Ибн АшурАль‑Мутаффифин · 83:1–13

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

المطففين

Аль-Мутаффифин

Обвешивающие · Мекканская · 36 аятов

83:1–3Страница 587

وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ ١

Горе обвешивающим,

ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسۡتَوۡفُونَ ٢

которые требуют дать им сполна, когда люди отмеривают им,

وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ يُخۡسِرُونَ ٣

а когда сами мерят или взвешивают для других, то наносят им урон.

﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ افْتِتاحُ السُّورَةِ بِاسْمِ الوَيْلِ مُؤْذِنٌ بِأنَّها تَشْتَمِلُ عَلى وعِيدٍ بِلَفْظِ ويْلٍ مِن بَراعَةِ الِاسْتِهْلالِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] . وقَدْ أخَذَ أبُو بَكْرِ بْنُ الخازِنِ مِن عَكْسِهِ قَوْلَهُ في طالِعِ قَصِيدَةٍ بِتَهْنِئَتِهِ بِمَوْلُودٍ:

بُشْرى فَقَدْ أنْجَزَ الإقْبالُ ما وعَدا

والتَّطْفِيفُ: النَّقْصُ عَنْ حَقِّ المِقْدارِ في المَوْزُونِ أوِ المَكِيلِ، وهو مَصْدَرُ طَفَّفَ إذْ بَلَغَ الطُّفافَةَ. والطُّفافُ بِضَمِّ الطّاءِ وتَخْفِيفِ الفاءِ ما قَصُرَ عَنْ مَلْءِ الإناءِ مِن شَرابٍ أوْ طَعامٍ، ويُقالُ: الطَفُّ بِفَتْحِ الطّاءِ دُونَ هاءِ تَأْنِيثٍ، وتُطْلَقُ هَذِهِ الثَّلاثَةُ عَلى ما تَجاوَزَ حَرْفَ المِكْيالِ مِمّا يُمْلَأُ بِهِ، وإنَّما يَكُونُ شَيْئًا قَلِيلًا زائِدًا عَلى ما مَلَأ الإناءَ، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَتْ طُفافَةً، أيْ: قَلِيلُ زِيادَةٍ.

ولا نَعْرِفُ لَهُ فِعْلًا مُجَرَّدًا إذْ لَمْ يُنْقَلْ إلّا بِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ، وفِعْلُهُ: طَفَّفَ، كَأنَّهم راعَوْا في صِيغَةِ التَّفْعِيلِ مَعْنى التَّكَلُّفِ والمُحاوَلَةِ؛ لِأنَّ المُطَفِّفَ يُحاوِلُ أنْ يَنْقُصَ الكَيْلَ دُونَ أنْ يَشْعُرَ بِهِ المُكْتالُ، ويُقابِلُهُ الوَفاءُ.

و(ويْلٌ) كَلِمَةُ دُعاءٍ بِسُوءِ الحالِ، وهي في القُرْآنِ وعِيدٌ بِالعِقابِ وتَقْرِيعٌ، والوَيْلُ: اسْمٌ ولَيْسَ بِمَصْدَرٍ لِعَدَمِ وُجُودِ فِعْلٍ لَهُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وهُوَ مِن عَمَلِ المُتَصَدِّينَ لِلتَّجْرِ يَغْتَنِمُونَ حاجَةَ النّاسِ إلى الِابْتِياعِ مِنهم وإلى البَيْعِ لَهم؛ لِأنَّ التُّجّارَ هم أصْحابُ رُءُوسِ الأمْوالِ وبِيَدِهِمُ المَكايِيلُ والمَوازِينُ، وكانَ

صفحة ١٩٠

أهْلُ مَكَّةَ تُجّارًا، وكانَ في يَثْرِبَ تُجارٌ أيْضًا وفِيهِمُ اليَهُودُ مِثْلُ: أبِي رافِعٍ وكَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ تاجِرَيْ أهْلِ الحِجازِ، وكانَتْ تِجارَتُهم في التَّمْرِ والحُبُوبِ، وكانَ أهْلُ مَكَّةَ يَتَعامَلُونَ بِالوَزْنِ؛ لِأنَّهم يَتَّجِرُونَ في أصْنافِ السِّلَعِ ويَزِنُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ وأهْلُ يَثْرِبَ يَتَعامَلُونَ بِالكَيْلِ.

والآيَةُ تُؤْذِنُ بِأنَّ التَّطْفِيفَ كانَ مُتَفَشِّيًا في المَدِينَةِ في أوَّلِ مُدَّةِ الهِجْرَةِ، واخْتِلاطُ المُسْلِمِينَ بِالمُنافِقِينَ يُسَبِّبُ ذَلِكَ.

واجْتَمَعَتْ كَلِمَةُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ أهْلَ يَثْرِبَ كانُوا مِن أخْبَثِ النّاسِ كَيْلًا فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ فَأحْسَنُوا الكَيْلَ بَعْدَ ذَلِكَ. رَواهُ ابْنُ ماجَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وكانَ مِمَّنِ اشْتُهِرَ بِالتَّطْفِيفِ في المَدِينَةِ رَجُلٌ يُكَنّى أبا جُهَيْنَةَ واسْمُهُ عَمْرٌو، كانَ لَهُ صاعانِ يَأْخُذُ بِأحَدِهِما ويُعْطِي بِالآخَرِ.

