍ في آثارِ قِيامِها بِوَظائِفِها بِحَيْثُ إذا اخْتَلَّ بَعْضُها
صفحة ١٧٦
تَطَرَّقَ الخَلَلُ إلى البَقِيَّةِ، فَنَشَأ نَقْصٌ في الإدْراكِ أوِ الإحْساسِ، أوْ نَشَأ انْحِرافُ المِزاجِ أوْ ألَمٌ فِيهِ، فالتَّسْوِيَةُ جامِعَةٌ لِهَذا المَعْنى العَظِيمِ.
والتَّعْدِيلُ: التَّناسُبُ بَيْنَ أجْزاءِ البَدَنِ مِثْلَ تَناسُبِ اليَدَيْنِ، والرِّجْلَيْنِ، والعَيْنَيْنِ، وصُورَةِ الوَجْهِ، فَلا تَفاوُتَ بَيْنَ مُتَزاوِجِها، ولا بَشاعَةَ في مَجْمُوعِها. وجَعْلِهِ مُسْتَقِيمَ القامَةِ، فَلَوْ كانَتْ إحْدى اليَدَيْنِ في الجَنْبِ والأُخْرى في الظَّهْرِ لاخْتَلَّ عَمَلُهُما، ولَوْ جَعَلَ العَيْنَيْنِ في الخَلْفِ لانْعَدَمَتْ الِاسْتِفادَةُ مِنَ النَّظَرِ حالَ المَشْيِ، وكَذَلِكَ مَوْضِعُ الأعْضاءِ الباطِنَةِ مِنَ الحَلْقِ والمَعِدَةِ والكَبِدِ والطِّحالِ والكُلْيَتَيْنِ، ومَوْضِعُ الرِّئَتَيْنِ والقَلْبِ ومَوْضِعُ الدِّماغِ والنُّخاعِ.
وخَلَقَ اللَّهُ جَسَدَ الإنْسانِ مُقَسَّمَةً أعْضاؤُهُ وجَوارِحُهُ عَلى جِهَتَيْنِ لا تَفاوُتَ بَيْنَ جِهَةٍ وأُخْرى مِنهُما، وجَعَلَ في كُلِّ جِهَةٍ مِثْلَما في الأُخْرى مِنَ الأوْرِدَةِ والأعْصابِ والشَّرايِينِ.
وفُرِّعَ فِعْلُ سَوّاكَ عَلى خَلَقَكَ وفِعْلُ عَدَّلَكَ عَلى سَوّاكَ تَفْرِيعًا في الذِّكْرِ نَظَرًا إلى كَوْنِ مَعانِيها مُتَرَتِّبَةً في اعْتِبارِ المُعْتَبِرِ، وإنْ كانَ جَمِيعًا حاصِلًا في وقْتٍ واحِدٍ، إذْ هي أطْوارُ التَّكْوِينِ مِن حِينِ كَوْنِهِ مُضْغَةً إلى تَمامِ خَلْقِهِ فَكانَ لِلْفاءِ في عَطْفِها أحْسَنُ وقْتٍ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى والَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ [الأعلى: ٢] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ (فَعَدَّلَكَ) بِتَشْدِيدِ الدّالِ. وقَرَأهُ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِتَخْفِيفِ الدّالِ، وهُما مُتَقارِبانِ إلّا أنَّ التَّشْدِيدَ يَدُلُّ عَلى المُبالَغَةِ في العَدْلِ، أيِ: التَّسْوِيَةِ فَيُفِيدُ إتْقانَ الصُّنْعِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ﴾ اعْلَمْ أنَّ أصْلَ أيِّ أنَّها لِلِاسْتِفْهامِ عَنْ تَمْيِيزِ شَيْءٍ عَنْ مُشارِكِيهِ في حالِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن أيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس: ١٨] في سُورَةِ عَبَسَ وقَوْلِهِ تَعالى: فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ.
