Ар-РазиЮнус · 10:15–19

Ар-Рази · Тафсир · на арабском

Юнус 10:15–19

10:15Страница 210

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا ٱئۡتِ بِقُرۡءَانٍ غَيۡرِ هَٰذَآ أَوۡ بَدِّلۡهُۚ قُلۡ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلۡقَآيِٕ نَفۡسِيٓۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۖ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٥

Когда Наши ясные аяты читают тем, которые не надеются на встречу с Нами, они говорят: «Принеси нам другой Коран или замени его!». Скажи: «Не подобает мне заменять его по своему желанию. Я лишь следую тому, что внушается мне в откровении, и боюсь, что если я ослушаюсь Господа моего, то меня постигнут мучения в Великий день».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ هو النَّوْعُ الثّالِثُ مِن شُبُهاتِهِمْ وكَلِماتِهِمُ الَّتِي ذَكَرُوها في الطَّعْنِ في نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، حَكاها اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ وأجابَ عَنْها.

واعْلَمْ أنَّ مَن وقَفَ عَلى هَذا التَّرْتِيبِ الَّذِي نَذْكُرُهُ عَلِمَ أنَّ القُرْآنَ مُرَتَّبٌ عَلى أحْسَنِ الوُجُوهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ خَمْسَةً مِنَ الكُفّارِ كانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِالرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وبِالقُرْآنِ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيُّ، والعاصُ بْنُ وائِلٍ السَّهْمِيُّ، والأسْوَدُ بْنُ المُطَّلِبِ، والأسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والحارْثُ بْنُ حَنْظَلَةَ، فَقَتَلَ اللَّهُ كُلَّ رَجُلٍ مِنهم بِطَرِيقٍ آخَرَ، كَما قالَ: ﴿إنّا كَفَيْناكَ المُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥] فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهم كُلَّما تُلِيَ عَلَيْهِمْ آياتٌ: ﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا أوْ بَدِّلْهُ﴾ وفِيهِ بَحْثانِ:

البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ وصْفَهم بِأنَّهم لا يَرْجُونَ لِقاءَ اللَّهِ أُرِيدَ بِهِ كَوْنُهم مُكَذِّبِينَ بِالحَشْرِ والنَّشْرِ مُنْكِرِينَ لِلْبَعْثِ والقِيامَةِ، ثُمَّ في تَقْرِيرِ حُسْنِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ الأصَمُّ: ﴿لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ أيْ: لا يَرْجُونَ في لِقائِنا خَيْرًا عَلى طاعَةٍ، فَهم مِنَ السَّيِّئاتِ أبْعَدُ أنْ يَخافُوها.

الثّانِي: قالَ القاضِي: الرَّجاءُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في المَنافِعِ، لَكِنَّهُ قَدْ يَدُلُّ عَلى المَضارِّ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ؛ لِأنَّ مَن لا يَرْجُو لِقاءَ ما وعَدَ رَبُّهُ مِنَ الثَّوابِ، وهو القَصْدُ بِالتَّكْلِيفِ، لا يَخافُ أيْضًا ما يُوعِدُهُ بِهِ مِنَ العِقابِ، فَصارَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ جَحْدِهِمْ لِلْبَعْثِ والنُّشُورِ.

واعْلَمْ أنَّ كَلامَ القاضِي قَرِيبٌ مِن كَلامِ الأصَمِّ، إلّا أنَّ البَيانَ التّامَّ أنْ يُقالَ: كُلُّ مَن كانَ مُؤْمِنًا بِالبَعْثِ والنُّشُورِ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ راجِيًا ثَوابَ اللَّهِ وخائِفًا مِن عِقابِهِ، وعَدَمُ اللّازِمِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ المَلْزُومِ، فَلَزِمَ مِن نَفْيِ الرَّجاءِ نَفْيُ الإيمانِ بِالبَعْثِ. فَهَذا هو الوَجْهُ في حُسْنِ هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ.

البَحْثُ الثّانِي: أنَّهم طَلَبُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أحَدَ أمْرَيْنِ عَلى البَدَلِ، فالأوَّلُ: أنْ يَأْتِيَهم بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا

صفحة ٤٦

القُرْآنِ. والثّانِي: أنْ يُبَدِّلَ هَذا القُرْآنَ، وفِيهِ إشْكالٌ؛ لِأنَّهُ إذا بَدَّلَ هَذا القُرْآنَ بِغَيْرِهِ، فَقَدْ أتى بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا القُرْآنِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما شَيْئًا واحِدًا. وأيْضًا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما هو عَيْنُ الآخَرِ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اقْتَصَرَ في الجَوابِ عَلى نَفْيِ أحَدِهِما، وهو قَوْلُهُ: ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ وإذا ثَبَتَ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ هو نَفْسُ الآخَرِ، كانَ إلْقاءُ اللَّفْظِ عَلى التَّرْدِيدِ والتَّخْيِيرِ فِيهِ باطِلًا.

والجَوابُ: أنَّ أحَدَ الأمْرَيْنِ غَيْرُ الآخَرِ، فالإتْيانُ بِكِتابٍ آخَرَ، لا عَلى تَرْتِيبِ هَذا القُرْآنَ ولا عَلى نَظْمِهِ، يَكُونُ إتْيانًا بِقُرْآنٍ آخَرَ، وأمّا إذا أتى بِهَذا القُرْآنِ إلّا أنَّهُ وضَعَ مَكانَ ذَمِّ بَعْضِ الأشْياءِ مَدْحَها، ومَكانَ آيَةِ رَحْمَةٍ آيَةَ عَذابٍ، كانَ هَذا تَبْدِيلًا، أوْ نَقُولُ: الإتْيانُ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا هو أنْ يَأْتِيَهم بِكِتابٍ آخَرَ سِوى هَذا الكِتابِ، مَعَ كَوْنِ هَذا الكِتابِ باقِيًا بِحالِهِ، والتَّبْدِيلُ هو أنْ يُغَيِّرَ هَذا الكِتابَ.

وأمّا قَوْلُهُ: إنَّهُ اكْتَفى في الجَوابِ عَلى نَفْيِ أحَدِ القِسْمَيْنِ قُلْنا: الجَوابُ المَذْكُورُ عَنْ أحَدِ القِسْمَيْنِ هو عَيْنُ الجَوابِ عَنِ القِسْمِ الثّانِي. وإذا كانَ كَذَلِكَ وقَعَ الِاكْتِفاءُ بِذِكْرِ أحَدِهِما عَنْ ذِكْرِ الثّانِي. وإنَّما قُلْنا: الجَوابُ عَنْ أحَدِ القِسْمَيْنِ عَيْنُ الجَوابِ عَنِ الثّانِي لِوَجْهَيْنِ، الأوَّلُ: أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُبَدِّلَهُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ وارِدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى ولا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِهِ، كَما لا يَقْدِرُ سائِرُ العَرَبِ عَلى مِثْلِهِ، فَكانَ ذَلِكَ مُتَقَرِّرًا في نُفُوسِهِمْ بِسَبَبِ ما تَقَدَّمَ مِن تَحَدِّيهِ لَهم بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ، فَقَدْ دَلَّهم بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَتَمَكَّنُ مِن قُرْآنٍ غَيْرِ هَذا. والثّانِي: أنَّ التَّبْدِيلَ أقْرَبُ إلى الإمْكانِ مِنَ المَجِيءِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا القُرْآنِ، فَجَوابُهُ عَنِ الأسْهَلِ يَكُونُ جَوابًا عَنِ الأصْعَبِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: لا فَرْقَ بَيْنَ الإتْيانِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذا القُرْآنِ وبَيْنَ تَبْدِيلِ هَذا القُرْآنِ، وجَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ﴾ جَوابًا عَنِ الأمْرَيْنِ، إلّا أنَّهُ ضَعِيفٌ عَلى ما بَيَّناهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ إقْدامَ الكُفّارِ عَلى هَذا الِالتِماسِ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّهم ذَكَرُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ السُّخْرِيَةِ والِاسْتِهْزاءِ، مِثْلَ أنْ يَقُولُوا: إنَّكَ لَوْ جِئْتَنا بِقُرْآنٍ آخَرَ غَيْرِ هَذا القُرْآنِ أوْ بَدَّلْتَهُ لَآمَنّا بِكَ، وغَرَضُهم مِن هَذا الكَلامِ السُّخْرِيَةُ والتَّطَيُّرُ. والثّانِي: أنْ يَكُونُوا قالُوهُ عَلى سَبِيلِ الجِدِّ، وذَلِكَ أيْضًا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا:

أحَدُها: أنْ يَكُونُوا قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّجْرِبَةِ والِامْتِحانِ، حَتّى إنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَلِمُوا أنَّهُ كانَ كَذّابًا في قَوْلِهِ: إنَّ هَذا القُرْآنَ نَزَلَ عَلَيْهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

وثانِيها: أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِن هَذا الِالتِماسِ أنَّ هَذا القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى ذَمِّ آلِهَتِهِمْ والطَّعْنِ في طَرائِقِهِمْ، وهم كانُوا يَتَأذَّوْنَ مِنها، فالتَمَسُوا كِتابًا آخَرَ لَيْسَ فِيهِ ذَلِكَ. وثالِثُها: أنَّ بِتَقْدِيرِ أنْ يَكُونُوا قَدْ جَوَّزُوا كَوْنَ هَذا القُرْآنِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، التَمَسُوا مِنهُ أنْ يَلْتَمِسَ مِنَ اللَّهِ نَسْخَ هَذا القُرْآنِ وتَبْدِيلَهُ بِقُرْآنٍ آخَرَ. وهَذا الوَجْهُ أبْعَدُ الوُجُوهِ.

واعْلَمْ أنَّ القَوْمَ لَمّا ذَكَرُوا ذَلِكَ أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَقُولَ: إنَّ هَذا التَّبْدِيلَ غَيْرُ جائِزٍ مِنِّي ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّهُ بِمَنزِلَةِ غَيْرِهِ في أنَّهُ مُتَوَعَدٌ بِالعَذابِ العَظِيمِ إنْ عَصى. ويَتَفَرَّعُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ فُرُوعٌ:

الفَرْعُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنْ أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ﴾ مَعْناهُ: لا أتَّبِعُ إلّا ما يُوحى إلَيَّ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما حَكَمَ إلّا بِالوَحْيِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَمْ يَحْكم قَطُّ بِالِاجْتِهادِ.