فَجُمْلَةُ ﴿الَّذِينَ إذا اكْتالُوا عَلى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ إدْماجٌ، مَسُوقَةٌ لِكَشْفِ عادَةٍ ذَمِيمَةٍ فِيهِمْ هي الحِرْصُ عَلى تَوْفِيرِ مِقْدارِ ما يَبْتاعُونَهُ بِدُونِ حَقٍّ لَهم فِيهِ، والمَقْصُودُ الجُمْلَةُ المَعْطُوفَةُ عَلَيْها وهي جُمْلَةُ ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهم يُخْسِرُونَ﴾ فَهم مَذْمُومُونَ بِمَجْمُوعِ ضِمْنِ الجُمْلَتَيْنِ.

والِاكْتِيالُ: افْتِعالٌ مِنَ الكَيْلِ، وهو يُسْتَعْمَلُ في تَسَلُّمِ ما يُكالُ عَلى طَرِيقَةِ اسْتِعْمالِ أفْعالِ: ابْتاعَ، وارْتَهَنَ، واشْتَرى، في مَعْنى أخْذِ المَبِيعِ، وأخْذِ الشَّيْءِ المَرْهُونِ وأخْذِ السِّلْعَةِ المُشْتَراةِ، فَهو مُطاوِعُ كالَ، كَما أنَّ ابْتاعَ مُطاوِعُ باعَ، وارْتَهَنَ مُطاوِعُ رَهَنَ، واشْتَرى مُطاوِعُ شَرى، قالَ تَعالى: ﴿فَأرْسِلْ مَعَنا أخانا نَكْتَلْ﴾ [يوسف: ٦٣] أيْ: نَأْخُذْ طَعامًا مَكِيلًا، ثُمَّ تُنُوسِيَ مِنهُ مَعْنى المُطاوَعَةِ.

وحَقُّ فِعْلِ اكْتالَ أنْ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ هو المَكِيلُ، فَيُقالُ: اكْتالَ فُلانٌ طَعامًا مِثْلُ ابْتاعَ، ويُعَدّى إلى ما زادَ عَلى المَفْعُولِ بِحَرْفِ الجَرِّ مِثْلَ مِنَ الِابْتِدائِيَّةِ فَيُقالُ: اكْتالَ طَعامًا مِن فُلانٍ، وإنَّما عُدِّيَ في الآيَةِ بِحَرْفِ عَلى لِتَضْمِينِ اكْتالُوا مَعْنى التَّحامُلِ، أيْ: إلْقاءُ المَشَقَّةِ عَلى الغَيْرِ وظُلْمُهُ، ذَلِكَ أنَّ شَأْنَ التّاجِرِ وخُلُقَهُ أنْ يَتَطَلَّبَ تَوْفِيرَ الرِّبْحِ وأنَّهُ مَظِنَّةُ السَّعَةِ ووُجُودُ المالِ بِيَدِهِ فَهو

صفحة ١٩١

يَسْتَعْمِلُ حاجَةَ مَن يَأْتِيهِ بِالسِّلْعَةِ، وعَنِ الفَرّاءِ مِن وعَلى يَتَعاقَبانِ في هَذا المَوْضِعِ؛ لِأنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ فَإذا قالَ اكْتَلْتُ عَلَيْكَ، فَكَأنَّهُ قالَ: أخَذْتُ ما عَلَيْكَ، وإذا قالَ: اكْتَلْتُ مِنكَ فَكَقَوْلِهِ: اسْتَوْفَيْتُ مِنكَ.

فَمَعْنى ﴿اكْتالُوا عَلى النّاسِ﴾ اشْتَرَوْا مِنَ النّاسِ ما يُباعُ بِالكَيْلِ، فَحَذَفَ المَفْعُولَ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ في فِعْلِ اكْتالُوا أيِ: اكْتالُوا مَكِيلًا، ومَعْنى كالُوهم باعُوا لِلنّاسِ مَكِيلًا فَحَذَفَ المَفْعُولَ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ.

فالواوانِ مِن ﴿كالُوهم أوْ وزَنُوهُمْ﴾ عائِدانِ إلى اسْمِ المَوْصُولِ والضَّمِيرانِ المُنْفَصِلانِ عائِدانِ إلى النّاسِ.

