Ибн АшурАль Имран · 3:1–6

Ибн Ашур · Тафсир · на арабском

آل عمران

Аль Имран

Семейство Имрана · Мединская · 200 аятов

3:1Страница 50

الٓمٓ ١

Алиф. Лам. Мим.

﴿الم﴾ .

لَمّا كانَ أوَّلُ أغْراضِ هَذِهِ السُّورَةِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ، هو قَضِيَّةٌ مُجادَلَةِ نَصارى نَجْرانَ حِينَ وفَدُوا إلى المَدِينَةِ، وبَيانُ فَضْلِ الإسْلامِ عَلى النَّصْرانِيَّةِ، لا جَرَمَ افْتُتِحَتْ بِحُرُوفِ التَّهَجِّي، المَرْمُوزِ بِها إلى تَحَدِّي المُكَذِّبِينَ بِهَذا الكِتابِ، وكانَ الحَظُّ الأوْفَرُ مِنَ التَّكْذِيبِ بِالقُرْآنِ لِلْمُشْرِكِينَ مِنهم، ثُمَّ لِلنَّصارى مِنَ العَرَبِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ الَّذِينَ سَكَنُوا بِلادَ العَرَبِ فَتَكَلَّمُوا بِلِسانِهِمْ لَمْ يَكُونُوا مَعْدُودِينَ مِن أهْلِ اللِّسانِ، ويَنْدُرُ فِيهِمُ البُلَغاءُ بِالعَرَبِيَّةِ مِثْلُ السَّمَوْألِ، وهَذا وما بَعْدَهُ إلى قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] تَمْهِيدٌ لِما نَزَلَتِ السُّورَةُ بِسَبَبِهِ، وبَراعَةُ اسْتِهْلالٍ لِذَلِكَ.

وتَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعانِي (الم) أوَّلَ البَقَرَةِ.

3:2–3Страница 50

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ ٢

Аллах - нет божества, кроме Него, Живого, Вседержителя.

نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ ٣

Он ниспослал тебе Писание с истиной в подтверждение того, что было до него. Он ниспослал Таурат (Тору) и Инджил (Евангелие),

صفحة ١٤٧

﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ ﴿مِن قَبْلُ هُدًى لِلنّاسِ وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ [آل عمران: ٤] .

ابْتُدِئَ الكَلامُ بِمُسْنَدٍ إلَيْهِ خَبَرُهُ فِعْلِيٌّ: لِإفادَةِ تَقْوِيَةِ الخَبَرِ اهْتِمامًا بِهِ.

وجِيءَ بِالِاسْمِ العَلَمِ: لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ عِنْدَ سَماعِهِ، ثُمَّ أرْدَفَ بِجُمْلَةِ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾، جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً أوْ حالِيَّةً، رَدًّا عَلى المُشْرِكِينَ، وعَلى النَّصارى خاصَّةً. وأُتْبِعَ بِالوَصْفَيْنِ ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ لِنَفْيِ اللَّبْسِ عَنْ مُسَمّى هَذا الِاسْمِ، والإيماءِ إلى وجْهِ انْفِرادِهِ بِالإلَهِيَّةِ، وأنَّ غَيْرَهُ لا يَسْتَأْهِلُها؛ لِأنَّهُ غَيْرُ حَيٍّ أوْ غَيْرُ قَيُّومٍ، فالأصْنامُ لا حَياةَ لَها، وعِيسى في اعْتِقادِ النَّصارى قَدْ أُمِيتَ، فَما هو الآنَ بِقَيُّومٍ، ولا هو في حالِ حَياتِهِ بِقَيُّومٍ عَلى تَدْبِيرِ العالَمِ، وكَيْفَ وقَدْ أُوذِيَ في اللَّهِ، وكُذِّبَ، واخْتَفى مِن أعْدائِهِ. وقَدْ مَضى القَوْلُ في مَعْنى ﴿الحَيُّ القَيُّومُ﴾ في تَفْسِيرِ آيَةِ الكُرْسِيِّ.

