Ибн Ашур · Тафсир · на арабском
السجدة
Ас-Саджда
Земной поклон · Мекканская · 30 аятов
﴿الم﴾
تَقَدَّمَ ما في نَظائِرِهِ.
32:2Страница 415
تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢
Это Писание, в котором нет сомнения, ниспослано Господом миров.
﴿تَنْزِيلُ الكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾
افْتُتِحَتِ السُّورَةُ بِالتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ القُرْآنِ لِأنَّهُ جامِعُ الهُدى الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ السُّورَةُ وغَيْرُها ولِأنَّ جِماعَ ضَلالِ الضّالِّينَ هو التَّكْذِيبُ بِهَذا الكِتابِ، فاللَّهُ جَعَلَ القُرْآنَ هُدًى لِلنّاسِ وخَصَّ العَرَبَ بِأنْ شَرَّفَهم بِجَعْلِهِمْ أوَّلَ مَن يَتَلَقّى هَذا الكِتابَ، وبِأنْ أنْزَلَهُ بِلُغَتِهِمْ، فَكانَ مِنهم أشَدُّ المُكَذِّبِينَ بِما جاءَ بِهِ، لا جَرَمَ أنَّ تَكْذِيبَ أُولَئِكَ المُكَذِّبِينَ أعْرَقُ في الضَّلالَةِ وأوْغَلُ في أفْنِ الرَّأْيِ.
وافْتِتاحُ الكَلامِ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ لِدَلالَتِها عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ.
وجِيءَ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ مُعَرَّفًا بِالإضافَةِ لِإطالَتِهِ لِيَحْصُلَ بِتَطْوِيلِهِ ثُمَّ تَعْقِيبِهِ بِالجُمْلَةِ المُعْتَرِضَةِ التَّشْوِيقُ إلى مَعْرِفَةِ الخَبَرِ وهو قَوْلُهُ مِن رَبِّ العالَمِينَ ولَوْلا ذَلِكَ لَقِيلَ: قُرْآنٌ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ.
وإنَّما عَدَلَ عَنْ أُسْلُوبِ قَوْلِهِ ﴿الم﴾ [البقرة: ١] ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ لِأنَّ تِلْكَ السُّورَةَ نازِلَةٌ بَيْنَ ظَهْرانَيِ المُسْلِمِينَ ومَن يُرْجى إسْلامُهم مِن أهْلِ الكِتابِ وهُمُ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [البقرة: ٤]؛ وأمّا هَذِهِ السُّورَةُ فَقَدْ جابَهَ اللَّهُ بِها المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالإلَهِ الواحِدِ ولا يُوقِنُونَ بِالآخِرَةِ فَهم أصْلَبُ عُودًا، وأشَدُّ كُفْرًا وصُدُودًا.
فَقَوْلُهُ تَنْزِيلُ الكِتابِ مُبْتَدَأٌ، وقَوْلُهُ لا رَيْبَ فِيهِ جُمْلَةٌ هي صِفَةٌ لِلْكِتابِ أوْ حالٌ أوْ هي مُعْتَرِضَةٌ.
صفحة ٢٠٦
وقَوْلُهُ مِن رَبِّ العالَمِينَ خَبَرٌ عَنِ المُبْتَدَأِ ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ.
والمَعْنى: مِن عِنْدِهِ ووَحْيُهُ، كَما تَقُولُ: جاءَنِي كِتابٌ مِن فُلانٍ. ووَقَعَتْ جُمْلَةُ (﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]) بِأُسْلُوبِ المَعْلُومِ المُقَرَّرِ فَلَمْ تُجْعَلْ خَبَرًا ثانِيًا عَنِ المُبْتَدَأِ لِزِيادَةِ التَّشْوِيقِ إلى الخَبَرِ لِيُقَرِّرَ كَوْنَهُ مِن رَبِّ العالَمِينَ.
ومَعْنى (﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]) أنَّهُ لَيْسَ أهْلًا لِأنْ يَرْتابَ أحَدٌ في تَنْزِيلِهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ لِما حَفَّ بِتَنْزِيلِهِ مِنَ الدَّلائِلِ القاطِعَةِ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ البَشَرِ بِسَبَبِ إعْجازِ أقْصَرِ سُورَةٍ مِنهُ فَضْلًا عَنْ مَجْمُوعِهِ، وما عَضَّدَهُ مِن حالِ المُرْسَلِ بِهِ مِن شُهْرَةِ الصِّدْقِ والِاسْتِقامَةِ، ومَجِيءِ مِثْلِهِ مِن مِثْلِهِ مَعَ ما هو مَعْلُومٌ مِن وصْفِ الأُمِّيَّةِ.