صفحة ٤٧

الفَرْعُ الثّانِي: تَمَسَّكَ نُفاةُ القِياسِ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقالُوا: دَلَّ هَذا النَّصُّ عَلى أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما حَكَمَ إلّا بِالنَّصِّ. فَوَجَبَ أنْ يَجِبَ عَلى جَمِيعِ الأُمَّةِ أنْ لا يَحْكُمُوا إلّا بِمُقْتَضى النَّصِّ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّبِعُوهُ﴾ .

الفَرْعُ الثّالِثُ: نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ قالَ: إنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] وهَذا بَعِيدٌ؛ لِأنَّ النَّسْخَ إنَّما يَدْخُلُ في الأحْكامِ والتَّعَبُّداتِ لا في تَرْتِيبِ العِقابِ عَلى المَعْصِيَةِ.

الفَرْعُ الرّابِعُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي أخافُ إنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ مَشْرُوطٌ بِما يَكُونُ واقِعًا بِلا تَوْبَةٍ ولا طاعَةٍ أعْظَمَ مِنها، ونَحْنُ نَقُولُ: فِيهِ تَخْصِيصٌ ثالِثٌ، وهو أنْ لا يَعْفُوَ عَنْهُ ابْتِداءً؛ لِأنَّ عِنْدَنا يَجُوزُ مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يَعْفُوَ عَنْ أصْحابِ الكَبائِرِ.

10:16Страница 210

قُل لَّوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوۡتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَدۡرَىٰكُم بِهِۦۖ فَقَدۡ لَبِثۡتُ فِيكُمۡ عُمُرٗا مِّن قَبۡلِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٦

Скажи: «Если бы Аллах пожелал, то я не стал бы читать его вам, и Он не стал бы обучать вас ему. Прежде я прожил с вами целую жизнь. Неужели вы не разумеете?».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنّا بَيَّنّا فِيما سَلَفَ، أنَّ القَوْمَ إنَّما التَمَسُوا مِنهُ ذَلِكَ الِالتِماسَ، لِأجْلِ أنَّهُمُ اتَّهَمُوهُ بِأنَّهُ هو الَّذِي يَأْتِي بِهَذا الكِتابِ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ، عَلى سَبِيلِ الِاخْتِلاقِ والِافْتِعالِ، لا عَلى سَبِيلِ كَوْنِهِ وحْيًا مِن عِنْدِ اللَّهِ. فَلِهَذا المَعْنى احْتَجَّ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى فَسادِ هَذا الوَهْمِ بِما ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ. وتَقْرِيرُهُ أنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ كانُوا قَدْ شاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِن أوَّلِ عُمُرِهِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ، وكانُوا عالِمِينَ بِأحْوالِهِ وأنَّهُ ما طالَعَ كِتابًا ولا تَلْمَذَ لِأُسْتاذٍ ولا تَعَلَّمَ مِن أحَدٍ، ثُمَّ بَعْدَ انْقِراضِ أرْبَعِينَ سَنَةً عَلى هَذا الوَجْهِ جاءَهم بِهَذا الكِتابِ العَظِيمِ المُشْتَمِلِ عَلى نَفائِسِ عِلْمِ الأُصُولِ ودَقائِقِ عِلْمِ الأحْكامِ، ولَطائِفِ عِلْمِ الأخْلاقِ، وأسْرارِ قَصَصِ الأوَّلِينَ. وعَجَزَ عَنْ مُعارَضَتِهِ العُلَماءُ والفُصَحاءُ والبُلَغاءُ، وكُلُّ مَن لَهُ عَقْلٌ سَلِيمٌ فَإنَّهُ يَعْرِفُ أنَّ مِثْلَ هَذا لا يَحْصُلُ إلّا بِالوَحْيِ والإلْهامِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَقَوْلُهُ: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكم ولا أدْراكم بِهِ﴾ حُكْمٌ مِنهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِأنَّ هَذا القُرْآنَ وحَيٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، لا مِنِ اخْتِلاقِي ولا مِنِ افْتِعالِي. وقَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ إشارَةٌ إلى الدَّلِيلِ الَّذِي قَرَّرْناهُ، وقَوْلُهُ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ يَعْنِي أنَّ مِثْلَ هَذا الكِتابِ العَظِيمِ إذا جاءَ عَلى يَدِ مَن لَمْ يَتَعَلَّمْ ولَمْ يُتَلْمِذْ ولَمْ يُطالِعْ كِتابًا ولَمْ يُمارِسْ مُجادَلَةً، يَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا عَلى سَبِيلِ الوَحْيِ والتَّنْزِيلِ، وإنْكارُ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ يَقْدَحُ في صِحَّةِ العَقْلِ. فَلِهَذا السَّبَبِ قالَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ هو مِنَ الدِّرايَةِ بِمَعْنى العِلْمِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: يُقالُ: دَرَيْتُهُ ودَرَيْتُ بِهِ، والأكْثَرُ هو الِاسْتِعْمالُ بِالباءِ. والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ ولَوْ كانَ عَلى اللُّغَةِ الأُخْرى لَقالَ: ولا أدْراكُمُوهُ.