وقَوْلُهُ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ. والخَبَرُ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في الِامْتِنانِ، أوْ هو تَعْرِيضٌ ونِكايَةٌ بِأهْلِ الكِتابِ: الَّذِينَ أنْكَرُوا ذَلِكَ. وجِيءَ بِالمُسْنَدِ فِعْلًا لِإفادَةِ تَقْوِيَةِ الخَبَرِ، أوْ لِلدَّلالَةِ - مَعَ ذَلِكَ - عَلى الِاخْتِصاصِ: أيِ اللَّهُ لا غَيْرُهُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ. إبْطالًا لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ: إنَّ القُرْآنَ مِن كَلامِ الشَّيْطانِ، أوْ مِن طَرائِقِ الكِهانَةِ، أوْ يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ.

والتَّضْعِيفُ في (نَزَّلَ) لِلتَّعْدِيَةِ فَهو يُساوِي الهَمْزَ في (أنْزَلَ) وإنَّما التَّضْعِيفُ يُؤْذِنُ بِقُوَّةِ الفِعْلِ في كَيْفِيَّتِهِ أوْ كَمِّيَّتِهِ، في الفِعْلِ المُتَعَدِّي بِغَيْرِ التَّضْعِيفِ، مِن أجْلِ أنَّهم قَدْ أتَوْا بِبَعْضِ الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ، لِلدَّلالَةِ عَلى ذَلِكَ، كَقَوْلِهِمْ: فَسَرَ وفَسَّرَ، وفَرَقَ وفَرَّقَ، وكَسَرَ وكَسَّرَ، كَما أتَوْا بِأفْعالٍ قاصِرَةٍ بِصِيغَةِ المُضاعَفَةِ، دُونَ تَعْدِيَةٍ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ الفِعْلِ، كَما قالُوا: ماتَ ومَوَّتَ وصاحَ وصَيَّحَ. فَإمّا إذا صارَ التَّضْعِيفُ لِلتَّعْدِيَةِ فَلا أُوقِنُ بِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى تَقْوِيَةِ الفِعْلِ، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّ العُدُولَ عَنِ التَّعْدِيَةِ بِالهَمْزِ، إلى التَّعْدِيَةِ بِالتَّضْعِيفِ، لِقَصْدِ ما عُهِدَ في التَّضْعِيفِ مِن تَقْوِيَةِ مَعْنى الفِعْلِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ

صفحة ١٤٨

﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ أهَمَّ مِن قَوْلِهِ ﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ﴾ لِلدَّلالَةِ عَلى عِظَمِ شَأْنِ نُزُولِ القُرْآنِ، وقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى في المُقَدَّمَةِ الأُولى مِن هَذا التَّفْسِيرِ، ووَقَعَ في الكَشّافِ هُنا وفي مَواضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، أنْ قالَ: إنَّ ”نَزَّلَ“ يَدُلُّ عَلى التَّنْجِيمِ وإنَّ ”أنْزَلَ“ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكِتابَيْنِ أُنْزِلا جُمْلَةً واحِدَةً وهَذا لا عَلاقَةَ لَهُ بِمَعْنى التَّقْوِيَةِ المُدَّعى لِلْفِعْلِ المُضاعَفِ، إلّا أنْ يَعْنِيَ أنَّ ”نَزَّلَ“ مُسْتَعْمَلٌ في لازِمِ التَّكْثِيرِ، وهو التَّوْزِيعُ. ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] فَجَمَعَ بَيْنَ التَّضْعِيفِ وقَوْلِهِ ﴿جُمْلَةً واحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] . وأزِيدُ أنَّ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ نَزَلا مُفَرَّقَيْنَ كَشَأْنِ كُلِّ ما يَنْزِلُ عَلى الرُّسُلِ في مُدَّةِ الرِّسالَةِ، وهو الحَقُّ؛ إذْ لا يُعْرَفُ أنَّ كِتابًا نَزَلَ عَلى رَسُولٍ دُفْعَةً واحِدَةً.

والكِتابُ: القُرْآنُ. والباءُ في قَوْلِهِ ”بِالحَقِّ“ لِلْمُلابَسَةِ، ومَعْنى مُلابَسَتِهِ لِلْحَقِّ اشْتِمالُهُ عَلَيْهِ في جَمِيعِ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي قالَ تَعالى ﴿وبِالحَقِّ أنْزَلْناهُ وبِالحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥] .

ومَعْنى ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أنَّهُ مُصَدِّقٌ لِلْكُتُبِ السّابِقَةِ لَهُ، وجُعِلَ السّابِقُ بَيْنَ يَدَيْهِ: لِأنَّهُ يَجِيءُ قَبْلَهُ. فَكَأنَّهُ يَمْشِي أمامَهُ.

والتَّوْراةُ اسْمٌ لِلْكِتابِ المُنَزَّلِ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وهو اسْمٌ عِبْرانِيٌّ أصْلُهُ ”طُورا“ بِمَعْنى ”الهُدى“، والظّاهِرُ أنَّهُ اسْمٌ لِلْألْواحِ الَّتِي فِيها الكَلِماتُ العَشْرُ الَّتِي نَزَلَتْ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في جَبَلِ الطُّورِ؛ لِأنَّها أصْلُ الشَّرِيعَةِ الَّتِي جاءَتْ في كُتُبِ مُوسى، فَأُطْلِقَ ذَلِكَ الِاسْمُ عَلى جَمِيعِ كُتُبِ مُوسى، واليَهُودُ يَقُولُونَ ”سِفْرُ طُورا“ فَلَمّا دَخَلَ هَذا الِاسْمُ إلى العَرَبِيَّةِ أدْخَلُوا عَلَيْهِ لامَ التَّعْرِيفِ الَّتِي تَدْخُلُ عَلى الأوْصافِ والنَّكِراتِ لِتَصِيرَ أعْلامًا بِالغَلَبَةِ: مِثْلُ العَقَبَةِ، ومِن أهْلِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ مَن حاوَلُوا تَوْجِيهًا لِاشْتِقاقِهِ اشْتِقاقًا عَرَبِيًّا، فَقالُوا: إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الوَرْيِ وهو الوَقْدُ، بِوَزْنِ تِفْعَلَةٍ أوْ فَوْعَلَةٍ، ورُبَّما أقْدَمَهم عَلى ذَلِكَ أمْرانِ: أحَدُهُما دُخُولُ حَرْفِ التَّعْرِيفِ عَلَيْهِ، وهو لا يَدْخُلُ عَلى الأسْماءِ العَجَمِيَّةِ، وأُجِيبَ بِأنْ لا مانِعَ مِن دُخُولِها عَلى المُعَرَّبِ كَما قالُوا: الإسْكَنْدَرِيَّةُ، وهَذا جَوابٌ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأنَّ الإسْكَنْدَرِيَّةَ وزْنٌ عَرَبِيٌّ؛ إذْ هو نُسِبَ إلى إسْكَنْدَرٍ، فالوَجْهُ في الجَوابِ أنَّهُ إنَّما أُلْزِمَ التَّعْرِيفَ لِأنَّهُ مُعَرَّبٌ عَنِ اسْمٍ بِمَعْنى الوَصْفِ - اسْمِ عَلَمٍ - فَلَمّا عَرَّبُوهُ ألْزَمُوهُ اللّامَ لِذَلِكَ.

صفحة ١٤٩

الثّانِي أنَّها كُتِبَتْ في المُصْحَفِ بِالياءِ، وهَذا لَمْ يَذْكُرُوهُ في تَوْجِيهِ كَوْنِهِ عَرَبِيًّا، وسَبَبُ كِتابَتِهِ كَذَلِكَ الإشارَةُ إلى لُغَةِ إمالَتِهِ.

وأمّا الإنْجِيلُ فاسْمٌ لِلْوَحْيِ الَّذِي أُوحِيَ بِهِ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَجَمَعَهُ أصْحابُهُ.

وهُوَ اسْمٌ مُعَرَّبٌ. قِيلَ: مِنَ الرُّومِيَّةِ وأصْلُهُ (إثانْجَيْلِيُومُ) أيِ الخَبَرُ الطَّيِّبُ، فَمَدْلُولُهُ مَدْلُولُ اسْمِ الجِنْسِ، ولِذَلِكَ أدْخَلُوا عَلَيْهِ كَلِمَةَ التَّعْرِيفِ في اللُّغَةِ الرُّومِيَّةِ، فَلَمّا عَرَّبَهُ العَرَبُ أدْخَلُوا عَلَيْهِ حَرْفَ التَّعْرِيفِ، وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنِ الثَّعْلَبِيِّ أنَّ الإنْجِيلَ في السُّرْيانِيَّةِ وهي الآرامِيَّةُ (أنْكَلِيُونُ) ولَعَلَّ الثَّعْلَبِيَّ اشْتَبَهُ عَلَيْهِ الرُّومِيَّةُ بِالسُّرْيانِيَّةِ، لِأنَّ هَذِهِ الكَلِمَةَ لَيْسَتْ سُرْيانِيَّةً وإنَّما لَمّا نَطَقَ بِها نَصارى العِراقِ ظَنَّها سُرْيانِيَّةً، أوْ لَعَلَّ في العِبارَةِ تَحْرِيفًا وصَوابُها اليُونانِيَّةُ وهو في اليُونانِيَّةِ (أُووانَيْلِيُونُ) أيِ اللَّفْظُ الفَصِيحُ.

وقَدْ حاوَلَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ والتَّفْسِيرِ جَعْلَهُ مُشْتَقًّا مِنَ ”النُّجْلِ“ وهو الماءُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ، وذَلِكَ تَعَسُّفٌ أيْضًا. وهَمْزَةُ الإنْجِيلِ مَكْسُورَةٌ في الأشْهَرِ لِيَجْرِيَ عَلى وزْنِ الأسْماءِ العَرَبِيَّةِ؛ لِأنَّ إفْعِيلًا مَوْجُودٌ بِقِلَّةٍ مِثْلَ إبْزِيمٍ. ورُبَّما نُطِقَ بِهِ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وذَلِكَ لا نَظِيرَ لَهُ في العَرَبِيَّةِ.

ومِن قَبْلُ يَتَعَلَّقُ بِـ ”أنْزَلَ“، والأحْسَنُ أنْ يَكُونَ حالًا أُولى مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، و(هَدًى) حالٌ ثانِيَةٌ. والمُضافُ إلَيْهِ ”قَبْلُ“ مَحْذُوفٌ مَنَوِيٌّ مَعْنًى، كَما اقْتَضاهُ بِناءُ ”قَبْلُ“ عَلى الضَّمِّ، والتَّقْدِيرُ مِن قَبْلِ هَذا الزَّمانِ، وهو زَمانُ نُزُولِ القُرْآنِ.

وتَقْدِيمُ مِن قَبْلُ عَلى هُدًى لِلنّاسِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ. وأمّا ذِكْرُ هَذا القَيْدِ فَلِكَيْ لا يُتَوَهَّمَ أنَّ هُدى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مُسْتَمِرٌّ بَعْدَ نُزُولِ القُرْآنِ. وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّها كالمُقَدَّماتِ لِنُزُولِ القُرْآنِ، الَّذِي هو تَمامُ مُرادِ اللَّهِ مِنَ البَشَرِ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، فالهُدى الَّذِي سَبَقَهُ غَيْرُ تامٍّ.

و(لِلنّاسِ) تَعْرِيفُهُ إمّا لِلْعَهْدِ: وهُمُ النّاسُ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِالكِتابَيْنِ، وإمّا لِلِاسْتِغْراقِ العُرْفِيِّ: فَإنَّهُما وإنْ خُوطِبَ بِهِما ناسٌ مَعْرُوفُونَ، فَإنَّ ما اشْتَمَلا عَلَيْهِ يَهْتَدِي بِهِ كُلُّ مَن أرادَ أنْ يَهْتَدِيَ، وقَدْ تَهَوَّدَ وتَنَصَّرَ كَثِيرٌ مِمَّنْ لَمْ تَشْمَلُهم دَعْوَةُ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، ولا يَدْخُلُ في العُمُومِ النّاسُ الَّذِينَ دَعاهم مُحَمَّدٌ ﷺ: لِأنَّ القُرْآنَ

صفحة ١٥٠

أبْطَلَ أحْكامَ الكِتابَيْنِ، وأمّا كَوْنُ شَرْعِ مَن قَبْلَنا شَرْعًا لَنا عِنْدَ مُعْظَمِ أهْلِ الأُصُولِ، فَذَلِكَ فِيما حَكاهُ عَنْهُمُ القُرْآنُ لا ما يُوجَدُ في الكِتابَيْنِ، فَلا يَسْتَقِيمُ اعْتِبارُ الِاسْتِغْراقِ بِهَذا الِاعْتِبارِ بَلْ بِما ذَكَرْناهُ.