والِاسْتِفْهامُ بِها كَثِيرًا ما يُرادُ بِها الكِنايَةُ عَنِ التَّعَجُّبِ أوِ التَّعْجِيبِ مِن شَأْنِ ما أُضِيفَتْ إلَيْهِ أيٌّ؛ لِأنَّ الشَّيْءَ إذا بَلَغَ مِنَ الكَمالِ والعَظَمَةِ مَبْلَغًا قَوِيًّا يُتَساءَلُ عَنْهُ ويُسْتَفْهَمُ عَنْ شَأْنِهِ، ومِن هُنا نَشَأ مَعْنى دَلالَةِ أيٍّ عَلى الكَمالِ، وإنَّما
صفحة ١٧٧
تَحْقِيقُهُ أنَّهُ مَعْنًى كِنائِيٌّ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ في كَلامِهِمْ، وإنَّما هي الِاسْتِفْهامِيَّةُ، وأيُّ هَذِهِ تَقَعُ في المَعْنى وصْفًا لِنَكِرَةٍ إمّا نَعْتًا نَحْوَ: هو رَجُلٌ أيُّ رَجُلٍ، وإمّا مُضافَةً إلى نَكِرَةٍ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، فَيَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ قَوْلُهُ: ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ﴾ بِأفْعالِ (خَلَقَكَ، فَسَوّاكَ، فَعَدَّلَكَ) فَيَكُونُ الوَقْفُ عَلى ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ﴾ .
ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: (رَكَّبَكَ) فَيَكُونُ الوَقْفُ عَلى قَوْلِهِ: (فَعَدَّلَكَ) ويَكُونُ قَوْلُهُ: ما شاءَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ﴾ وبَيْنَ (رَكَّبَكَ) .
والمَعْنى عَلى الوَجْهَيْنِ: في صُورَةٍ أيِّ صُورَةٍ، أيْ: في صُورَةٍ كامِلَةٍ بَدِيعَةٍ.
وجُمْلَةُ ﴿ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ عَدَّلَكَ بِاعْتِبارِ كَوْنِ جُمْلَةِ عَدَّلَكَ مُفَرَّعَةً عَنْ جُمْلَةِ فَسَوّاكَ المُفَرَّعَةِ عَنْ جُمْلَةِ خَلَقَكَ فَبَيانُها بَيانٌ لَهُما.
وفِي لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ الَّتِي هي بِمَعْنى المُلابَسَةِ، أيْ: خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَّلَكَ مُلابِسًا صُورَةً عَجِيبَةً فَمَحَلُّ ﴿فِي أيِّ صُورَةٍ﴾ مَحَلُّ الحالِ مِن كافِ الخِطابِ وعامِلُ الحالِ عَدَّلَكَ، أوْ رَكَّبَكَ، فَجُعِلَتِ الصُّورَةُ العَجِيبَةُ كالظَّرْفِ لِلْمُصَوَّرِ بِها لِلدَّلالَةِ عَلى تَمَكُّنِها مِن مَوْصُوفِها.
وما يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً ما صَدَقُها تَرْكِيبٌ، وهي في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ وشاءَ صِلَةُ ما والعائِدُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: شاءَهُ. والمَعْنى: رَكَّبَكَ التَّرْكِيبَ الَّذِي شاءَهُ قالَ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٦] .
وعُدِلَ عَنِ التَّصْرِيحِ بِمَصْدَرِ رَكَّبَكَ إلى إبْهامِهِ بِـ ما المَوْصُولَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَقْحِيمِ المَوْصُولِ بِما في صِلَتِهِ مِنَ المَشِيئَةِ المُسْنَدَةِ إلى ضَمِيرِ الرَّبِّ الخالِقِ المُبْدِعِ الحَكِيمِ وناهِيكَ بِها.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ شاءَ صِفَةً لِـ صُورَةٍ، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ وما مَزِيدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ، والتَّقْدِيرُ: في صُورَةٍ عَظِيمَةٍ شاءَها مَشِيئَةً مُعَيَّنَةً أيْ: عَنْ تَدْبِيرٍ وتَقْدِيرٍ.
صفحة ١٧٨
﴿كَلّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ .
كَلّا رَدْعٌ عَمّا هو غُرُورٌ بِاللَّهِ أوْ بِالغُرُورِ مِمّا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ﴾ [الإنفطار: ٦] مِن حُصُولِ ما يَغُرُّ الإنْسانَ بِالشِّرْكِ ومِن إعْراضِهِ عَنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعالى بِالكُفْرِ، أوْ مِن كَوْنِ حالَةِ المُشْرِكِ كَحالَةِ المَغْرُورِ كَما تَقَدَّمَ مِنَ الوَجْهَيْنِ في الإنْكارِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الكَرِيمِ﴾ [الإنفطار: ٦] .
والمَعْنى: إشْراكُكَ بِخالِقِكَ باطِلٌ وهو غُرُورٌ، أوْ كالغُرُورِ.
ويَكُونُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ إضْرابًا انْتِقالِيًّا مِن غَرَضِ التَّوْبِيخِ والزَّجْرِ عَلى الكُفْرِ إلى ذِكْرِ جُرْمٍ فَظِيعٍ آخَرَ، وهو التَّكْذِيبُ بِالبَعْثِ والجَزاءِ ويَشْمَلُهُ التَّوْبِيخُ بِالزَّجْرِ بِسَبَبِ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى تَوْبِيخٍ وزَجْرٍ؛ لِأنَّ بَلْ لا تَخْرُجُ عَنْ مَعْنى العَطْفِ أيِ: العَطْفُ في الغَرَضِ لا في نِسْبَةِ الحُكْمِ. ولِذَلِكَ يَتْبَعُ المَعْطُوفَ بِها المُفْرَدُ في إعْرابِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ فَيَقُولُ النَّحْوِيُّونَ: إنَّها تُتْبَعُ في اللَّفْظِ لا في الحُكْمِ، أيْ: هو اتِّباعُ مُناسَبَةٍ في الغَرَضِ لا في اتِّباعٍ في النِّسْبَةِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَلّا إبْطالًا لِوُجُودِ ما يَغُرُّ الإنْسانَ أنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ، أيْ: لا عُذْرَ لِلْإنْسانِ في الإشْراكِ بِاللَّهِ إذْ لا يُوجَدُ ما يَغُرُّهُ بِهِ.
ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿بَلْ تُكَذِّبُونَ﴾ إضْرابًا إبْطالِيًّا، وما بَعْدَ بَلْ بَيانًا لِما جَرَّأهم عَلى الإشْراكِ، وإنَّهُ لَيْسَ غُرُورًا، إذْ لا شُبْهَةَ لَهم في الإشْراكِ حَتّى تَكُونَ الشُّبْهَةُ كالغُرُورِ، ولَكِنَّهم أصَرُّوا عَلى الإشْراكِ لِأنَّهم حَبَسُوا أنْفُسَهم في مَأْمَنٍ مِن تَبِعَتِهِ فاخْتارُوا الِاسْتِمْرارَ عَلَيْهِ لِأنَّهُ هَوى أنْفُسِهِمْ، ولَمْ يَعْبَئُوا بِأنَّهُ باطِلٌ صُراحٌ فَهم يُكَذِّبُونَ بِالجَزاءِ فَلِذَلِكَ سَبَّبَ تَصْمِيمُ جَمِيعِهِمْ عَلى الشَّكِّ مَعَ تَفاوُتِ مَدارِكِهِمُ الَّتِي لا يَخْفى عَلى بَعْضِها بُطْلانُ كَوْنِ الحِجارَةِ آلِهَةً، ألا تَرى أنَّهم ما كانُوا يَرَوْنَ العَذابَ إلّا عَذابَ الدُّنْيا ؟ !
وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ فِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ إنْكارَ البَعْثِ هو جِماعُ الإجْرامِ، ونَظِيرُ هَذا الوَجْهِ وقَعَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما لَهم لا يُؤْمِنُونَ وإذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ القُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الإنشقاق: ٢٠] في سُورَةِ الِانْشِقاقِ.
صفحة ١٧٩
وقَرَأ الجُمْهُورُ تُكَذِّبُونَ بِتاءِ الخِطابِ. وقَرَأهُ أبُو جَعْفَرٍ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى الِالتِفاتِ.
وفِي صِيغَةِ المُضارِعِ مِن قَوْلِهِ: ﴿تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ إفادَةُ أنَّ تَكْذِيبَهم بِالجَزاءِ مُتَجَدِّدٌ لا يُقْلِعُونَ عَنْهُ، وهو سَبَبُ اسْتِمْرارِ كُفْرِهِمْ.
وفِي المُضارِعِ أيْضًا اسْتِحْضارُ حالَةِ هَذا التَّكْذِيبِ اسْتِحْضارًا يَقْتَضِي التَّعْجِيبَ مِن تَكْذِيبِهِمْ؛ لِأنَّ مَعَهم مِنَ الدَّلائِلِ ما لَحِقَهُ أنْ يُقْلِعَ تَكْذِيبُهم بِالجَزاءِ.
والدِّينُ: الجَزاءُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии