Ибн АшурАт‑Тагабун · 64:1–6

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

التغابن

Ат-Тагабун

Взаимное обделение · Мединская · 18 аятов

64:1Страница 556

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١

Славит Аллаха то, что на небесах, и то, что на земле. Ему принадлежит власть и надлежит хвала. Он способен на всякую вещь.

﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ وهْوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .

صفحة ٢٦٠

لَمّا كانَ جُلُّ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ السُّورَةُ إبْطالَ إشْراكِ المُشْرِكِينَ وزَجْرَهم عَنْ دِينِ الإشْراكِ بِأسْرِهِ وعَنْ تَفارِيعِهِ الَّتِي أعْظَمُها إنْكارُهُمُ البَعْثَ وتَكْذِيبَهُمُ الرَّسُولَ ﷺ وتَكْذِيبُ القُرْآنِ وتِلْكَ أُصُولُ ضَلالِهِمْ ابْتُدِئَتِ السُّورَةُ بِالإعْلانِ بِضَلالِهِمْ وكُفْرانِهِمُ المُنْعِمَ عَلَيْهِمْ، فَإنَّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ يُسَبِّحُ لِلَّهِ تَعالى عَنِ النَّقائِصِ: إمّا بِلِسانِ المَقالِ مِثْلَ المَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ أوْ بِلِسانِ الحالِ مِثْلَ عِبادَةِ المُطِيعِينَ مِنَ المَخْلُوقاتِ المُدْرِكَةِ كالمَلائِكَةِ والمُؤْمِنِينَ، وإمّا بِلِسانِ الحالِ مِثْلَ دَلالَةِ حالِ الِاحْتِياجِ إلى الإيجادِ والإمْدادِ كَحاجَةِ الحَيَوانِ إلى الرِّزْقِ وحاجَةِ الشَّجَرَةِ إلى المَطَرِ وما يَشْهَدُ بِهِ حالُ جَمِيعِ تِلْكَ الكائِناتِ مِن أنَّها مَرْبُوبَةٌ لِلَّهِ تَعالى ومُسَخَّرَةٌ لِما أرادَهُ مِنها، وكُلُّ تِلْكَ المَخْلُوقاتِ لَمْ تَنْقُضْ دَلالَةَ حالِها بِنَقائِضِ كُفْرِ مَقالِها فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ هَذا التَّسْبِيحِ إلّا أهْلُ الضَّلالِ مِنَ الإنْسِ والشَّياطِينِ فَإنَّهم حُجِبُوا بِشَهادَةِ حالِهِمْ لَمّا غَشَوْها بِهِ مِن صَرْحِ الكُفْرِ.

فالمَعْنى: يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ والأرْضِ وأنْتُمْ بِخِلافِ ذَلِكَ.

وهَذا يُفِيدُ ابْتِداءَ تَقْرِيرِ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى وقُوَّةِ سُلْطانِهِ لِيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمانًا ويَكُونُ لَهم تَعْلِيمًا وامْتِنانًا ويُفِيدُ ثانِيًا بِطَرِيقِ الكِنايَةِ تَعْرِيضًا بِالمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ يُنَزِّهُوهُ ولا وقَّرُوهُ فَنَسَبُوا إلَيْهِ شُرَكاءَ.

وجِيءَ بِفِعْلِ التَّسْبِيحِ مُضارِعًا لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ ذَلِكَ التَّسْبِيحِ ودَوامِهِ وقَدْ سَبَقَ نَظِيرُهُ في فاتِحَةِ سُورَةِ الجُمُعَةِ.

وجِيءَ بِهِ في فَواتِحِ سُوَرِ: الحَدِيدِ، والحَشْرِ، والصَّفِّ بِصِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّسْبِيحَ قَدِ اسْتَقَرَّ في قَدِيمِ الأزْمانِ. فَحَصَلَ مِن هَذا التَّفَنُّنِ في فَواتِحِ هَذِهِ السُّوَرِ كِلا المَعْنَيَيْنِ زِيادَةً عَلى ما بَيَّناهُ مِنَ المُناسَبَةِ الخاصَّةِ بِسُورَةِ الجُمُعَةِ، وما في هاتِهِ السُّورَةِ مِنَ المُناسَبَةِ بَيْنَ تَجَدُّدِ التَّسْبِيحِ والأمْرِ بِالعَفْوِ عَنْ ذَوِي القُرْبى والأمْرِ بِالتَّقْوى بِقَدْرِ الِاسْتِطاعَةِ والسَّمْعِ والطّاعَةِ لِكَيْ لا يَكْتَفِيَ المُؤْمِنُونَ بِحُصُولِ إيمانِهِمْ لِيَجْتَهِدُوا في تَعْزِيزِهِ بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ.

وإعادَةُ (ما) المَوْصُولَةِ في قَوْلِهِ (﴿وما في الأرْضِ﴾) لِقَصْدِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ.

وجُمْلَةُ (﴿لَهُ المُلْكُ﴾) اسْتِئْنافٌ واقِعٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ والتَّسَبُّبِ لِمَضْمُونِ تَسْبِيحِ اللَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ فَإنَّ مُلابَسَةَ جَمِيعِ المَوْجُوداتِ لِدَلائِلِ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى

صفحة ٢٦١

عَنِ الشُّرَكاءِ وعَنِ النَّقائِصِ لا مُقْتَضى لَها إلّا انْفِرادُهُ بِتَمَلُّكِها وإيجادِها وما فِيها مِنَ الِاحْتِياجِ إلَيْهِ وتَصَرُّفِهِ فِيها تَصَرُّفَ المالِكِ المُتَفَرِّدِ في مُلْكِهِ.

وفِي هَذِهِ الجُمْلَةِ تَنْوِيهٌ بِإقْبالِ أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى تَسْبِيحِ اللَّهِ وتَجْدِيدِ ذَلِكَ التَّسْبِيحِ.

فَتَقْدِيمُ المُسْنَدِ عَلى المُسْنَدِ إلَيْهِ لِإفادَةِ تَخْصِيصِهِ بِالمُسْنَدِ إلَيْهِ، أيْ قَصْرُ تَعَلُّقِ لامِ الِاسْتِحْقاقِ بِالمُلْكِ عَلَيْهِ تَعالى فَلا مُلْكَ لِغَيْرِهِ وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلى عَدَمِ الِاعْتِدادِ بِما لِغَيْرِ اللَّهِ مِن مُلْكٍ لِنَقْصِهِ وعَدَمِ خُلُوِّهِ عَنِ الحاجَةِ إلى غَيْرِهِ مَن هو لَهُ بِخِلافِ مُلْكِهِ تَعالى فَهو المَلِكُ المُطْلَقُ الدّاخِلُ في سُلْطانِهِ كُلُّ ذِي مُلْكٍ.

وجُمْلَةُ (﴿ولَهُ الحَمْدُ﴾) مَضْمُونُها سَبَبٌ لِتَسْبِيحِ اللَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ، إذِ التَّسْبِيحُ مِنَ الحَمْدِ، فَلا جَرَمَ أنْ كانَ حَمْدُ ذَوِي الإدْراكِ مُخْتَصًّا بِهِ تَعالى إذْ هو المَوْصُوفُ بِالجَمِيلِ الِاخْتِيارِيِّ المُطْلَقِ فَهو الحَقِيقُ بِالحَمْدِ والتَّسْبِيحِ.

فَهَذا القَصْرُ ادِّعائِيٌّ لِعَدَمِ الِاعْتِدادِ بِحَمْدِ غَيْرِهِ لِنُقْصانِ كَمالاتِهِمْ وإذا أُرِيدَ بِالحَمْدِ ما يَشْمَلُ الشُّكْرَ أوْ يُفْضِي إلَيْهِ كَما في الحَدِيثِ «الحَمْدُ رَأْسُ الشُّكْرِ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ عَبَدٌ لَمْ يَحْمَدْهُ» وهو مُقْتَضى المَقامِ مِن تَسْفِيهِ أحْلامِ المُشْرِكِينَ في عِبادَتِهِمْ غَيْرَهُ فالشُّكْرُ أيْضًا مَقْصُورٌ عَلَيْهِ تَعالى لِأنَّهُ المُنْعِمُ الحَقُّ بِنِعَمٍ لا قِبَلَ لِغَيْرِهِ بِإسْدائِها، وهو المُفِيضُ عَلى المُنْعِمِينَ ما يُنْعِمُونَ بِهِ في الظّاهِرِ، قالَ تَعالى ﴿وما بِكم مِن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] كَما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ أوَّلِ سُورَةِ الفاتِحَةِ.

وجُمْلَةُ (﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾) مَعْطُوفَةٌ عَلى اللَّتَيْنِ قَبِلَها وهي بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لَهُما والتَّبْيِينِ لِوَجْهِ القَصْرَيْنِ فِيهِما، فَإنَّ التَّقْدِيرَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ هو صاحِبُ المُلْكِ الحَقِّ وهو المُخْتَصُّ بِالحَمْدِ الحَقِّ.

وفِي هَذا التَّذْيِيلِ وعْدٌ لِلشّاكِرِينَ ووَعِيدٌ وتَرْهِيبٌ لِلْمُشْرِكِينَ.

والِاقْتِصارُ عَلى ذِكْرِ وصْفِ (قَدِيرٌ) هُنا لِأنَّ المَخْلُوقاتِ الَّتِي تُسَبِّحُ اللَّهَ دالَّةٌ عَلى صِفَةِ القُدْرَةِ أوَّلًا لِأنَّ مَن يُشاهِدِ المَخْلُوقاتِ يَعْلَمْ أنَّ خالِقَها قادِرٌ.

64:2Страница 556

هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ فَمِنكُمۡ كَافِرٞ وَمِنكُم مُّؤۡمِنٞۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ ٢

Он - Тот, Кто сотворил вас. Среди вас есть неверующие, и среди вас есть верующие. Аллах видит то, что вы совершаете.

﴿هو الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .

صفحة ٢٦٢

هَذا تَقْرِيرٌ لِما أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [التغابن: ١]، وتَخَلُّصٌ لِلْمَقْصُودِ مِنهُ عَلى وجْهِ التَّصْرِيحِ بِأنَّ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِاللهِ قَدْ كَفَرُوا بِنِعْمَتِهِ وبِخَلْقِهِمْ، زِيادَةً عَلى جَحْدِهِمْ دَلائِلَ تَنَزُّهِهِ تَعالى عَنِ النَّقْصِ الَّذِي اعْتَقَدُوهُ لَهُ. ولِذَلِكَ قَدَّمَ (﴿فَمِنكم كافِرٌ﴾) عَلى (﴿ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾) لِأنَّ الشِّقَّ الأوَّلَ هو المَقْصُودُ بِهَذا الكَلامِ تَعْرِيضًا وتَصْرِيحًا.

وأفادَ تَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ مِن جُمْلَةِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ قَصْرَ صِفَةِ الخالقِيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى، وهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ قُصِدَ بِهِ الإشارَةُ بِالكِنايَةِ بِالرَّدِّ عَلى المُشْرِكِينَ إذْ عَمَدُوا إلى عِبادَةِ أصْنامٍ يَعْلَمُونَ أنَّها لَمْ تَخْلُقْهم فَما كانَتْ مُسْتَحِقَّةً لِأنْ تُعْبَدَ، لِأنَّ العِبادَةَ شُكْرٌ. قالَ تَعالى ﴿أفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لا يَخْلُقُ أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] .

والخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿خَلَقَكُمْ﴾ لِجَمِيعِ النّاسِ الَّذِينَ يَدْعُوهُمُ القُرْآنُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾، فَإنَّ النّاسَ لا يُعِدُّونَ هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ.

والفاءُ في ﴿فَمِنكم كافِرٌ﴾ عاطِفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ ولَيْسَتْ عاطِفَةً عَلى فِعْلِ (﴿خَلَقَكُمْ﴾) وهي لِلتَّفْرِيعِ في الوُقُوعِ دُونَ تَسَبُّبٍ.

ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ (وجَعَلْنا في ذُرِّيَّتِهِما النُّبُوءَةَ والكِتابَ فَمِنهم مُهْتَدٍ وكَثِيرٌ مِنهم فاسِقُونَ) ومِثْلُ هَذا التَّفْرِيعِ يَسْتَتْبِعُ التَّعْجِيبَ مِن جَرْيِ أحْوالِ بَعْضِ النّاسِ عَلى غَيْرِ ما يَقْتَضِيهِ الطَّبْعُ ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] فَجُمْلَةُ ﴿فَمِنكم كافِرٌ﴾ هي المَقْصُودُ مِنَ التَّفْرِيعِ، وهو تَفْرِيعٌ في الحُصُولِ. وقُدِّمَ ذِكْرُ الكافِرِ لِأنَّهُ الأهَمُّ في هَذا المَقامِ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى في ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾ [التغابن: ٥] .

وجُمْلَةُ ﴿ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ تَتْمِيمٌ وتَنْوِيهٌ بِشَأْنِ أهْلِ الإيمانِ ومُضادَّةُ حالِهِمْ لِحالِ أهْلِ الكُفْرِ ومُقابَلَةُ الحالِ بِالحالِ.

وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تَتْمِيمٌ واحْتِراسٌ واسْتِطْرادٌ، فَهو تَتْمِيمٌ لِما يُكَمِّلُ المَقْصُودُ مِن تَقْسِيمِهِمْ إلى فَرِيقَيْنِ لِإبْداءِ الفَرْقِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ في الخَيْرِ والشَّرِّ وهو عَلِيمٌ بِذَلِكَ وعَلِيمٌ بِأنَّهُ يَقَعُ ولَيْسَ اللَّهُ مَغْلُوبًا عَلى وُقُوعِهِ ولَكِنَّ حِكْمَتَهُ وعِلْمَهُ اقْتَضَيا ذَلِكَ. ودُونَ تَفْصِيلٍ، هَذا تَطْوِيلٌ نَخُصُّهُ بِتَأْلِيفٍ في مَعْنى القَدَرِ وجَرَيانِ أعْمالِ النّاسِ في الدُّنْيا إنْ شاءَ اللَّهُ. ونَقْتَصِرُ هُنا عَلى أنْ نَقُولَ: خَلَقَ اللَّهُ النّاسَ

صفحة ٢٦٣

وأوْدَعَ فِيهِمُ العُقُولَ الَّتِي تَتَوَصَّلُ بِالنَّظَرِ السَّلِيمِ مِنَ التَّقْصِيرِ وشَوائِبِ الهَوى وغِشاواتِ العِنادِ إلى مَعْرِفَةِ اللَّهِ عَلى الوَصْفِ اللّائِقِ بِهِ وخَلَقَ فِيهِمُ القُدْرَةَ عَلى الأعْمالِ الصّالِحَةِ وغَيْرِها المُسَمّاةِ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ بِالكَسْبِ وعِنْدَ المُعْتَزِلَةِ بِقُدْرَةِ العَبْدِ (والخِلافُ في التَّعْبِيرِ) . وأرْشَدَهم إلى الصَّلاحِ وحَذَّرَهم مِنَ الفَسادِ، واللَّهُ عالِمٌ بِما يَكْتَسِبُهُ كُلُّ أحَدٍ ولَوْ شاءَ لَصَرَفَ مُقْتَرِفَ الفَسادِ عَنْ فِعْلِهِ ولَكِنَّهُ أوْجَدَ نُظُمًا مُرْتَبِطًا بَعْضُها بِبَعْضٍ ومُنْتَشِرَةً فَقَضَتْ حِكْمَتُهُ بِالحِفاظِ عَلى تِلْكَ النُّظُمِ الكَثِيرَةِ بِأنْ لا يَعُوقَ سَيْرَها في طَرائِقِها ولا يُعَطِّلَ عَمَلَها لِأجْلِ إصْلاحِ أشْخاصِ هم جُزْءٌ مِن كُلٍّ لِأنَّ النُّظُمَ العامَّةَ أعَمُّ فالحِفاظُ عَلى اطِّرادِها أصْلَحُ وأرْجَحُ، فَلا تَتَنازَلُ إرادَةُ اللَّهِ وقُدْرَتُهُ إلى التَّدَخُّلِ فِيما سُمِّيَ بِالكَسْبِ عَلى أُصُولِنا أوْ بِالقُدْوَةِ الحادِثَةِ عَلى أُصُولِ المُعْتَزِلَةِ، بَلْ جَعَلَ بِحِكْمَتِهِ بَيْنَ الخَلْقِ والكَسْبِ حاجِزًا هو نِظامُ تَكْوِينِ الإنْسانِ بِما فِيهِ مِن إرادَةٍ وإدْراكٍ وقُدْرَةٍ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا قَوْلُهُ ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أيْ هو بَصِيرٌ بِهِ مِن قَبْلِ أنْ تَعْمَلُوهُ، وبَعْدَ أنْ عَمِلْتُمُوهُ.