صفحة ٤٨

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: مَعْنى ﴿ولا أدْراكم بِهِ﴾ أيْ: ولا أعْلَمَكُمُ اللَّهُ بِهِ ولا أخْبَرَكم بِهِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَرَأ الحَسَنُ (ولا أدْرَأكم بِهِ) عَلى لُغَةِ مَن يَقُولُ: أعْطَأْتُهُ وأرْضَأْتُهُ، في مَعْنى أعْطَيْتُهُ وأرْضَيْتُهُ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ (ولا أنْذَرْتُكم بِهِ) ورَواهُ الفَرّاءُ (ولا أدْرَأْتُكم بِهِ) بِالهَمْزِ، والوَجْهُ فِيهِ أنْ يَكُونَ مِن أدَرَأْتُهُ: إذا دَفَعْتَهُ، وأدْرَأْتُهُ: إذا جَعَلْتَهُ دارِيًا، والمَعْنى ولا أجْعَلُكم بِتِلاوَتِهِ خُصَماءَ تَدْرَؤُنَنِي بِالجِدالِ وتُكَذِّبُونَنِي، وعَنِ ابْنِ كَثِيرٍ (ولَأدْرَأكم) بِلامِ الِابْتِداءِ لِإثْباتِ الإدْراءِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكم عُمُرًا مِن قَبْلِهِ﴾ فالقِراءَةُ المَشْهُورَةُ بِضَمِّ المِيمِ، وقُرِئَ (عُمْرا) بِسُكُونِ المِيمِ.

10:17Страница 210

فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ١٧

Кто может быть несправедливее того, кто возвел на Аллаха навет или отверг Его знамения? Воистину, грешники не преуспеют.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾

واعْلَمْ أنَّ تَعَلُّقَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها ظاهِرٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُمُ التَمَسُوا مِنهُ قُرْآنًا يَذْكُرُهُ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ، ونَسَبُوهُ إلى أنَّهُ إنَّما يَأْتِي بِهَذا القُرْآنِ مِن عِنْدِ نَفْسِهِ، ثُمَّ إنَّهُ أقامَ البُرْهانَ القاهِرَ الظّاهِرَ عَلى أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ، وأنَّ هَذا القُرْآنَ لَيْسَ إلّا بِوَحْيِ اللَّهِ تَعالى وتَنْزِيلِهِ، فَعِنْدَ هَذا قالَ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ والمُرادُ أنَّ هَذا القُرْآنَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِن عِنْدِ اللَّهِ لَما كانَ في الدُّنْيا أحَدٌ أظْلَمَ عَلى نَفْسِهِ مِنِّي، حَيْثُ افْتَرَيْتُهُ عَلى اللَّهِ، ولَمّا أقَمْتُ الدَّلالَةَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، بَلْ هو بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى وجَبَ أنْ يُقالَ: إنَّهُ لَيْسَ في الدُّنْيا أحَدٌ أجْهَلَ ولا أظْلَمَ عَلى نَفْسِهِ مِنكم؛ لِأنَّهُ لَمّا ظَهَرَ بِالبُرْهانِ المَذْكُورِ كَوْنُهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَإذا أنْكَرْتُمُوهُ كُنْتُمْ قَدْ كَذَّبْتُمْ بِآياتِ اللَّهِ، فَوَجَبَ أنْ تَكُونُوا أظْلَمَ النّاسِ. والحاصِلُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا﴾ المَقْصُودُ مِنهُ نَفْيُ الكَذِبِ عَنْ نَفْسِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ المَقْصُودُ مِنهُ إلْحاقُ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ بِهِمْ حَيْثُ أنْكَرُوا دَلائِلَ اللَّهِ، وكَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ تَعالى.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ المُجْرِمُونَ﴾ فَهو تَأْكِيدٌ لِما سَبَقَ مِن هَذَيْنِ الكَلامَيْنِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

10:18Страница 210

وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِۚ قُلۡ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ١٨

Они поклоняются наряду с Аллахом тому, что не причиняет им вреда и не приносит им пользы. Они говорят: «Они - наши заступники перед Аллахом». Скажи: «Разве вы можете поведать Аллаху такое на небесах и на земле, чего бы Он не знал?». Пречист Он и превыше тех, кого вы приобщаете в сотоварищи.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾

اعْلَمْ أنّا ذَكَرْنا أنَّ القَوْمَ إنَّما التَمَسُوا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ قُرْآنًا غَيْرَ هَذا القُرْآنِ، أوْ تَبْدِيلَ هَذا القُرْآنِ؛ لِأنَّ هَذا القُرْآنَ مُشْتَمِلٌ عَلى شَتْمِ الأصْنامِ الَّتِي جَعَلُوها آلِهَةً لِأنْفُسِهِمْ، فَلِهَذا السَّبَبِ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذا المَوْضِعِ ما يَدُلُّ عَلى قُبْحِ عِبادَةِ الأصْنامِ، لِيُبَيِّنَ أنَّ تَحْقِيرَها والِاسْتِخْفافَ بِها أمْرٌ حَقٌّ وطَرِيقٌ مُتَيَقَّنٌ.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أمْرَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا

صفحة ٤٩

يَقُولُونَ: هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ. أمّا الأوَّلُ فَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعالى عَلى فَسادِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ وتَقْرِيرُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: لا يَضُرُّهم إنْ لَمْ يَعْبُدُوهُ، ولا يَنْفَعْهم إنْ عَبَدُوهُ.