والفُرْقانُ في الأصْلِ مَصْدَرُ فَرَقَ كالشُّكْرانِ والكُفْرانِ والبُهْتانِ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى ما يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ قالَ تَعالى ﴿وما أنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الفُرْقانِ﴾ [الأنفال: ٤١] وهو يَوْمُ بَدْرٍ. وسُمِّيَ بِهِ القُرْآنُ. قالَ تَعالى ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] والمُرادُ بِالفُرْقانِ هُنا القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وفي وصْفِهِ بِذَلِكَ تَفْضِيلٌ لِهَدْيِهِ عَلى هَدْيِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ؛ لِأنَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ أعْظَمُ أحْوالِ الهُدى، لِما فِيها مِنَ البُرْهانِ، وإزالَةِ الشُّبْهَةِ. وإعادَةُ قَوْلِهِ ﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ [آل عمران: ٤] بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ لِلِاهْتِمامِ، ولِيُوصِلَ الكَلامَ بِهِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٤] الآيَةَ أيْ بِآياتِهِ في القُرْآنِ.

3:4Страница 50

مِن قَبۡلُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلۡفُرۡقَانَۗ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ ٤

которые прежде были руководством для людей. Он также ниспослал Различение (Коран). Воистину, тем, кто не верует в знамения Аллаха, уготованы тяжкие мучения, ведь Аллах - Могущественный, Способный на возмездие.

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ مُمَهَّدٌ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ [آل عمران: ٣] لِأنَّ نَفْسَ السّامِعِ تَتَطَلَّعُ إلى مَعْرِفَةِ عاقِبَةِ الَّذِينَ أنْكَرُوا هَذا التَّنْزِيلَ.

وشَمَلَ قَوْلُهُ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ المُشْرِكِينَ واليَهُودَ والنَّصارى في مَرْتَبَةٍ واحِدَةٍ، لِأنَّ جَمِيعَهُمُ اشْتَرَكُوا في الكُفْرِ بِالقُرْآنِ، وهو المُرادُ بِآياتِ اللَّهِ هُنا؛ لِأنَّهُ الكِتابُ الوَحِيدُ الَّذِي يَصِحُّ أنْ يُوصَفَ بِأنَّهُ آيَةٌ مِن آياتِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ مُعْجِزَةٌ. وعَبَّرَ عَنْهم بِالمَوْصُولِ إيجازًا؛ لِأنَّ الصِّلَةَ تَجْمَعُهم، والإيماءُ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ وهو قَوْلُهُ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ.

وعُطِفَ قَوْلُهُ ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ عَلى قَوْلِهِ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ لِأنَّهُ مِن تَكْمِلَةِ هَذا الِاسْتِئْنافِ: لِمَجِيئِهِ مَجِيءَ التَّبْيِينِ لِشِدَّةِ عَذابِهِمْ؛ إذْ هو عَذابُ عَزِيزٍ مُنْتَقِمٍ كَقَوْلِهِ ﴿فَأخَذْناهم أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤٢] .

صفحة ١٥١

والعَزِيزُ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩] .

والِانْتِقامُ: العِقابُ عَلى الِاعْتِداءِ بِغَضَبٍ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلْكارِهِ: ناقِمٌ. وجِيءَ في هَذا الوَصْفِ بِكَلِمَةِ (ذُو) الدّالَّةِ عَلى المُلْكِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ انْتِقامٌ عَنِ اخْتِيارٍ لِإقامَةِ مَصالِحِ العِبادِ ولَيْسَ هو تَعالى مُنْدَفِعًا لِلِانْتِقامِ بِدافِعِ الطَّبْعِ أوِ الحِنْقِ.

3:5Страница 50

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخۡفَىٰ عَلَيۡهِ شَيۡءٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٥

Воистину, ничто не скроется от Аллаха ни на земле, ни на небесах.

﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ اسْتِئْنافٌ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ البَيانِ لِوَصْفِ الحَيِّ لِأنَّ عُمُومَ العِلْمِ يُبَيِّنُ كَمالَ الحَياةِ.