فالبَصِيرُ: أُرِيدَ بِهِ العالِمُ عِلْمَ انْكِشافٍ لا يَقْبَلُ الخَفاءَ فَهو كَعِلْمِ المُشاهِدَةِ وهَذا إطْلاقٌ شائِعٌ في القُرْآنِ لا سِيَّما إذا أُفْرِدَتْ صِفَةُ (بَصِيرٌ) بِالذِّكْرِ ولَمْ تُذْكَرْ مَعَها صِفَةُ (سَمِيعٌ) .

واصْطَلَحَ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ عَلى أنَّ صِفَةَ البَصِيرَةِ: العالِمُ بِالمَرْئِيّاتِ. وقالَ بَعْضُهم: هي تَعَلُّقُ العِلْمِ الإلَهِيِّ بِالأُمُورِ عِنْدَ وُقُوعِها. والحَقُّ أنَّها اسْتِعْمالاتٌ مُخْتَلِفَةٌ. وبِهَذا يَتَّضِحُ وجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ ما يَبْدُو مِن تَعارُضٍ بَيْنَ آياتِ القُرْآنِ وإخْبارٍ مِنَ السُّنَّةِ فاجْعَلُوهُ مِثالًا يُحْتَذى، وقُولُوا هَكَذا. هَكَذا.

وهُوَ احْتِراسٌ مِن أنْ يَتَوَهَّمَ مِن تَقْسِيمِهِمْ إلى فَرِيقَيْنِ أنَّ ذَلِكَ رِضى بِالحالِينِ كَما حُكِيَ عَنِ المُشْرِكِينَ ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] .

وهُوَ اسْتِطْرادٌ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ بِهِ عَنِ الوَعْدِ والوَعِيدِ.

وشَمَلَ قَوْلُهُ ﴿بِما تَعْمَلُونَ﴾ أعْمالَ القُلُوبِ كالإيمانِ وهي المَقْصُودُ ابْتِداءً هُنا.

64:3Страница 556

خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ ٣

Он создал небеса и землю ради истины, придал вам облик и сделал ваш облик прекрасным. К Нему предстоит прибытие.

﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ .

صفحة ٢٦٤

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] يُبَيِّنُ أنَّ انْقِسامَهم إلى قِسْمَيِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ نَشَأ عَنْ حِيادِ فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ عَنِ الحَقِّ الَّذِي أُقِيمَ عَلَيْهِ خَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ لِأنَّ الحَقَّ أنْ يُؤْمِنَ النّاسُ بِوُجُودِ خالِقِهِمْ، وبِأنَّهُ واحِدٌ وأنْ يَفْرِدُوهُ بالعِبادَةِ فَذَلِكَ الَّذِي أرادَهُ اللَّهُ مِن خَلْقِهِمْ، قالَ تَعالى ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . وقالَ ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] فَمَن حادَ عَنِ الإيمانِ ومالَ إلى الكُفْرِ فَقَدْ حادَ عَنِ الحَقِّ والفِطْرَةِ.

* * *

﴿بِالحَقِّ﴾ .

وقَوْلُهُ (﴿بِالحَقِّ﴾) مُعْتَرِضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾) وجُمْلَةِ (﴿وصَوَّرَكُمْ﴾) .

وفِي قَوْلِهِ ﴿بِالحَقِّ﴾ إيماءٌ إلى إثْباتِ البَعْثِ والجَزاءِ لِأنَّ قَوْلَهُ بِالحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ (خَلَقَ) تَعَلُّقَ المُلابَسَةِ المُفادَ بِالباءِ، أيْ خَلْقًا مُلابِسًا لِلْحَقِ، والحَقُّ ضِدُّ الباطِلِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] إلى قَوْلِهِ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] . والباطِلُ ماصَدَقَهُ هُنالِكَ هو العَبَثُ لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩] فَتَعَيَّنَ أنَّ ماصَدَقَ الحَقِّ في قَوْلِهِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ أنَّهُ ضِدُّ العَبَثِ والإهْمالِ.

والمُرادُ بِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ خَلَقَ ذَواتِهِنَّ وخُلِقَ ما فِيهِنَّ مِنَ المَخْلُوقاتِ كَما أنْبَأ عَنْهُ قَوْلُهُ ﴿وما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] ﴿ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٩]، أيْ ما خَلَقْناهُما وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ التَّقْدِيرُ في الآيَةِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ.

ومُلابَسَةُ الحَقِّ لِخَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ مُلابَسَةً عامَّةً مُطَّرِدَةً لِأنَّهُ لَوِ اخْتَلَّتْ مُلابَسَةُ حالٍ مِن أحْوالِ مَخْلُوقاتِ السَّماواتِ لِلْحَقِّ لَكانَ ناقِضًا لِمَعْنى مُلابَسَةِ خَلْقِها لِلْحَقِّ، فَكانَ نَفْيُ البَعْثِ لِلْجَزاءِ عَلى أعْمالِ المَخْلُوقاتِ مُوجِبًا

صفحة ٢٦٥

اخْتِلالَ تِلْكَ المُلابَسَةِ في بَعْضِ الأحْوالِ. وتَخَلُّفُ الجَزاءِ عَنِ الأعْمالِ في الدُّنْيا مُشاهَدٌ إذْ كَثِيرًا ما نَرى الصّالِحِينَ في كَرْبٍ ونَرى أهْلَ الفَسادِ في نِعْمَةٍ، فَلَوْ كانَتْ هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا قُصارى حَياةِ المُكَلَّفِينَ لَكانَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الصَّلاحِ غَيْرَ لاقٍ جَزاءً عَلى صَلاحِهِ. وانْقَلَبَ أكْثَرُ أهْلِ الفَسادِ مُتَمَتِّعًا بِإرْضاءِ خَباثَةِ نَفْسِهِ ونَوالِ مُشْتَهَياتِهِ، فَكانَ خَلْقُ كِلا هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ غَيْرَ مُلابِسٍ لِلْحَقِ، بِالمَعْنى المُرادِ.

ولِزِيادَةِ الإيقاظِ لِهَذا الإيماءِ عُطِفَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (﴿وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾) وكُلُّ ذَلِكَ تَوْطِئَةٌ إلى ما سَبَقَهُ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧] ) الآيَةَ.

وفِي قَوْلِهِ ﴿بِالحَقِّ﴾ رَمْزٌ إلى الجَزاءِ وهو وعِيدٌ ووَعْدٌ.

وفِي قَوْلِهِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ﴾ إلى آخِرِهِ إظْهارٌ أيْضًا لِعَظَمَةِ اللَّهِ في مَلَكُوتِهِ.

* * *

﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ إدْماجُ امْتِنانٍ عَلى النّاسِ بِأنَّهم مَعَ ما خُلِقُوا عَلَيْهِ مِن مُلابَسَةِ الحَقِّ عَلى وجْهِ الإجْمالِ وذَلِكَ مِنَ الكَمالِ وهو ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ الإلَهِيَّةُ فَقَدْ خُلِقُوا في أحْسَنِ تَقْوِيمٍ إذْ كانَتْ صُورَةُ الإنْسانِ مُسْتَوْفِيَةَ الحُسْنِ مُتَماثِلَةً فِيهِ لا يَعْتَوِرُها مِن فَظاعَةِ بَعْضِ أجْزائِها ونُقْصانِ الِانْتِفاعِ بِها ما يُناكِدُ مَحاسِنَ سائِرِها بِخِلافِ مَحاسِنِ أحاسِنِ الحَيَوانِ مِنَ الدَّوابِّ والطَّيْرِ والحِيتانِ مِن مَشْيٍ عَلى أرْبَعٍ مَعَ انْتِكاسِ الرَّأْسِ غالِبًا، أوْ زَحْفٍ، أوْ نَقْزٍ في المَشْيِ في البَعْضِ.

ولا تَعْتَوِرُ الإنْسانَ نَقائِصُ في صُورَتِهِ إلّا مِن عَوارِضَ تَعْرِضُ في مُدَّةِ تَكْوِينِهِ مِن صَدَماتٍ لِبُطُونِ الأُمَّهاتِ، أوْ عِلَلٍ تَحِلُّ بِهِنَّ، أوْ بِالأجِنَّةِ أوْ مِن عَوارِضَ تَعْرِضُ لَهُ في مُدَّةِ حَياتِهِ فَتُشَوِّهُ بَعْضَ مَحاسِنِ الصُّوَرِ. فَلا يُعَدُّ ذَلِكَ مِن أصْلِ تَصْوِيرِ الإنْسانِ عَلى أنَّ ذَلِكَ مَعَ نُدْرَتِهِ لا يُعَدُّ فَظاعَةً ولَكِنَّهُ نَقْصٌ نِسْبِيٌّ في المَحاسِنِ فَقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الإيماءِ إلى ما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ قَدْ نَبَّهَهم إلى ما اقْتَضاهُ الإنْعامُ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى دَلِيلِ إمْكانِ البَعْثِ كَما قالَ ﴿أفَعَيِينا بِالخَلْقِ الأوَّلِ﴾ [ق: ١٥]، وقالَ ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس: ٨١] .

* * *

صفحة ٢٦٦

﴿وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ (﴿وصَوَّرَكُمْ﴾) لِأنَّ التَّصْوِيرَ يَقْتَضِي الإيجادَ فَأُعْقِبَ بِالتَّذْكِيرِ بِأنَّ بَعْدَ هَذا الإيجادِ فَناءً ثُمَّ بَعْثًا لِلْجَزاءِ.

والمَصِيرُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِفِعْلٍ صارَ بِمَعْنى رَجَعَ وانْتَهى، ولِذَلِكَ يُعَدّى بِحَرْفِ الِانْتِهاءِ، أيْ ومَرْجِعَكم إلَيْهِ يَعْنِي بَعْدَ المَوْتِ وهو مَصِيرُ الحَشْرِ لِلْجَزاءِ.

وتَقْدِيمُ (إلَيْهِ) عَلى (المَصِيرُ) لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ مَعَ إفادَةِ الِاهْتِمامِ بِتَعَلُّقِ ذَلِكَ المَصِيرِ بِتَصَرُّفِ اللَّهِ المَحْضِ. ولَيْسَ مُرادًا بِالتَّقْدِيمِ قَصْرٌ لِأنَّ المُشْرِكِينَ لا يُصَدِّقُونَ بِهَذا المَصِيرِ مِن أصْلِهِ بَلْهَ أنْ يَدَّعُوا أنَّهُ مَصِيرٌ إلى غَيْرِهِ حَتّى يُرَدَّ عَلَيْهِمْ بالقَصْرِ.

وهَذِهِ الجُمْلَةُ أشَدُّ ارْتِباطًا بِجُمْلَةِ ﴿خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِالحَقِّ﴾ مِنها بِجُمْلَةِ ( ﴿وصَوَّرَكم فَأحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ كَما يَظْهَرُ بِالتَّأمُّلِ.

64:4Страница 556

يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٤

Он знает о том, что на небесах и на земле, и знает о том, что вы скрываете и что обнародуете. Аллах ведает о том, что в груди.

﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ .

كانُوا يَنْفُونَ الحَشْرَ بِعِلَّةِ أنَّهُ إذا تَفَرَّقَتْ أجْزاءُ الجَسَدِ لا يُمْكِنُ جَمْعُها ولا يُحاطُ بِها. ﴿وقالُوا أئِذا ضَلَلْنا في الأرْضِ أئِنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠] فَكانَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ دَحْضًا لِشُبْهَتِهِمْ، أيْ أنَّ الَّذِي يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ لا يُعْجِزُهُ تَفَرُّقُ أجْزاءِ البَدَنِ إذا أرادَ جَمْعَها. والَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ في نَفْسِ الإنْسانِ، والسِّرُّ أدَقُّ وأخْفى مِن ذَرّاتِ الأجْسادِ المُتَفَرِّقَةِ، لا تَخْفى عَلَيْهِ مَواقِعُ تِلْكَ الأجْزاءِ الدَّقِيقَةِ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿أيَحْسَبُ الإنْسانُ ألَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ [القيامة: ٣] ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ [القيامة: ٤] .

فالمَقْصُودُ هو قَوْلُهُ ﴿ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ﴾ كَما يَقْتَضِيهِ الِاقْتِصارُ عَلَيْهِ في تَذْيِيلِهِ بِقَوْلِهِ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ عَلِيمٌ بِأعْمالِ الجَوارِحِ، ولِأنَّ الخِطابَ لِلْمُشْرِكِينَ في مَكَّةَ عَلى الرّاجِحِ. وذَلِكَ قَبْلَ ظُهُورِ المُنافِقِينَ فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ ﴿ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ تَهْدِيدًا عَلى ما يُبْطِنُهُ النّاسُ مِنَ الكُفْرِ.

صفحة ٢٦٧

وأمّا عَطْفُ (﴿وما تُعْلِنُونَ﴾) فَتَتْمِيمٌ لِلتَّذْكِيرِ بِعُمُومِ تَعَلُّقِ عِلْمِهِ تَعالى بِالأعْمالِ.

وقَدْ تَضْمَنَ قَوْلُهُ ﴿ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ وعِيدًا ووَعْدًا ناظِرَيْنِ إلى قَوْلِهِ ﴿فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] فَكانَتِ الجُمْلَةُ لِذَلِكَ شَدِيدَةَ الِاتِّصالِ بِجُمْلَةِ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكم فَمِنكم كافِرٌ ومِنكم مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢] .

وإعادَةُ فِعْلِ (يَعْلَمُ) لِلتَّنْبِيهِ عَلى العِنايَةِ بِهَذا التَّعَلُّقِ الخاصِّ لِلْعِلْمِ الإلَهِيِّ بَعْدَ ذِكْرِ تَعَلُّقِهِ العامِّ في قَوْلِهِ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ تَنْبِيهًا عَلى الوَعِيدِ والوَعْدِ بِوُجْهٍ خاصٍّ.

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ﴾ لِأنَّهُ يَعْلَمُ ما سَيَّرَهُ جَمِيعُ النّاسِ مِنَ المُخاطِبِينَ وغَيْرِهِمْ.

و(ذاتِ الصُّدُورِ) صِفَةٌ لِمُوصُوفٍ مَحْذُوفٍ نَزَلَتْ مَنزِلَةَ مَوْصُوفِها، أيْ صاحِباتِ الصُّدُورِ، أيِ المَكْتُومَةِ فِيها.

والتَّقْدِيرُ: بِالنَّوايا والخَواطِرِ ذاتِ الصُّدُورِ كَقَوْلِهِ ﴿وحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ ألْواحٍ﴾ [القمر: ١٣] وتَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الأنفال: ٤٣] في سُورَةِ الأنْفالِ.

64:5Страница 556

أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٥

Разве до вас не дошли рассказы о тех, которые не уверовали в прошлом и вкусили пагубные последствия своих деяний? Им уготованы мучительные страдания.

﴿ألَمْ يَأْتِكم نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ فَذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ انْتِقالٌ مِنَ التَّعْرِيضِ الرَّمْزِيِّ بِالوَعِيدِ الأُخْرَوِيِّ في قَوْلِهِ (﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن: ٢])، إلى قَوْلِهِ (﴿وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [التغابن: ٣])، وقَوْلِهِ (﴿ويَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [التغابن: ٤])، إلى تَعْرِيضٍ أوْضَحَ مِنهُ بِطَرِيقِ الإيماءِ إلى وعِيدٍ لِعَذابٍ دُنْيَوِيٍّ وأُخْرَوِيٍّ مَعًا فَأنَّ ما يُسَمّى في بابِ الكِنايَةِ بِالإيمانِ أقَلَّ لَوازِمَ مِنَ العَرِيضِ والرَّمْزِ فَهو أقْرَبُ إلى التَّصْرِيحِ. وهَذا الإيماءُ بِضَرْبِ المَثَلِ بِحالِ أُمَمٍ تَلَقَّوْا رُسُلَهم بِمِثْلِ ما تَلَقّى بِهِ المُشْرِكُونَ مُحَمَّدًا ﷺ تَحْذِيرًا لَهم مِن أنْ يَحُلَّ بِهِمْ مِثْلُ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ، فالجُمْلَةُ ابْتِدائِيَّةُ لِأنَّها عَدٌّ لِصَنْفٍ ثانٍ مِن أصْنافِ كُفْرِهِمْ وهو إنْكارُ الرِّسالَةِ.

فالخِطابُ لِخُصُوصِ الفَرِيقِ الكافِرِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾ فَهَذا

صفحة ٢٦٨

الخِطابُ مُوَجَّهٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ حالُهم كَحالِ مَن لَمْ يَبْلُغْهم نَبَأ الَّذِينَ كَفَرُوا مِثْلَ كُفْرِهِمْ، مِثْلُ عادٍ وثَمُودَ ومَدْيَنَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ.

والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ، والتَّقْرِيرِيُّ يُؤْتى مَعَهُ بِالجُمْلَةِ مَنفِيَّةً تَوْسِعَةً عَلى المُقَرَّرِ إنْ كانَ يُرِيدُ الإنْكارَ حَتّى إذا أقَرَّ لَمْ يَسْتَطِعْ بَعْدَ إقْرارِهِ إنْكارًا لِأنَّهُ قَدْ أُعْذِرَ لَهُ مِن قَبْلُ بِتَلْقِينِهِ النَّفْيَ وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

وحُذِفَ ما أُضِيفَ إلَيْهِ قَبْلُ ونُوِيَ مَعْناهُ، والتَّقْدِيرُ: (مِن قَبْلِكم)، أيْ في الكُفْرِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿فَمِنكم كافِرٌ﴾ [التغابن: ٢] . والكافِرُونَ يَعْلَمُونَ أنَّهُمُ المَقْصُودُ لِأنَّهم مُقْدِمُونَ عَلى الكُفْرِ ومُسْتَمِرُّونَ عَلَيْهِ.

والوَبالُ: السُّوءُ وما يُكْرَهُ.

والأمْرُ: الشَّأْنُ والحالُ.

والذَّوْقُ مَجازٌ في مُطْلَقِ الإحْساسِ والوِجْدانِ، شَبَّهَ ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ بِشَيْءٍ ذِي طَعْمٍ كَرِيهٍ يَذُوقُهُ مَن حَلَّ بِهِ ويَبْتَلِعُهُ لِأنَّ الذَّوْقَ بِاللِسانِ أشَدُّ مِنَ اللَّمْسِ بِاليَدِ أوِ الجِلْدِ. والمَعْنى: أحَسُّوا العَذابَ في الدُّنْيا إحْساسًا مَكِينًا.

وقَوْلُهُ (﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾) مُرادٌ بِهِ عَذابُ الآخِرَةِ لِأنَّ العَطْفَ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ.

64:6Страница 556

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُۥ كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٞ يَهۡدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْۖ وَّٱسۡتَغۡنَى ٱللَّهُۚ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٞ ٦

Это - за то, что посланники приходили к ним с ясными знамениями, а они говорили: «Неужели люди поведут нас прямым путем?». Они не уверовали и отвернулись. Аллах обошелся без них, ведь Аллах - Богатый, Достохвальный.

﴿ذَلِكَ بِأنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَقالُوا أبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ ارْتِقاءٌ في التَّعْرِيضِ إلى ضَرْبٍ مِنهُ قَرِيبٍ مِنَ الصَّرِيحِ. وهو المُسَمّى في الكِنايَةِ بِالإشارَةِ. كانَتْ مَقالَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ مُماثِلَةً لِمَقالَةِ المُخاطَبِينَ فَإذا كانَتْ هي سَبَبُ ما ذاقُوهُ مِنَ الوَبالِ فَيُوشِكُ أنْ يَذُوقَ مُماثِلُوهم في المَقالَةِ مِثْلَ ذَلِكَ الوَبالِ.

فاسْمُ الإشارَةِ عائِدٌ إلى المَذْكُورِ مِنَ الوَبالِ والعَذابِ الألِيمِ.

فَهَذا عَدٌّ لِكُفْرٍ آخَرَ مِن وُجُوهِ كُفْرِهِمْ وهو تَكْذِيبُهُمُ الرَّسُولَ ﷺ وتَكْذِيبُهم بِالقُرْآنِ فَإنَّ القُرْآنَ بَيِّنَةٌ مِنَ البَيِّناتِ لِأنَّهُ مُعْجِزَةٌ.

صفحة ٢٦٩

والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ في مَوْقِعِ العِلَّةِ. والضَّمِيرُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ لِقَصْدِ تَهْوِيلِ ما يُفَسِّرُ الضَّمِيرُ، وهو جُمْلَةُ ﴿كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ﴾ إلى آخِرِها.

والِاسْتِفْهامُ في (﴿أبَشَرٌ﴾) اسْتِفْهامُ إنْكارٍ وإبْطالٍ فَهم أحالُوا أنْ يَكُونَ بَشَرٌ مِثْلُهم يَهْدُونَ بَشَرًا أمْثالَهم، وهَذا مِن جَهْلِهِمْ بِمَراتِبِ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ ومَن يَصْطَفِيهِ اللَّهُ مِنها، ويَخْلُقُهُ مُضْطَلِعًا بِتَبْلِيغِ رِسالَتِهِ إلى عِبادِهِ. كَما قالَ ﴿وقالُوا ما لِهَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٧] وجَهِلُوا أنَّهُ لا يَصْلُحُ لِإرْشادِ النّاسِ إلّا مَن هو مِن نَوْعِهِمْ قالَ تَعالى ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٥] ولَمّا أحالُوا أنْ يَكُونَ البَشَرُ أهْلًا لِهِدايَةِ بَشَرٍ مِثْلِهِ جَعَلُوا ذَلِكَ كافِيًا في إعْراضِهِمْ عَنْ قَبُولِ القُرْآنِ والتَّدَبُّرِ فِيهِ.

والبَشَرُ: اسْمُ جِنْسٍ لِلْإنْسانِ يَصْدُقُ عَلى الواحِدِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ إنَّما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠] ويُقالُ عَلى الجَمْعِ كَما هُنا. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هَذا بَشَرًا﴾ [يوسف: ٣١] في سُورَةِ يُوسُفَ وفي سُورَةِ مَرْيَمَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧] .

وتَنْكِيرُ (﴿بَشَرٌ﴾ [آل عمران: ٤٧]) لِلنَّوْعِيَّةِ لِأنَّ مَحَطَّ الإنْكارِ عَلى كَوْنِهِمْ يَهْدُونَهم، وهو نَوْعُ البَشَرِيَّةِ.

وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ لِقَصْدِ تَقَوِّي حُكْمِ الإنْكارِ، وما قالُوا ذَلِكَ حَتّى اعْتَقَدُوهُ فَلِذَلِكَ أقْدَمُوا عَلى الكُفْرِ بِرُسُلِهِمْ إذْ قَدِ اعْتَقَدُوا اسْتِحالَةَ إرْسالِ اللَّهِ إيّاهم فَجَزَمُوا بِكَذِبِهِمْ في دَعْوى الرِّسالَةِ فَلِذَلِكَ فَرَّعَ عَلَيْهِ (﴿فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا﴾) .

والتَّوَلِّي أصْلُهُ: الِانْصِرافُ عَنِ المَكانِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِلْإعْراضِ عَنْ قَبُولِ دَعْوَةِ رُسُلِهِمْ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

(﴿واسْتَغْنى﴾) غَنِيَ فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِ (﴿أمّا مَنِ اسْتَغْنى﴾ [عبس: ٥]) . والمَعْنى: غَنِيَ اللَّهُ عَنْ إيمانِهِمْ قالَ تَعالى ﴿إنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر: ٧] .

والواوُ واوُ الحالِ، أيْ والحالُ أنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهم مِن زَمَنٍ مَضى فَإنَّ غِنى اللَّهِ عَنْ إيمانِهِمْ مُقْرَرٌ في الأزَلِ.

صفحة ٢٧٠

ويَجُوزُ أنْ يُرادَ: (واسْتَغْنى اللَّهُ) عَنْ إعادَةِ دَعْوَتِهِمْ لِأنَّ فِيما أظْهَرَ لَهم مِنَ البَيِّناتِ عَلى أيْدِي رُسُلِهِمْ ما هو كافٍ لِحُصُولِ التَّصْدِيقِ بِدَعْوَةِ رُسُلِهِمْ لَوْلا المُكابَرَةُ فَلِذَلِكَ عُجِّلَ لَهم بِالعَذابِ.

وعَلى الوَجْهَيْنِ فَمُتَعَلِّقُ (اسْتَغْنى) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (فَكَفَرُوا) . وقَوْلُهُ (بِالبَيِّناتِ) والتَّقْدِيرُ: واسْتَغْنى اللَّهُ عَنْ إيمانِهِمْ.

وجُمْلَةُ (﴿واللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾) تَذْيِيلٌ، أيْ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ فِيما طَلَبَ مِنهم، حَمِيدٌ لِمَنِ امْتَثَلَ وشَكَرَ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English