الثّانِي: أنَّ المَعْبُودَ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ أكْمَلَ قُدْرَةً مِنَ العابِدِ، وهَذِهِ الأصْنامُ لا تَنْفَعُ ولا تَضُرُّ البَتَّةَ، وأمّا هَؤُلاءِ الكُفّارُ فَهم قادِرُونَ عَلى التَّصَرُّفِ في هَذِهِ الأصْنامِ تارَةً بِالإصْلاحِ وأُخْرى بِالإفْسادِ، وإذا كانَ العابِدُ أكْمَلَ حالًا مِنَ المَعْبُودِ كانَتِ العِبادَةُ باطِلَةً.

الثّالِثُ: أنَّ العِبادَةَ أعْظَمُ أنْواعِ التَّعْظِيمِ، فَهي لا تَلِيقُ إلّا بِمَن صَدَرَ عَنْهُ أعْظَمُ أنْواعِ الإنْعامِ، وذَلِكَ لَيْسَ إلّا الحَياةَ والعَقْلَ والقُدْرَةَ ومَصالِحَ المَعاشِ والمَعادِ، فَإذا كانَتِ المَنافِعُ والمَضارُّ كُلُّها مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وجَبَ أنْ لا تَلِيقَ العِبادَةُ إلّا بِاللَّهِ سُبْحانَهُ.

وأمّا النَّوْعُ الثّانِي: ما حَكاهُ اللَّهُ تَعالى عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ، وهو قَوْلُهم: ﴿هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ فاعْلَمْ أنَّ مِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّ أُولَئِكَ الكُفّارَ تَوَهَّمُوا أنَّ عِبادَةَ الأصْنامِ أشَدُّ في تَعْظِيمِ اللَّهِ مِن عِبادَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى. فَقالُوا: لَيْسَتْ لَنا أهْلِيَّةٌ أنْ نَشْتَغِلَ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، بَلْ نَحْنُ نَشْتَغِلُ بِعِبادَةِ هَذِهِ الأصْنامِ، وأنَّها تَكُونُ شُفَعاءَ لَنا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى. ثُمَّ اخْتَلَفُوا في أنَّهم كَيْفَ قالُوا في الأصْنامِ: إنَّها شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ؟ وذَكَرُوا فِيهِ أقْوالًا كَثِيرَةً:

فَأحَدُها: أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ المُتَوَلِّيَ لِكُلِّ إقْلِيمٍ مِن أقالِيمِ العالَمِ رُوحٌ مُعَيَّنٌ مِن أرْواحِ عالَمِ الأفْلاكِ، فَعَيَّنُوا لِذَلِكَ الرُّوحِ صَنَمًا مُعَيَّنًا واشْتَغَلُوا بِعِبادَةِ ذَلِكَ الصَّنَمِ، ومَقْصُودُهم عِبادَةُ ذَلِكَ الرُّوحِ، ثُمَّ اعْتَقَدُوا أنَّ ذَلِكَ الرُّوحَ يَكُونُ عَبْدًا لِلْإلَهِ الأعْظَمِ ومُشْتَغِلًا بِعُبُودِيَّتِهِ.

وثانِيها: أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ وزَعَمُوا أنَّ الكَواكِبَ هي الَّتِي لَها أهْلِيَّةُ عُبُودِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، ثُمَّ لَمّا رَأوْا أنَّ الكَواكِبَ تَطْلُعُ وتَغْرُبُ وضَعُوا لَها أصْنامًا مُعَيَّنَةً واشْتَغَلُوا بِعِبادَتِها، ومَقْصُودُهم تَوْجِيهُ العِبادَةِ إلى الكَواكِبِ.

وثالِثُها: أنَّهم وضَعُوا طَلْسَماتٍ مُعِينَةٍ عَلى تِلْكَ الأصْنامِ والأوْثانِ، ثُمَّ تَقَرَّبُوا إلَيْها كَما يَفْعَلُهُ أصْحابُ الطَّلْسَماتِ.

ورابِعُها: أنَّهم وضَعُوا هَذِهِ الأصْنامَ والأوْثانَ عَلى صُوَرِ أنْبِيائِهِمْ وأكابِرِهِمْ، وزَعَمُوا أنَّهم مَتى اشْتَغَلُوا بِعِبادَةِ هَذِهِ التَّماثِيلِ، فَإنَّ أُولَئِكَ الأكابِرَ تَكُونُ شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، ونَظِيرُهُ في هَذا الزَّمانِ اشْتِغالُ كَثِيرٍ مِنَ الخَلْقِ بِتَعْظِيمِ قُبُورِ الأكابِرِ، عَلى اعْتِقادِ أنَّهم إذا عَظَّمُوا قُبُورَهم فَإنَّهم يَكُونُونَ شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ.

وخامِسُها: أنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ الإلَهَ نُورٌ عَظِيمٌ، وأنَّ المَلائِكَةَ أنْوارٌ، فَوَضَعُوا عَلى صُورَةِ الإلَهِ الأكْبَرِ الصَّنَمَ الأكْبَرَ، وعَلى صُورَةِ المَلائِكَةِ صُوَرًا أُخْرى.

وسادِسُها: لَعَلَّ القَوْمَ حُلُولِيَّةٌ، وجَوَّزُوا حُلُولَ الإلَهِ في بَعْضِ الأجْسامِ العالِيَةِ الشَّرِيفَةِ.

واعْلَمْ أنَّ كُلَّ هَذِهِ الوُجُوهِ باطِلَةٌ، بِالدَّلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى وهو قَوْلُهُ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهُمْ﴾ وتَقْرِيرُهُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ الوُجُوهِ الثَّلاثَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ المُفَسِّرِينَ قَرَّرُوا وجْهًا واحِدًا، وهو أنَّ المُرادَ مِن نَفْيِ عِلْمِ اللَّهِ تَعالى بِذَلِكَ تَقْرِيرُ نَفْيِهِ في نَفْسِهِ، وبَيانُ أنْ لا وُجُودَ لَهُ البَتَّةَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا لَكانَ مَعْلُومًا لِلَّهِ تَعالى، وحَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لِلَّهِ تَعالى وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مَوْجُودًا، ومِثْلُ هَذا الكَلامِ مَشْهُورٌ في العُرْفِ، فَإنَّ الإنْسانَ إذا أرادَ نَفْيَ شَيْءٍ عَنْ نَفْسِهِ يَقُولُ: ما عَلِمَ اللَّهُ هَذا مِنِّي، ومَقْصُودُهُ أنَّهُ ما حَصَلَ ذَلِكَ قَطُّ، وقُرِئَ (أتُنْبِئُونَ) بِالتَّخْفِيفِ.

أمّا قَوْلُهُ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ فالمَقْصُودُ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ الشِّرْكِ، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ”تُشْرِكُونَ“ بِالتّاءِ، ومِثْلُهُ في أوَّلِ النَّحْلِ في مَوْضِعَيْنِ، وفي الرُّومِ كُلِّها بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، قالَ صاحِبُ

صفحة ٥٠

”الكَشّافِ“: ”ما“ مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: عَنِ الشُّرَكاءِ الَّذِينَ يُشْرِكُونَهم بِهِ أوْ عَنْ إشْراكِهِمْ، قالَ الواحِدِيُّ: مَن قَرَأ بِالتّاءِ فَلِقَوْلِهِ: ﴿أتُنَبِّئُونَ اللَّهَ﴾ ومَن قَرَأ بِالياءِ فَكَأنَّهُ قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: قُلْ أنْتَ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هو الَّذِي نَزَّهَ نَفْسَهُ عَمّا قالُوهُ فَقالَ: ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ .

10:19Страница 210

وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَٱخۡتَلَفُواْۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡ فِيمَا فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١٩

Люди были единой общиной верующих, но впали в разногласия. И если бы прежде не было Слова твоего Господа, то их разногласия были бы разрешены.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أقامَ الدَّلالَةَ القاهِرَةَ عَلى فَسادِ القَوْلِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ، بَيَّنَ السَّبَبَ في كَيْفِيَّةِ حُدُوثِ هَذا المَذْهَبِ الفاسِدِ، والمَقالَةِ الباطِلَةِ، فَقالَ: ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً﴾ واعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً﴾ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهم أُمَّةٌ واحِدَةٌ، في ماذا، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهم كانُوا جَمِيعًا عَلى الدِّينِ الحَقِّ، وهو دِينُ الإسْلامِ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِأُمُورٍ، الأوَّلُ: أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآياتِ بَيانُ كَوْنِ الكُفْرِ باطِلًا، وتَزْيِيفُ طَرِيقِ عِبادَةِ الأصْنامِ، وتَقْرِيرُ أنَّ الإسْلامَ هو الدِّينُ الفاضِلُ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن قَوْلِهِ: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ هو أنَّهم كانُوا أُمَّةً واحِدَةً، إمّا في الإسْلامِ، وإمّا في الكُفْرِ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا أُمَّةً واحِدَةً في الكُفْرِ. فَبَقِيَ أنَّهم كانُوا أُمَّةً واحِدَةً في الإسْلامِ، إنَّما قُلْنا: إنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهم كانُوا أُمَّةً واحِدَةً في الكُفْرِ؛ لِوُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] وشَهِيدُ اللَّهِ لا بُدَّ وأنْ يَكُونَ مُؤْمِنًا عَدْلًا. فَثَبَتَ أنَّهُ ما خَلَتْ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ إلّا وفِيهِمْ مُؤْمِنٌ.

الثّانِي: أنَّ الأحادِيثَ ورَدَتْ بِأنَّ الأرْضَ لا تَخْلُو عَمَّنْ يَعْبُدُ اللَّهَ تَعالى، وعَنْ أقْوامٍ بِهِمْ يُمْطَرُ أهْلُ الأرْضِ وبِهِمْ يُرْزَقُونَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا كانَتِ الحِكْمَةُ الأصْلِيَّةُ في الخَلْقِ هو العُبُودِيَّةَ، فَيَبْعُدُ خُلُوُّ أهْلِ الأرْضِ بِالكُلِّيَّةِ عَنْ هَذا المَقْصُودِ. رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ”«إنَّ اللَّهَ تَعالى نَظَرَ إلى أهْلِ الأرْضِ فَمَقَتَهم عَرَبَهم وعَجَمَهم إلّا بَقِيَّةً مِن أهْلِ الكِتابِ» “ وهَذا يَدُلُّ عَلى قَوْمٍ تَمَسَّكُوا بِالإيمانِ قَبْلَ مَجِيءِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَكَيْفَ يُقالُ: إنَّهم كانُوا أُمَّةً واحِدَةً في الكُفْرِ ؟ وإذا ثَبَتَ أنَّ النّاسَ كانُوا أُمَّةً واحِدَةً إمّا في الكُفْرِ وإمّا في الإيمانِ، وأنَّهم ما كانُوا أُمَّةً واحِدَةً في الكُفْرِ، ثَبَتَ أنَّهم كانُوا أُمَّةً واحِدَةً في الإيمانِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ أنَّهم مَتى كانُوا كَذَلِكَ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: كانُوا عَلى دِينِ الإسْلامِ في عَهْدِ آدَمَ وفي عَهْدِ ولَدِهِ، واخْتَلَفُوا عِنْدَ قَتْلِ أحَدِ ابْنَيْهِ الِابْنَ الثّانِيَ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّهم بَقُوا عَلى دِينِ الإسْلامِ إلى زَمَنِ نُوحٍ، وكانُوا عَشَرَةَ قُرُونٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا عَلى عَهْدِ نُوحٍ، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِمْ نُوحًا.

وقالَ آخَرُونَ: كانُوا عَلى دِينِ الإسْلامِ في زَمَنِ نُوحٍ بَعْدَ الغَرَقِ، إلى أنْ ظَهَرَ الكُفْرُ فِيهِمْ. وقالَ آخَرُونَ: كانُوا عَلى دِينِ الإسْلامِ مِن عَهْدِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى أنْ غَيَّرَهُ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ، وهَذا القائِلُ قالَ: المُرادُ مِنَ النّاسِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا﴾ العَرَبُ خاصَّةً.

إذا عَرَفْتَ تَفْصِيلَ هَذا القَوْلِ فَنَقُولُ: إنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ فِيما قَبْلُ فَسادَ القَوْلِ بِعِبادَةِ الأصْنامِ بِالدَّلِيلِ

صفحة ٥١

الَّذِي قَرَّرْناهُ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ هَذا المَذْهَبَ لَيْسَ مَذْهَبًا لِلْعَرَبِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، بَلْ كانُوا عَلى دِينِ الإسْلامِ، ونَفْيِ عِبادَةِ الأصْنامِ. ثُمَّ حذف هَذا المَذْهَبُ الفاسِدُ فِيهِمْ، والغَرَضُ مِنهُ أنَّ العَرَبَ إذا عَلِمُوا أنَّ هَذا المَذْهَبَ ما كانَ أصْلِيًّا فِيهِمْ، وأنَّهُ إنَّما حَدَثَ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ، لَمْ يَتَعَصَّبُوا لِنُصْرَتِهِ، ولَمْ يَتَأذَّوْا مِن تَزْيِيفِ هَذا المَذْهَبِ، ولَمْ تَنْفُرْ طِباعُهم مِن إبْطالِهِ.

ومِمّا يُقَوِّي هَذا القَوْلَ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهم ولا يَنْفَعُهم ويَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ثُمَّ بالَغَ في إبْطالِهِ بِالدَّلِيلِ. ثُمَّ قالَ عَقِيبَهُ: ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً﴾ فَلَوْ كانَ المُرادُ مِنهُ بَيانَ أنَّ هَذا الكُفْرَ كانَ حاصِلًا فِيهِمْ مِنَ الزَّمانِ القَدِيمِ، لَمْ يَصِحَّ جَعْلُ هَذا الكَلامِ دَلِيلًا عَلى إبْطالِ تِلْكَ المَقالَةِ. أمّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى أنَّ النّاسَ في أوَّلِ الأمْرِ كانُوا مُسْلِمِينَ، وهَذا الكُفْرُ إنَّما حَدَثَ فِيهِمْ مِن زَمانٍ، أمْكَنَ التَّوَسُّلُ بِهِ إلى تَزْيِيفِ اعْتِقادِ الكُفّارِ في هَذِهِ المَقالَةِ، وفي تَقْبِيحِ صُورَتِها عِنْدَهم، فَوَجَبَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِ تَحْصِيلًا لِهَذا الغَرَضِ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿وما كانَ النّاسُ إلّا أُمَّةً واحِدَةً فاخْتَلَفُوا ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ ولا شَكَّ أنَّ هَذا وعِيدٌ، وصَرْفُ هَذا الوَعِيدِ إلى أقْرَبِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ أوْلى، والأقْرَبُ هو ذِكْرُ الِاخْتِلافِ، فَوَجَبَ صَرْفُ هَذا الوَعِيدِ إلى هَذا الِاخْتِلافِ، لا إلى ما سَبَقَ مِن كَوْنِ النّاسِ أُمَّةً واحِدَةً، وإذا كانَ كَذَلِكَ وجَبَ أنْ يُقالَ: كانُوا أُمَّةً واحِدَةً في الإسْلامِ لا في الكُفْرِ؛ لِأنَّهم لَوْ كانُوا أُمَّةً واحِدَةً في الكُفْرِ لَكانَ اخْتِلافُهم بِسَبَبِ الإيمانِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاخْتِلافُ الحاصِلُ بِسَبَبِ الإيمانِ سَبَبًا لِحُصُولِ الوَعِيدِ. أمّا لَوْ كانُوا أُمَّةً واحِدَةً في الإيمانِ لَكانَ اخْتِلافُهم بِسَبَبِ الكُفْرِ، وحِينَئِذٍ يَصِحُّ جَعْلُ ذَلِكَ الِاخْتِلافِ سَبَبًا لِلْوَعِيدِ.