فَمَعْنى نَفْيِ أنْ يَكُونَ الرَّيْبُ مَظْرُوفًا في هَذا الكِتابِ أنَّهُ لا يَشْتَمِلُ عَلى ما يُثِيرُ الرَّيْبَ، فالَّذِينَ ارْتابُوا بَلْ كَذَّبُوا أنْ يَكُونَ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَهم لا يَعْدُونَ أنْ يَكُونُوا مُتَعَنِّتِينَ عَلى عِلْمٍ، أوْ جُهّالًا يَقُولُونَ قَبْلَ أنْ يَتَأمَّلُوا ويَنْتَظِرُوا، والأوَّلُونَ زُعَماؤُهم والأخْيَرُونَ دَهْماؤُهم، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
واسْتِحْضارُ الجَلالَةِ بِطَرِيقِ الإضافَةِ بِوَصْفِ رَبِّ العالَمِينَ دُونَ الِاسْمِ العَلَمِ وغَيْرِهِ مِن طُرُقِ التَّعْرِيفِ لِما فِيهِ مِنَ الإيماءِ إلى عُمُومِ الشَّرِيعَةِ وكَوْنِ كِتابِها مُنَزَّلًا لِلنّاسِ كُلِّهِمْ بِخِلافِ ما سَبَقَ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، كَما قالَ تَعالى ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨] . وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّ مِن جُمْلَةِ دَواعِي تَكْذِيبِهِمْ بِهِ أنَّهُ كَيْفَ خَصَّ اللَّهُ بِرِسالَتِهِ بَشَرًا مِنهم حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ لِأنَّ رُبُوبِيَّةَ اللَّهِ لِلْعالِمِينَ تُنْبِئُ عَنْ أنَّهُ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وأنَّهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ.
32:3Страница 415
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۚ بَلۡ هُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٣
Или же они скажут: «Он измыслил его»? Нет, оно является истиной от твоего Господа, чтобы ты предостерег людей, к которым до тебя не приходил предостерегающий увещеватель, - быть может, они последуют прямым путем.
﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾
جاءَتْ أمْ لِلْإضْرابِ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ إضْرابَ انْتِقالٍ، وهي أمِ المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى (بَلْ) الَّتِي لِلِاضْطِرابِ.
صفحة ٢٠٧
وحَيْثُما وقَعَتْ (أمْ) فَهي مُؤْذِنَةٌ بِاسْتِفْهامٍ بِالهَمْزَةِ بَعْدَها المُلْتَزِمُ حَذْفُها بَعْدَ (أمْ) . والِاسْتِفْهامُ المُقَدَّرُ بَعْدَها هُنا تَعْجِيبِيٌّ لِأنَّهم قالُوا هَذا القَوْلَ الشَّنِيعَ وعَلِمَهُ النّاسُ عَنْهم فَلا جَرَمَ كانُوا أحِقّاءَ بِالتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ ومَقالِهِمْ لِأنَّهم أبْدَوْا بِهِ أمْرًا غَرِيبًا يَقْضِي مِنهُ العَجَبَ لَدى العُقَلاءِ وذَوِي الأحْلامِ الرّاجِحَةِ والنُّفُوسِ المُنْصِفَةِ، إذْ دَلائِلُ انْتِفاءِ الرَّيْبِ عَنْ كَوْنِهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ واضِحَةٌ بَلْهَ الجَزْمَ بِأنَّهُ مُفْتَرًى عَلى اللَّهِ تَعالى.
وصِيَغُ الخَبَرِ عَنْ قَوْلِهِمُ العَجِيبِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ حالَةِ ذَلِكَ القَوْلِ تَحْقِيقًا لِلتَّعْجِيبِ مِنهُ حَتّى لا تَغْفَلَ عَنْ حالِ قَوْلِهِمْ أذْهانُ السّامِعِينَ كَلَفْظِ (تَقُولُ) في بَيْتِ هُذْلُولٍ العَنْبَرِيِّ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ:
تَقُولُ وصَكَّتْ صَدْرَها بِيَمِينِها أبَعْلِيَ هَذا بِالرَّحى المُتَقاعِسِ
وفِي المُضارِعِ مَعَ ذَلِكَ إيذانٌ بِتَجَدُّدِ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ وأنَّهم لا يُقْلِعُونَ عَنْها عَلى الرَّغْمِ مِمّا جاءَهم مِنَ البَيِّناتِ ورَغْمَ افْتِضاحِهِمْ بِالعَجْزِ عَنْ مُعارَضَتِهِ.
والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في افْتَراهُ عائِدٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ مِن مَقامِ حِكايَةِ مَقالِهِمُ المُشْتَهَرِ بَيْنَ النّاسِ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ عائِدٌ إلى الكِتابِ.
وأُضْرِبَ عَلى قَوْلِهِمُ افْتَراهُ إضْرابَ إبْطالٍ بِـ ﴿بَلْ هو الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ لِإثْباتِ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، ومَعْنى الحَقِّ: الصِّدْقُ، أيْ فِيما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الَّذِي مِنهُ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى. وتَعْرِيفُ الحَقِّ تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُفِيدِ تَحْقِيقَ الجِنْسِيَّةِ فِيهِ.
أيْ هو حَقٌّ ذَلِكَ الحَقُّ المَعْرُوفَةُ ماهِيَّتُهُ مِن بَيْنِ الأجْناسِ والمُفارِقُ لِجِنْسِ الباطِلِ. وفي تَعْرِيفِ المُسْنَدِ بِلامِ الجِنْسِ ذَرِيعَةٌ إلى اعْتِبارِ كَمالِ هَذا الجِنْسِ في المُسْنَدِ إلَيْهِ وهو مَعْنى القَصْرِ الِادِّعائِي لِلْمُبالَغَةِ نَحْوَ:
أنْتَ الحَبِيبُ وعَمْرٌو الفارِسُ
.
ومِن رَبِّكَ في مَوْضِعِ حالٍ مِنَ الحَقِّ، والحَقُّ الوارِدُ مِن قِبَلِ اللَّهِ لا جَرَمَ أنَّهُ أكْمَلُ جِنْسِ الحَقِّ. وكافُ الخِطابِ لِلنَّبِيءِ ﷺ . واسْتُحْضِرَتِ الذّاتُ العَلِيَّةُ هُنا بِعُنْوانِ رَبِّكَ لِأنَّ الكَلامَ جاءَ رَدًّا عَلى قَوْلِهِمُ افْتَراهُ يَعْنُونَ النَّبِيءَ ﷺ فَكانَ مَقامُ الرَّدِّ مُقْتَضِيًا تَأْيِيدَ مَن ألْصَقُوا بِهِ ما هو بَرِيءٌ مِنهُ بِإثْباتِ أنَّ الكِتابَ حَقٌّ مِن رَبِّ مَن ألْصَقُوا بِهِ الِافْتِراءَ تَنْوِيهًا بِشَأْنِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ
صفحة ٢٠٨
وتَخَلُّصًا إلى تَصْدِيقِهِ لِأنَّهُ إذا كانَ الكِتابُ الَّذِي جاءَ بِهِ حَقًّا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَهو رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا.
وقَدْ جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أُسْلُوبٍ بَدِيعِ الإحْكامِ إذْ ثَبَتَ أنَّ الكِتابَ تَنْزِيلٌ مِن رَبِّ جَمِيعِ الكائِناتِ، وأنَّهُ يَحِقُّ أنْ لا يَرْتابَ فِيهِ مُرْتابٌ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى الإنْكارِ والتَّعْجِيبِ مِنَ الَّذِينَ جَزَمُوا بِأنَّ الجائِيَ بِهِ مُفْتَرٍ عَلى اللَّهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِإثْباتِ أنَّهُ الحَقُّ الكامِلُ مِن رَبِّ الَّذِي نَسَبُوا إلَيْهِ افْتِراءَهُ فَلَوْ كانَ افْتَراهُ لَقَدِرَ اللَّهُ عَلى إظْهارِ أمْرِهِ كَما قالَ تَعالى ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الأقاوِيلِ﴾ [الحاقة: ٤٤] ﴿لَأخَذْنا مِنهُ بِاليَمِينِ﴾ [الحاقة: ٤٥] ﴿ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٦] ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] .
ثُمَّ جاءَ بِما هو أنْكى لِلْمُكَذِّبِينَ وأبْلَغُ في تَسْفِيهِ أحْلامِهِمْ وأوْغَلُ في النِّداءِ عَلى إهْمالِهِمُ النَّظَرَ في دَقائِقِ المَعانِي، فَبَيَّنَ ما فِيهِ تَذْكِرَةٌ لَهم بِبَعْضِ المَصالِحِ الَّتِي جاءَ لِأجْلِها هَذا الكِتابُ بِقَوْلِهِ ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهم يَهْتَدُونَ﴾ فَقَدْ جَمَعُوا مِنَ الجَهالَةِ ما هو ضِغْثٌ عَلى إبّالَةٍ، فَإنَّ هَذا الكِتابَ، عَلى أنَّ حَقِّيَّتَهُ مُقْتَضِيَةُ المُنافَسَةِ في الِانْتِفاعِ بِهِ ولَوْ لَمْ يَلْفِتُوا إلى تَقَلُّدِهِ وعَلى أنَّهم دَعَوْا إلى الأخْذِ بِهِ وذَلِكَ مِمّا يَتَوَجَّبُ التَّأمُّلُ في حَقِّيَّتِهِ؛ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ فَهم كانُوا أحْوَجَ إلى اتِّباعِهِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمَجُوسِ لِأنَّ هَؤُلاءِ لَمْ تَسْبِقْ لَهم رِسالَةُ مُرْسَلٍ فَكانُوا أبْعَدَ عَنْ طُرُقِ الهُدى بِما تَعاقَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ القُرُونِ دُونَ دَعْوَةِ رَسُولٍ فَكانَ ذَلِكَ كافِيًا في حِرْصِهِمْ عَلى التَّمَسُّكِ بِهِ وشُعُورِهِمْ بِمَزِيدِ الحاجَةِ إلَيْهِ رَجاءً مِنهم أنْ يَهْتَدُوا، قالَ تَعالى﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فاتَّبِعُوهُ واتَّقُوا لَعَلَّكم تَرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥] ﴿أنْ تَقُولُوا إنَّما أُنْزِلَ الكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنا وإنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ [الأنعام: ١٥٦] ﴿أوْ تَقُولُوا لَوْ أنّا أُنْزِلَ عَلَيْنا الكِتابُ لَكُنّا أهْدى مِنهم فَقَدْ جاءَكم بَيِّنَةٌ مِن رَبِّكم وهُدًى ورَحْمَةٌ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وصَدَفَ عَنْها﴾ [الأنعام: ١٥٧]، فَمَثَلُ هَؤُلاءِ المُكَذِّبِينَ كَمَثَلِ قَوْلِ المَعَرِّيِّ:
هَلْ تَزْجُرَنَّكُمُ رِسالَةُ مُرْسَلٍ ∗∗∗ أمْ لَيْسَ يَنْفَعُ في أُولاكِ أُلُوكُ
والقَوْمُ: الجَماعَةُ العَظِيمَةُ الَّذِينَ يَجْمَعُهم أمْرٌ هو كالقِوامِ لَهم مِن نَسَبٍ أوْ مَوْطِنٍ أوْ غَرَضٍ تَجَمَّعُوا بِسَبَبِهِ، وأكْثَرُ إطْلاقِهِ عَلى الجَماعَةِ الَّذِينَ يَرْجِعُونَ في
صفحة ٢٠٩
النَّسَبِ إلى جَدٍّ اخْتَصُّوا بِالِانْتِسابِ إلَيْهِ. وتَمَيَّزُوا بِذَلِكَ عَمَّنْ يُشارِكُهم في جَدٍّ هو أعْلى مِنهُ، فَقُرَيْشٌ مَثَلًا قَوْمٌ اخْتَصُّوا بِالِانْتِسابِ إلى فِهْرِ بْنِ مالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ فَتَمَيَّزُوا عَمَّنْ عَداهم مِن عَقِبِ كِنانَةَ فَيُقالُ: فُلانٌ قُرَشِيٌّ وفُلانٌ كِنانِيٌّ ولا يُقالُ لِمَن هو مِن أبْناءِ قُرَيْشٍ كِنانِيٌّ.
ووُصِفَ القَوْمُ بِأنَّهم ﴿ما أتاهم مِن نَذِيرٍ﴾ [القصص: ٤٦] قَبْلَ النَّبِيءِ ﷺ والنَّبِيُّ حِينَئِذٍ يَدْعُو أهْلَ مَكَّةَ ومَن حَوْلَها إلى الإسْلامِ ورُبَّما كانَتِ الدَّعْوَةُ شَمِلَتْ أهْلَ يَثْرِبَ وكُلُّهم مِنَ العَرَبِ فَظَهَرَ أنَّ المُرادَ بِالقَوْمِ العَرَبُ الَّذِينَ لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ قَبْلَ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ قُرَيْشًا خاصَّةً، أوْ عَرَبَ الحِجازِ أهْلَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ وقَبائِلُ الحِجازِ، وعَرَبُ الحِجازِ جِذْمانٌ عَدْنانِيُّونَ وقَحْطانِيُّونَ؛ فَأمّا العَدْنانِيُّونَ فَهم أبْناءُ عَدْنانَ وهم مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ وإنَّما تَقَوَّمَتْ قَوْمِيَّتُهم في أبْناءِ عَدْنانَ: وهم مُضَرُ، ورَبِيعَةُ، وأنْمارٌ، وإيادٌ. وهَؤُلاءِ لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ مُنْذُ تَقَوَّمَتْ قَوْمِيَّتُهم.
وأمّا جَدُّهم إسْماعِيلُ بْنُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ فَإنَّهُ وإنْ كانَ رَسُولًا نَبِيئًا كَما وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ مَرْيَمَ فَإنَّما كانَتْ رِسالَتُهُ خاصَّةً بِأهْلِهِ وأصْهارِهِ مِن جُرْهُمٍ ولَمْ يَكُنْ مُرْسَلًا إلى الَّذِينَ وُجِدُوا بَعْدَهُ لِأنَّ رِسالَتَهُ لَمْ تَكُنْ دائِمَةً ولا مُنْتَشِرَةً، قالَ تَعالى ﴿وكانَ يَأْمُرُ أهْلَهُ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ﴾ [مريم: ٥٥] .
وأمّا القَحْطانِيُّونَ القاطِنُونَ بِالحِجازِ مِثْلُ الأوْسِ والخَزْرَجِ وطَيِّئٍ فَإنَّهم قَدْ تَغَيَّرَتْ فِرَقُهم ومَواطِنُهم بَعْدَ سَيْلِ العَرِمِ وانْقَسَمُوا أقْوامًا جُدُدًا ولَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مُنْذُ ذَلِكَ الزَّمَنِ وإنْ كانَ المُنْذِرُونَ قَدْ جاءُوا أسْلافَهم مِثْلَ هُودٍ وصالِحٍ وتُبَّعٍ، فَذَلِكَ كانَ قَبْلَ تَقَوُّمِ قَوْمِيَّتِهِمُ الجَدِيدَةِ.
وإمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ العَرَبَ كُلَّهم بِما يَشْمَلُ أهْلَ اليَمَنِ واليَمامَةِ والبَحْرَيْنِ وغَيْرَهم مِمَّنْ شَمِلَتْهم جَزِيرَةُ العَرَبِ وكُلُّهم لا يَعْدُونَ أنْ يَرْجِعُوا إلى ذَيْنِكَ الجِذْمَيْنِ، وقَدْ كانَ انْقِسامُهم أقْوامًا ومَواطِنَ بَعْدَ سَيْلِ العَرِمِ ولَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ بَعْدَ ذَلِكَ الِانْقِسامِ كَما تَقَدَّمَ في حالِ القَحْطانِيِّينَ مِن أهْلِ الحِجازِ. وأمّا ما ورَدَ مِن ذِكْرِ حَنْظَلَةَ بْنِ صَفْوانَ صاحِبِ أهْلِ الرَّسِّ، وخالِدِ بْنِ سِنانٍ صاحِبِ بَنِي عَبْسَ فَلَمْ يَثْبُتْ أنَّهُما رَسُولانِ واخْتُلِفَ في نُبُوَّتِهِما. وقَدْ «رُوِيَ أنَّ ابْنَةَ خالِدِ بْنِ سِنانٍ وفَدَتْ إلى النَّبِيءِ ﷺ
صفحة ٢١٠
وهِيَ عَجُوزٌ وأنَّهُ قالَ لَها مَرْحَبًا بِابْنَةِ نَبِيٍّ ضَيَّعَهُ قَوْمُهُ» . ولَيْسَ لِذَلِكَ سَنَدٌ صَحِيحٌ.
وأيًّا ما كانَ فالعَرَبُ كُلُّهم أوِ الَّذِينَ شَمِلَتْهم دَعْوَةُ الإسْلامِ يَوْمَئِذٍ يَحِقُّ عَلَيْهِمْ وصْفُ ﴿ما أتاهم مِن نَذِيرٍ﴾ [القصص: ٤٦] مِن وقْتِ تَحَقُّقِ قَوْمِيَّتِهِمْ.
والمَقْصُودُ بِهِ تَذْكِيرُهم بِأنَّهم أحْوَجُ الأقْوامِ إلى نَذِيرٍ، إذْ لَمْ يَكُونُوا عَلى بَقِيَّةٍ مِن هُدًى، وأثارَةُ هِمَمِهِمْ لِاغْتِباطِ أهْلِ الكِتابِ لِيَتَقَبَّلُوا الكِتابَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْهِمْ ويَسْبِقُوا أهْلَ الكِتابِ إلى اتِّباعِهِ؛ فَيَكُونُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنهُ السَّبْقُ في الشَّرْعِ الأخِيرِ كَما كانَ لِمَن لَمْ يُسْلِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ السَّبْقُ بِبَعْضِ الِاهْتِداءِ ومُمارَسَةِ الكِتابِ السّابِقِ. وقَدِ اهْتَمَّ بَعْضُ أهْلِ الأحْلامِ مِنَ العَرَبِ بِتَطَلُّبِ الدِّينِ الحَقِّ فَتَهَوَّدَ كَثِيرٌ مِن عَرَبِ اليَمَنِ، وتَنَصَّرَتْ طَيِّئٌ، وكَلْبٌ، وتَغْلِبُ وغَيْرُهم مِن نَصارى العَرَبِ، وتَتَّبَعَ الحَنِيفِيَّةَ نَفَرٌ مِثْلُ قُسِّ بْنِ ساعِدَةَ وزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وأُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ، وكانَ ذَلِكَ تَطَلُّبًا لِلْكَمالِ ولَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ بِذَلِكَ.
وهَذا التَّعْلِيلُ لا يَقْتَضِي اقْتِصارَ الرِّسالَةِ الإسْلامِيَّةِ عَلى هَؤُلاءِ القَوْمِ ولا يُنافِي عُمُومَ الرِّسالَةِ لِمَن أتاهم نَذِيرٌ، لِأنَّ لامَ العِلَّةِ لا تَقْتَضِي إلّا كَوْنَ ما بَعْدَها باعِثًا عَلى وُقُوعِ الفِعْلِ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ دُونَ انْحِصارِ باعِثِ الفِعْلِ في تِلْكَ العِلَّةِ، فَإنَّ الفِعْلَ الواحِدَ قَدْ يَكُونُ لَهُ بَواعِثُ كَثِيرَةٌ، وأفْعالُ اللَّهِ تَعالى مَنُوطَةٌ بِحِكَمٍ عَدِيدَةٍ، ودَلائِلُ عُمُومِ الرِّسالَةِ مُتَواتِرَةٌ مِن صَرِيحِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ ومِن عُمُومِ الدَّعْوَةِ.
وقِيلَ: أُرِيدَ بِالقَوْمِ الَّذِينَ لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ مِن قَبْلُ جَمِيعُ الأُمَمِ، وأنَّ المُرادَ بِأنَّهم لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ أنَّهم كُلَّهم لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ بَعْدَ أنْ ضَلُّوا، سَواءٌ مِنهم مَن ضَلَّ في شَرْعِهِ مِثْلُ أهْلِ الكِتابِ، ومَن ضَلَّ بِالخُلُوِّ عَنْ شَرْعٍ كالعَرَبِ. وهَذا الوَجْهُ بَعِيدٌ عَنْ لَفْظِ (قَوْمٍ) وعَنْ فِعْلِ أتاهم ومُفِيتٌ لِلْمَقْصُودِ مِن هَذا الوَصْفِ كَما قَدَّمْناهُ.
وأمّا قَضِيَّةُ عُمُومِ الدَّعْوَةِ المُحَمَّدِيَّةِ فَدَلائِلُها كَثِيرَةٌ مِن غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.
ولَعَلَّ مُسْتَعارَةٌ تَمْثِيلًا لِإرادَةِ اهْتِدائِهِمْ والحِرْصِ عَلى حُصُولِهِ.
32:4Страница 415
ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا شَفِيعٍۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ ٤
Аллах - Тот, Кто создал небеса и землю и то, что между ними, за шесть дней, а затем вознесся на Трон (или утвердился на Троне). Нет для вас, помимо Него, ни покровителя, ни заступника. Неужели вы не помяните назидание?
صفحة ٢١١
﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما في سِتَّةِ أيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾
لَمّا كانَ الرَّكْنُ الأعْظَمُ مِن أرْكانِ هُدى الكِتابِ هو إثْباتُ الوَحْدانِيَّةِ لِلْإلَهِ وإبْطالُ الشِّرْكِ عَقِبَ الثَّناءِ عَلى الكِتابِ بِإثْباتِ هَذا الرُّكْنِ.