وجِيءَ بِـ ”شَيْءٌ“ هُنا لِأنَّهُ مِنَ الأسْماءِ العامَّةِ.

وقَوْلُهُ ﴿فِي الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ قُصِدَ مِنهُ عُمُومُ أمْكِنَةِ الأشْياءِ، فالمُرادُ هُنا مِنَ الأرْضِ الكُرَةُ الأرْضِيَّةُ بِما فِيها مِن بِحارٍ، والمُرادُ بِالسَّماءِ جِنْسُ السَّماواتِ: وهي العَوالِمُ المُتَباعِدَةُ عَنِ الأرْضِ. وابْتُدِئَ في الذِّكْرِ بِالأرْضِ لِيَتَسَنّى التَّدَرُّجُ في العَطْفِ إلى الأبْعَدِ في الحُكْمِ؛ لِأنَّ أشْياءَ الأرْضِ يَعْلَمُ كَثِيرًا مِنها كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، أمّا أشْياءُ السَّماءِ فَلا يَعْلَمُ أحَدٌ بَعْضَها فَضْلًا عَنْ عِلْمِ جَمِيعِها.

3:6Страница 50

هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٦

Он - Тот, Кто придает вам в утробах такой облик, какой пожелает. Нет божества, кроме Него, Могущественного, Мудрого.

﴿هو الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ اسْتِئْنافٌ ثانٍ يُبَيِّنُ شَيْئًا مِن مَعْنى القَيُّومِيَّةِ، فَهو كَبَدَلِ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، وخُصَّ مِن بَيْنِ شُئُونِ القَيُّومِيَّةِ تَصْوِيرُ البَشَرِ؛ لِأنَّهُ مِن أعْجَبِ مَظاهِرِ القُدْرَةِ؛ ولِأنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا بِالرَّدِّ عَلى النَّصارى في اعْتِقادِهِمْ إلَهِيَّةَ عِيسى مِن أجْلِ أنَّ اللَّهَ صَوَّرَهُ بِكَيْفِيَّةٍ غَيْرِ مُعْتادَةٍ، فَبَيَّنَ لَهم أنَّ الكَيْفِيّاتِ العارِضَةَ لِلْمَوْجُوداتِ كُلَّها مِن صُنْعِ اللَّهِ وتَصْوِيرِهِ: سَواءٌ المُعْتادُ، وغَيْرُ المُعْتادِ.

و”كَيْفَ“ هُنا لَيْسَ فِيها مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، بَلْ هي دالَّةٌ عَلى مُجَرَّدِ مَعْنى الكَيْفِيَّةِ؛ أيِ الحالَةِ، فَهي هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في أصْلِها المَوْضُوعَةِ لَهُ في اللُّغَةِ؛ إذْ لا رَيْبَ في أنَّ

صفحة ١٥٢

”كَيْفَ“ مُشْتَمِلَةٌ عَلى حُرُوفِ مادَّةِ الكَيْفِيَّةِ والتَّكَيُّفِ، وهو الحالَةُ والهَيْئَةُ، وإنْ كانَ الأكْثَرُ في الِاسْتِعْمالِ أنْ تَكُونَ اسْمَ اسْتِفْهامٍ، ولَيْسَتْ ”كَيْفَ“ فِعْلًا؛ لِأنَّها لا دَلالَةَ فِيها عَلى الزَّمانِ، ولا حَرْفًا لِاشْتِمالِها عَلى مادَّةِ اشْتِقاقٍ. وقَدْ تَجِيءُ (كَيْفَ) اسْمَ شَرْطٍ إذا اتَّصَلَتْ بِها ”ما“ الزّائِدَةُ. وفي كُلِّ ذَلِكَ لا تُفارِقُها الدَّلالَةُ عَلى الحالَةِ، ولا يُفارِقُها إيلاءُ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ إيّاها إلّا ما شَذَّ مِن قَوْلِهِمْ: كَيْفَ أنْتَ. فَإذا كانَتِ اسْتِفْهامًا فالجُمْلَةُ بَعْدَها هي المُسْتَفْهَمُ عَنْهُ، فَتَكُونُ مَعْمُولَةً لِلْفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، مُلْتَزَمًا تَقْدِيمُها عَلَيْهِ؛ لِأنَّ لِلِاسْتِفْهامِ الصَّدارَةَ، وإذا جُرِّدَتْ عَنِ الِاسْتِفْهامِ كانَ مَوْقِعُها مِنَ الإعْرابِ عَلى حَسَبِ ما يَطْلُبُهُ الكَلامُ الواقِعَةُ هي فِيهِ مِنَ العَوامِلِ كَسائِرِ الأسْماءِ.