القَوْلُ الثّانِي: قَوْلُ مَن يَقُولُ: المُرادُ كانُوا أُمَّةً واحِدَةً في الكُفْرِ، وهَذا القَوْلُ مَنقُولٌ عَنْ طائِفَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ. قالُوا: وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفائِدَةُ هَذا الكَلامِ في هَذا المَقامِ هي أنَّهُ تَعالى بَيَّنَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ لا تَطْمَعُ في أنْ يَصِيرَ كُلُّ مَن تَدْعُوهُ إلى الدِّينِ مُجِيبًا لَكَ قابِلًا لِدِينِكَ. فَإنَّ النّاسَ كُلَّهم كانُوا عَلى الكُفْرِ، وإنَّما حَدَثَ الإسْلامُ في بَعْضِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَيْفَ تَطْمَعُ في اتِّفاقِ الكُلِّ عَلى الإيمانِ ؟

القَوْلُ الثّالِثُ: قَوْلُ مَن يَقُولُ: المُرادُ أنَّهم كانُوا أُمَّةً واحِدَةً في أنَّهم خُلِقُوا عَلى فِطْرَةِ الإسْلامِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا في الأدْيانِ. وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الفِطْرَةِ فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ أوْ يُنَصِّرانِهِ أوْ يُمَجِّسانِهِ» “ ومِنهم مَن يَقُولُ: المُرادُ كانُوا أُمَّةً واحِدَةً في الشَّرائِعِ العَقْلِيَّةِ، وحاصِلُها يَرْجِعُ إلى أمْرَيْنِ: التَّعْظِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى، والشَّفَقَةِ عَلى خَلْقِ اللَّهِ. وإلَيْهِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ [الأنعام: ١٥١] واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ المَسْألَةَ قَدِ اسْتَقْصَيْنا فِيها في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَلْنَكْتَفِ بِهَذا القَدْرِ هاهُنا.

أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فاعْلَمْ أنَّهُ لَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ تِلْكَ الكَلِمَةَ ما هي، وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنْ يُقالَ: لَوْلا أنَّهُ تَعالى أخْبَرَ بِأنَّهُ يَبْقى التَّكْلِيفُ عَلى عِبادِهِ، وإنْ كانُوا بِهِ كافِرِينَ، لَقُضِيَ بَيْنَهم بِتَعْجِيلِ الحِسابِ والعِقابِ لِكُفْرِهِمْ، لَكِنْ لَمّا كانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِزَوالِ التَّكْلِيفِ، ويُوجِبُ الإلْجاءَ، وكانَ إبْقاءُ التَّكْلِيفِ أصْوَبَ وأصْلَحَ، لا جَرَمَ أنَّهُ تَعالى أخَّرَ هَذا العِقابَ إلى الآخِرَةِ. ثُمَّ قالَ هَذا القائِلُ: وفي ذَلِكَ تَصْبِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى احْتِمالِ المَكارِهِ مِن قِبَلِ الكافِرِينَ والظّالِمِينَ.

الثّانِي: ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ﴾ في أنَّهُ لا يُعاجِلُ العُصاةَ بِالعُقُوبَةِ إنْعامًا عَلَيْهِمْ، لَقُضِيَ

صفحة ٥٢

بَيْنَهم في اخْتِلافِهِمْ، بِما يَمْتازُ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ، والمُصِيبُ مِنَ المُخْطِئِ.

الثّالِثُ: أنَّ تِلْكَ الكَلِمَةَ هي قَوْلُهُ: ”«سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» “ فَلَمّا كانَتْ رَحْمَتُهُ غالِبَةً اقْتَضَتْ تِلْكَ الرَّحْمَةُ الغالِبَةُ إسْبالَ السَّتْرِ عَلى الجاهِلِ الضّالِّ، وإمْهالَهُ إلى وقْتِ الوِجْدانِ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English