وتَعْدِيَةُ كالُوا، ووَزَنُوا إلى الضَّمِيرَيْنِ عَلى حَذْفِ لامِ الجَرِّ. وأصْلُهُ: كالُوا لَهم ووَزَنُوا لَهم، كَما حُذِفَتِ اللّامُ في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿وإنْ أرَدْتُمْ أنْ تَسْتَرْضِعُوا أوْلادَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٣] أيْ: تَسْتَرْضِعُوا لِأوْلادِكم، وقَوْلِهِمْ في المَثَلِ: ”الحَرِيصُ يَصِيدُكَ لا الجَوادُ“ أيِ: الحَرِيصُ يَصِيدُ لَكَ. وهو حَذْفٌ كَثِيرٌ مِثْلُ قَوْلِهِمْ: نَصَحْتُكَ وشَكَرْتُكَ، أصْلُهُما نَصَحْتُ لَكَ وشَكَرْتُ لَكَ؛ لِأنَّ فِعْلَ كالَ وفِعْلَ وزَنَ لا يَتَعَدَّيانِ بِأنْفُسِهِما إلّا إلى الشَّيْءِ المَكِيلِ أوِ المَوْزُونِ يُقالُ: كالَ لَهُ طَعامًا ووَزَنَ لَهُ فِضَّةً، ولِكَثْرَةِ دَوَرانِهِ عَلى اللِّسانِ خَفَّفُوهُ فَقالُوا: كالَهُ ووَزَنَهُ طَعامًا عَلى الحَذْفِ والإيصالِ.

قالَ الفَرّاءُ: هو مِن كَلامِ أهْلِ الحِجازِ ومَن جاوَرَهم مِن قَيْسٍ يَقُولُونَ: يَكِيلُنا، يَعْنِي: ويَقُولُونَ أيْضًا: كالَ لَهُ ووَزَنَ لَهُ. وهو يُرِيدُ أنَّ غَيْرَ أهْلِ الحِجازِ وقَيْسٍ لا يَقُولُونَ: كالَ لَهُ ووَزَنَ لَهُ، ولا يَقُولُونَ إلّا: كالَهُ ووَزَنَهُ، فَيَكُونُ فِعْلُ كالَ عِنْدَهم مِثْلُ باعَ.

والِاقْتِصارُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذا اكْتالُوا﴾ دُونَ أنْ يَقُولَ: وإذا اتَّزَنُوا كَما قالَ: ﴿وإذا كالُوهم أوْ وزَنُوهُمْ﴾ اكْتِفاءٌ بِذِكْرِ الوَزْنِ في الثّانِي تَجَنُّبًا لِفِعْلِ اتَّزَنُوا لِقِلَّةِ دَوَرانِهِ في الكَلامِ فَكانَ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الثِّقَلِ. ولِنُكْتَةٍ أُخْرى وهي أنَّ المُطَفِّفِينَ هم أهْلُ التَّجْرِ وهم يَأْخُذُونَ السِّلَعَ مِنَ الجالِبِينَ في الغالِبِ بِالكَيْلِ؛ لِأنَّ الجالِبِينَ يَجْلِبُونَ التَّمْرَ والحِنْطَةَ ونَحْوَهُما مِمّا يُكالُ ويَدْفَعُونَ لَهُمُ الأثْمانَ عَيْنًا بِما يُوزَنُ مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ مَسْكُوكَيْنِ أوْ غَيْرَ مَسْكُوكَيْنِ، فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ في ابْتِياعِهِمْ مِنَ الجالِبِينَ عَلى

صفحة ١٩٢

الِاكْتِيالِ نَظَرًا إلى الغالِبِ، وذَكَرَ في بَيْعِهِمْ لِلْمُبْتاعِينَ الكَيْلَ والوَزْنَ لِأنَّهم يَبِيعُونَ الأشْياءَ كَيْلًا ويَقْبِضُونَ الأثْمانَ وزْنًا، وفي هَذا إشارَةٌ إلى أنَّ التَّطْفِيفَ مِن عَمَلِ تُجّارِهِمْ.

و(يَسْتَوْفُونَ) جَوابُ إذا والِاسْتِيفاءُ أخْذُ الشَّيْءِ وافِيًا، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ في الفِعْلِ مِثْلَ: اسْتَجابَ.

ومَعْنى يُخْسِرُونَ يُوقِعُونَ الَّذِينَ كالُوا لَهم أوْ وزَنُوا لَهم في الخَسارَةِ، والخَسارَةُ النَّقْصُ مِنَ المالِ في التَّبايُعِ.

وهَذِهِ الآيَةُ تَحْذِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ التَّساهُلِ في التَّطْفِيفِ إذْ وجَدُوهُ فاشِيًا في المَدِينَةِ في أوَّلِ هِجْرَتِهِمْ وذَمٌّ لِلْمُشْرِكِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ وأهْلِ مَكَّةَ.

وحَسْبُهم أنَّ التَّطْفِيفَ يَجْمَعُ ظُلْمًا واخْتِلاسًا ولُؤْمًا، والعَرَبُ كانُوا يَتَعَيَّرُونَ بِكُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الخِلالِ مُتَفَرِّقَةً ويَتَبَرَّئُونَ مِنها، ثُمَّ يَأْتُونَها مُجْتَمِعَةً، وناهِيكَ بِذَلِكَ أفَنًا.

83:4–6Страница 587

أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ ٤

Разве не думают они, что будут воскрешены

لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ ٥

в Великий день -

يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦

в тот день, когда люди предстанут перед Господом миров?

﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ اسْتِئْنافٌ ناشِئٌ عَنِ الوَعِيدِ والتَّقْرِيعِ لَهم بِالوَيْلِ عَلى التَّطْفِيفِ وما وُصِفُوا بِهِ مِنَ الِاعْتِداءِ عَلى حُقُوقِ المُبْتاعِينَ.

والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ التَّعْجِيبِيِّ بِحَيْثُ يَسْألُ السّائِلُ عَنْ عِلْمِهِمْ بِالبَعْثِ، وهَذا يَرْجِعُ أنَّ الخِطابَ في قَوْلِهِ: ﴿ويْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] مُوَجَّهٌ إلى المُسْلِمِينَ. ويَرْجِعُ الإنْكارُ والتَّعَجُّبُ مِن ذَلِكَ إلى إنْكارِ ما سِيقَ هَذا لِأجْلِهِ وهو فِعْلُ التَّطْفِيفِ. فَأمّا المُسْلِمُونَ الخُلَّصُ فَلا شَكَّ أنَّهُمُ انْتَهَوْا عَنِ التَّطْفِيفِ بِخِلافِ المُنافِقِينَ.

والظَّنُّ: مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ المَشْهُورِ وهو اعْتِقادُ وُقُوعِ شَيْءٍ اعْتِقادًا راجِحًا عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ نَظُنُّ إلّا ظَنًّا وما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] .

وفِي العُدُولِ عَنِ الإضْمارِ إلى اسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ﴾ لِقَصْدِ

صفحة ١٩٣

تَمْيِيزِهِمْ وتَشْهِيرِ ذِكْرِهِمْ في مَقامِ الذَّمِّ، ولِأنَّ الإشارَةَ إلَيْهِمْ بَعْدَ وصْفِهِمْ بِـ المُطَفِّفِينَ تُؤْذِنُ بِأنَّ الوَصْفَ مَلْحُوظٌ في الإشارَةِ فَيُؤْذِنُ ذَلِكَ بِتَعْلِيلِ الإنْكارِ.

واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لامُ التَّوْقِيتِ مِثْلُ ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] .

وفائِدَةُ لامِ التَّوْقِيتِ إدْماجُ الرَّدِّ عَلى شُبْهَتِهِمُ الحامِلَةِ لَهم عَلى إنْكارِ البَعْثِ بِاعْتِقادِهِمْ أنَّهُ لَوْ كانَ بَعْثٌ لَبُعِثَتْ أمْواتُ القُرُونِ الغابِرَةِ، فَأوْمَأ قَوْلُهُ: لِيَوْمٍ أنَّ لِلْبَعْثِ وقْتًا مُعَيَّنًا يَقَعُ عِنْدَهُ لا قَبْلَهُ.

ووَصْفُ يَوْمٍ بِـ عَظِيمٍ بِاعْتِبارِ عَظَمَةِ ما يَقَعُ فِيهِ مِنَ الأهْوالِ، فَهو وصْفٌ مَجازِيٌّ عَقْلِيٌّ.

و﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ بَدَلٌ مِن يَوْمٍ عَظِيمٍ بَدَلًا مُطابِقًا وفَتْحَتُهُ فَتْحَةُ بِناءٍ مِثْلَ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الإنفطار: ١٩] في سُورَةِ الِانْفِطارِ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ذَلِكَ بِالفَتْحِ.

ومَعْنى ﴿يَقُومُ النّاسُ﴾ أنَّهم يَكُونُونَ قِيامًا، فالتَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ.

واللّامُ في ﴿لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ لِلْأجْلِ، أيْ: لِأجْلِ رُبُوبِيَّةٍ وتَلَقِّي حُكْمِهِ.

والتَّعْبِيرُ عَنِ اللَّهِ تَعالى بِوَصْفِ رَبِّ العالَمِينَ لِاسْتِحْضارِ عَظَمَتِهِ بِأنَّهُ مالِكٌ أصْنافَ المَخْلُوقاتِ.

واللّامُ في العالَمِينَ لِلِاسْتِغْراقِ كَما تَقَدَّمَ في سُورَةِ الفاتِحَةِ.

قالَ في الكَشّافِ: ”وفي هَذا الإنْكارِ، والتَّعْجِيبِ، وكَلِمَةِ الظَّنِّ، ووَصْفِ اليَوْمِ بِالعَظِيمِ، وقِيامِ النّاسِ فِيهِ لِلَّهِ خاضِعِينَ، ووَصْفِ ذاتِهِ بِـ رَبِّ العالَمِينَ، بَيانٌ بَلِيغٌ لِعَظِيمِ الذَّنْبِ وتَفاقُمِ الإثْمِ في التَّطْفِيفِ وفِيما كانَ مِثْلُ حالِهِ مِنَ الحَيْفِ وتَرْكِ القِيامِ بِالقِسْطِ والعَمَلِ عَلى السَّوِيَّةِ“ اهـ.

ولَمّا كانَ الحامِلُ عَلى التَّطْفِيفِ احْتِقارُهم أهْلَ الجَلْبِ مِن أهْلِ البَوادِي فَلا

صفحة ١٩٤

يُقِيمُونَ لَهم ما هو شِعارُ العَدْلِ والمُساواةِ، كانَ التَّطْفِيفُ لِذَلِكَ مُنْبِئًا عَنْ إثْمِ احْتِقارِ الحُقُوقِ، وذَلِكَ قَدْ صارَ خُلُقًا لَهم حَتّى تَخَلَّقُوا بِمُكابَرَةِ دُعاةِ الحَقِّ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا التَّنْوِيهِ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّماءَ رَفَعَها ووَضَعَ المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٧] ﴿ألّا تَطْغَوْا في المِيزانِ﴾ [الرحمن: ٨] ﴿وأقِيمُوا الوَزْنَ بِالقِسْطِ ولا تُخْسِرُوا المِيزانَ﴾ [الرحمن: ٩] وقَوْلُهُ حِكايَةً عَنْ شُعَيْبٍ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٢] .

83:7–9Страница 588

كـَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٖ ٧

Но нет! Книга грешников находится в Сиджжине.

وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا سِجِّينٞ ٨

Откуда ты мог знать, что такое Сиджжин?

كِتَٰبٞ مَّرۡقُومٞ ٩

Это - книга начертанная, в которой записаны все злодеяния дьяволов, неверующих и грешников (или скала под седьмой землей, под которой находится начертанная книга с деяниями грешников).

﴿كَلّا﴾

إبْطالٌ ورَدْعٌ لِما تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ﴾ [المطففين: ٤] مِنَ التَّعْجِيبِ مِن فِعْلِهِمُ التَّطْفِيفَ، والمَعْنى: كَلّا بَلْ هم مَبْعُوثُونَ لِذَلِكَ اليَوْمِ العَظِيمِ ولِتَلَقِّي قَضاءِ رَبِّ العالَمِينَ فَهي جَوابٌ عَمّا تَقَدَّمَ.

* * *

﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ يَوْمِ القِيامَةِ. وهو تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ لِلْمُطَفِّفِينَ بِأنْ يَكُونَ عَمَلُهم مُوجِبًا كَتْبَهُ في كِتابِ الفُجّارِ.

و(الفُجّارُ) غَلَبَ عَلى المُشْرِكِينَ ومَن عَسى أنْ يَكُونَ مُتَلَبِّسًا بِالتَّطْفِيفِ بَعْدَ سَماعِ النَّهْيِ عَنْهُ مِنَ المُسْلِمِينَ الَّذِي رُبَّما كانَ بَعْضُهم يَفْعَلُهُ في الجاهِلِيَّةِ.

والتَّعْرِيفُ في الفُجّارِ لِلْجِنْسِ مُرادٌ بِهِ الِاسْتِغْراقَ، أيْ: جَمِيعُ المُشْرِكِينَ فَيَعُمُّ المُطَفِّفِينَ وغَيْرَ المُطَفِّفِينَ، فَوَصْفُ الفُجّارِ هَنا نَظِيرُ ما في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الكَفَرَةُ الفَجَرَةُ﴾ [عبس: ٤٢] .

وشُمُولُ عُمُومِ الفُجّارِ لِجَمِيعِ المُشْرِكِينَ المُطَفِّفِينَ مِنهم وغَيْرَ المُطَفِّفِينَ يُعْنى بِهِ أنَّ المُطَفِّفِينَ مِنهم والمَقْصُودُ الأوَّلُ مِن هَذا العُمُومِ؛ لِأنَّ ذِكْرَ هَذا الوَصْفِ والوَعِيدِ عَلَيْهِ عَقِبَ كَلِمَةِ الرَّدْعِ عَنْ أعْمالِ المُطَفِّفِينَ قَرِينَةٌ عَلى أنَّ الوَعِيدَ مُوَجَّهٌ إلَيْهِمْ.

و(الكِتابُ) المَكْتُوبُ، أيِ: الصَّحِيفَةُ وهو هُنا يَحْتَمِلُ شَيْئًا تُحْصى فِيهِ

صفحة ١٩٥

الأعْمالُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنْ إحْصاءِ أعْمالِهِمْ وتَوْقِيفِهِمْ عَلَيْها، وكَذَلِكَ يَجْرِي عَلى الوَجْهَيْنِ قَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ وتَقَدَّمَتْ نَظائِرُهُ غَيْرَ مَرَّةٍ.

و(سِجِّينٌ) حُرُوفُ مادَّتِهِ مِن حُرُوفِ العَرَبِيَّةِ، وصِيغَتُهُ مِنَ الصِّيَغِ العَرَبِيَّةِ، فَهو لَفْظٌ عَرَبِيٌّ، ومَن زَعَمَ أنَّهُ مُعَرَّبٌ فَقَدْ أغْرَبَ. رُوِيَ عَنِ الأصْمَعِيِّ: أنَّ العَرَبَ اسْتَعْمَلُوا سِجِّينَ عِوَضًا عَنْ سِلْتِينَ، وسِلْتِينَ كَلِمَةٌ غَيْرُ عَرَبِيَّةٍ.

ونُونُ سِجِّينٍ أصْلِيَّةٌ ولَيْسَتْ مُبْدَلَةً عَنِ اللّامِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْناهُ عَلى أقْوالٍ أشْهَرُها وأُولاها أنَّهُ عَلَمٌ لِوادٍ في جَهَنَّمَ، صِيَغَ بِزِنَةِ فَعِيلٍ مِن مادَّةِ السَّجْنِ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلَ: المَلِكِ الضِّلِّيلِ، ورَجُلٌ سِكِّيرٌ، وطَعامٌ حَرِّيفٌ شَدِيدُ الحَرافَةِ، وهي لَذْعُ اللِّسانِ سُمِّيَ ذَلِكَ المَكانُ سِجِّينًا لِأنَّهُ أشَدُّ الحَبْسِ لِمَن فِيهِ فَلا يُفارِقُهُ، وهَذا الِاسْمُ مِن مُصْطَلَحاتِ القُرْآنِ لا يُعْرَفُ في كَلامِ العَرَبِ مِن قَبْلُ ولَكِنَّ مادَّتَهُ وصِيغَتَهُ مَوْضُوعَتانِ في العَرَبِيَّةِ وضْعًا نَوْعِيًّا. وقَدْ سَمِعَ العَرَبُ هَذا الِاسْمَ ولَمْ يَطْعَنُوا في عَرَبِيَّتِهِ.

ومَحْمَلُ قَوْلِهِ: ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ إنْ كانَ عَلى ظاهِرِ الظَّرْفِيَّةِ كانَ المَعْنى أنَّ كُتُبَ أعْمالِ الفُجّارِ مُودَعَةٌ في مَكانٍ اسْمُهُ سِجِّينٌ أوْ وصْفُهُ سِجِّينٌ وذَلِكَ يُؤْذِنُ بِتَحْقِيرِهِ، أيْ: تَحْقِيرُ ما احْتَوى عَلَيْهِ مِن أعْمالِهِمُ المَكْتُوبَةِ فِيهِ، وعَلى هَذا حَمَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُتَقَدِّمِينَ، ورَوى الطَّبَرِيُّ بِسَنَدِهِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ لِاشْتِمالِ سَنَدِهِ عَلى مَجاهِيلَ.

وإنْ حُمِلَتِ الظَّرْفِيَّةُ في قَوْلِهِ: لَفي سِجِّينٍ عَلى غَيْرِ ظاهِرِها، فَجُعِلَ كِتابُ الفُجّارِ مَظْرُوفًا في سِجِّينٍ مَجازٌ عَنْ جَعْلِ الأعْمالِ المُحْصاةِ فِيهِ في سِجِّينٍ، وذَلِكَ كِنايَةٌ رَمْزِيَّةٌ عَنْ كَوْنِ الفُجّارِ في سِجِّينٍ.

وجُمْلَةُ ﴿وما أدْراكَ ما سِجِّينٌ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿إنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفي سِجِّينٍ﴾ وجُمْلَةِ ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ وهو تَهْوِيلٌ لِأمْرِ السَّجِينِ تَهْوِيلَ تَفْظِيعٍ لِحالِ الواقِعِينَ فِيهِ وتَقَدَّمَ ﴿ما أدْراكَ﴾ [الإنفطار: ١٨] في سُورَةِ الِانْفِطارِ.

وقَوْلُهُ: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرٍ مَحْذُوفٍ يَعُودُ إلى ﴿كِتابَ الفُجّارِ﴾ . والتَّقْدِيرُ: هو أيْ: كِتابُ الفُجّارِ كِتابٌ مَرْقُومٌ، هَذا مِن حَذْفِ المُسْنَدِ إلَيْهِ الَّذِي

صفحة ١٩٦

اتُّبِعَ في حَذْفِهِ اسْتِعْمالُ العَرَبِ إذا تَحَدَّثُوا عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ أرادُوا الإخْبارَ عَنْهُ بِخَبَرٍ جَدِيدٍ.

والمَرْقُومُ: المَكْتُوبُ كِتابَةً بَيِّنَةً تُشْبِهُ الرَّقْمَ في الثَّوْبِ المَنسُوجِ.

وهَذا الوَصْفُ يُفِيدُ تَأْكِيدَ ما يُفِيدُهُ لَفْظُ كِتابٍ سَواءٌ كانَ اللَّفْظُ حَقِيقَةً أوْ مَجازًا.

83:10–13Страница 588

وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ ١٠

Горе в тот день тем, кто считает истину ложью,

ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ ١١

кто считает ложью День воздаяния!

وَمَا يُكَذِّبُ بِهِۦٓ إِلَّا كُلُّ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ ١٢

Его считает ложью только преступник и грешник.

إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣

Когда ему читают Наши аяты, он говорит: «Это - легенды древних народов!».

﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ .

جُمْلَةُ ﴿ويْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُبَيِّنَةً لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿ألا يَظُنُّ أُولَئِكَ أنَّهم مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ٤] فَإنَّ قَوْلَهُ: يَوْمَئِذٍ يُفِيدُ تَنْوِينُهُ جُمْلَةً مَحْذُوفَةً جُعِلَ التَّنْوِينُ عِوَضًا عَنْها تَقْدِيرُها: يَوْمَ إذْ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ ويْلٌ فِيهِ لِلْمُكَذِّبِينَ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ابْتِدائِيَّةً وبَيْنَ المُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ والمُطَفِّفِينَ عُمُومٌ وخُصُوصٌ وجْهِيٌّ، فَمِنَ المُكَذِّبِينَ مَن هم مُطَفِّفُونَ، ومِنَ المُطَفِّفِينَ مُسْلِمُونَ وأهْلُ كِتابٍ لا يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ، فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ إدْماجًا لِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا مِنَ المُطَفِّفِينَ.

وقَدْ ذُكِرَ المُكَذِّبُونَ مُجْمَلًا في قَوْلِهِ: لِلْمُكَذِّبِينَ ثُمَّ أُعِيدَ مُفَصَّلًا بِبَيانِ مُتَعَلِّقِ التَّكْذِيبِ، وهو ﴿بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ تَكْذِيبِهِمْ أذْهانَ السّامِعِينَ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ وأهْلِ الكِتابِ، فالصِّفَةُ هُنا لِلتَّهْدِيدِ وتَحْذِيرِ المُطَفِّفِينَ المُسْلِمِينَ مِن أنْ يَسْتَخِفُّوا بِالتَّطْفِيفِ فَيَكُونُوا بِمَنزِلَةِ المُكَذِّبِينَ بِالجَزاءِ عَلَيْهِ.

ومَعْنى التَّكْذِيبِ بِـ يَوْمِ الدِّينِ التَّكْذِيبُ بِوُقُوعِهِ.

فالتَّكْذِيبُ بِيَوْمِ الجَزاءِ هو مَنشَأُ الإقْدامِ عَلى السَّيِّئاتِ والجَرائِمِ، ولِذَلِكَ أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما يُكَذِّبُ بِهِ إلّا كُلُّ مُعْتَدٍ أثِيمٍ﴾ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾

صفحة ١٩٧

أيْ أنَّ تَكْذِيبَهم بِهِ جَهْلٌ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعالى في خَلْقِ اللَّهِ وتَكْلِيفِهِمْ إذِ الحِكْمَةُ مِن خَلْقِ النّاسِ تَقْتَضِي تَحْسِينَ أعْمالِهِمْ وحِفْظَ نِظامِهِمْ. فَلِذَلِكَ جاءَتْهُمُ الشَّرائِعُ آمِرَةً بِالصَّلاحِ وناهِيَةً عَنِ الفَسادِ. ورَتَّبَ لَهُمُ الجَزاءَ عَلى أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ بِالثَّوابِ والكَرامَةِ، وعَلى أعْمالِهِمُ السَّيِّئَةِ بِالعَذابِ والإهانَةِ. كُلٌّ عَلى حَسَبِ عَمَلِهِ: فَلَوْ أهْمَلَ الخالِقُ تَقْوِيمَ مَخْلُوقاتِهِ وأهْمَلَ جَزاءَ الصّالِحِينَ والمُفْسِدِينَ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِن حِكْمَةِ الخَلْقِ قالَ تَعالى: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥] ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ [المؤمنون: ١١٦] .

وقَدْ ذُكِرَ لِلْمُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ ثَلاثَةُ أوْصافٍ وهي: مُعْتَدٍ، أثِيمٍ، يَقُولُ إنَّ الآياتِ أساطِيرُ الأوَّلِينَ.

والِاعْتِداءُ: الظُّلْمُ، والمُعْتَدِي: المُشْرِكُ والكافِرُ بِما جاءَهُ مِنَ الشَّرائِعِ لِأنَّهُمُ اعْتَدَوْا عَلى اللَّهِ بِالإشْراكِ، وعَلى رُسُلِهِ بِالتَّكْذِيبِ، واعْتَدَوْا عَلى دَلائِلِ الحَقِّ فَلَمْ يَنْظُرُوا فِيها أوْ لَمْ يَعْمَلُوا بِها.

والأثِيمُ: مُبالَغَةٌ في الآثِمِ، أيْ: كَثِيرُ الإثْمِ.

وصِيغَةُ القَصْرِ مِنَ النَّفْيِ والِاسْتِثْناءِ تُفِيدُ قَصْرَ صِفَةِ التَّكْذِيبِ بِيَوْمِ الدِّينِ عَلى المُعْتَدِينَ الآثِمِينَ الزّاعِمِينَ القُرْآنَ أساطِيرَ الأوَّلِينَ.

فَهُوَ قَصْرُ صِفَةٍ عَلى مَوْصُوفٍ وهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ؛ لِأنَّ يَوْمَ الدِّينِ لا يُكَذِّبُ بِهِ إلّا غَيْرُ المُتَدَيِّنِينَ المُشْرِكُونَ والوَثَنِيُّونَ وأضْرابُهم مِمَّنْ جَمَعَ الأوْصافَ الثَّلاثَةَ، وأعْظَمُها التَّكْذِيبُ بِالقُرْآنِ فَإنَّ أهْلَ الكِتابِ والصّابِئَةَ لا يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ، وكَثِيرٌ مِن أهْلِ الشِّرْكِ لا يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ مِثْلَ أصْحابِ دِيانَةِ القِبْطِ.

فالَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ هم مُشْرِكُو العَرَبِ ومَن شابَهَهم مِثْلُ الدَّهْرِيِّينَ، فَإنَّهم تَحَقَّقَتْ فِيهِمُ الصِّفَتانِ الأُولى والثّانِيَةُ وهي الِاعْتِداءُ والإثْمُ وهو ظاهِرٌ، وأمّا زَعْمُ القُرْآنِ أساطِيرَ الأوَّلِينَ فَهو مَقالَةُ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ وهُمُ المَقْصُودُ ابْتِداءً وأمّا غَيْرُهم مِمَّنْ لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهم هَذا القَوْلُ فَهم مُتَهَيِّئُونَ؛ لِأنْ يَقُولُوهُ، أوْ يَقُولُوا ما يُساوِيهِ، أوْ يَئُولُ إلَيْهِ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يُعْرَضْ عَلَيْهِ القُرْآنُ مِنهم لَوْ عُرِضَ عَلَيْهِ القُرْآنُ لَكَذَّبَ بِهِ

صفحة ١٩٨

تَكْذِيبًا يُساوِي اعْتِقادَ أنَّهُ مِن وضْعِ البَشَرِ، فَهَؤُلاءِ وإنْ لَمْ يَقُولُوا القُرْآنُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ فَظَنُّهم في القُرْآنِ يُساوِي ظَنَّ المُشْرِكِينَ فَنُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن يَقُولُهُ.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ القَصْرَ ادِّعائِيًّا ولا تَلْتَفِتَ إلى تَنْزِيلِ مَن لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ في القُرْآنِ، ومَعْنى الِادِّعاءِ أنَّ مَن لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُمُ القَوْلُ في القُرْآنِ بِأنَّهُ أساطِيرُ الأوَّلِينَ قَدْ جُعِلَ تَكْذِيبُهم بِيَوْمِ الدِّينِ كَلا تَكْذِيبٍ مُبالَغَةً في إبْطالِ تَكْذِيبِ المُشْرِكِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ.

وجُمْلَةُ ﴿إذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ صِفَةٌ لِمُعْتَدٍ أوْ حالٌ مِنهُ.

والآياتُ هُنا القُرْآنُ وأجْزاؤُهُ لِأنَّها الَّتِي تُتْلى وتُقْرَأُ.

والأساطِيرُ: جَمْعُ أُسْطُورَةٍ وهي القِصَّةُ، والأكْثَرُ أنْ يُرادَ القِصَّةُ المُخْتَرَعَةُ الَّتِي لَمْ تَقَعْ وكانَ المُشْرِكُونَ يُنَظِّرُونَ قِصَصَ القُرْآنِ بِقِصَّةِ رُسْتُمَ، وإسْفِنْدِيارَ، عِنْدَ الفُرْسِ، ولَعَلَّ الكَلِمَةَ مُعَرَّبَةٌ عَنِ الرُّومِيَّةِ، وتُقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والمُرادُ بِالأوَّلِينَ الأُمَمُ السّابِقَةُ؛ لِأنَّ الأوَّلَ يُطْلَقُ عَلى السّابِقِ عَلى وجْهِ التَّشْبِيهِ بِأنَّهُ أوَّلٌ بِالنِّسْبَةِ إلى ثانٍ بَعْدَهُ وإنْ كانَ هو قَدْ سَبَقَتْهُ أجْيالٌ، وقَدْ كانَ المُشْرِكُونَ يَصِفُونَ القُرْآنَ بِذَلِكَ لِما سَمِعُوا فِيهِ مِنَ القِصَصِ الَّتِي سِيقَتْ إلَيْهِمْ مَساقَ المَوْعِظَةِ والِاعْتِبارِ، فَحَسِبُوها مِن قِصَصِ الأسْمارِ. واقْتَصَرُوا عَلى ذَلِكَ دُونَ ما في أكْثَرِ القُرْآنِ مِنَ الحَقائِقِ العالِيَةِ والحِكْمَةِ. بُهْتانًا مِنهم.

ومِمَّنْ كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ الحارِثِ، وكانَ قَدْ كَتَبَ قِصَّةَ رُسْتُمَ وقِصَّةَ إسْفِنْدِيارَ وجَدَها في الحِيرَةِ، فَكانَ يُحَدِّثُ بِها في مَكَّةَ ويَقُولُ: أنا أحْسَنُ حَدِيثًا مِن مُحَمَّدٍ، فَإنَّما يُحَدِّثُكم بِأساطِيرِ الأوَّلِينَ.

ولَيْسَ المُرادُ في الآيَةِ خُصُوصَهُ؛ لِأنَّ كَلِمَةَ ﴿كُلُّ مُعْتَدٍ﴾ ظاهِرٌ في عَدَمِ التَّخْصِيصِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English