وجِيءَ بِاسْمِ الجَلالَةِ مُبْتَدَأً لِإحْضارِهِ في الأذْهانِ بِالِاسْمِ المُخْتَصِّ بِهِ قَطْعًا لِدابِرِ عَقِيدَةِ الشَّرِيكِ في الإلَهِيَّةِ، وخَبَرُ المُبْتَدَأِ جُمْلَةُ ﴿ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ﴾، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما﴾ [الفرقان: ٥٩] صِفَةً لِاسْمِ الجَلالَةِ.
وجِيءَ بِاسْمِ المَوْصُولِ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وأنَّهُ الِانْفِرادُ بِالرُّبُوبِيَّةِ لِجَمِيعِ الخَلائِقِ في السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما، ومِن أُولَئِكَ المُشْرِكُونَ المَعْنِيُّونَ بِالخَبَرِ. والخِطابُ مُوَجَّهٌ إلى المُشْرِكِينَ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ.
والوَلِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ الوَلاءِ بِمَعْنى العَهْدِ والحَلِفِ والقَرابَةِ. ومِن لَوازِمِ حَقِيقَةِ الوَلاءِ النَّصْرُ والدِّفاعُ عَنِ المَوْلى. وأُرِيدَ بِالوَلِيِّ المُشارِكُ في الرُّبُوبِيَّةِ.
والشَّفِيعُ: الوَسِيطُ في قَضاءِ الحَوائِجِ مِن دَفْعِ ضُرٍّ أوْ جَلْبِ نَفْعٍ.
والمُشْرِكُونَ زَعَمُوا أنَّ الأصْنامَ آلِهَةٌ شُرَكاءُ لِلَّهِ في الإلَهِيَّةِ ثُمَّ قالُوا ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨] وقالُوا ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] .
ومِن في قَوْلِهِ (مِن دُونِهِ) ابْتِدائِيَّةٌ في مَحَلِّ الحالِ مِن ضَمِيرِ لَكم، ودُونَ بِمَعْنى غَيْرُ، ومِن في قَوْلِهِ (مِن ولِيٍّ) زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ، أيْ لا ولِيَّ لَكم ولا شَفِيعَ لَكم غَيْرُ اللَّهِ فَلا وِلايَةَ لِلْأصْنامِ ولا شَفاعَةَ لَها إبْطالًا لِما زَعَمُوهُ لِأصْنامِهِمْ مِنَ الوَصْفَيْنِ إبْطالًا راجِعًا إلى إبْطالِ الإلَهِيَّةِ عَنْها. ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم لا نَصِيرَ لَهم ولا شَفِيعَ إلّا اللَّهُ لِأنَّ اللَّهَ لا يَنْصُرُهم عَلى نَفْسِهِ ولا يَشْفَعُ لَهم عِنْدَ نَفْسِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ مَوْلى الَّذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] وقالَ ﴿مَن ذا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلّا بِإذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] .
وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِهِ ﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ في سِتَّةِ أيّامٍ
صفحة ٢١٢
ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] وبَيانُ تَأْوِيلِ ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وفُرِّعَ عَلى هَذا الدَّلِيلِ إنْكارٌ عَلى عَدَمِ تَدَبُّرِهِمْ في ذَلِكَ، وإهْمالُهُمُ النَّظَرَ بِقَوْلِهِ (أفَلا تَتَذَكَّرُونَ) فَهو اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ. والتَّذَكُّرُ: مُشْتَقٌّ مِنَ الذُّكْرِ الَّذِي هو بِضَمِّ الذّالِ وهو التَّفَكُّرُ والنَّظَرُ بِالعَقْلِ.
32:5Страница 415
يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يَعۡرُجُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥٓ أَلۡفَ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ ٥
Он управляет делами с неба до земли, а затем они опять восходят к Нему в течение дня, который продолжается тысячу лет по тому, как вы считаете.
﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾
جُمْلَةُ (يُدَبِّرُ الأمْرَ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [السجدة: ٤]، أيْ خَلَقَ تِلْكَ الخَلائِقِ مُدَبِّرًا أمْرَها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافًا، وقَوْلُهُ (مِنَ السَّماءِ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (يُدَبِّرُ) أوْ صِفَةٌ لِلْأمْرِ أوْ حالٌ مِنهُ، ومِنِ ابْتِدائِيَّةٌ، والمَقْصُودُ مِن حَرْفَيِ الِابْتِداءِ والِانْتِهاءِ شُمُولُ تَدْبِيرِ اللَّهِ تَعالى الأُمُورَ كُلَّها في العالَمَيْنَ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ تَدْبِيرًا شامِلًا لَها مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ، فَأفادَ حَرْفُ الِانْتِهاءِ شُمُولَ التَّدْبِيرِ لِأُمُورِ كُلِّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وفِيما بَيْنَهُما.
والتَّدْبِيرُ: حَقِيقَتُهُ التَّفْكِيرُ في إصْدارِ فِعْلٍ مُتْقَنٍ أوَّلُهُ وآخِرُهُ، وهو مُشْتَقٌّ مِن دُبُرِ الأمْرِ، أيْ آخِرِهِ لِأنَّ التَّدْبِيرَ النَّظَرُ في اسْتِقامَةِ الفِعْلِ ابْتِداءً ونِهايَةً. وهو إذا وُصِفَ بِهِ اللَّهُ تَعالى كِنايَةً عَنْ لازِمِ حَقِيقَتِهِ وهو تَمامُ الإتْقانِ، وتَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا في أوَّلِ سُورَةِ يُونُسَ وأوَّلِ سُورَةِ الرَّعْدِ.