وأمّا الجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَها - حِينَئِذٍ - فالأظْهَرُ أنْ تُعْتَبَرَ مُضافًا إلَيْها اسْمُ ”كَيْفَ“ . ويُعْتَبَرُ ”كَيْفَ“ مِنَ الأسْماءِ المُلازِمَةِ لِلْإضافَةِ. وجَرى في كَلامِ بَعْضِ أهْلِ العَرَبِيَّةِ أنَّ فَتْحَةَ ”كَيْفَ“ فَتْحَةَ بِناءٍ.

والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ فَتْحَةَ (كَيْفَ) فَتْحَةُ نَصْبٍ لَزِمَتْها لِأنَّها دائِمًا مُتَّصِلَةٌ بِالفِعْلِ فَهي مَعْمُولَةٌ لَهُ عَلى الحالِيَّةِ أوْ نَحْوِها، فَلِمُلازَمَةِ ذَلِكَ الفَتْحِ إيّاها أشْبَهَتْ فَتْحَةَ البِناءِ.

فَـ (كَيْفَ) في قَوْلِهِ هُنا ﴿كَيْفَ يَشاءُ﴾ يُعْرَبُ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِـ ”يُصَوِّرُكم“، إذِ التَّقْدِيرُ: حالُ تَصْوِيرٍ يَشاؤُها. كَما قالَهُ ابْنُ هِشامٍ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٦] .

وجَوَّزَ صاحِبُ ”المُغْنِي“ أنْ تَكُونَ شَرْطِيَّةً، والجَوابُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ ”يُصَوِّرُكم“ عَلَيْهِ وهو بَعِيدٌ لِأنَّها لا تَأْتِي في الشَّرْطِ إلّا مُقْتَرِنَةً بِـ (ما) . وأمّا قَوْلُ النّاسِ (كَيْفَ شاءَ فَعَلَ) فَلَحْنٌ. وكَذَلِكَ جَزْمُ الفِعْلِ بَعْدَها قَدْ عُدَّ لَحْنًا عِنْدَ جُمْهُورِ أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ.

ودَلَّ تَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ عَلى قَصْرِ صِفَةِ التَّصْوِيرِ عَلَيْهِ تَعالى، وهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ لِأنَّهُ كَذَلِكَ في الواقِعِ؛ إذْ هو مُكَوِّنُ أسْبابِ ذَلِكَ التَّصْوِيرِ، وهَذا إيماءٌ إلى كَشْفِ شُبْهَةِ النَّصارى إذْ تَوَهَّمُوا أنَّ تَخَلُّقَ عِيسى بِدُونِ ماءِ أبٍ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ غَيْرُ بَشَرٍ وأنَّهُ إلَهٌ وجَهِلُوا أنَّ التَّصْوِيرَ في الأرْحامِ وإنِ اخْتَلَفَتْ كَيْفِيّاتُهُ لا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ خَلْقًا لِما كانَ مَعْدُومًا فَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ المَخْلُوقُ المُصَوَّرُ في الرَّحِمِ إلَهًا.

* * *

صفحة ١٥٣

﴿لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ .

تَذْيِيلٌ لِتَقْرِيرِ الأحْكامِ المُتَقَدِّمَةِ. وتَقَدَّمَ مَعْنى العَزِيزِ الحَكِيمِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٠٩] وفي افْتِتاحِ السُّورَةِ بِهَذِهِ الآياتِ بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ لِنُزُولِها في مُجادَلَةِ نَصارى نَجْرانَ، ولِذَلِكَ تَكَرَّرَ في هَذا الطّالِعِ قَصْرُ الإلَهِيَّةِ عَلى اللَّهِ تَعالى في قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ٢] وقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ وقَوْلِهِ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ٢] .

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English