والأمْرُ: الشَّأْنُ لِلْأشْياءِ ونِظامِها وما بِهِ تَقَوُّمُها. والتَّعْرِيفُ فِيهِ لِلْجِنْسِ وهو مُفِيدٌ لِاسْتِغْراقِ الأُمُورِ كُلِّها لا يَخْرُجُ عَنْ تَصَرُّفِهِ شَيْءٍ مِنها، فَجَمِيعُ ما نُقِلَ عَنْ سَلَفِ المُفَسِّرِينَ في تَفْسِيرِ الأمْرِ يَرْجِعُ إلى بَعْضِ هَذا العُمُومِ.
والعُرُوجُ: الصُّعُودُ. وضَمِيرُ يَعْرُجُ عائِدٌ عَلى الأمْرِ، وتَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ الِانْتِهاءِ مُفِيدَةٌ أنَّ تِلْكَ الأُمُورَ المُدَبَّرَةَ تَصْعَدُ إلى اللَّهِ تَعالى؛ فالعُرُوجُ هُنا مُسْتَعارٌ لِلْمَصِيرِ إلى تَصَرُّفِ الخالِقِ دُونَ شائِبَةِ تَأْثِيرٍ مِن غَيْرِهِ ولَوْ في الصُّورَةِ كَما في أحْوالٍ
صفحة ٢١٣
الدُّنْيا مِن تَأْثِيرِ الأسْبابِ. ولَمّا كانَ الجَلالُ يُشَبَّهُ بِالرِّفْعَةِ في مُسْتَعْمَلِ الكَلامِ شُبِّهَ المَصِيرُ إلى ذِي الجَلالِ بِانْتِقالِ الذَّواتِ إلى المَكانِ المُرْتَفِعِ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ في اللُّغَةِ بِالعُرُوجِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، أيْ يَرْفَعُهُ إلَيْهِ.
و(ثُمَّ) لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِأنَّ مَرْجِعَ الأشْياءِ إلى تَصَرُّفِهِ بَعْدَ صُدُورِها مِن لَدُنْهُ أعْظَمُ وأعْجَبُ.
وقَدْ أفادَ التَّرْكِيبُ أنَّ تَدْبِيرَ الأُمُورِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ مِن وقْتِ خَلْقِهِما وخَلْقِ ما بَيْنَهُما يَسْتَقِرُّ عَلى ما دُبِّرَ عَلَيْهِ كُلٌّ بِحَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ حالُ تَدْبِيرِهِ مِنِ اسْتِقْرارِهِ، ويَزُولُ بَعْضُهُ ويَبْقى بَعْضُهُ ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ، ثُمَّ يَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ فَيَصِيرُ إلى اللَّهِ مَصِيرًا مُناسِبًا لِحَقائِقِهِ؛ فالذَّواتُ تَصِيرُ مَصِيرَ الذَّواتِ والأعْراضُ والأعْمالُ تَصِيرُ مَصِيرَ أمْثالِها، أيْ يَصِيرُ وصْفُها ووَصْفُ أصْحابِها إلى عِلْمِ اللَّهِ وتَقْدِيرِ الجَزاءِ، فَذَلِكَ المَصِيرُ هو المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالعُرُوجِ إلى اللَّهِ فَيَكُونُ الحِسابُ عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ يَوْمَئِذٍ.
واليَوْمُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ هو اليَوْمُ الَّذِي جاءَ ذِكْرُهُ في آيَةِ سُورَةِ الحَجِّ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] .
ومَعْنى تَقْدِيرِهِ بِألْفِ سَنَةٍ أنَّهُ تَحْصُلُ فِيهِ مِن تَصَرُّفاتِ اللَّهِ في كائِناتِ السَّماءِ والأرْضِ ما لَوْ كانَ مِن عَمَلِ النّاسِ لَكانَ حُصُولُ مِثْلِهِ في ألْفِ سَنَةٍ، فَلَكَ أنْ تُقَدِّرَ ذَلِكَ بِكَثْرَةِ التَّصَرُّفاتِ، أوْ بِقَطْعِ المَسافاتِ، وقَدْ فُرِضَتْ في ذَلِكَ عِدَّةُ احْتِمالاتٍ. والمَقْصُودُ: التَّنْبِيهُ عَلى عِظَمِ القُدْرَةِ وسَعَةِ مَلَكُوتِ اللَّهِ وتَدْبِيرِهِ. ويَظْهَرُ أنَّ هَذا اليَوْمَ هو يَوْمُ السّاعَةِ، أيْ ساعَةُ اضْمِحْلالِ العالَمِ الدُّنْيَوِيِّ، ولَيْسَ اليَوْمُ المَذْكُورُ هُنا هو يَوْمَ القِيامَةِ المَذْكُورَ في سُورَةِ المَعارِجِ؛ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
ولَمْ يُعَيِّنْ واحِدًا مِنهُما، ولَيْسَ مِن غَرَضِ القُرّاءِ تَعْيِينُ أحَدِ اليَوْمَيْنِ ولَكِنْ حُصُولُ العِبْرَةِ بِأهْوالِهِما.
وقَوْلُهُ ”في يَوْمٍ“ يَتَنازَعُهُ كُلٌّ مِن فِعْلَيْ ”يُدَبِّرُ“ و”يَعْرُجُ“، أيْ يَحْصُلُ الأمْرانِ في يَوْمٍ.
صفحة ٢١٤
و(ألْفَ) عِنْدَ العَرَبِ مُنْتَهى أسْماءِ العَدَدِ وما زادَ عَلى ذَلِكَ مِنَ المَعْدُوداتِ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِأعْدادٍ أُخْرى مَعَ عَدَدِ الألْفِ كَما يَقُولُونَ خَمْسَةُ آلافٍ، ومِائَةُ ألْفٍ، وألْفُ ألْفٍ.
و(ألْفَ) يَجُوزُ أنْ يُسْتَعْمَلَ كِنايَةً عَنِ الكَثْرَةِ الشَّدِيدَةِ كَما يُقالُ: زُرْتُكَ ألْفَ مَرَّةٍ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦]، وهو هُنا بِتَقْدِيرِ كافِ التَّشْبِيهِ أوْ كَلِمَةِ نَحْوَ، أيْ كانَ مِقْدارُهُ كَألْفِ سَنَةٍ أوْ نَحْوَ ألْفِ سَنَةٍ كَما في قَوْلِهِ ﴿وإنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَألْفِ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧] .
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (ألْفَ) مُسْتَعْمَلًا في صَرِيحِ مَعْناهُ. وقَوْلُهُ: ”مِمّا تَعُدُّونَ“، أيْ مِمّا تَحْسُبُونَ في أعْدادِكم، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولِيَّةٌ وهو وصْفٌ لِـ ”ألْفَ سَنَةٍ“ . وهَذا الوَصْفُ لا يَقْتَضِي كَوْنَ اسْمِ ألْفٍ مُسْتَعْمَلًا في صَرِيحِ مَعْناهُ لِأنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إيضاحًا لِلتَّشْبِيهِ فَهو قَرِيبٌ مِن ذِكْرِ وجْهِ الشَّبَهِ مَعَ التَّشْبِيهِ، وقَدْ يَتَرَجَّحُ أنَّ هَذا الوَصْفَ لَمّا كانَ في مَعْنى المَوْصُوفِ صارَ بِمَنزِلَةِ التَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ لِمَدْلُولِهِ فَكانَ رافِعًا لِاحْتِمالِ المَجازِ في العَدَدِ.
32:6Страница 415
ذَٰلِكَ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦
Таков Ведающий сокровенное и явное, Могущественный, Милосердный,
﴿ذَلِكَ عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ العَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾
جِيءَ بِالإشارَةِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ بَعْدَما أُجْرِيَ عَلَيْهِ مِن أوْصافِ التَّصَرُّفِ بِخَلْقِ الكائِناتِ وتَدْبِيرِ أُمُورِها لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ المُشارَ إلَيْهِ بِاسْمِ الإشارَةِ حَقِيقٌ بِما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ تِلْكَ الصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [لقمان: ٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، لا جَرَمَ أنَّ المُتَصَرِّفَ بِذَلِكَ الخَلْقِ والتَّدْبِيرِ عالِمٌ بِجَمِيعِ مَخْلُوقاتِهِ ومُحِيطٌ بِجَمِيعِ شُئُونِها فَهو عالِمُ الغَيْبِ، أيْ ما غابَ عَنْ حَواسِّ الخَلْقِ، وعالِمُ الشَّهادَةِ، وهو ما يَدْخُلُ تَحْتَ إدْراكِ الحَواسِّ، فالمُرادُ بِالغَيْبِ والشَّهادَةِ: كُلُّ غائِبٍ وكُلُّ مَشْهُودٍ.
والمَقْصُودُ هو عِلْمُ الغَيْبِ لِأنَّهم لَمّا أنْكَرُوا البَعْثَ وإحْياءَ المَوْتى كانَتْ شُبْهَتُهم في إحالَتِهِ أنَّ أجْزاءَ الأجْسامِ تَفَرَّقَتْ وتَخَلَّلَتِ الأرْضَ، ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ (﴿وقالُوا أاْذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]) . وأمّا عَطْفُ ”والشَّهادَةِ“ فَهو تَكْمِيلٌ واحْتِراسٌ.
صفحة ٢١٥
ومُناسَبَةُ وصْفِهِ تَعالى بِـ ”العَزِيزُ الرَّحِيمُ“ عَقِبَ ما تَقَدَّمَ، أنَّهُ خَلَقَ الخَلْقَ بِمَحْضِ قُدْرَتِهِ بِدُونِ مُعِينٍ، فالعِزَّةُ وهي الِاسْتِغْناءُ عَنِ الغَيْرِ ظاهِرَةٌ، وأنَّهُ خَلَقَهم عَلى أحْوالٍ فِيها لُطْفٌ بِهِمْ فَهو رَحِيمٌ بِهِمْ فِيما خَلَقَهم إذْ جَعَلَ أُمُورَ حَياتِهِمْ مُلائِمَةً لَهم فِيها نَعِيمٌ لَهم وجَنَّبَهُمُ الآلامَ فِيها. فَهَذا سَبَبُ الجَمْعِ بَيْنَ صِفَتَيِ (العَزِيزِ) و(الرَّحِيمِ) هُنا عَلى خِلافِ الغالِبِ مِن ذِكْرِ (الحَكِيمِ) مَعَ (العَزِيزِ) .
و(العَزِيزُ الرَّحِيمُ) يَجُوزُ كَوْنُهُما خَبَرَيْنِ آخَرَيْنِ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ أوْ وصْفَيْنِ لِـ ”عالِمُ الغَيْبِ“ .
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии